الرئيسية / الرئيسية / العراق في نقطة الصفر

العراق في نقطة الصفر

                          

أ.د. سيّار الجميل

يبدو واضحاً أنّ رئيس الوزراء العراقي الجديد، عادل عبد المهدي (76 عاماً) يمتلك شخصية ملتبسة، ورؤيته السياسية محدودة جداً، وهو لا يقوى على اتخاذ قراراتٍ ضروريةٍ في ظرفٍ عصيبٍ يمرّ به العراق منذ سنوات، ولم يقو حتى الآن على تشكيل حكومة عراقية متكاملة لتسيير شؤون البلاد التي تعجّ بالمشكلاتِ الصعبة التي لا أوّل لها ولا آخر. كانت تجربته السياسية مخيّبة للآمال، فقد شغلَ منصب وزير النفط في حكومة سلفه بين 2014- 2016، ولم يكن ذكياً، ولا ملهماً ولا حريصاً، ما سمح لوزارته أن تصبح مجرّد إقطاعية خاصة لأتباع حزبه المجلس الأعلى الإسلامي، فضلاً عن فشله، فاستقال من منصبه ذاك.. ناهيكم عن تأييده إيران، وهو ملتبس أيضاً في سيرته التي تزدحم بالتقلبات الحزبية والتناقضات الأيديولوجية، وعلى الرغم من أنه ضدّ العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، الّا أنّ إدارته للحكومة تبدو فاشلة، إذ لم تصدر عنها حتى الآن أيّة قرارات جوهرية تطاول حياة الناس، وتعالج مآسيهم، ولم يصدر عنه ما يعبّر عن أيّ تعاطفٍ مع المدن المدمّرة وحالات العراق الصعبة. 

قبل 1500 عام، قال لاو تسو  Lao Tzu ، الفيلسوف الصيني الأسطوري: “إذا لم تغيّر الاتجاه، فقد ينتهي بكَ الأمرُ إلى البقاء صفراً في مكانك”. وينطبق ذلك على العراق اليوم، إذ كان العراقيون يأملون بتغيير الاتجاه، فاذا بهم يراوحون في نقطة الصفر مع تفاقم التحدّيات. كان أغلب الناس يأملون الخروج من عنق الزجاجة التي أدخلهم نوري المالكي فيها ثماني سنوات (2006- 2014)، ولحقتها أربع سنوات، فشل خلالها حيدر العبادي (2014- 2018) في إدارته وعدم قدرته على حلّ الأزمات الصعبة، فجاء هذا الجديد إثر تكليفه بالمسؤولية منذ 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، وها قد مضى أكثر من شهرين، ولم يكتمل تشكيل الحكومة بعد.

ليست المشكلة في تشكيل “وزارة”، وإنما: هل ستغدو الحكومة الضعيفة دمية بيد تماسيح النظام الايراني، كالتي كانت على عهد المالكي؟ هل ستكون مثلها في توجهها الطائفي؟ هل ستكون سبباً باتباعها سياسة حمقاء، ليكون العراق ساحة حرب أهليّة متدنّية المستوى؟ هل ستكون نزقة تجاه المدن المدمّرة والمناطق الساخنة؟ وإذا كان قد سمح للمالكي للبقاء في السلطة مرتين، فشكّل بذلك كارثتين مدمّرتين، بجعلهِ العراق معبراً إيرانياً نحو سورية، لتعزيز النظام السياسي فيها، فهل سيتكرّر المشهد مع عبد المهدي اليوم، ولكن بصيغةٍ أخرى؟ وإذا كان نوري المالكي لصّاً متسللاً، سرقَ ثروات العراق وبدّدها، وتفاقم الفساد على عهده بشكلٍ فظيع.. فهل لعبد المهدي القدرة على كبح جماح الفساد الذي نخرَ العراق نخراً على عهد أعقب احتلال 2003؟ ولما تكررت الأخطاء على عهد حيدر العبادي أيضاً، ولم تتمّ أية تغييرات جذرية وأساسيّة، كالتي طالبَ الناس بإجرائها، وحجته كانت استئصال “داعش” واستعادة قوّة الحياة. لكن هيمنت المليشيات المرتبطة بإيران، وغدت مراكز قوى فرضت سيطرتها على النظام الحاكم أولاً، ودمّرت المدن القديمة في الموصل والأنبار وجعلها مجرد أنقاض، وقد قتل رجالها وتشتّت النساء والأطفال في بانوراما النازحين الأليم..

وعلى الرغم من أنّ عبد المهدي صرّح شيئاً، ووعد خيراً في تشكيل حكومة تكنوقراط ذكيّة ومستقلة، ومعالجة خطايا القوى الشريرة العميقة، إلا أنه كسلفهِ، بدت أفعاله مخالفة لأقواله.. وبدت النتيجة النهائية مفضوحة في مواقفهِ البليدة من تشكيل حكومةٍ تجمع تقريباً من التوابع المؤيدة لإيران، وهم بيادق لأحزابهم السياسية، لا أثقال وطنية لهم، وبدا خاضعاً لتلك القوى المهيمنة. عدم قدرة عبد المهدي على الوفاء بتعهّده قبل الانتخابات كشف ضعفه وخوره، وهشاشته السياسية، والتي يمكن أن تستغلها طهران بسرعة. وبالفعل، فإن مرشحه لوزارة الداخلية القويّة هو فالح الفياض الذي كان يدير مليشيات قوات الحشد الشعبي، المدعومة من إيران التي تصرّ على ترشيحه لهذا الموقع، الأمر الذي سيجعل العراق مكشوفاً بأمنه وحدوده ومدنه وعاصمته أمام إيران. والانقسام السياسي اليوم بين المعارض لهذا المرشح ، السيد مقتدى الصدر وحلفائه، وبين نوري المالكي وحلفائه المؤيدين لإيران في فرض هذا الفياض، صراع بين إرادة عراقيّة وهيمنة إيرانيّة. يثير إصرار إيران على تولّي الفياض هذا الموقع الخطير ليس الشبهات فحسب، بل يعدّ فضيحة لجعل العراق ساحةً إيرانية كي تعبث به كما تشاء، وهو سيناريو لا يبشر بالمستقبل الموعود.

 وعليه، العراق مقبلٌ على تشنجّ طائفي مقيت، ومزيد من تفشّي الفساد والاضطراب الاقتصادي والركود السياسي، وتهتك  المجتمع مع عبث مليشيات وعصابات إيرانية مباشرة، وأن يغدو العراق من ممتلكات الملالي الإيرانيين، وربما تجددّت الحرب الأهلية فيه. عبث إيران بالعراق ومقدّراته هو استمرار لهيمنتها على المنطقة، فالعراق الآن يعدّ رابع أكبر منتج للنفط في العالم، حيث يبلغ إنتاجه أكثر من 4.78 ملايين برميل يومياً، ويتوّقع أن يرتفع إلى 7.5 ملايين برميل بحلول 2024، لكن الفساد الذي استشرى بعد كارثة خطيرة يتحمّل مسؤوليتها الزعماء السياسيون المتعاقبون منذ 2006 وسوء إدارتهم وفشل إمكاناتهم وانعدام وطنيتهم، ترك البلاد خراباً مع تبعثر ثروتها النفطية الضخمة. ولا يزال انقطاع التيار الكهربائي، وتداعي البنية التحتية وسوء الرعاية الصحية، ودمار شبكات الصرف الصحي مع نقص المياه، في حين تجد تحويل الدولارات البترولية، وهي تأخذ طريقها إلى حسابات البنوك الأجنبية مع انسحاق العراقيين، وتحكّم الطفيليين في العملية السياسية بمصائرهم من خلال شراء  المناصب  العليا في العراق بملايين الدولارات .

يتساءل العراقيون: ما موقف الولايات المتحدة مما يحصل في فرض إيران هيمنتها على العراق؟ عليها أن تقدم إجابة ثابتة لتدّخل ايران في العراق.. أيضا، كيف يمكنها تطبيق عقوبات صارمة على إيران، والأخيرة توظف الحكومة العراقية باعتبار العراق حديقة خلفية لها؟ ثمّة أصوات عراقية وأميركية تنادي اليوم بأن على الولايات المتحدة أن توقف فوراً، كمسألةٍ ملحّة، تدخّل النظام الإيراني في العراق، والذي غدا الأولوية المتقدمة للنظام الإيراني.. أقول: العراق لا يمكنه أبداً التحّرك صوب المستقبل، إلا إن كان مستقلاً بسيادته وتوظيف موارده الهائلة وإخراجه من هذا المأزق، وتلبية رغبة أغلب أبناء شعبه في استقلالية القرار العراقي عن إيران. على العراقيين كلهم إن كانوا وطنيين حقاً الوقوف ضد ترشيح فالح الفياض، واختيار عراقي وطني له استقلاليته وخبرته وإخلاصه لشغل هذا المنصب الحيوي.

نشرت  في  العربي  الجديد  ، لندن  يوم 12 ديسمبر /  كانون الاول  2018  ، ويعاد  نشرها  على  موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

شاهد أيضاً

محاضرة الاربعاء عن المعتزلة في تجمع بانيرا الثقافي

القيت مساء اليوم الاربعاء 6 آذار / مارس 2019 في تجمع بانيرا الثقافي في مدينة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *