الرئيسية / الرئيسية / من كتابي : حقيبة ذكريات الحلقة 2: قصة الموصل أم الربيعين وقواها التاريخية المنتجة الفاعلة

من كتابي : حقيبة ذكريات الحلقة 2: قصة الموصل أم الربيعين وقواها التاريخية المنتجة الفاعلة

حقيبة ذكريات
الحلقة 2: قصة أم الربيعين وقواها التاريخية المنتجة الفاعلة
سيّار الجميل

كنا قبل قرابة شهر من اليوم على موعد للمشاركة في مؤتمر دولي عن الموصل ينعقد في لندن وبعد ان شكرت دعوتهم، آليت ان يتم التركيز في مشاركتي على مكانة مدينة الموصل الاقتصادية في تاريخ العالم الحديث، ولكن المؤتمر تأجّل لاسباب الجائحة التي تجتاح العالم .وقد اثارتني يوم امس مقالة كتبها أحد العلماء الاعزاء، وهو يحكي فيها قصة الموصل كمركز لمهنة الدباغة وتصديرها الجلود الحيوانية نصف المصنعة الى اماكن عدة في اوروبا ، فاستعدت ما كنت قد نشرته وتحاورت فيه مع بعض المؤرخين قبل قرابة 35 سنة حول هذا ” الموضوع “، ففي العام 1986، شاركت ببحث عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية لولاية الموصل ابان القرن 18 في مؤتمر دولي عن “الولايات العربية ابان العهد العثماني ” بتونس، وشارك فيه نخبة من ابرز المؤرخين في العالم. كانت معي على المنصة المؤرخة السورية ليلى الصباغ ، وكانت تحكي عن مكانة دمشق عصرذاك ، فقالت ان دمشق كانت تزدهر بالحرف وعددت بحدود 114 حرفة ، ولما جاء دوري ، حكيت عن الموصل التي تفوّقت على مدن العالم اجمع بتنوع الاصناف الاقتصادية ، وبلغ عدد الحرف والاصناف فيها 213 حرفة وأصناف صناعية وزراعية وتجارية وابرزها الدباغة ، وتطورت تلك الاصناف ابان القرن 18 كثيرا، بحيث أخذت تنظم لها كل عام كرنفالا كبيرا يشترك كل صنف فيها برمز كرنفالي يعرض نفسه في المجتمع، ولكل صنف مشيخته التي تعمل بمثابة نقابة لحماية الحرفيين وجوماتهم ( = مصانعهم تحت الارض ) ، ولعل من ابرز تلك الاصناف كلّ من الدباغين والخشابين والحذائين والسراجين والقطانين والعطارين والسماكين والغنامين والقصابين والرواسين والصباغين والنجارين والطحانين والبزازين والقزازين والعلافين والخبازين والدلالين والوراقين والحجارين والحبارين والحمامين والجمالين والحدادين والجماسين والصفارين والسقائين والكلاكين والخياطين والبنائين والدقاقين والدهانين والحلاقين والحبالين والحصانين والحلاوجية واليوزبكية والتحفجية والعسلجية والقزانجية والبغضعجية والقوطجية والتتنجية والقهوجية والشربتية والكبابجية والقيمرجية والقليه جية والصاغة والنعلبند .. الخ ورحت في نقاش طويل عريض حول هذه المدينة التي كانت تشتهر بتطوراتها في الاحتراف والصنعة والاصناف بعد تتبع جذورها التاريخية في اعماق العصور الوسطى بحيث نجد اليوم ان عوائل كثيرة جدا في المجتمع نتعّرف على جذورها التاريخية من القابها ذات الصلة، ذلك ان الدباغين هم من اكثر عوائل الموصل شهرة بهذا اللقب .سألني المؤرخ الفرنسي روبرت مونتران في تلك الجلسة عن عوامل تطور القوى الفاعلة في مدينة الموصل بالذات، فأجبته انها كانت مركزا لأهم ولايات الامبراطورية العثمانية بسبب موقعها الجغرافي ومكانتها التجارية وثرائها الاقتصادي والاهم هو ثرائها البشري وتعايش السكان المتنوعين دينيا وعرقيا وثقافيا في بودتقة واحدة ، اذ كانت الولاية الوحيدة في الشرق الاوسط تمتلك ثلاثة الوية و14 سنجقا و 23 ناحية وقصبة و 3321 قرية كلها ذات قوى منتجة، وقد ساعدتها مكانتها الاستراتيجية في قلب العالم وثرواتها الزراعية ان تكون مركزا صناعيا وتجاريا عالميا، اعتمدت عليها كلّ من بريطانيا وايطاليا والمانيا والهند في مصنوعاتها ابان التاريخ الحديث. وقد اندثرت اغلب تلك الحرف والصناعات والاصناف بعد ان تقلّص دورها المركزي في التاريخ اثر فتح قناة السويس عام 1869، وكثرة الفجائع التاريخية التي المّت بها فاندثرت فيها اهم صناعاتها قماش الموسلين الشفاف بروعته ، وكان يصدر الى العالم اجمع ،وتوالت عليها المحن في القرن العشرين وما تلاه منها كارثة 1917، ومأساة 1959 وصولا الى فجيعة 2014 وانسحاقها في 2017 .لقد تبدّل الناس فيها بغير الناس، ولكن عبقرية المكان لا تموت ابدا،وان أهلها ان توفرّت لهم الفرص التاريخية، فسوف يعيدون ابداعهم ويسترجعون قوتهم الفاعلة في يوم من الايام .

تنشر يوم الخميس 4 حزيران / يونيو 2020 على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل
http://sayyaraljamil.com/

الموصل في القرن الثامن عشر
الموصل في القرن التاسع عشر
الموصل في القرن العشرين
الموصل في القرن الحادي  والعشرين 

شاهد أيضاً

معايدة من ابنتي داليا في يوم الأب

صديقي الغالي, بابا سيار: إِن الحياة لها معنى مُختلف من خلال ما تُحب ومن خلال …