الرئيسية / الرئيسية / سقم الالفاظ وغيبوبة المعاني

سقم الالفاظ وغيبوبة المعاني

ظاهرة قديمة وحديثة هي ذهنية وسيكولوجية متوارثة عبر الأزمنة، تخص، أصلاً، التفكير اللغوي العربي، وهي مسألة خطيرة، أعتقد أنها قد ساهمت، وتساهم، إلى حد كبير، في تأخرنا عن الأمم الأخرى.
باختصار: إنها ظاهرة اهتمام العرب بالألفاظ، وكل ما يتعلق بها من الأصوات والأشكال والجماليات، من دون الاهتمام بالمعاني والمضامين والموحيات والأفكار.. إلخ. كان المفكر الراحل عبد الله القصيمي قد وصف العرب صدقاً بـ”ظاهرة صوتية”! فالعرب تعشق الألفاظ ولا تهتم بالمعاني، وإن الكلام الجميل والألفاظ المزوقة تدغدغ عواطفهم، كونهم يقدمونها على عقولهم، وإنهم يفكرون ضمن حدود مزاجهم، بل ولم تخلص أحكامهم القاطعة من نوازع الذات بالجنوح عن الموضوع كثيراً، وقد اشتهروا عبر التاريخ بأنهم “أمة شعر”، في حين اشتهر الإغريق بالفلسفة، والفرق بين الموضوعين كبير جداً، فالأول بحاجةٍ إلى الخيال الخصب والعاطفة، والثاني بحاجة إلى التفكير العميق والتركيز. ونلحظ حتى في سماعهم القرآن الكريم، فهم ينتشون ويهزون رؤوسهم لصوت قارئ وموسيقى الألفاظ والكلمات والتعابير، لا التفكير العميق في المعاني والدلالات.
وعليه، فقد برع العرب بصناعاتهم اللفظية منذ أعماق التاريخ. وإذا كانوا، اليوم، قد أهملوا حتى هذه الصناعة، إلا أنهم يميلون سيكولوجياً إلى جزالة الألفاظ، لا إلى عمق المعاني. وقد كثر عندهم الاستطراد والإطناب والمرادفات والأوصاف والألقاب والأشكال والأسماء، بحيث يخبرنا الثعالبي في كتابه “فقه اللغة” بأن لحيوان أو نبات معينين عدة أسماء وتسميات.. وهكذا. وإذا كان التزويق اللفظي قد شغل الكُتاب والمؤلفين العرب في عصور سكونيّة خلت، فإن التفاهات اللفظية تسود اليوم وسط كثيرين من الجدد الذين يستخدمون ألفاظاً ومصطلحات ومرادفات لا معنى لها، أو تتم استعارتهم كلمات أجنبية، وهي لا تدل على شيء معين، ولا عن أي معنى حقيقي.
كان علماء اللغة العربية يهتمون، منذ القدم، بالألفاظ وجمال الأشكال وجمال الأصوات والقول الجميل، بل واعتزوا باستنباطهم “مقول القول”، فكانت خطاباتهم لفظية، وكتاباتهم لا معنى لها. بل إن لأعظم الشعراء العرب بحثا جميل اللفظ والعبارة، ولكن إن عصرت ما يقول فلن تجد شيئاً ذا بال. من أصعب المهام التي تواجه المترجم من العربية إلى لغات أخرى ترجمته نصوصاً وأقوالاً وأشعاراً وتصريحات ونصوصاً بالعربية، وكثيراً ما يضطر إلى الاختزال أو التغيير في ذلك، ليستقيم المعنى إلى اللغة التي يترجم إليها، والمترجم هو الوحيد الذي يدرك الفروق الشاسعة بين الألفاظ والمعاني. حدثني أحد أصدقائي، وهو مثقف عالي المستوى، أن لجنة من المترجمين المستعربين الروس الأقوياء الذين اجتمعوا في لجنةٍ بأمر من القيادة السوفييتية لترجمة أحد كبار الشعراء العراقيين المحدثين المشهورين، فكان شعره عصياً في ترجمته إلى الروسية، بسبب رصفه ألفاظاً لا معنى لها، فما كان من رئيسة اللجنة إلا أن قدّمت ذلك “الشعر” بهيئة روسية، لا علاقة لها بالخلطة التافهة التي قدمها الشاعر أصلاً! بل واكتشف المترجمون أن الشعراء العرب المحدثين تزداد تناقضاتهم اللفظية، حتى ضمن النص الواحد. فما يقوله هنا ينسفه هناك بعد أسطر، بل إن نصوصاً شعرية عربية، إذا ترجمت إلى الإنجليزية مثلاً، تثير التهكم والسخرية، وهي أصلا لشعراء سماهم العرب من قبيل تضخيم الذات شعراء (فطاحل)! إن من يترجم نصوصاً شعرية حديثة لكبار الشعراء العرب، سيقف على نصوص هزيلة المعاني.
هناك شعراء وساسة وأدباء وزعماء ووزراء عرب يخترعون جملاً، ويصيغون أقوالا لا معنى لها، علما أن لكلّ تخصص لغته في التعبير عن معانٍ معينة، وكنت أتمنى أن تهتم مدارسنا وجامعاتنا بالمعاني والأساليب، وتغيير التفكير العربي وتجديده، وتطوير الآليات المستخدمة، كما الحال في اللغات الأخرى. وكما يتضح من كتابات الكتاب والشعراء في لغات العالم، حيث يختزلون الألفاظ ونصوص الخطاب، ويعصرون مقول القول في أقل الكلمات المزدحمة بالمعاني و”خير الكلام ما قل ودل”، كما قيل عربياً، إننا بحاجة ماسة إلى تربية لغوية جديدة وتفكير ذهني مستحدث، يتعلم العربي الجديد مغزى الدلالات وقوة المعاني، بدل جزالة اللفظ أو تركيب الكلمات، أو توظيف المصطلحات ببلادة متناهية.
تحتاج الأجيال الجديدة لغة جديدة تخلو منها هذه السماجة والبلادة والإطناب والتكرار والصناعة اللفظية السائدة والاستعارة الغبية لمصطلحات أجنبية. وهذه المهمة ليست بحاجة إلى لغويين جدد، وبلاغيين جدد، ونحويين جدد، بل إنها مهمة مشروعة بحاجة إلى علماء تربية حقيقيين، ينبغي أن تتمثل غايتهم في العمل على تغيير الذهنية السائدة مما هي ثاوية عليه، في كل مجتمعاتنا، والنهوض بها إلى حالة جديدة من التفكير، يتعلمها الناس عن ثقافات ولغات الشعوب الأخرى. إن مقولة “الأسلوب هو الرجل” تبدو اليوم مقولة لا أساس لها من الصحة، إذ نسأل: لماذا هو الرجل؟ لماذا لم يكن الأسلوب امرأة بدل رجل؟ ولماذا يقترن الأسلوب بالذكور دون الإناث؟ لماذا لم يكن الأسلوب العربي لغة أنثوية اليوم، كما حال الفارسية والفرنسية، مثلاً؟
العرب لابد أن ينتقلوا من ذكورية لغتهم إلى صنعها أنثوياً، أيضاً، وتحويلها من لغة ألفاظ إلى لغة معانٍ، ومن صناعة لفظية إلى منتج دلالات وإبداع أفكار، لا خزين خيالات، وتحويل التفكير من الوهمي والعاطفي إلى الواقعي والعقلاني. العرب لابد أن ينتقلوا من حالاتهم اللفظية، سواء كانت ظاهرتهم صوتية كلامية أم تحريرية إنشائية إلى حالاتهم المعنوية الجديدة. وعلى الأديب والشاعر العربي أن يتحرر من أطر أولئك الذين سبقوه من الشعراء العرب. اللغة العربية التي عاشت مراحل مزدهرة من تاريخها عاشت، أيضاً، مراحل متدهورة. وكان من المؤمل أن ترتقي نحو الأفضل في زمن النهضة على مدى قرن (1850–1950)، لكنها انتكست من جديد، واليوم تعيش فوضى قيمية وعلمية، جراء الانتكاسات والهزائم السياسية والاجتماعية والثقافية، وعقم أجهزة التربية والتعليم التي منيت بها المؤسسات المدرسية والجامعية والمجمعية العربية، منذ أكثر من خمسين سنة! فضلاً عن انقطاع جيل النهضويين الرواد، وغزو أجيال جديدة، لم تتعلم شيئاً، ولم تُربَّ جيداً، ولم تقرأ كثيراً، كما كانت أجيال الماضي.
لماذا اضمحلت لغة التخصص الأكاديمي إلى درجة سقيمة بالعربية، ولم يعد أبناء أجيال اليوم لهم ثقافتهم اللغوية الراقية. من يترجم عن لغات أخرى يدرك حجم الاختلاف والتباين بين التفكير اللغوي العربي وأقرانه من التفكير لدى المجتمعات والأمم الأخرى؟

نشرت في العربي الجديد ، يوم 11 نوفمبر / تشرين الثاني 2014 .
http://www.alaraby.co.uk/opinion/823e4c68-ceb1-4fd3-ab52-fe91026d1959
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

منظومة بشعة تأكل العراق

ليس ثمّة ما يماثل ثقافة الفساد التي تعمّ العراق في أي مكان من هذا الوجود …