الرئيسية / الرئيسية / رموز وأشباح الحلقة 27 : انحدار الذاكرة العراقية من التاريخ الكاريكاتيري الساخر الى الاسفاف

رموز وأشباح الحلقة 27 : انحدار الذاكرة العراقية من التاريخ الكاريكاتيري الساخر الى الاسفاف

ذاكرة العراقيين الساخرة : التشبيهات المقذعة والتوصيفات الهزلية
يبدو ان مجتمعنا العراقي السياسي اليوم يشبه إلى حد كبير بيت عنكبوت ، وتشبيه الساسة العراقيين بالعناكب ، فالعنكبوت ما ان يكبر حتى يأكل ابويه ! ان كانت صفات قبيحة تطلق على ساسة وزعماء وقادة عراقيين جزافا ، فانها اليوم تطلق حقيقة واقعة ، ذلك ان المصالح الشخصية والأنانية والفردية والفئوية طغت اليوم على السلوك الوطني والحضاري والأخلاقي وحتى الانساني عند الطبقة السياسية العراقية ، بحيث اثبتوا بما لا يقبل مجالا للشك ابدا ان التعابير التي كانت تكال بلا حدود لها حقيقتها على الارض . وغدت اللعنات والشتائم وقد حلّت محل تاريخ كاريكاتيري ساخن للعراقيين حيث تميزوا سابقا بالظرف والسخرية والاستهزاء ، وخرجت مثل هذه الظاهرة من مستودعها الادبي الى التجريم والتخوين والموت والبشاعة .
ومن المؤلم ان العراقيين قد اعتادوا عليها وعلى سماعها ازمنة متعددة ، فلم يعد يلتفتوا اليها حتى الان ، ولا يرون مستقبلهم ومستقبل بلادهم اليوم الا في هذه الطبقة الحاكمة الخؤونة المنتشرة في كل مكان ، وان المدافعين عن الباطل يمتدون في كل الزوايا .. وان الخبيث بات يأكل الطيب علنا بعد ان كان يأكله سرا ! وكثيرا ما سمعنا من البيانات السياسية الانقلابية او الحزبية قائمة كبيرة بالتشبيهات غير اللائقة والالقاب والاوصاف السمجة تطلق على ملوك ورؤساء ووزراء وسفراء ومسؤولين كبار ، مثل : المجرم والخداع وعدو الاله والخائن والعميل والجبان والغادر والهارب والمهرج والمجنون والشعوبي .. الخ وقبل ذلك بايام او بساعات كانت تكال اوصاف مناقضة مثل : الباسل والشجاع والاوحد وابن الشعب البار والبطل والوطني والثائر والمارد وبطل التحرير وزعيم الثورة وابو الثورات الثلاث والاب القائد والقائد الضرورة .. الخ كلها جزء من سايكلوجيات الشخصية الجامحة التي تتفنن في الاهانة والتجريح .. واعتقد ان مؤسسات العراق التربوية او التعليمية او الاعلامية لم تعالج مثل هذه ” الموضوع ” ، فهو راسخ في الشخصية العراقية سايكلوجيا واجتماعيا . وعليه ، فلم ينفع ابدا ما قاله الشاعر جميل صدقي الزهاوي : 
إذا أهين لبيب وود من سيم خسفا بالسب قال سلاما لو استطاع انتقاما
فالاهانة يتوالد عنها الانتقام ، وان ثمن التجريح كبير لا يمكن للجرح ان يلتئم الا بالثأر بعد معاناة وكبت وهذا ما حصل في مجتمع العراق على امتداد القرن العشرين .. ومن يراجع الصحافة العراقية على امتداد مائة سنة ، ومن كان يستمع الى الاذاعات وبرامجها السياسية وتعليقاتها القاسية .. ومن كان ولم يزل يراقب شاشات التلفزيون سيقرأ ويسمع ويشاهد تاريخا كاريكاتيريا مضحكا من خطاب السب والشتم والتجريحات والاهانات والاوصاف العجيبة والغريبة بحق رؤساء وملوك ووزراء ورؤساء احزاب ونواب واصحاب مناصب وذوي جاه ونفوذ ومصالح .. الخ

قاموس كاريكاتيرية الذاكرة السياسية العراقية 
يزدهر تاريخ العراق المعاصر بالمشاهد الكاريكاتيرية ، وخصوصا ابان العهد الملكي الذي اعطى مساحة من الحريات ، ليقول معروف الرصافي ما يريد عن بلاط ام ملاط ! ويهجو الملا عبود الكرخي على سجيته ولسانه السليط سوط ما يريد على ابي ناجي وعن الركاعين ! ويذيع يونس بحري بصوته الجهوري ما يذيع ! ويصدر نوري ثابت مجلته حبزبوز المليئة بالطرائف ، ثم تصدر الفلقة وعلى واجهتها القندرة والقيطان وغيرها .. ثم يخرج على الشاشة عزيز علي بمنولوجاته الساخرة التي ينتظرها الناس فضلا عن فرقة الزبانية وادوارها .. كما كان اغلب البغداديين يحبون الظرافة ويجيدونها اصالة لا تكلفا , ومن ابرزهم حمادي الناهي صاحب الكشكول ، وعبد الحميد فخري الذي اصدر جريدة ( بالك ) وعبود الشالجي وسعاد الهرمزي وفخري الزبيدي وابراهيم الزبيدي وغيرهم . ولا يمكن نسيان اشعار الجواهري وبحر العلوم وحسين مردان وغيرهم وكان هناك صادق الازدي قد اصدر مجلته المعروفة (قرندل) 1947 واستمرت حتى ايلول 1958 حيث اوقفوها تماما عن الصدور! وبقي هذا الفن الكاريكاتيري رائجا عند العراقيين مع مجيب حسون في مجلته المتفرج على العهد العارفي ، ولكنه فن أخمد ومات مع التحولات عام 1968 . وبقي يحمل شمعته فنان الكاريكاتير الشهير مؤيد نعمة الذي بدأ مع مجلة المتفرج وعاش مرحلة خطيرة حتى رحل عام 2005 .. لم يبق من رسامي الكاريكاتير العراقيين الكبار الا الفنان عبد الرحيم ياسر ، والفنان الشاب الراحل احمد الربيعي الذي مات ميتة غامضة 2014 بعد ان هدد بالقتل .. 
ولكن ؟ 
شاع بين العراقيين ، وخصوصا في تعاطيهم للسياسة تعابير : الخونة والخائن والمتآمر والمؤامرة والمتآمرين المجرمين .. إلى الرجعية وأعوان الاستعمار ، وأذناب الانكليز وعدو الله وعدوكم .. إلى العميل والعملاء والجيب العميل .. إلى الموتورين والوصوليين .. الى الإقطاعيين مصاصي دماء الفلاحين .. إلى الشعوبيين أعداء الأمة الى الشوفينيين العنصريين .. إلى البورجوازيين العفنيين والاعيان المعتوهين .. إلى الغدر والغادرين وشذاذ الافاق والمأجورين والمرتزقة انتقالا الى الكفار والمارقين والمتصهينين والأشرار والأقزام والحاقدين .. وصولا إلى الروافض والنواصب والمشعوذين والدجالين والطائفيين والارهابيين والتكفيريين .. وقد تزداد اللغة قبحا بالقلم العريض لوصف المعارضين والمخالفين بالتافهين والمجانين والقذرين وبالسفلة والقوادين ( او : الكواويد ) وأولاد الزنا وأولاد الشوارع واولاد الخنا واولاد الحرام حتى بلغ المدى بمظفر النواب ليطلق عليهم جميعا : يا اولاد القحبة لا استثني منكم احدا .. الخ وكان من اشهر الفنانين العراقيين الكوميديين الساخرين : يوسف العاني وسليم البصري وخليل شوقي وخليل الرفاعي ووجيه عبد الغني وقاسم الملاك وحمودي الحارثي .. وغيرهم .

بعض التوصيفات االساخرة السمجة
كلها استخدمت على السنة ساسة واقلام اعلاميين وكتاب وصحفيين يرددون من يريده الحكام والمحكومين .. من قادة ومتحزبين وضباط أحرار وانقلابيين ورجال دين ومسؤولين .. ولم ينج الملوك والرؤساء والامراء والشيوخ العرب من اقبح التوصيفات والمسميات ، فوصفوا ملكا عربيا بالقزم ( مأخوذة من عبد الناصر )، ووصفوا رئيسا مصريا بأبي خشم او ابن البوسطجي ، ورئيسا مصريا ثانيا بأبي رغال ، ورئيسا مصريا ثالثا بالبقرة )( أو : حسني الخفيف ) ، واميرا كويتيا بقارون ، وزعيما ايرانيا بالدجال ، ورئيسا سوريا بالماكر المخادع ، وملكا سعوديا بالدب السمين ، ورئيسا عربيا آخر بالكلب المسعور ، ورئيسا يمنيا بـ ” الحرامي ” .. ووصف مؤسس حزب قومي بـ ” المشفلق ” الخ وما كان يسمع ويشاهد من اهانات اطلقت في محكمة رسمية اسموها بمحكمة الشعب ، واطلق عليها الناس بمحكمة المهداوي التي اطلقت على لسان رئيسها جملة من العبارات المقذعة والاوصاف المهينة على الناس ليس عراقيا ، بل عربيا ! ولم يقتصر استخدام تلك اللغة المشينة في بيانات ومحاكمات واجتماعات وخطابات وشعارات وكتابات وصحف ومجلات وإذاعات .. بل جرى استخدامها في اللغة المحكية في المقاهي والحانات والمدارس والجامعات والنوادي والنقابات وساحات الاجتماعات بين الناس ، بل وحتى في التعليقات الإذاعية او الحوارات التلفزيونية في الفضائيات مؤخرا .. 
لا يمكننا أن ننفي وجودها باعتبارها مجرد تعابير تقال ، ولكنها حتى وان لم يكن لبعضها أية مصداقية ، فهي تعبر عن وجود لها في الذاكرة الشعبية العراقية سياسيا أم اجتماعيا .. وسواء تأخذنا العزة بالإثم لنفيها عن هذا دون ذاك ، أو تكريسها لأولئك دون هؤلاء ، فان الخيانة والتآمر والعمالة والتمرد والغدر والشماتة والعمالة والارتزاق والمأجورية .. موجودة كلها واقعيا ، وهي امتداد لما ازدحم به تاريخنا العراقي المعاصر من مشاهد مخزية تماما !اكلت ادوارا بطولية ومنجزات تنموية رائعة وجعلتها كلها في كفة والخيانة في كفة اخرى، فالخيانة خروج عن قسم مؤدى او عدم الوفاء بتعهد مقطوع او التخلي عن عقد مشروع ! ويصل الأمر إلى المستوى الشخصي ليقال عن الباشا ( قندرة ) وعلى البيك ( قيطانه ) ، ويطلق على الزعيم ( ابو جنية او الهمشري ) ، وعلى المشير الركن ( حاجي مشن ) ، وعلى رئيس وزرائه السمين ( سفن أب ) وعلى الرئيس الفريق ( الخروف ) ، وعلى الرئيس المهيب بـ ( ابو الهايشة ) ، وعلى السيد النائب ( ابو الثلج ) ، وعلى تافه حمل اعلى الرتب ( علي كيمياوي ) ، وقيادي آخر عندما يريدون اهانته يسمونه بطارق حنا !! واكتفوا بتسمية من ارتعبوا منه بـ ( صاحبنا ) .. اما اليوم ، فقد اطلقت جملة هائلة من الاوصاف والتسميات على خونة واجراء ومشعوذين ودجالين وذوي محابس ، فهناك من يلعب بانفه امام التلفزيون ، او من يهذي علنا وكأنه شبح يتكلم اللامعقول ، او ثمة من ينسلت بنطاله امام الناس ، او من يفضح نفسه من خلال بواسيره .. الخ ولم تقتصر على ساسة ونواب وعسكريين فقط ، بل مورست ضد شعراء وادباء ومثقفين كبار ورجال اعمال وغيرهم .

وأخيرا : هل ستتوقف هذه الحالة ؟ 
لم تصل سخرية العراقيين كاريكاتيريا الى الدرجة التي وصلها المصريون خصوصا ، اذ ان الاخيرين مهرة في السخرية المتفوقة جدا بحيث لا تصل الى ذروة السخونة ولا تنحدر الى اسفل الميوعة ، ولكن ما يتميز به العراقيون ، انهم اكثر حدة ، واقوى مرارة ، واغلظ لسانا في الشتم والاستهانة .. خصوصا وان العراقيين لهم ميراث طويل وزاخر جدا في شعر الهجاء منذ ايام المتنبي العظيم وحتى القرن العشرين . واعتقد ان الحالة العراقية لم تتوقف حتى بظهور اجيال جديدة ، فما يكتب اليوم ليس في ابواب ادبية ، بل على صفحات الميديا الاعلامية لا يمثل حالة محكمة من الظرافة ، او الادب الساخر ، ولا يرتقي الى ان يكون نخبويا ، بل غدا سوقيا مبتذلا وسبابا مهينا ممزوجا باللعنات الدينية والميوعة التافهة .. ناهيكم عن الاوصاف المقذعة التي تدور في اطار سياسي لا اجتماعي .. ولم تعد للعراقيين تلك النفسية المدنية التي ترغب بسماع ادب ساخر او توصيفات يتناقلها الناس بشغف اجتماعي بمختلف نكهاته العراقية . فهل من رجعة قريبة لفن السخرية وادب النقد الساخن وفن الكاريكاتير الرائع ؟؟

انتظروا الحلقة القادمة 
تنشر بتاريخ 6 ابريل / نيسان 2019 على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/

شاهد أيضاً

كم ستبقى محنة نينوى ؟؟

كم ستبقى محنة نينوى ؟؟د. سيّار الجميل الموصل عاصمة نينوى والتي صنّفت مدينة منكوبة اثر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *