الرئيسية / الرئيسية / رموز وأشباح الحلقة 33: فيروز .. هل تحققّت نبوءتها عن بغداد ؟

رموز وأشباح الحلقة 33: فيروز .. هل تحققّت نبوءتها عن بغداد ؟

رموز وأشباح
الحلقة 33
فيروز .. هل تحققّت نبوءتها عن بغداد ؟
أ.د. سيّار الجميل

مقدمة
لم يحظ اي بلد عربي كما حظي به العراق بحظوة من اولئك الذين تغّنوا به ، وتفاخروا بامجاده ، وجعلوه جنة من الجنان !! والتغني من قبل الشعراء بدجلة وبغداد والنخيل والشعراء والتاريخ والبطولات والصور الرائعة وكل الحضارات ، كما وصف البعض العراقيين بالاسود لشجاعتهم وبسالتهم .. الخ من العواطف المثيرة وكانت منها الصادقة ومنها المتوهمة ، منها المثيرة للجدل ومنها التي صمتت وماتت مع اصحابها . ولقد حظيت الفنانة اللبنانية الشهيرة فيروز بمحبة العراقيين منذ العام 1954 عندما غنت قصيدة ” دار السلام ” ، بل واستمرت الاذاعة العراقية تبث يوميا صباحا وعلى مدى ساعة كاملة اغنيات فيروز ، فتربت اجيال كاملة على صوتها ، بحيث اقترنت صباحات العراق المتدفقة بالحياة بصوت فيروز في كل مكان وقبل ساعات الدوام الرسمي يوميا . فكان صوتها يحاكي سايكلوجية المجتمع ويدفعه نحو العمل وتتفتح على صداه كل الاذهان .

الرؤية الاولى : الشعراء والفنانون في عشق العراق
الغناء للعراق ونظم الشعر وتسجيل الانطباعات لم يقتصر على نخبة عربية دون اخرى ، اذ كان العراق من نصيب اغلب المبدعين العرب وغيرهم ، بدءا بقصيدة الشاعر احمد شوقي التي غناها الفنان محمد عبد الوهاب ” يا شراعا ” عن فيصل الاول ( حكم العراق 1921- 1933 ) وانتقالا الى السيدة ام كلثوم بقصائدها وهي تغني بغداد وصولا الى الفنان القدير عبد الغني السيد الذي غنى قصيدة الشاعر علي الجارم العصماء ” بغداد يا بلد الرشيد ” فكان عاشقا ولهانا بالعراق ( ولنا وقفة قادمة عندها وعند هذا الشاعر والفنان الرائع عبد الغني السيد الذي غناها ) ومرورا بالفنانة اللبنانية فيروز ( ولدت في 21 نوفمبر 1935 – لم تزل على قيد الحياة )التي غنت لبغداد قصيدة “دار السلام ” وقصيدة ” بغداد ” وبين القصيدتين قرابة عشرين سنة ، فالاولى غنتها بطلب من الرئيس اللبناني كميل شمعون ( حكم بين 1952 – 1958 ) الذي كان يعشق العراق ويعتز اعتزازا كبيرا بالملك فيصل الثاني ، وكانت دار السلام هدية من لبنان الى العراق ، اما الثانية ” بغداد ” ، فقد كانت بطلب من العراق نفسه وكان الوسيط الموسيقار وليد غلمية ، اذ استقبلت فيروز ببغداد استقبالا حافلا على عهد الرئيس احمد حسن البكر ( حكم بين 1968- 1979 ) اثناء زيارتها للعراق صيف 1976، وكانت مرافقتها ببغداد الاعلامية المعروفة ابتسام عبد الله.. وغنت قصيده للاخوين الرحباني ايضا ،مطلعها :
بغداد والشعراء والصور — ذهبُ الزمان وضوعُه العطر
يا ألف ليلة يا مكملة الاعرا— سِ يغسل وجهَــك المطــر ( وقالت فيروز القمر )

الرؤية الثانية : بغداد ، قل عنها مدينة السلام ولا تقل دار السلام
بغداد، عاصمة العراق الازلية ، مساحتها اكثر من (1,134)كم2، ونفوسها (8) مليون نسمة وهي أكبر مدن العراق وثاني أكبر مدينة عربية بعد القاهرة. بناها الخليفة العباسي (أبو جعفر المنصور) في القرن الثامن الميلادي ( أكثر من 762 م) بشكل مدوّر واتخذها عاصمة له. يخترقها نهر دجلة ويقسمها إلى قسمين (كرخ، ورصافة) ، غدت من امهات مدن العالم واهم عاصمة حضارية في العصور الوسطى ، ولكنها تعرضت للعديد من الغزوات والاحتلالات الخارجية .. ودوما اصحح تسمية بغداد التاريخية ، اذ يستخدم العديد من الادباء والمثقفين والاعلاميين والشعراء المعاصرين تسمية ” دار السلام ” لبغداد ، وهذا خطأ تاريخي متواتر ، فتسميتها الحقيقية تاريخيا هي ” مدينة السلام ” ، ومن الخطأ اطلاق تسمية دار السلام عليها ، اذ ان هناك دار السلام عاصمة تنزانيا بافريقيا ، اما بغداد فقد دعاها مؤسسها ابو جعفر المنصور بمدينة السلام .. وقد اخطأ الشاعر خضر الطائي أيضا في قصيدته التي غناها قارئ المقام الاستاذ محمد القبانجي (1904 – 1989) من مقام خنبات عندما وصف بغداد بـ ” دار السلام ” ومطلعها
سلام على دار السلام جزيل…………وعتبى على ان العتاب طويل
ابغداد لا اهوى سواك مدينة…………..ومالي عن ام العراق بديل

الرؤية الثالثة : الاغنية اذيعت عام 1954 وليس عام 1960
ورد خطأ عند البعض ان فيروز قد غنتها عام 1960 ، اي في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم ( حكم بين 1958- 1963 )، والصواب انها غنتها عام 1954 على عهد الملك فيصل الثاني ( حكم بين 1953- 1958 ) اي قبل اشهر من زواجها من الفنان عاصي الرحباني عام 1955 ، وبعد اشهر من تتويج الملك فيصل الثاني عام 1953 . ويقول الاستاذ عيسى متري ان هذه القصيدة التي غنتها فيروز كانت لمناسبة زيارة ملك العراق فيصل الثاني الى لبنان عام 1954 اي بعد تتويجه باشهر ، اذ كان تتويجه في 2 مايو / آيار 1953 .

الرؤية الرابعة : لماذا التسّرع في اطلاق الاحكام ؟
يوصف العرب المعاصرون بالتسرع وانعدام الدقة وخصوصا قد كثر هذا لدى العراقيين اليوم ، ونجد امامنا نموذجا واضحا ذلك ان واحدا من المثقفين العراقيين اسمه جواد غلوم نشر مقالا بعنوان ” أيامٌ في الذاكرة / فيروز تغنّي لبغداد مرّتين” ونشره في ايلاف الثلاثاء 26 يوليو / تموز 2016 ، وكال فيه لوما وعتابا لفيروز كيف غنّت هذه القصيدة التي تتغنى بها ببغداد عام 1960 ( ويقصد بها القصيدة الاولى ) وبغداد كانت غارقة في الدماء ويقول : منذ ان غنّت السيدة فيروز أغنيتها الشهيرة المسماة ” دار السلام ” لبغداد عام 1960 لكاتبها الأستاذ الملحن المتجدد والشاعر الفصيح والزجّال الممتع منصور الرحباني ومن تلحين الأخوين عاصي ومنصور رحباني …. ومنذ مطلع ستينات القرن الماضي ؛ كانت بغداد مازالت تئن من أوجاعها التي خلّفها لها انقلاب 14/ تموز / 1958 حيث الدماء لم تجفّ بعد على اسفلت الشوارع والجثث مازالت تنزف دما بريئا من خلال سحْلها في الأماكن العامة وما تلاها بعد ذلك من صراع بين اليسار الشيوعي والجماهير الملتفّة حوله وبين مؤيدي التمرّد الذي قاده الضابط عبد الوهاب الشواف وزمرته من العسكريتاريا في بداية ربيع العام / 1959والتفاف التيار القومي حوله تضامنا معه والمجازر التي حصلت وقتذاك في الموصل وكركوك مما يندى لها جبين الانسانية لبشاعتها ” .. ويستطرد قائلا : اهزأ ضاحكا ومرارا ابكي حزنا ولا اعرف ماذا اقول كلما قرأت البيت الشعري التالي الوارد في القصيدة المغناة :
غدٌ سلامٌ وخيرات جوانحهُ —– كأنما رشّه في الارض نيسان

الرؤية الخامسة : لماذا التراشق بالشتائم عن امر لا اساس له ايها العراقيون ؟
وبعد ان نشر الرجل هذا الكلام، تلقى رشقات عاصفة من السباب والشتائم كونه وصف اوضاع العراق بالبشاعة منذ 14 تموز ، اذ تصدّى له البعض من مناصري عهد قاسم من دون ان يعلم لا الكاتب ولا اي واحد من شاتميه ، ان فيروز لم تغن ابدا لعراق عبد الكريم قاسم ، ولم تتغن بذلك العراق مطلقا ، بل ادّت القصيدة عام 1954 وهي لم تمدح فيصل الثاني في القصيدة ، بل كانت تصف روعة العراق برومانسية عالية وحالمة وبالذات بغداد ، وقفت اتأمل حال العراقيين الذين يتسرّعون في اطلاق الاحكام عن امور لا اساس لها من الصحة ، ثم يتراشقون بالشتائم بلا سبب . وكنت اتمنى التأمل فقط في البيتين الاخيرين من القصيدة . الم تهزم هنا فيروز في نبؤتها ؟ وان بغداد اخذت مسارا اخر لها في الحياة ؟ عندما قالت :
بغداد والفجر بسّــــــــامٌ تهدهده على ملاهيك أحـــلامٌ وألوانُ
غدٌ ســــــــلامٌ وخيراتٌ جوانحه كأنّما رشّه في الأرض نيسانُ

الرؤية السادسة : حقيقة بغداد سيدة البلاد
ذلك ان بغداد لم تعرف الفجر المشرق ، ولا الاحلام الوردية ، ولا الالوان الربيعية ، ولم يتحقق في الغد السلام ، ولم يعرف العراقيون في غدهم جوانح الخيرات ، ولم يرشها في الارض نيسان ! بل توالت عليها النكبات والكوارث والحروب والاحتلالات والانقسامات والصراعات واغترب اهلها عنها ، وشهدت كل العذابات وقصفت مرات ومرات .. وربما غنت فيروز لبغداد ثانية كونها مؤمنة بأن بغداد لها كالذهب لا يمكن ان يصدأ عبر الزمان ، ويبقى عطر بغداد ينتشر في كل الدنيا وقد اعتادت هذه المدينة العظيمة ان تغسل وجهها بالمطر . وهنا نخلص ان بغداد التي تمر باسوأ ايامها كانت ولم تزل ليست مدينة عادية ، فهي الاهم استراتيجيا في جغرافية العالم ، وهي الاهم حضاريا في تاريخ العالم ، وهي الاقوى لما جابهته من تحديات عبر الف سنة مضت ، وهي الوحيدة التي خصّها الشعراء بقصائدهم والمطربون باصواتهم والعشاق باحلامهم والرحالة باوصافهم والزوار بانطباعاتهم ، وكانت وستبقى ” سيدة البلاد ” – كما وصفها ياقوت الحموي – . واعتقد ان هذه المدينة التي اشتهرت بعبقريتها المكانية تضعف في ازمنة ويتعاظم دورها في ازمنة اخرى بسبب ما تجابه من تحديات سواء كانت في دواخلها عندما يتسيّد عليها المتوحشون والغرباء والخونة والفاسدون ،او عندما تتلقى الطعنات من اعدائها في الخارج .
https://www.youtube.com/watch?v=uOrDliDZ4gY

الرؤية السابعة : تحليل نص اغنية ” دار السلام “
دعونا نتوقف قليلا عند القصيدة الاولى التي غنتها فيروز عن بغداد عام 1954 هدية من لبنان للملك فيصل الثاني الذي زاره زيارة رسمية وكانت حافلة جدا .. وسنجد كل من فيروز والاخوين رحباني قد وصلا الى ذروة الابداع الموسيقى ورسمهما بالكلمات مشاعر لبنان ازاء العراق وقت ذاك .. بغداد في تلك الايام كما تصورها فيروز : جنة مع ظلالها الوارفة ، ونسائمها الرائقة كالحان يزفها طائر عند الصبح ، ونهر دجلة يحيا وهو ينساب مع تلك الايام الهانئة، وعلى شواطيه تنام الازمان وتصحو ، ويا لها من صورة جميلة مرسومة بالكلمات ومسموعة بصوت فيروز العذب .. وترجع فيروز في غنائها للشعر الى بغداد فتجدها واحة على امتداد الدهر ، وهي تزدهر بالعز وتغني جذلانة مزدانة بالامجاد جمالها في قبابها الملونة قصة يتداولها العالم ، وهي اغنية تزهو باخبارها وتحدو الركبان نحوها .. واليوم تجد فيروز في حاضر بغداد الصاعدة الى العلا من خلال الوعي والايمان .. وشعب عندما كان متماسكا ، يقول للدهر انا اتحدى كلّ المصاعب في طموحي الى المجد وظمئي الى السمو .. وتبقى فيروز تدور مغنية بغداد التي ترى ان فجرها بسّام ان كانت تحفه احلام والوان ولكن هل خابت رؤية فيروز عندما غنّت قائلة : غدٌ ســــــــلامٌ وخيراتٌ جوانحه كأنّما رشّه في الأرض نيسانُ

الرؤية الاخيرة : القصيدة الاولى دار السلام
دارَ الســـلام على الأنســـــــام ألحانُ يزّفها طائرٌ والصبح فتّانُ
ياجنّة في الظلال الســــمر وارفةًً نسيمها بالهوى العذريّ نديانُ
تــــهفو إليها مواعيدٌ ملوّنةُ حيث المدى في البعيد الحلو وســْنانُ
حيت دجلةُ والأيام هانئةٌ تغفو وتصـــــحو على شاطيك أزمانُ
بغداد ياواحةً في الدهر مزهرةً بالعزّ تغنى وبالأمـــــجاد تزدانُ
قبابها قصّة تُحكى وأغنيةٌ عن الليالي زهت والعمر نشــــــــوانُ
أخبار رغدٍ على الأيام باقيةٌ تحدو بها في صحارى الكون ركبانُ
بغداد ياحاضرا بالـــــيمن مزدهراً يقوده لـــــلعلا وعي وإيمانُ
يقول للدهر إنّا هاهنا أبدا شـــعبٌ إلى المجد طمّاحٌ وظــــــمآنُ
بغداد والفجر بســــــــامٌ تهدهده على ملاهيك أحـــلامٌ وألوانُ
غدٌ ســــــــلامٌ وخيراتٌ جوانحه كأنّما رشّه في الأرض نيسانُ

ملاحظة : للاستماع الى قصيدة دار السلام بصوت فيروز ، اضغط على الرابط التالي :
https://www.youtube.com/watch?v=uOrDliDZ4gY

تنشر يوم الاثنين 6 نيسان / ابريل 2020 على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل
http://sayyaraljamil.com/

الصور المرفقة
الاولى للفنانة الكبيرة فيروز في شبابها
الثانية فيروز برفقة الاخوين رحباني : زوجها عاصي ومنصور
الثالثة الرئيس اللبناني كميل شمعون يستقبل الملك فيصل الثاني في بيروت 1954
الرابعة الملك فيصل الثاني وبمعيته الرئيس كميل شمعون يستقبلان الطالبات العراقيات اللواتي كنّ يدرسن في بيروت
الخامسة الفنانة فيروز في زيارتها للعراق عام 1976

شاهد أيضاً

مصالح العراق العليا والاملاءات الأميركية

مصالح العراق العليا والاملاءات الأميركية أ.د. سيّار الجميل ظاهرة جديدة : املاءات بعنوان حوار ها …