إن السياسات التي اتبعتها الأنظمة الحاكمة قد سحقت كل المثقفين الأحرار ، وتيّهت المبدعين ، وحاربت المستقلين .. بل أن المؤسسات الثقافية ووزارات الثقافة العربية ـ باستثناء النادر منها ـ قد أصبحت بأيدي مسؤولين لا يدركون أي معنى للثقافة ، ولا يميزون كما قال الصديق الشاعر احمد عبد الحسين بين التمثيلية التلفزيونية وبين المسرحية ! وان اغلب المسؤولين والحكام والمتسلطين لم يقرأوا كتابا واحدا في حياتهم .. فكيف يمكن للمثقف أن يعيش في ظل التوحّش ؟ وكيف له أن يتنّفس ؟ وكيف له أن يمارس إبداعه ؟ نسأل : هل هي مشكلة الدولة والنظام السياسي لوحده ؟ أجيب : لا إنها مأساة النظام الاجتماعي بأسره أيضا .. إذ ولدت سلطات جائرة تحاسب الإنسان أيا كان على سكناته وحركاته .. على ألبسته وأسلوبه الشخصي ، فكيف بها تقبل بمن ينادي برأيه ويعبّر عن طموحاته وأفكاره بمنتهى الحرية ؟ إن مجتمعاتنا قد سحقتها بعد أن غسلت أدمغتها الموجات العاتية للقوى المتسلطة على المجتمع باسم الإسلام السياسي ، وباسم انتشار الأصوليات التي تلاحقك بما يجوز أو لا يجوز .. وسحقت القيم السمحة والتقاليد والأعراف القديمة والتآلف مع أصحاب الديانات الأخرى. إن مجتمعات عربية كانت لها فسيفسائها الاجتماعي الخصب على مر العصور ، تأثرت ثقافيا وإبداعيا بشكل مباشر من جراء الغلواء والتعصب الذي اجتاحها منذ ثلاثين سنة ، ومنها مصر والجزائر .. ناهيكم عن أوضاع الحروب الأهلية التي مرّت في لبنان والعراق والسودان واليمن .. أو المآسي التي عانى منها الفلسطينيون . فهل لك بعد هذا وذاك أن نسأل عن ندرة المثقف الرائع وهو يسحق هنا أو هناك ؟
نشرت في مجلة الأسبوعية ، بغداد ، 18 تشرين الاول / اكتوبر 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
اللوحة المرفقة للفنان التشكيلي الكويتي سامي محمد