الرئيسية / الرئيسية / عن كتابي : حقيبة ذكريات عزيز افندي خياط 1893- 1973م : فنان عراقي رائع صاحب صوت شجي

عن كتابي : حقيبة ذكريات عزيز افندي خياط 1893- 1973م : فنان عراقي رائع صاحب صوت شجي

الحلقة الاولى : سيرته وشخصيته وابداعه
مقدمة
لقد آليت على نفسي ان انشر مقالتي هذه بحلقتين اثنتين عن احد الشخصيات الموصلية الرائعة من المبدعين العراقيين المغمورين ، وكان الرجل قد عاش في النصف الاول من القرن العشرين وجمع الثقافة والطرب والفن وقراءة القرآن وقراءة المقام والانشودات والتنزيلات الموصلية مع الموشحات .. بالرغم من كونه تربويا ومعلم اجيال ومدير مدرسة مشهورة ومفتشاً تربوياً ومدير معارف لسنوات طويلة ، وكان قد تنقل في مدن عراقية عديدة شمالا وجنوبا ، وعاش في العاصمة بغداد ردحا من الزمن ثم زاول عدة وظائف بصفة ” مدير ” .. ولما كنت قد عرفته معرفة قريبة ومنذ زمن طويل ، فلابد من احياء ذكراه احتفاء بكل المبدعين العراقيين الافذاذ الذين انقرضوا هذه الايام ، وطويت ذكراهم ، ونسيت جهودهم ، وامحّت قيمهم واخلاقياتهم ولم يعد يذكرهم احد .. وكانوا قد ولدوا وعاشوا وماتوا في العراق وقد خدموا مجتمعهم ودولتهم على احسن ما يكون .. وهذا عزيز افندي خياط احد اولئك المبدعين العراقيين الافذاذ .

هذا الرجل .. من يكون ؟
هو عزيز افندي خياط ، كما جرت تسميته عند اهل الموصل ، او عبد العزيز خياط بن السيد يحيى بن قاسم بن أحمد، من بيت خياط ، وهناك في الموصل اكثر من عائلة تتسمّى بآل الخياط ، اذ هناك آل خياط من المسيحيين السريان الذين ينتمي اليهم الدكتور حنا خياط وزير الصحة الاسبق ابان العشرينيات ، وهناك ال احمد افندي بن الخياط وهو من علماء الموصل ، وهناك عائلة المرحوم ايوب صبري الخياط ، وهناك آل عزيز افندي خياط ، وهناك آل محمد سعيد الخياط وهناك اسرة قديمة منها احمد افندي بن محمد افندي بن طه الخياط
يقال ان آل عزيز افندي ينتمون في الأصل الى بيت المصلي ، وكانوا قد استوطنوا الموصل قبل اكثر من 350 سنة ، اذ كانوا قد قدموا من عنه بعد ان هاجر جدهم الأعلى إلى الموصل، واستقر في محلة الامام ابراهيم المتاخمة لمحلة النبي جرجيس في قلب الموصل ، وقد درس جدهم على يد إمام مدرسة آل الخياط قرب الإمام إبراهيم ، فتكنوا بكنيته، وكان بيت جدهم يقع عند رأس المحلة المقابل للزقاق المؤدي إلى محلة (الكوازين ) .
يقول المؤرخ ابراهيم العلاف : ” انه الاستاذ عبد العزيز يحيى السيد الملا احمد الواعظ الشهير بـ”عبد العزيز الخياط ” .ولد في الموصل وفي محلة الامام ابراهيم يوم 23-6-1893 م وأصل عائلته من لواء الدليم ، اي محافظة الانبار حاليا وهم ( ال الواعظ) المعروفين في عانة ..جده عندما قدم الموصل اقصد الملا احمد افندي الواعظ انشأ مدرسة ومسجد الامام ابراهيم القريب من محلة رأس الكور . والامام ابراهيم هو ابن الامام جعفر الصادق عليهما السلام ، وعندما توفي دفن بجانب الشباك المطل على مرقد الامام ابراهيم ، وكان واعظا في جامع النبي جرجيس ، وخطيب جامع الامينية .وقد الف كتابا عن “رجالات الدين والشريعة والاعلام ” طبعه الاستاذ سعيد الديوه جي “(1).

اعماله ومواهبه وشخصيته
لقد اشتهر عزيز افندي خياط في النصف الاول من القرن العشرين ، وعاش ثماننن سنة ، اي بين 1893- 1973 وعمل معلما ومربيا ومدير مدرسة ومفتشا للمعارف ومديرا للمعارف .. وكان يعشق هواياته في قراءة القرآن وتجويده على الطرق السبع ، وعشق المقام الموصلي وغنى القصائد واجاد في الانشاد وقراءة الموالد النبوية والتنزيلات .. درس عزيز خياط في بداياته بدار العرفان ، وانخرط ليدرس في “دار المعلمين ” العثمانية في مدينة الموصل ، وتخرج فيها ليعمل في التعليم منذ سنة 1911 وكان ابن الثامنة عشرة من العمر ، وكان ذكيا جدا ، اذ تثقف بثقافة قوية في اللغة العربية والادب العربي ولازم منذ شبابه المبكر الموسيقار الفنان الكبير الملا عثمان الموصلي ودرس على يديه واخذ عنه الكثير ، فضلا عن استاذه الفنان الشهير السيد احمد ( ابن الكفر ) الذي تعلم منه طريقة الاداء للمقامات الموصلية وقراءة التنزيلة الموصلية ، وهي فن خاص بموشحات الموصل التي تقرأ في الموالد الدينية ، كما تعلم الموسيقى على يد الموسيقار الارمني الشهير نوبار في العراق ، وكان من اشهر معلمي الموسيقى العراقيين عام 1919 وبقي عزيز افندي يزاول التعليم والفن معا . وغدا لوحده في ما بعد مدرسة قائمة بذاتها ، اذ لم يكن تابعا لأحد ، بل كان قد فرض شخصيته القوية ، وغدا معلما ، لكنه للاسف الشديد لم يترك من بعده نخبة من التابعين الذين يمارسون نهجه وطريقته في التجويد والترتيل والقراءات والغناء الجميل .
لقد جاء عنه جريدة الرأي الجديد “الموصلية ” في عددها الصادر يوم 24 -5-2012 اذ كتبت تقول : ان عزيز خياط عين بعد تخرجه معلما ، ثم مديرا لمدرسة كويسنجق الابتدائية ، وقد نقل الى الموصل ليصبح مديرا لدار العرفان الابتدائية ثم معلما في مدرسة تطبيقات دار المعلمين سنة 1932 . وفي سنة 1938 صار مديرا للمدرسة الخضرية ، اذ قدم للعمل كي يدرس درس الفن والنشيد في المدرسة الخضرية ويعلم الصبيان الأصول الموسيقية ، وكان قد عمل معه كل من الاساتذة المثقفين الاوائل : المؤرخ أحمد الصوفي والمثقف الماركسي الاول في العراق يحيى قاف العبد الواحد والاستاذ يوسف كنعان وغيرهم . بقي عزيز افندي في وظيفته معلما ناجحا ، وكوّن له شخصية محبوبة حتى نصّب مديرا للمدرسة الخضرية ( وكانت تسمى بالخضرية لقربها من جامع الامام الخضر المطل على دجلة خارج ســــور الموصل (2) ويقال انه دمّر هذا اليوم بفعل داعش ) .. كانت شخصيته واقعية جدا ، وكان سريع البديهة وطليق النكتة وحسن المعشر .. وكان فكها يرد على السخرية بأجمل منها ويتمتع بمحبة الجميع في المجتمع ، فهو يعلّم ويدير مدرسة وينشد الاناشيد الوطنية لتلاميذه بصوته في ساحة المدرسة في كل صباح ، وله مكانته في مجالس المثقفين الكبار ، ويقرأ القرآن الكريم في الجوامع والمساجد ، ويرافق القراء والمنشدين في الموالد ليشاركهم قراءاتهم للتنزيلات الموصلية بصوته الرخيم .. وفي الليل يحضر حفلات الطرب ، ويقرأ المقامات الموصلية بكل انواعها التي كان قد ضبط انظمتها سواء على الطريقة الموصلية او البغدادية بصوته العذب ، وكان يحضر ويغني في حفلات الأنْس في المناسبات التي كان يقيمها العديد من اصدقائه في دورهم او في سفراتهم الربيعية . اجاد العربية والتركية والكردية والفارسية وغنى في هذه اللغات كلها ، وكان على صلة بوجهاء مدينة الموصل منذ العشرينيات امثال الاساتذة : علي الجميل ، و د. فاروق الدملوجي ، و د. داود الجلبي ، واسعد العمري واخوه الاصغر خير الدين العمري ، وتوفيق الدملوجي ، ويونس بحري وفريد الجادر وغيرهم ، .. وكان يضبط كل المقامات العراقية ويجيد كل انواع الغناء العراقي وبعدة لغات كالعربية والتركية والكردية .. وبإجادة كبيرة. وقد شهدت حفلة قال عنها بنفسه انه سيرسم فيها خارطة عراقية ، فاذا به يغني كل الوان الغناء العراقي بدءا بالكردية والتركمانية والبدوية والحضرية والريفية ثم الجنوبية والمقام البغدادي والموصلي والكركوكي وصولا الى الخشابة بالبصرة .. وكان الرجل يوثق علاقته بالجميع ، وخصوصا من اصحاب النفوذ والجاه في كل مدينة يقيم فيها ،وكان على اتصال بالمسؤولين الكبار في كل مكان يذهب إليه، بسبب ما يمتلكه من مواهب وإجادته للغناء والطرب وبما يختزنه من ثقافة واسعة وحبه للمجالس وأماكن الغناء والطرب .

تنقلاته الوظيفية
انتقل الاستاذ عزيز خياط إلى العاصمة بغداد للتدريس ثم انتقل إلى مدينة السليمانية في أوائل عقد الثلاثينات وأصبح مديراً لمدرسة في كويسنجق ، ثم عاد إلى بغداد ، وقد حدثنا قائلا (اذ سمعت منه المعلومة التالية عدة مرات) انه قد استدعى من قبل المسؤولين الكبار في بغداد ليكون اول من يفتتح دار الاذاعة العراقية في بغداد ابان الثلاثينات من القرن الماضي بتلاوة القران الكريم وكان انئذ معاونا لمدير معارف (تربية ) بغداد .. وكانت الاذاعة عبارة عن غرفتين من الجينكو وتقوم المرسلات الى جانبها .. كما سمعت منه قوله انه كان قد درب على يديه بعض المقرئين البغداديين الذين اشتهروا لاحقا في دار الاذاعة العراقية ومنهم المقرئ محمود عبد الوهاب وغيره . وانتقل ليعمل في الجنوب ثم ارتقى ابان الثلاثينيات حتى أصبح مديراً لمعارف بغداد ( مديرا للتربية والتعليم ) ، ثم نصّب مفتشاً في العديد من ألوية العراق ، اي مفتشا لمدارس البصرة والمنتفك والعمارة والديوانية ثم مديرا لمعارف -تربية الدليم وبعدها مفتشا لمعارف المنطقة الشمالية -الموصل واربيل سنة 1941 . ومن ثمّ أحيل على التقاعد عام 1941 بعد فشل حركة مايس / أيار التي قادها الضباط الأربعة برئاسة رشيد عالي الكيلاني. وكان وقت ذاك مديراً لمعارف تربية لواء الرمادي. وكان يمتلك نزعة وطنية عميقة ، وينشد الاناشيد الحماسية ويعزو الدكتور العلاف قائلا : ” ترك التعليم بعد ثورة مايس 1941 المعروفة بحركة رشيد عالي الكيلاني والحقيقة ان الانكليز عدوا ساطع الحصري مدير المعارف العام مسؤولا عن شيوع التوجه القومي العربي في التعليم فأقصوا معلمين ومدرسين كثيرين عن التعليم وجاؤوا بمشرفين انكليز على التعليم ” “(3) وعاد الى الموصل ، ورجع الى حياته الاجتماعية الاولى وبقي 6 سنوات ، ثم حاول عزيز خياط أن يجد عملاً له في بغداد ، متذرعا بأصدقائه القدماء ، فكان ان عاد إلى الوظيفة عام 1947 ? واضحى مفتشاً ، ولكن أحيل على التقاعد ثانية عام 1950. فعاد إلى الموصل ، ومكث فيها اربع سنوات وكانت صعبة جدا ، وعاد الى بغداد عام 1954 لعله يجد عملاً، لقد كان عزيز خياط قد عمل في الادارة ، فأصبح مديرا لإدارة بلدية الموصل وبعدها مفتشا لمديرية الري والاشغال العامة ، ثم مفتشا عاما للمصايف الشمالية ، ومديرا لإدارة حلج الاقطان في كركوك ..احيل على التقاعد وتفرغ لنشاطاته الخاصة ..
وكانت الدنيا قد تغيرت بظهور جيل جديد ، وقد رحل او تقاعد معظم ابناء جيله ، وقد سكن في بغداد الجديدة ، إلا أنه لـم يوفق فعاد إلى الموصل بعد سنة من فراقها !

بيته وبستانه قرب غابات الموصل
عاد عزيز افندي إلى مدينته الموصل برفقة عائلته التي كانت قد كبرت ، وقد ضاقت الدنيا عليه خصوصا عندما وجد أن تقاعده لا يكفيه او يسد رمقه ابدا ، خصوصا وانه لم يدخّر له مالا ، وكان سخيا ومضيافا . وعليه ، فقد اشترى له قطعة ارض في قرية القاضية القريبة من الموصل والواقعة خارج مدينة الموصل على طريق الموصل تلكيف دهوك ، وهي تقع على الشارع العام ومكانها اليوم مقابل الطريق الي يوصل الطريق العام بمنطقة الغابات مقابل فندق اوبروي نينوى ، وبنى له بيتا فيها ومعه بستان يزرعها بعد ان حفر له بثرا فيها ، وعاش هو وأولاده من غلة البستان وذلك منذ بداية عقد الخمسينات وكانت داره أول دار تقام في تلك القرية التي كانت في ذلك الوقت نائية ، واذا كانت اكواخ القرية مبنية على التلول ، فان بيت عزيز خياط كان يقع على الشارع العام الذي يربط الموصل بدهوك ، وتقع القرية بين المجموعة الثقافية التي لم تبن في لك الوقت بعد وبين كل من مار كوركيس وقرية الرشيدية وكان بيتا متواضعا جدا وقد بناه من الحجر . لقد غدا بيته وبستانه محل سهر وطرب ، اذ اخذ يسهر عنده وجهاء المدينة وكبار اعيانها ليستمعوا إلى غنائه ويطربوا لشدوه ، وتوثقت علاقته بأبناء اصدقائه القدامى . وكان من اصدقائه القدامى متصرف الموصل الاستاذ سعيد قزاز ابان الخمسينيات ، وكثيرا ما كان يحي الحفلات ، وكان من اخص اصدقائه كل من الاساتذة : والدي القاضي كوكب علي الجميل ، والمتصرف صبحي علي آل عبيد اغا الجليلي ، والوجيه حسن خير الدين العمري ، والسياسي الشهير سامي باشعالم ، والمؤرخ المعروف سعيد الديوه جي ، والقاضي عبد الهادي الجوادي ، والوجيه سالم نامق ، والرحالة الشهير يونس بحري ، والقاضي عبد الله الشبخون ، والقاضي اسماعيل العمري ، والوجيه صالح حديد ، والوجيه نوح الجلبي ، وقارئ المقام الشهير سيد اسماعيل الفحام وغيرهم. وكلهم من أصحاب المجالس العامرة ومن المحبين للطرب والغناء ، وكان عزيز افندي خياط يحي حفلاتهم بغنائه وبصوته العذب .. وكان من قبلهم الاساتذة : متصرف الموصل سعيد قزاز ، والاديب المصلح علي الجميل ، والقاضي ابراهيم الواعظ ، وتوفيق الدملوجي والاخوة الاعيان الثلاثة مدير الاوقاف أسعد ورئيس الوزارة المهندس ارشد ورئيس البلدية خير الدين العمري ، ومؤسس المكتبة العامة جميل الجميل ، والوجيه حمدي جلميران ، والتربوي الشهير يحي قاف العبد الواحد ، والوجيه نجيب الجادر ، والوجيه عبد الله نشأت وغيرهم رحمهم الله جميعا .

الحلقة الثانية : ذكريات وتصويبات
ما سجلته ذاكرتي عنه
كان والدي القاضي كوكب علي الجميل – رحمه الله – 1918- 1968م ، يزوره في بيته دوما ، وكنت بصحبته ، وقد التقيت به عدة مرات ابان الستينيات من القرن الماضي ، وكنت في مقتبل الصبا ، وقد حضرت اكثر من حفل خاص كان يقيمه الاستاذ عزيز افندي خياط ، معتمدا على ولده البكر هاشم الذي كان فنانا ماهرا يعزف له على كل من الكمان والعود ، ولقد سجلت له عدة حفلات رائعة ، ومن اشهر ما غنى من قصائد ، تلك التي كان قد انتقاها من ديوان جدي الاستاذ علي الجميل 1889- 1928 م ، وخصوصا قصيدة ” انا والنوى ” ومطلعها :
هل انت مثلي قد شجتك يد النوى ام سالمتك فقمت تلحن بالنوى
إنّـِي وَمــَنْ فَلـَقَ النّـَوى أبداً فَلا قَلبـي لِغيـرِ وِدادِكُـم يومـاً نَوى
ياأهلَ مَوصِلَ مـا قطعـتُ مَـدامِعي عَنكُـم ومازالَ الهُيامُ بنينــــوى
قدْ خُضْتُ فـي لُجَجِ الغرام ببُعدِكُـم وَشَقيتُ لكنَّ غُصنَ شوقـي ما ذَوى
وغناها من مقام النوى وهو من اصعب المقامات ،
وغنى للجميل ايضا من مقام الصبا قصيدته ” انا والنسيم” التي ارسلها الى احبائه في الموصل من استانبول ، ويقول مطلعها :
نسيم الصبا هل جئت يوما احبتي واهديت من اهواه عني تحيتي ..
وقبلت عني ثغر من هو قبلتي وعاتبته عني بحسن تلطف
نسيم الصبا وحقك بعدهم فهل لك أن تأتي بذكري عندهم
على الود لم أنكث لعمري عهدهم وتعلمهم شوقي وعظم تلهفي (4)
وقد احب ان يغنيها عزيز افندي خياط لكل من هجر الموصل من اهلها الى الديار البعيدة
وهناك قصيدة عزيزة على قلب عزيز خياط ، وكان يغنيها بمختلف المقامات ، ويرددها دوما ، وهي قصيدة للشاعر الموصلي الشهير الملا حسن البزاز 1845- 1887م التي قال فيها :
منازل الحي حي الله مغنـــاك اين البدور التي فيها عرفناك
اين الاحبة لا عاش النوى نزلوا بالله يا ورق نوحي واسعدي الباكي
ريح الصبا ام راح الصبا فلقد اصبحت والله نشوانا برياك
هل من حليف جوى مثلي اسامره هيهات ما في الحمى من يسمع الشاكي
انت المنون ام الآجال كنت لنا فان اهل الهوى اصبحن قتلاك (5)
كما غنى عدة قصائد نظمها الشاعر الموصلي المعروف عبد الله راقم افندي (1853- 1891م) ، ومنها التخميس البديع الذي مطلعه :
نوى وجوى وهجر واحتمال
وبال لا يلــــــــــــم به مــلال
هلكت وليت شعري هل يقال
بأي جناية منع الوصــــــــال (6)
واذكر ان هذه القصيدة قد غناها الموسيقار الملا عثمان الموصلي – كما قال عزيز افندي – وذيلها بأغنية شهيرة هي ” عالروزنة عالروزنة ” وهذه الاغنية ، هي من الحان الملا عثمان نفسه لأحدى التنزيلات . وقد كتبت قبل عشر سنوات في احدى مقالاتي ، قائلا عنها : ” اصل لحن اغنية ( عالروزانا ) المشهورة في سوريا ولبنان ، فأقول بأنها من ابداع الملا عثمان في واحدة من ” تنزيلاته ” ( التنزيلة الموصلية : فن موشح خاص بفولكلور مدينة الموصل يقرأ في الموالد النبوية لموشحات لها تقنية معينة في نظمها والملا عثمان واحدا من اهم شعراء التنزيلة . اما كلمة الروزانا فيلفظها الموصليون باحالة الراء الى غاء فيقولون : غوزانا ، ثم يميلون حرف الالف الاخير الى ياء فيلفظونها غوزاني ومعناها : الفتحة العليا في الجدار التي تطل على حوش او مكان عام ) وثمة وثائق تحتفظ بها مكتبة العلامة الراحل الدكتور محمد صديق الجليلي في العراق تثبت ما اقول ” (7) .
كانت كل تلك الحفلات التي يحييها عزيز افندي خياط مسجلة على شرائط تسجيل لا اعرف مصيرها اليوم ويا للأسف الشديد ، كما كان والدي رحمه الله يحتفظ للأستاذ عزيز خياط بأشرطة قراءات متنوعة لسور من القرآن الكريم بصوت الاستاذ عزيز ، ولقد حفظت من خلال تلك الاشرطة كل من سورتي طه وابراهيم ، اذ كان يتميز بقراءة متميزة للقرآن بصوت غاية في العذوبة وبطريقة تجذب الاخرين ، والتي كان قد استلهم طريقتها عن الموسيقار المقرئ الملا عثمان الموصلي .. وكنت مطلعا منذ صغري على ما يحتفظ به ولده البكر الفنان الاستاذ هاشم عزيز خياط من تسجيلات فريدة لمقامات وتنزيلات وقراءات وتلاوات متميزة بصوت والده .. ولا يعرف مصيرها اليوم بعد مرور اكثر من نصف قرن عليها .. عسى يعثر عليها ، فهي ثروة فنية وتاريخية نادرة لا تقدر بثمن ابدا .. اتذكر الاستاذ عزيز افندي خياط جيدا ا، ذ كان قد تجاوز السبعين من العمر ، كان يستقبلنا في حديقته التي يعتني بنفسه فيها وبزهورها ، وخصوصا تربيته لابصال وردة النرجس الموصلية التي كان يعشقها ، الى جانب شجيرات زهرة الفل التي تشتهر بها بيوتات الموصل .. كان الرجل ابيض البشرة ، ويلبس السيدارة ، عظمي الوجه ، صغير العينين ، ويضع نظارة طبية على عينيه ، عذب الكلام ضحوكا بشوشا متفائلا لا يهتم بالمشكلات مهما عظمت ، واسع الثقافة ، سريع الذاكرة ، ولم ينس اصدقائه القدماء .. بيته يزدحم بأفراد عائلته ، اذ يقال انه ترك من ورائه عشرة من الابناء والبنات ، وقد عرفت من بينهم ولده حسن اذ كنا في عمر متواز ، وقد كان حسن هو الوحيد الذي ورث عن ابيه حلاوة الصوت ومعرفة المقامات ، اما البقية ، فلا اعرف اين تفرقت بهم الحياة من بعده .سمعته يوما يحكي لوالدي قصته مع الملك فيصل الثاني والامير عبد الاله والحاشية ، اذ كان في يوم من الايام عام 1956 ? يجلس في بستانه تحت عرزال العنب ، واذا بركب من ثلاث سيارات سوداء اللون ، يتوقف عند باب بيته وبستانه ، ويترجل من سيارة سوداء كبيرة كل من الملك فيصل الثاني وخاله الامير عبد الاله والسيد نوري السعيد ، فخرج اليهم محيّيا ومرحبا ، ودخلوا معه بيته وبستانه برفقة حاشيتهم قليلة العدد ، فأجلسهم في بيته المتواضع وعلى الكراسي العتيقة ، وقدّم لهم الشاي ، وقضوا برفقته قرابة ساعة من الوقت ، وقد اعاد نوري باشا ذكرياته مع عزيز افندي خياط وتبادلا الطرائف ، ثم شكروه على ضيافته ، وانطلقت بهم السيارات الثلاثة الى مصيف سرسنك الذي كان الملك فيصل الثاني يحرص على ان يصطاف فيه في صيف كل عام منذ صباه .

سيرة الرجل بين الدقة وبين التشويه
ترجم سيرة حياته كل من المرحوم الدكتور عمر الطالب والدكتور ابراهيم العلاف ، ولكن ما كتبه عنه المؤرخ العلاف من مقال مختصر اضبط بكثير مما كتبه المرحوم الطالب الذي يبدو انه كان متحاملا عليه لأسباب نجهلها ، فقد اخطأ في حقه كثيرا ، ونقل اتهامات ضده لا اساس لها من الصحة ، فضلا عن عدم الدقة في المعلومات التاريخية وفي الاسماء ، وذكر ان سنة ولادته 1887 في حين ان ولادته كانت في سنة 1893 كما اخطأ ايضا عندما قال بأن الوجيه مصطفى الصابونجي كان يتصدّق على عزيز خياط لمدة عشرين سنة من ماله .. !! وهذا كذب وبهتان على الرجل . كما ونقل د. عمر الطالب ايضا تلفيقات كان قد سجلها الاستاذ ذنون ايوب ضد عزيز خياط عندما كان مفتشا في الناصرية بجنوب العراق ! ويقول : وكانت سمعة هذا المفتش الوطنية سيئة حتى في مدينة الموصل” حسب ما كتبه ذنون أيوب في سيرته الذاتية (ذو النون أيوب حياته بقلمه) 1980-1986 . ولا ادري ما الذي جعل البعض يطعن في عزيز خياط وطنيا ، علما بأن الاستاذ خياط رجل عصامي مكافح وصاحب مواهب متنوعة ، وليس له اي اذى على الاخرين ! فضلا عن ان سيرته الاجتماعية والوظيفية بيضاء ناصعة لا غبار عليها ابدا . وثمة خطأ آخر عند عمر الطالب رحمه الله ، بقوله ان عزيزا قد انتقل عندما طعن في السن من الغناء الى التكايا الصوفية ، وهذا ليس له اي اساس من الصحة ، فقد كان الرجل طوال حياته يقرأ القرآن الكريم ، ويقرأ المقام الموصلي ، ويقرأ التنزيلة الموصلية ، ويغني ويطرب ! كما اضاف عمر الطالب خطأ آخر في موسوعة اعلام الموصل المليئة بالأخطاء عند كتابته سيرة عزيز خياط (8) وخصوصا عندما قال بان السهرات الليلية قد انتقلت الى دار صالح الشبخون ، والكل يدرك ان الاخير لم يكن صاحب سهرات ليلية ، بل كان رجلا صالحا ورعا تقيا ، ويصفه المؤرخ عبد المنعم الغلامي في كتابه ” الانساب والاسر في الموصل ” الجزء الاول (9)? بأن الرجل ” كان من الصلحاء الاخيار ” ! ليس لأن السهرات الليلية محرمة ، بل لأن لا حقيقة لذلك كله ، وانه طعن في الاموات !

وفاته
توفي الاستاذ عزيز افندي رحمه الله في بيتــــــــــه بالموصل يوم 23-1-1973 وكان آخر مرة رأيته فيها حضوره حفل التأبين الذي اقيم في نادي المحامين بالموصل لمناسبة مرور 40 يوما على وفاة والدي يوم 28 نيسان / ابريل 1968 وكان قد افتتح الحفل بنفسه ، اذ قدّم قراءة لبعض من أي الذكر الحكيم .

واخيرا : ماذا اقول ؟
فان رحلة حياة عزيز افندي خياط كانت حافلة جدا بالابداع والعلاقات الاجتماعية والوظيفية .. واذا كان الرجل قد اشتهر بفنه الراقي وقراءاته المتنوعة المبدعة ، فقد كان قد اكتسب ثقافة عراقية خصبة ، وتعلم من كل مكان عراقي كان يعيش فيه ويندمج مع اهله ويحاورهم من خلال فنهم وثقافتهم .. لقد كان مبدعا في قراءاته المتنوعة والنادرة للقرآن الكريم ، ويكفي انه كان اول من دشن مفتتحا دار الاذاعة العراقية بعشر من القرآن الكريم ، اذ اختير من بين كل القراء العراقيين ليكون في مقدمتهم .. رحم الله هذا الفنان الذي سيبقى ذكره وتاريخه ، ويا حبذا لو عثر على كل تساجيله ، فهي مدرسة فنية ابداعية عراقية رائعة في المستقبل .

اين هو ولده الفنان الرائع حسن خياط؟
انه الفنان القدير والمطرب الصادح بحنجرته التي تشبه الى حد ما حنجرة ابيه عزيز افندي خياط .. عرفته منذ ايام الصبا مذ كنت التقي به اثناء زيارتنا الى بيت والده في القاضية ، وكان من طفولته صاحب موهبة وصوت شجي .. اختفى من الموصل فجأة ، فسألت عنه فقيل لي انه التحق بكلية الفنون الجميلة في بغداد ، .. ولم اعثر حتى اليوم عليه ، اذ كنت قد علمت بأنه قد هرب منذ العام 1971 من العراق الى سوريا واستقر بها بعد ان تعرّض للاضطهاد والمتاعب من قبل فنانين عراقيين كانت لهم علاقاتهم مع النظام الحاكم السابق ، وكانوا من المتريفين ولم يقبلوا أي فن غنائي عراقي حضري ، بل ورفضوا هذا ” الفنان ” الاصيل القادم من الموصل .. وقد اخبرني الصديق الموسيقار احمد الجوادي (المقيم في السويد اليوم ) بأن الفنان حسن خياط كان قد غادر العراق الى سوريا ولم يعد اليه ثانية ، وانه اشتغل فنانا واشتهر هناك واحيا عدة حفلات .. واليوم بعد ان حلّ كل الدمار بسوريا ، لم اعرف ما الذي حل به وبعائلته .. ولقد اتصلت بالأخ الموسيقار الجوادي قبل ايام ، واكذّ بأن لديه اتصال بالأخ حسن من وقت الى آخر حــــماه الله رفقة عائلته ..

الهوامش والملاحظات
(1)مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ، مقاله عن عبد العزيز الخياط
(2)جريدة الرأي الجديد “الموصلية ” في عددها الصادر يوم 24 -5-2012.
(3)مدونة الدكتور ابراهيم العلاف ، المرجع السابق .
(4) ديوان علي الجميل وما تبقى من رسائله ( مخطوط في حوزتي ، سينشر قريبا ) .
(5) ديوان البزاز : الملا حسن افندي البزاز الموصلي الخزرجي 1261- 1305 للهجرة ، اعده وقدم له : فاتح عبد السلام ، ط2 بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، طبعة مزيدة ومنقحة 2010 ص 252.
(6) ديوان عبد الله راقم افندي ( مخطوط في حوزتي ، سينشر قريبا ) .
(7) سيار الجميل ” اسطورة الاغاني العراقية: تأملات نقدية ” ، نشرت في ايلاف ، الاحد 13 نوفمبر / تشرين الثاني 2005 .
(8) عمر الطالب ، موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين ، ط1 ( جامعة الموصل : مركز دراسات الموصل ، 2008
(9) عبد المنعم الغلامي ، الانساب والاسر في الموصل ” ج1 ط1 (طبع في بغداد سنة 1384 هـ / 1965 م ) .

نشرت الدراسة في ملحق الف ياء ، صحيفة الزمان / لندن يوم الثلاثاء 9-10 / تشرين الثاني / نوفمبر 2015 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

رقصة النصرِ على حلبةٍ مدمرّة

1 هل  نَرقُصُ فَرحاً  بالنَصر  المؤزّر ؟ أم نبارك تحرير  الموصل من الدواعش  الأشرار  ؟ …