الرئيسية / الرئيسية / الجنرال قاسم سليماني ودوره في  الشرق  الاوسط الحلقة الرابعة :  السردار  وخفايا  الارهاب

الجنرال قاسم سليماني ودوره في  الشرق  الاوسط الحلقة الرابعة :  السردار  وخفايا  الارهاب

الجنرال قاسم سليماني ودوره في  الشرق  الاوسط

أ.د.  سّيار الجميل

الحلقة الرابعة :  السردار  وخفايا  الارهاب

مقدمة

هذه هي الحلقة الرابعة من مسلسل  دراستي المطولة عن الجنرال الايراني  قاسم سليماني الذي  لم  تنشر  خفاياه  وأسراره  بعد حتى اليوم  ، وخصوصا  خلال  السنوات العشر  الاخيرة  ودوره  وارتباطاته المتنوعة مع جماعات واحزاب عملت معه أو تحت امرته ، وبقدر  ما  نستعين  بما  كتبه  المراقبون والاعلاميون والدارسون ومراكز  البحوث والدوائر الدولية  عنه من تقارير  ومعلومات ووثائق وكتابات  ، فان  ما  سيعرض  في ادناه  سيثير  المزيد من ردود الفعل ، علما بأني لا  اتبنى اي  طرف من الاطراف في  مخاض  صراعين ثنائي مفضوح :  اقليمي طائفي وعرقي دموي من طرف ودولي ضمن لعبة مصالح  كبرى من طرف آخر  ..  ولن اكون  مع ثنائية كل من الصراعين الأثنين ابدا ،  وهنا  ينبغي توفر  ” الموضوعية ” والوقوف في الضد من الصراعات بمجملها كلها  كمؤرخ يؤمن بحقوق البشر  والحرية والعدالة  والتمدن  بعيدا عن  السيطرة  والاستحواذ وعدم التدخل في  شؤون الدول وان نكون ضد الارهاب وضد زرع الفتن وضد اشعال  الحروب  ، ومن الضرورات المفروضة علّي ان أعرض “المعلومات” كما  وردت في  مصادر ها والتحّري عن دقتها  من اجل  تحليلها  والخروج  بنتائج  واضحة لا لبس  فيها عن  دور  هذا الرجل  في الشرق  الاوسط ،  وسنرى لاحقا  تأثير اختفائه عن الساحة  .. وما  ستقود  اليه الاحداث  في عموم الاقليم وتداعياتها على  كل  من العراق  وسورية ولبنان بشكل خاص  .

لقد بدا واضحا ان هناك البعض من العرب  له انحيازاتهم المفضوحة ، اذ  ظهر ذلك ” البعض ” يدافع عن  قاسم سليماني دفاعا مستميتا ومتعصبا  له  اكثر من تعّصب الايرانيين له انفسهم .. وفي الطرف الاخر  ، هناك من  يدافع  عن المصالح الاميركية  دفاعا  كبيرا ويرى الاحداث  من منظار  آخر .  وهذا  يفرض  اسئلة مهمة جدا  عن ماهية هذا البعض او ذاك .. ما هويته  ووطنيته وعروبته مقابل هذا  الانصياع للاخرين ؟ وما مشروعاتهم المبهمة  في  منطقتنا العربية  ابان المستقبل ، مما  يعيد  مقولة مهمة  شاعت  في  ثقافتنا  : ان  حصوننا  مهددة  من دواخلها  ”  .

الخلفية  التاريخية

يقول المؤرخ الايراني الاصل روجر سافوري ان الاسلام الشيعي  قد  تمّكن  من ايران  تدريجيا  على  ايدي الصفويين  ، ومع مرور الوقت ، ازداد استعداد الإيرانيين لممارسة ذلك الإسلام الشيعي يوما بعد يوم. ويعود الفضل للصفويين الذين وظفوا كل الوسائل  وجعلوا إيران هي المعقل الروحي للشيعة ، ووقفوا ضد هجمات الإسلام السني الأرثوذكسي ، واصبح  الشيعة مستودعا للتقاليد الثقافية الفارسية والوعي الذاتي بالنزعة الإيرانية ودورها  في تشبعهم  مذهبيا بها (1) .  لم تخل اية دولة  تقوم سياساتها على  القمع  والاضطهاد  من  الارهاب  او  العلاقة  به  من طرف  او  آخر  ..  وما دمنا  نتحدث  عن  الجنرال المثير  والسردار  الخطير  قاسم  سليماني  ، فقد جاء في  ” تقرير ” تقييم التهديدات العالمية لعام 2017 والصادر عن دوائر الاستخبارات الأمريكية التي كانت  ترصد  حركاته واتصالاته  وارتباطاته كلها  ،أن إيران هي “الراعي الأول للإرهاب ، وأن شريكها الإرهابي الرئيسي يتمثّل بـ  حزب الله اللبناني ، وهذا  كله  سوف يشكل تهديدًا مستمرًا للمصالح الأمريكية وشركائها في جميع أنحاء العالم “. هذا البيان لا يُعلم صانعي السياسة الأميركيين بما فيه الكفاية لأنه يفشل في التأكيد على أن إيران تعتبر الإرهاب أداة قيمة للسياسة الخارجية وترعى الإرهاب لتعزيز الأهداف الجيوسياسية ، وليس الأيديولوجية الدينية.  أنشأت إيران “قوة القدس” في عام 1990 لغرض صريح هو زيادة الإسلام المسلح من اجل  مد  نفوذ  ايران  باسم  ” تصدير  الثورة “ (2) . وزيادة عدد الأنشطة الإرهابية إلى حد كبير وتوفير الأسلحة للجماعات الإرهابية والمسلحة في لبنان وسوريا والعراق وأفغانستان ودول الخليج ، والعديد من البلدان الأخرى. في أواخر 1991-1992 ، وافقت إيران على مساعدة القاعدة في تنفيذ عمليات ضد أعداء مشتركين ، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الاميركية ، بالإضافة إلى تزويد كبار أعضاء المجموعة بالتدريب على المتفجرات داخل إيران. تم تدريب مجموعة أخرى من أعضاء القاعدة في لبنان من قبل عملاء إيرانيين في عام 1993 . (3)   وتشمل الهجمات الإرهابية البارزة التي نسبت إلى إيران خلال أوائل عقد التسعينيات من القرن العشرين  تفجيرات عدة في بوينس أيرس والهجوم على أبراج الخبر في  المنطقة الشرقية  من السعودية (4) .

وكانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر / ايلول  2001 قد دفعت الإرهاب الإسلامي إلى دائرة الضوء في الإعلام الغربي قاطبة  وفي العالم  عموما  . وزادت إيران بشكل كبير من  ادوات  الإرهاب وعناصرة ، خصوصا  وان الارهاب الذي ترعاه الدولة بعد هذه الهجمات من خلال مساعدة القاعدة بنشاط ، وكذلك دعم التمرد في لبنان والعراق وأفغانستان. فكانت ان قدمت إيران مرارًا ملاذاً لمقاتلي القاعدة خلال هذه الفترة. وأفادت لجنة 9/11 أن 8 إلى 10 من مختطفي 11 سبتمبر/ ايلول  2001 قد سافروا عبر إيران بين أكتوبر/ تشرين الاول  2000 وفبراير/ شباط 2001 م واستفادوا من اتفاق إيراني بعدم ختم جوازات سفر أعضاء القاعدة الذين يعبرون البلاد. بالإضافة إلى ذلك ، قام المدعو سعد بن لادن ، ابن أسامة بن لادن ، بتنظيم هجمات عام 2003 في الرياض من داخل إيران ، حيث كان يتمتع بحماية قوة أمنية متطرفة موالية لرجال الدين في البلاد  .(5)

أصبح الإرهاب الذي ترعاه الدولة الإيرانية متفشياً لدرجة أن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت في عام 2010 أن “إيران هي الدولة الأكثر نشاطًا في رعاية الإرهاب”. بين 2001-2010 ، قدمت إيران مئات الملايين من الدولارات لدعم حزب الله في لبنان ، ودربت الآلاف من مقاتلي حزب الله في معسكرات في إيران. وفي العراق ، قامت قوة القدس الإيرانية بتدريب وتمويل الميليشيات الشيعية الموالية مثل فصيل بدر وجيش المهدي وتزويدهم بمتوغلات متفجرة ؛ وقذائف صاروخية وصواريخ كاتيوشا. كنتيجة مباشرة ، وقتلت الميليشيات المدعومة من إيران ما يقدر بنحو 1100 جندي أمريكي ، وقتلت فرق الموت التابعة للميليشيات الإيرانية مئات من السنة العراقيين. وفي أفغانستان ، تدعم إيران طالبان ، وتسمح لقادة طالبان بالالتقاء في طهران ، وفتح حدودهم للمقاتلين العرب الذين يدخلون / ويغادرون أفغانستان ، ويسمحون بتهريب الأفيون عبر حدودهم لتمويل تمرد طالبان. بالإضافة إلى ذلك ، قدمت قوة القدس الأسلحة والذخيرة ، ودربت عناصر مختارة من طالبان على تكتيكات الوحدات الصغيرة والأسلحة الصغيرة والمتفجرات ، وساعدت في تنسيق الهجمات (6).

الاسئلة  المحيرة

في المقابل ،نجد الولايات المتحدة الاميركية وقد تجاهلت خلال السنوات الثلاث الماضية الأهداف الاستراتيجية في الشرق الأوسط ، وركزت بدلاً من ذلك على المعركة التكتيكية ضد داعش. لقد تجاهلت كل من إدارتي دونالد ترامب وباراك أوباما الأهداف الإستراتيجية لإيران واختارتا التعاون مع الحكومة العراقية العميلة لايران وتدرك كل من الادارتين الامريكتين لكل من اوباما  وترامب ان  من يحكم العراق هم  مجموعة دمى تختارهم ايران ليكونوا عملاء لها  او وكلاء عنها، وان القوة الإيرانية موكولة الى فصائل اوليغارية تابعة  لها  ومن  ضمنها  تشكيلات  متنوعة من الحشد  الشعبي  ( الذي جعلته ايران على  غرار  الباسيج  الايراني  والباسيج معناه بالفارسية  : الحشد الشعبي ) بقيادة قاسم سليماني ،  وقد  تغاضت الولايات المتحدة الاميركية عن  وجود هذه الفصائل  في العراق !

ولكن هل من اجل خوض معركة ضد داعش ؟  ولكن  ما  معنى  تغاضيها  عن  وجوده  بعد القضاء  على  داعش ؟  وهي  تعلم  بأن ليس  كل العراقيين  قد اتفقوا على  وجود  كل المليشيات  سواء  كانت  فصائل  ايرانية منفصلة  او  مليشيات حشد  شعبي تابعة لايران  ، وبالرغم  من ادعاء  الحكومة العراقية انها  فصائل  حكومية  تستمد  شرعيتها  من  القائد العام للقوات المسلحة في العراق ، فان  ذلك يعد مجرد  اكاذيب  ، فقادة  كل الفصائل  تتبع  ايران  في  كل  تحركاتها  والتي  كان  يديرها  بكل  حذاقة  الجنرال قاسم سليماني . ويعتمد على  قادة  رئيسيين  في  ادارتها  ، هم  نوري المالكي  وحيدر العبادي  وعادل  عبد المهدي  ( رؤساء  حكومات )  ، وايضا  على  فالح الفياض  وابو مهدي المهندس  (  قائد  فصائل  ووكيله )   . ويقف على  رأس ابرز  تلك  الفصائل  : هادي العامري (بدر) و قيس الخزعلي (العصائب) ، ومقتدى الصدر (سرايا السلام) ، وأكرم الكعبي (حركة النجباء) ، وأوس الخفاجي (قوات أبو الفضل العباس) ، وجلال الدين الصغير (سرايا أنصار العقيدة) وهناك  الجزائري  والولائي وأبو عزرائيل وابو تحسين الصالحي وأحمد الأسدي وغيرهم  كثير  ..

ومن ابرز المليشيات ضمن هذه ” المنظومة ” المحكمة كل  من :  منظمة بدر  وعصائب أهل الحق ، وكتائب حزب الله  ، وسرايا السلام ، وكتائب بابليون ، وكتائب الإمام علي ، وكتائب روح الله عيسى بن مريم ، وحركة النجباء ، وكتائب سيد الشهداء  ، وسرايا طليعة الخراساني ،  وقوات سهل نينوى ، وجيش المؤمل  ، وسرايا أنصار العقيدة ،  وسرايا الجهاد  ، ولواء صلاح الدين ، وكتائب التيار الرسالي ،  وقوات أبو الفضل العباس ، والحشد العشائري ، وقوات الشهيد الصدر ، وقوات الشهيد الصدر الأول ، ولواء أنصار المرجعية ، وسرايا عاشوراء ، و كتائب جند الإمام ، ولواء علي الأكبر  وغيرهم (7) .

العراق  : ممر  استراتيجي 

كان صانعو السياسة في الولايات المتحدة الاميركية قد  وقعوا في  اخطاء  جسيمة ، منها  انطباعاتهم الخاطئة بأن المساعدات العسكرية الإيرانية للعراق تعزز الهدف الأمريكي الشامل المتمثل في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية ( = داعش )  . في حين أن تلك السياسة قد تحقق الهدف المتمثل في تقليص المنطقة الجغرافية التي يتحكم فيها تنظيم الدولة الإسلامية نفسه ، إلا أنه نهج أحادي يعتبر عنصرًا واحدًا هو المحدد الرئيسي للسلوك نحو المستقبل ويتجاهل الأهداف الإقليمية الإيرانية ، كما ان تنظيم داعش لم يلد ولم يولد من فراغ ، فهو  سليل  تنظيمات دينية ارهابية  متعصبة  سبقته ، ولم  تكن  تلك التنظيمات تخلو من ارتباطات خفية  مع  اكثر  من طرف  دولي  واقليمي ، اذ  تبقى  الاسئلة محيرة  عن اطلاق  سراح  الاف المجرمين والارهابيين من  سجون عراقية  على  عهد نوري المالكي دون ان يتعّرض للمسائلة حتى اليوم ليس من قبل المسؤولين العراقيين المهترئين الذين جاءوا من بعده ، ولكن من قبل الامريكان انفسهم !! وكيف كانت سوريا  تمتلك  بؤرا  ارهابية موبوءة  ومعسكرات  لتدريب  الارهابيين لسنوات طوال قرب اللاذقية  ؟  ولماذا  تشكّل  تنظيم  داعش  في  سوريا لأول مرة  ليعلن  عن دولته الاسلامية  من سوريا  والعراق ( دولة اسلامية عراقية شامية ) ومادته الاساسية  عراقية  صرفة . والسؤال الاخطر :  لماذا مكّنت السياسة الأمريكية الحالية منذ  عهد اوباما حتى اليوم  إيران من تأمين ممر استراتيجي إلى سوريا ولبنان ، وزودت إيران عن غير قصد بمصدر لميليشيات اوليغارية  بالوكالة شديدة الخطورة وعنيفة وشديدة  الولاء للنظام الايراني  مع وسائل لا يمكن إنكارها بشكل معقول لمهاجمة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ؟؟  (8)

اين  هم  الدواعش  ؟ 

الدواعش  الاعداء  الذين  فتكوا  وقتلوا  وحرقوا  واعدموا  واغرقوا  وسحقوا  واشعلوا وقطعّوا رؤوس البشر  .. ولم  يبق  وسيلة  بدائية  عنيفة الا  استخدموها  ضد  البشر  في  مجتمعات  مستقرة  وفي  مدن  عريقة  .. اين  هم  الان  ؟   لم  يقتلوا  جميعا  .. لم  يسحقوا  جميعا  .. لم  يعدموا  ولم يحقق معهم اصلا  !!!! المشكلة  التي  تثير  المزيد  من التساؤلات  والاستفسارات  :  العالم  لم  يعرف  حتى الان  اية معلومات واسرار  وحقائق  دامغة  عن تنظيم الدواعش  ،  وان  من  اسر  منهم  وقبض  عليه  لم  يحاكم  وجاهيا  وعلنيا  امام العالم ! السؤال :  لماذا اخفيت  الحقائق بقصد  وسبق اصرار عن  داعش  من قبل  المسؤولين  العراقيين ؟ وما هي  الاجندة الايرانية  المخيفة  التي  تريدها ايران  ويدير عملها قاسم  سليماني ازاء  الدواعش؟ وقد  جاء  في  واحد من  التقارير  الداخلية  السرية بأن ” ايران  كانت تجند مقاتلو داعش المتحمسين الذين تم أسرهم خلال معركة الموصل لاعادة استعمالهم  ثانية وثالثة  ”  !  .

اوضح ” تقرير ” آخر ، بأن قاسم سليماني  الذي  يقف على رأس  قوة القدس ، قام بالتنسيق مع ميليشيات الحشد الشعبي   PMF ومسؤولي الحكومة العراقية الموالين له  وعلى  رأسهم نوري المالكي لتجنيد مقاتلي داعش الأكثر فعالية وإطلاق سراحهم من السجون العراقية. وتم إطلاق حوالي خمسة آلاف مقاتل من داعش ويجري تنظيمهم وتدريبهم وتجهيزهم من قبل قوة القدس تحت واجهة منظمة إرهابية سنية ستستخدم لمهاجمة القوات الأمريكية والقوات الإقليمية الأخرى. ونجحت ايران  في نسج شبكة خطيرة  جدا منذ  عهد المالكي  تتحكم فيها  قوة القدس  وتتعامل  مع  ارهابيين  منتشرين في العالم (10) .

الموصل  .. الهدف  رقم (1)

لطالما كانت الموصل المدينة والاقليم جزءًا من إستراتيجية إيران للسيطرة على العراق وتوسيع نفوذها في جميع أنحاء المنطقة. من خلال الميليشيات التابعة لها والقوات العسكرية العراقية التي  تتحرك  ضمن ارادة  ايرانية  لا  ارادة  عراقية ، وتتمتع إيران الآن بمنطقة نفوذ واسعة في الشرق الاوسط ،  تمتد عبر العراق إلى سوريا وإلى لبنان وساحل البحر المتوسط. ومع ذلك ، ما لم يتمكن الإيرانيون من احتلال واستغلال السهول العراقية السنية تاريخياً في نهري دجلة والفرات ، فإن الحفاظ على نفوذهم والحفاظ على السيطرة على الممر الاستراتيجي الذي أنشأوه وقاموا  بتأسيسه من خلال الامتداد  نحوه  ،  سيكون مستحيلاً. الموصل هي ثاني أكبر مدن العراق وتتمتع بموقع استراتيجي في  شماله على نهر دجلة. يجب على إيران تأمين الموصل وسدها لضمان السيطرة على السهول العراقية السنية وممرها الاستراتيجي إلى سوريا. وهذه  خطة  ايرانية  قديمة  في  توسعاتها التاريخية  منذ  اربعة  قرون  مضت  ، لا  بل  ان الموصل  التي  تعتبرها ايران هي العدو  رقم (1 ) لها  كونها استعصت  عليها  في  قرون مضت  ، بل  وان الموصل  التي  حاصرتها  ايران  على  عهد  نادرشاه  عام 1156ه /  1743 م حصار شديدا  ، وقد انتصرت  انتصارا  عظيما على  جيوش  ايران  التي  ولت  الادبار  منهزمة  .

هكذا  ، فان  الحقائق التاريخية التي  انكشفت  امام العالم  تقول  انه على الرغم من أن دور إيران في صعود داعش غير معروف ، إلا أن راعي الميليشيات الإيرانية قاطبة  ورئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي قد  تآمرا مع الجنرال قاسم سليماني قبل أن يسيطر داعش على الموصل  لإقامة ممر استراتيجي لايران  في العراق وزعزعة استقرار الموصل التي  عانت طويلا  من  قوى  ارهابية وفصائل  مسلحة وقوات  عسكرية  مارست على مدى سنوات شتى  انواع الاضطهادات  بحق المجتمع  . وفي أوائل عام 2014 ، أرسل قاسم السليماني خطابًا إلى نوري المالكي يبلغه فيه بوجوب كسر عظم الموصل،  فاجابه المالكي أنه لا يكفي أن تسيطر ايران على ديالى وصلاح الدين والأنبار ، فهم بحاجة أيضًا إلى إبقاء الموصل غير مستقرة حتى تصل الميليشيات الإيرانية للقبض  على  انفاسها ، والتحكم  والسيطرة الايرانية إلى الحدود الأردنية. في يونيو / حزيران  2014 ، استولت داعش على الموصل بعد أن أمر رئيس الوزراء المالكي الجيش العراقي الذي كان من واجبه مقاتلة داعش بالانسحاب من المدينة في اكبر  عملية  متخاذلة وتآمرية واجرامية  . وكان المسؤولون في الموصل  يناشدون المالكي  على  مدى  اربعة  ايام  سبقت  احتلال داعش  لضرب  داعش  وايقاف تقدمها  بالسيارات  من  غرب  الموصل نحو  المدينة ، والمالكي  متقاعس  ولا يرد  كونه  قد اتفق  أصلا على  سحق المدينة واهلها ، كونها  ” قلعة  اهل السنة  ”  الذين  يمقتهم  المالكي اذ  تبين  حقده  ضدهم  على  امتداد ثمان سنوات من عهده  الاسود  .

اخطر  عملاء في التاريخ

بعد أن استولت داعش على الموصل ، تآمر قاسم سليماني مع نوري المالكي وخلفه ، رئيس الوزراء التالي  حيدر العبادي ، لتخريب الجيش العراقي واستبدال قوات الأمن العراقية بقوات الحشد الشعبي  (The Popular Mobilization Forces (PMF) التي يقودها،  IRCG. The Islamic Revolutionary Guard Corps ( أي : فيلق  الحرس  الثوري  الاسلامي )  ، وكان التدخل الايراني  في العراق  قد بدأ  مع  2009  ووصل ذروته في 2011  ، وجاء بشكل  سافر  عام 2014  وحتى الان  ضمن التدخل العسكري الدولي ضد داعش ، وورد أن كتيبتين من الحرس الثوري الايراني  تعملان في العراق (9)

ويعتبر الحرس الثوري الإيراني داعمًا رئيسيًا لقوات التعبئة الشعبية او ما  يسمي  بفصائل الحشد الشعبي كما  يسمونه عراقيا ( او  البسيج العراقي ايرانيا ) ، وهو تحالف فضفاض للميليشيات الشيعية المتحالفة مع الحكومة العراقية في قتالها ضد دولة العراق الإسلامية وسوريا (داعش). بالإضافة إلى ذلك ، كان اللواء قاسم سليماني يشكّل قوة فعالة في المهمة البرية الإيرانية في العراق ضد داعش ، وكان قد اشيع  انه قُتل في معركة تكريت الثانية. (10)

في ديسمبر / كانون الأول 2014 ، قتل العميد حميد تقوي ، وهو من قدامى المحاربين في الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988 ، على يد قناصة في سامراء. في مايو / أيار 2017 ، قُتل أيضا  شابان ناصري ، وهو قائد بارز في الحرس الثوري الإيراني ، في قتال بالقرب من الموصل شمال العراق. وفي ديسمبر/ كانون الاول  2019 ، شن سلاح الجو الأمريكي غارات جوية على مخابئ الأسلحة ومنشآت كتائب حزب الله المسلحة التي يرعاها الحرس الثوري الايراني . ردا على ذلك ، هاجمت المجموعة السفارة الأمريكية في بغداد في المنطقة الخضراء. في 1 يناير / كانون الثاني 2020 ، وفي  اليوم  التالي  قُتل اللواء قاسم سليماني في غارة جوية أمريكية بطائرة من دون طيار على مطار بغداد الدولي مع وكيل قائد  PMF الحشد الشعبي  أبو مهدي المهندس (11)..

التغيير الديمغرافي

ولقد  استخدمت إيران الحشد الشعبي لتأمين وتحويل التركيبة السكانية للممر الاستراتيجي ، وخصوصا في ديالى الآن  لتكون احدى  اهم  معاقل ايران في العراق . وستواصل قوات الحشد الشعبي منع السنة النازحين من العودة إلى الممر الاستراتيجي ،  وستكون ديالى منطقة انطلاق للعمليات العسكرية الإيرانية المستقبلية.

تؤمن قيادة قوة القدس بأن على إيران مواجهة كل من الولايات المتحدة الاميركية والبيشمركة الاكراد لحماية ممرها الاستراتيجي نحو  المتوسط  . منذ شهر أيار / مايو  ، تستعد إيران للمرحلة التالية من الصراع في العراق، وتقوم بشكل منهجي بتخزين الصواريخ الباليستية بعيدة المدى ، والصواريخ المضادة للطائرات ، وغيرها من الأسلحة الثقيلة في البصرة وصلاح الدين وديالى. وتشمل الاستعدادات لقوة القدس الايرانية لمواجهة الولايات المتحدة الاميركية إدراج شركة من القناصة في المنطقة الخضراء لاستهداف السفارة الأمريكية وإطلاق النار على بطاريات MLRS التي تسيطر عليها الميليشيات في أبو غريب ورستيا. في الرابع من يونيو / حزيران ، التقى ممثلو قوة القدس بالروس والسوريين والعراقيين في مطار المثنى (بغداد) للتخطيط للاحتلال بالوكالة لكركوك من قبل ميليشيا قوة القدس بقيادة تركمان (12) .

أشار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 47/121 في ديباجته إلى “السياسة البغيضة المتمثلة في” التطهير العرقي “، والتي هي شكل من أشكال الإبادة الجماعية”. جعل منطقة متجانسة عرقيًا باستخدام القوة أو التخويف لإبعاد الأشخاص من مجموعات معينة من المنطقة. “هذا يصف بالضبط ما يتم إبلاغ المركز به على أرض الواقع في ديالى في هذه اللحظة بالذات. الوضع في ديالى شديد للغاية وإذا لم يكن إن التصرف على الفور سيكون وصمة عار كارثية على سمعة المجتمع الدولي والأهم من ذلك كله الإنسانية ، فليس هناك جريمة أشد قسوة وشر في هذا العالم من التطهير العرقي.

ويعد قاسم سليماني – القائد الأعلى لقوة القدس – فرع من الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية الايرانية  ويقوم هذا  الشخص  بعمليات عسكرية وسرية خارج الحدود الإقليمية. وهو شريك أساسي في الجرائم المرتكبة في العراق ، حيث يقوم بتنسيق أعماله مع نوري المالكي وهادي العامري وأبو مهدي المهندس. ويتولى مهام قائد العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات العراقية. يمكن العثور على العديد من الصور ومقاطع الفيديو الخاصة به بصحبة رجال الميليشيات وزعماءها ، أو القوات النظامية العراقية  (13).

وبدعم من صندوق الحرب الذي يتكلف عدة مليارات من الدولارات والممول  عراقيا ، تحولت الموصل إلى مقر لشبكة المالكي / إيران / داعش وستكون منطقة انطلاق لعمليات قوة القدس وقوات المقاومة الإسلامية في المستقبل. لقد أنجزت قوة القدس بالفعل ثلاث خطوات أساسية ضرورية لإنشاء شبكة دولية لتسهيل الإرهاب. أولاً ، وإنهم كما  بدا واضحا  وفاضحا يغيرون التركيبة السكانية للموصل من خلال التغيير الطائفي، ويحولون المدينة إلى معقل إيراني. وقيام PMF  بمنع النازحين  والمهجرين  من أهل السنة للعودة إلى الموصل ثانيا  ،  وقد قام سماسرة السلطة الموالون للمالكي والطبقة السياسية الحزبية من حزب الدعوة خصوصا بشراء مساحات كبيرة من الممتلكات والاراضي والبساتين  في مدينة الموصل  وضواحيها   لإيران ، و PMF ، وحزب الدعوة والسيطرة  على  الوقفيات السنية (14).

توظيف الارهاب 

يستخدم الإيرانيون في الغالب مقاتلي داعش الأسرى الذين  قبض  عليهم  والذين  ينتمون  الى  بعض الدول الغربية ، وينظمونهم في قوة إرهابية بالوكالة (داعش 2.0). ويتم إعطاء المقاتلين المجندين مساكن في منطقة الموصل. بعضها “مغمور” بشكل  متفرق  لا  يعرف  من يكون  ليزرع  في  المجتمع  ويعطى هويات شيعية جديدة تثبت انتسابه  الى  الشبكة  التي  يقودها  سليماني  ، بينما حصل البعض الآخر من  رموز  داعش  على مناصب في “قوة القدس” الفرعية  التي تم تشكيلها مؤخرًا بقيادة قوات التعبئة القبلية السنية (TMF). بينما راقبت الولايات المتحدة الاميركية ، عندما استفادت قوة القدس من هزيمة داعش في الموصل وأنشأت شبكة دولية لتيسير الإرهاب وتطوير  الياته  .

على الرغم من أن ذلك يمثل تهديدًا وشيكًا للمدن في  العالم  الغربي  ،إلا أن إيران ستستخدم على الأرجح ISIS 2.0 لمهاجمة المجتمعات الشيعية في جنوب العراق قبل نهاية العام. إن التهديد الوحيد لاستمرار سيطرة إيران السياسية على العراق هو نشوب  تمرد  شعبي  عارم  في العراق  وخصوصا  اندلاع  ثورة  شيعية  عند عرب  الجنوب  من العراقيين ،  وستقوم قوة القدس وحزب الله في الوقت الحالي بتدريب إرهابيي داعش 2.0 والقاعدة في منشأة تدريب بالقرب من شيخون ويخططون لاستخدامهم لمهاجمة أهداف مدنية في النجف. النجف هي ثالث أقدس مدينة في الإسلام الشيعي وهي مهد ومعقل المجتهدين الشيعة . سيكون الهدف من هذه الهجمات الإرهابية إثارة العنف الطائفي بين الشيعة والسنة. لقد بدأت قوة القدس أيضًا التعاون مع داعش في سوريا واستخدمت حزب الله مؤخرًا لنقل مقاتلي داعش من الحدود اللبنانية / السورية إلى دير الزور بسيارات  مبردة  من اجل  زرع القتنة في العراق  وسوريا معا (15).

واخيرا

يجب على الولايات المتحدة الاميركية التوقف عن الرد على الأحداث الإرهابية والبدء في صياغة سياسة خارجية تدمر الإيديولوجية التي تغذي الشبكات والدول الإرهابية. يجب أن تبدأ في تحميل الجهات الفاعلة الحكومية المسؤولية عن انتشار هذه المجموعات وخلق الظروف التي تسمح لها بالنمو. إن الطريقة الوحيدة لإنهاء البلاء العالمي للجماعات الإرهابية الإسلامية هي استهداف وسيط قوتها الحاسم ، جمهورية إيران الإسلامية.  ان من يعيش  الواقع  ، لا  يدري  او  يلم  بكل  خفاياه  ، ولكن  قراءة التقارير  والتأمل  في  مجريات  الامور  لعدة  دول  في الشرق  الاوسط  ، والتأمل في  دور اللاعبين الرئيسيين والوصول إلى الجنرالات والجواسيس وواضعي السياسات والجنود واللاجئين النازحين الابرياء ، تمنحنا  الثقة  بانعدام  العدالة  واللعب  بمصائر الناس  في  اسوأ مرحلة  زمنية  وتراخي عزيمة الدول بعد هزيمة داعش لأعادة تشكيل مستقبل الشرق الأوسط. ان مجتمعاتنا لا تمتلك  معركة  واحدة  ضد  الاعداء  ، لأن  اعدائها يعيشون في  دواخلها  ، وان  مجتمعاتنا  بحاجة  اساسية لمعرفة  الحقائق  بعد  ان  تفرز الاخيار  من الاشرار  .

ان  زوال  داعش  لا  يعود  الى  رجل  واحد  بمفرده  ، فمن المستحيل  ان تسند  اليه  المتغيرات على أرض الواقع ، ويسند  الفضل اليه ويستلب  من الاخرين!!   بعد هزيمة داعش. هناك أكثر من سبعين دولة أعضاء في التحالف الدولي الذي تم تشكيله عام 2014 لهزيمة الدولة الإسلامية (ISIS). بعد قيام ISIS بتوفير مخطط واقعي لكيفية إعادة تشكيل الولايات المتحدة والقوى الإقليمية للمنطقة في السنوات القادمة. إن فهم هذه الأحداث والخيارات المقبلة سيحدد ما إذا كان داعش والأيديولوجيات المماثلة ستعاود الظهور ان لم  تفرض  ضوابط  ومعايير  في  السياق  السؤال :  هل  باستطاعة  الجيل الجديد  ان  يفرض  هيمنته  واختيار  قيادات  جديدة  من  جيل أصغر ،  ويمكن  التعويل  على  قادة جدد  يتمكنوا من تشكيل شرق أوسط جديد. مع تراجع داعش وزوالها  كظاهرة خطيرة  ،  غدا  دورها  في  ذهنية  البعض  بمثابة  ” حصان  طروادة ”  .  نعم ، هكذا أصبح العالم عند مفترق طرق تاريخي فريد من نوعه في الشرق الأوسط. وان القرارات المتخذة الآن في المنطقة وفي واشنطن تهم أكثر من أي وقت مضى. طهران والولايات المتحدة الاميركية  على نحو متزايد في مسار تصادمي للنضال من أجل الفراغ الذي خلفه داعش في العراق وسوريا.

المصادر  المعتمدة والهوامش  والتوثيقات

(1) R.M. Savory, “Rise of a Shi’i State in Iran and New Orientation in Islamic Thought and Culture” in UNESCO: History of Humanity, Volume 5: From the Sixteenth to the Eighteenth Century,(   London ; New York : Routledge ; Paris., 1994  P. 263.

(2)  Fred Halliday , Revolution and World Politics”, , “Internationalism in Practice: Export of Revolution”  4,  ( 1999) ,  pp. 94–132.

(3) Levitt, Matthew (2013). Hezbollah: The Global Footprint of Lebanon’s Party of God. Georgetown University Press. p. 289.

(4) Malakoutikhah, Zeynab (10 September 2018). “Iran: Sponsoring or Combating Terrorism?”. Studies in Conflict & Terrorism: 1–27.

(5)Slavin, Barbara,  “Iran and al Qaeda: More Enemies Than Allies”. Al-Monitor, 08.02. 2013.

“(6) Designation of Iranian Entities and Individuals for Proliferation Activities and Support for Terrorism”. United States Department of State. 25 October 2007.

(7) Pelham، Nicolas , “ISIS & the Shia Revival in Iraq”. New York Review of Books. Dated (4 June 2015).

(8) Gordon، Michael R.؛ Schmitt، Eric , “Iran Secretly Sending Drones and Supplies into Iraq, U.S. Officials Say”. The New York Times. Dated (25 June 2014).

“U.S. sanctions brother of Iran’s Quds force commander: White House”.(9) Reuters. 13 April 2017.

(10)  راجع :  صفحه‌اصلی اخبار سرخط اخبار حاج قاسم چگونه زندگی می‌کند    حاج قاسم چگونه زندگی می‌کند  سر خط اخبار   ۰۲ شهریور ۱۳۹۴ | ۱۵:۲۷ کد : ۱۹۵۱۲۹۹

(11)  Alfoneh, Ali (July 2011). “Iran’s Most Dangerous General” (PDF). Middle Eastern Outlooks. 4. Archived from the original (PDF) on 25 July 2012

“COUNCIL IMPLEMENTING REGULATION (EU) No 611/2011 of 23 June 2011”.

“Syria: Deadly protests erupt against Bashar al-Assad”. BBC News. 24 June 2011.

“Ordinance instituting measures against Syria” (PDF). Federal Department of Economy. Archived from the original (PDF) on 2 October 2013. Retrieved 24 February 2013.

(12) “BBC News – Iran’s Qasem Soleimani wields power behind the scenes in Iraq”. BBC News.

(13) GICJ Reports, “IRAQ: Ethnic and Sectarian Cleansing In Diyala” , Geneva International Centre for Justice ,  Independent, non-profit, non- governmental organization, dated  17 February 2016    see,  https://www.gicj.org/gicj-reports/500-human-rights-in-iraq-diyala-province-2

(14)   Seth J. Frantzman,  After Isis: America, Iran and the Struggle for the Middle East (  Gefen Publishing House (September 30, 2019), pp. 89-112.

(15) Leith Fadel. “Syrian Army and Hezbollah Capture 25km of Territory in Southern Aleppo While the Islamists Counter”. Al-Masdar News.

 

تنشر  على  الموقع الرسمي  للدكتور سيار الجميل  بتاريخ  18 شباط / فبراير 2020 

http://sayyaraljamil.com/

انتظروا الحلقة  الخامسة

شاهد أيضاً

مصالح العراق العليا والاملاءات الأميركية

مصالح العراق العليا والاملاءات الأميركية أ.د. سيّار الجميل ظاهرة جديدة : املاءات بعنوان حوار ها …