الرئيسية / الرئيسية / أديب الجادر باقياً في الوجدان

أديب الجادر باقياً في الوجدان

رحل يوم 10 مارس/ آذار الجاري، الأستاذ العراقي القدير والوزير السابق أديب عزّت الجادر، إذ غادرنا في رحلته النهائية، بعد مضيه سنواتٍ طويلة مريضاً، يعاني وحده في دار للعجزة في جنيف. وكان فاقداً ذاكرته، فلم يستطع أن يتعرّف إلى أقرب المقربين إليه. وكان العراقيون قد نسوه تماماً، بعدما كان أحد أبرز رجال النخبة العراقية المثقفة من التكنوقراط القوميين المؤمنين بالديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ قدّم للعراق وأهلِه خدمات مثلى، طوال حياته الوظيفية والنضالية. وكان المدير العام السابق لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت خير الدين حسيب، الوحيد الذي يتردّد عليه، إذ كان من أعزّ أصدقائه، وابن خالته، وتلازما معاً طوال حياتهما، وبقي رفيقه منذ زمن الصبا حتى الرحيل.
ولد الراحل في أسرة معروفة في الموصل سنة 1927، وعمّه التاجر الشهير محمد نجيب الجادر، وكانت وفاة والده في حياة جده سبباً في حرمان أديب من ميراث العائلة وأملاكها وفقاً للشرع الإسلامي، الأمر الذي أدى به أن يكون عصامياً، وكان وحيداً لأمه التي اعتنت به كثيراً، وكان تكوينه التربوي والتعليمي في ما بين الحربين العالميتين، درس في مدارس الموصل، وسافر إلى إسطنبول لدراسة الهندسة الصناعية، وتخرج فيها 1949، وعاد إلى بغداد ليلتحق مهندساً، ثم مديراً مفوضاً لشركاتٍ صناعية في الخمسينيات من القرن الماضي، مثل شركة الغزل والنسيج العراقية في الكاظمية التي كانت تضم مصنع “الوصي”، وانخرط منذئذ في الحياة السياسية التي سبقت انقلاب 14 تموز/ يوليو 1958 على النظام الملكي. وكان سياسياً قومياً معارضاً مؤمناً بالديمقراطية، له مقاربته من الاتجاه الناصري، وكوّن منذ ذلك التاريخ علاقاته الوطيدة مع لفيفٍ من السياسيين القوميين اللبنانيين، حتى زوال العهد الملكي. وبناءً عليه، يعدّ الرجل من أوائل الناصريين العراقيين، وانخرط في كلية التجارة في بغداد، وتخرج فيها 1954. 
كان أحد أبرز مؤيدي النظام الجمهوري، إثر انقلاب 14 تموز، فعيّن في وزارة الاقتصاد مديراً عاماً لشؤون النفط. على عهد وزيرها إبراهيم كبة، ومشرفاً على شؤون العلاقات مع الشركات المنتجة للنفط. وفي بدايات 1959، كان عضواً في الوفد العراقي إلى مصر، والمشارك في المجلس الاقتصادي لجامعة الدول العربية، وضم الوفد نخبة ممتازة من الاقتصاديين العراقيين الحاذقين، أمثال محمد سلمان حسن وجميل ثابت وأندراوس مراد الشيخ وطلعت الشيباني وغيرهم، ولكن أديب استقال بعد استفحال الخلاف مبكراً بين القوميين والشيوعيين. وغدا معارضاً لحكم عبد الكريم قاسم، ليعود قريباً من السلطة، بعد مصرع قاسم، على أيدي البعثيين في 1963. إذ برز قيادياً سياسياً، بعدما كان قائداً نقابياً، فقد انتخب رئيساً لنقابة المهندسين أربع دورات: الثالثة 1961 والرابعة 1962 والخامسة 1963 والسادسة 1964، وشغل منصب رئيس اتحاد الصناعات العراقية في 1963. وكان قد تقدّم دوره بعد إطاحة حكم البعثيين في 2/ 11/ 1963، إذ أصبح عضواً قيادياً في مجلس الرئاسة المشترك مع الجمهورية العربية المتحدة 1964، وتولى عدة مناصب في العراق، منها إعادة انتخابه رئيساً لاتحاد المهندسين العرب 1965، ووزيراً للصناعة 1964، وترأس الوفد العراقي إلى الاتحاد السوفييتي في 25/ 2/ 1965، حين أجرى محادثاتٍ أسفرت عن تصديق الاتفاقية الإنتاجية الاقتصادية. وفي 11/ 7/ 1965 تخلى عن منصبه، لينصّب رئيساً لمجلس إدارة شركة النفط الوطنية في العراق، وعضو اللجنة الاقتصادية الوطنية لخبراء النفط في 1966، ثم اختير وزيراً للاقتصاد في 30/ 10/ 1967 ضمن حكومة طاهر يحيى. وكان قد ألّف كتابي “خمسة مقالات في صناعة النفط” و”صناعة الغزل والنسيج في العراق”، فضلاً عن دراسات ومشاركات أخرى. 
وينبغي الوقوف عند دور الرجل في السنين الأخيرة من حكم عبد السلام عارف، فقد انصرف إلى العمل في المعركة النفطية، بعدما أصبح عضواً في اللجنة العليا للنفط، وكان دوره مؤثراً في السياسة النفطية العراقية، وبدأت المفاوضات في 2/5/1964، التي دامت 13 شهراً، وانتهت 3/6/ 1965. وتم التوصل إلى مشروع عقد اتفاقيتين منفصلتين. وقد اتبع سياسة منع شركة نفط العراق من الاستيلاء ثانية على الحقول النفطية التي تم الاستيلاء عليها، بموجب القانون المعروف المرقم 80 لسنة 1961، ومحاولات شركة النفط الوطنية استثمار حقل الرميلة الجنوبي وتطويره. وعرضت اتفاقية شركة نفط بغداد على مجلس الوزراء، فأحدثت انقساماً شديداً بين أعضائه، أدّى إلى استقالة ستة منهم، في مقدمتهم وزير الصناعة أديب الجادر. وعند عرضها على مجلس قيادة الثورة، ظهر أن المجلس لم يكن على علم بتفاصيل مجريات المفاوضات، ما أدى إلى عدم حصول موافقته على الاتفاقية كذلك. وكما ترى المؤرخة فيب مار، في كتابها عن تاريخ العراق المعاصر، أن تلك السياسات لم تمسّ مصالح شركة نفط العراق فحسب، وإنما أثّرت على مجمل السياسة العراقية الخارجية، بل أثرت على مستقبل العراق الداخلي، وستحاول شركات النفط أن تعمل على تغيير السياسة العراقية. 
عندما رجع البعثيون إلى الحكم في يوليو/ تموز 1968، تم اعتقال أديب الجادر بلا أي تهمة. وبقي سنة كاملة معتقلاً بلا محاكمة، ونال قسطاً كبيراً من التعذيب في قصر النهاية، وأطلق سراحه في 1969، وكانت أيام الاعتقال من أصعب أيام حياته، وقد أفرج عنه بتأثير من الرئيس جمال عبد الناصر (كما حدثني عنها لاحقاً في بيروت إبان التسعينيات ، وكان يسّرني اسراره كونه يعتزّ بي كثيرا ). ترك العراق ولجأ سياسياً إلى القاهرة التي احتضنته قبل رحيل عبد الناصر، الذي كان على معرفةٍ قوية به. ولم يزر العراق مرة أخرى حتى 2003، بعدما سقط نظام البعثيين الذي عارضه معارضة شديدة في الخارج، إذ قام بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان 1983 في ليماسول، وغدا رئيساً لها في 1997. انتقل إلى جنيف للعمل في منظمة الأمم المتحدة (أونكتاد للتجارة والتنمية)، وعمل رئيساً للهيئة الاستشارية العراقية التي تزاول نشاطها من الخارج، وهي هيئة علمية تقدّم دراسات حول القضايا العراقية. وشغل الراحل مواقع ثقافية وفكرية مهمة، أبرزها عضويته في مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية. وما يميز الرجل أنه كان كثير التحرّي، وشديد الدقة إزاء المعلومات التي تصل إليه من العراق، عبر الجهات الدولية المعادية للعراق والأمة العربية. 
وقف أديب الجادر ضد نظام العقوبات غير الإنساني، الذي فرض على العراق، ودعا إلى إلغائه، كما رفض التعاون مع أي قوى خارجية لغزو العراق، على الرغم من عدائه الشديد لنظام صدام حسين. وفي مقابلة له عشية الحرب على العراق، قال “نحن ضد الحرب، ولا نريد أن يُحتل العراق من جديد أو يُحكم عسكرياً.. ولا يمكن الخروج من هذا المأزق الخطير إلا باحترام الإرادة الشعبية، وتنظيم انتخابات حرة، والقضاء على أساليب القمع، وضمان الحريات، وتأكيد وحدة العراق باحترام كل مكوناته الدينية والعرقية. كما كان من الشخصيات العراقية التي وقعت بياناً في 22 /2/ 2003 يتضمن نداءً ضد الحرب، وضد صدام، حذرت فيه من “أخطار حرب مدمرة بالنسبة للشعب العراقي وشعوب المنطقة والأمن والسلم في العالم”، وطالبت صدام حسين بالتنحّي عن الحكم.
وبعد الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، زار العراق مرة واحدة، وكانت له آراؤه الممتازة في إعادة بناء العراق على أسس مدنية وديمقراطية جديدة، ولكنه لم يوفّق في مهمته الاستراتيجية، فعاد ليقدم أفكاره لانتشال العراق من مأزق تاريخي وقع فيه.. وكم كنت أتمنى أن يستفاد من الرجل ، فهو من خيرة رجالات العراق .. الرحمة له، وكل العزاء لعائلته الكريمة وكل اصدقائه في العالم ، وستبقى ذكراه الطيبة مغروسة في الوجدان.

نشرت في العربي الجديد / لندن ، الاحد 17 آذار / مارس 2019 ، ويعاد نشرها على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/

شاهد أيضاً

كم ستبقى محنة نينوى ؟؟

كم ستبقى محنة نينوى ؟؟د. سيّار الجميل الموصل عاصمة نينوى والتي صنّفت مدينة منكوبة اثر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *