الرئيسية / الرئيسية / رموز وأشباح : الحلقة 23 : ستون عاماً على احداث الموصل المأساوية 8-9 آذار / مارس 1959 ( التاريخ الصامت لم يكتب بعد !)

رموز وأشباح : الحلقة 23 : ستون عاماً على احداث الموصل المأساوية 8-9 آذار / مارس 1959 ( التاريخ الصامت لم يكتب بعد !)

أ.د. سيّار الجميل

ذكرى تاريخية صامتة

في الثامن من شهر مارس / آذار الجاري  2019، تمر  ذكرى تاريخية صامتة على احداث الموصل المأساوية  .. انها ذكرى مرور 60 عاما على أقسى الأحداث التاريخية الصعبة التي لم أجد عنها ما يكفي من الكتابات والدراسات  المعمقة  والموضوعية  ،  ولا أي اهتمامات تذكر  بالرغم من اهميتها التاريخية البالغة في تاريخنا العراقي المعاصر .. انني اعتقد انها واحدة من اهم افرازات احداث 14 تموز / يوليو 1958 السابقة، كما كانت هي نفسها واحدة من عوامل احداث 8 شباط / فبراير 1963 اللاحقة  .. علما بأنها من الدروس التاريخية التي ينبغي ان يتم التوقف عندها طويلا ، ليس من قبل بعض المختصين والمؤرخين حسب ، بل لابد ان يتعلم منها كل الناس في عموم العراق بعد انقضاء ستة عقود زمنية على مآسيها وفواجعها .. وعلينا ، منذ البداية ، ان نكون منصفين وحياديين وموضوعيين .. ومتجردين من اية عواطف سياسية او أيديولوجية او  جهوية او حزبية  في تقييم ليس هذه الاحداث فحسب ، بل في كتابة كل التاريخ ، وخصوصا تاريخنا العراقي الذي يلازمه الانقسام دوما  وعدم الانسجام .. ان جناية الصراع السياسي الذي ولد في العراق المعاصر ، انما يتمثّل بالانقسام الاجتماعي الذي انتجه ، وكان واحدا من اهم تداعياته التي يتجاهلها الجميع !

اننا نصمت دوما على ما يعتري واقعنا من اضطرابات وانقسامات وبشاعات ، فكيف بهذا الذي مضى عليه ستة عقود زمنية كاملة بقضّها وقضيضها  ، صحيح ، انه لما يزل من تبّقى على قيد الحياة يتذكر ما جرى جيدا ، ولكن ثقل ما حل بالعراق من مصائب ونكبات وفواجع ، جعلتنا لا نتعرف ابدا على ما كان من الوان مضطربة ، وعلى أوضاع مهترئة وعلى  مجتمع  يكره  بعضه  بعضا  .. ان مجرد مرور 60 سنة على اية احداث صعبة ، فانها تصبح مجردة من اية ارتباطات وتعاطفات ، وتغدو ملكا لاصحابها من ابناء جيلين سابقين .. وهي  مؤهلة  للتحليل  والدراسة  الدقيقة  للخروج  بدروس  منها  .  

دعوة إلى تشكيل رؤية تاريخية عراقية جديدة

ان دعوتي اليوم ليس بالاهتمام بهذه الذكرى فقط ، بل بكل أحداث وشخصيات القرن العشرين ، إنما تنطلق من حاجتنا نحن العراقيين إلى التأمل قليلا في ما جرى في العراق من انقسامات وصراعات سلطوية وحزبية وإيديولوجية ، ليس بهدف الإثارة وتعزيز التخندقات ، وفضح الإساءات ، بل من اجل جعلها دروسا تاريخية ذات عبر ومعان كثيرة .. إن بعض الأصدقاء يلومونني أنني أثير مشكلات الماضي في ” رموز  وأشباح ”   ، وهم لا يدرون أن كل المجتمعات لم تستطع بناء نفسها إن لم تفهم أخطاء ماضيها ومثالب تواريخها .. فالحاضر لا يستمر صامتا ، بل عليه أن يتكلم بوضوح وصراحة وحياد  وموضوعية ، ويختزل ذلك كله بالمعالجة من اجل بناء المستقبل .  إن العراق لم يكن يعيش لوحده وهو ينتقل من عهد إلى آخر .. وانه لم يكن خال من تأثيرات الآخرين في العالم والإقليم معا .. وانه انتقل 180 درجة مما كان عليه إبان العهد الملكي إلى حالة تاريخية جديدة إبان العهود الجمهورية . إنها حاجة عراقية ماسة لتشكيل رؤية تاريخية جديدة غير منحازة أبدا لا لهذا الطرف ، ولا إلى ذاك . وكم وجدنا من انحيازات عراقية منذ ستين سنة حتى اليوم .. بحيث لم تنفع معها أبدا حتى اعترافات من كان يقود حزبا ، أو من كان له ثقلا ، أو من صنع قرارا .. لم تنفع أبدا في  تفكير  الناس  وقناعاتهم  التي  يبدو  انها  قد  ترسخت  صلبة في اعماقهم  ،  نظرا  لما كانوا  قد  تربوا  عليه  ،  ولم يزل مسيطرا على الناس من أفكار  وشعارات  وأوهام  وادعاءات  ومخيالات ، ربما لا تمت إلى الحقيقة بأية صلة !

العراق في قلب العالم

كيف نرى العراق وهو الذي اعتبرته دوما ، واحدا من اهم بلدان الشرق الاوسط تأثرا بالحرب الباردة في العالم ابان القرن العشرين ! فكيف نبني رؤيتنا لمن يتحمل المسؤولية التاريخية عن الأحداث المريرة ؟ من الذي قاد الى تفجير الصراعات السياسية لتتحول الى انقسامات اجتماعية شنيعة ؟ لماذا يغدو العراق ساحة لصراع تيارين اساسيين كانا محتدمين يعيشان على برميل بارود دوما : تيار  يميني قومي بكل احزابه وفصائله وتيار يساري شيوعي بكل فئاته وانتماءات اصنافه ؟ ما الدور العربي والاقليمي والدولي في تأجيج الصراع ؟ وما دور الزعيم عبد الكريم قاسم وقراراته في الاحداث  العراقية ؟ انني لم اقل الحدث مفردا ، بل الاحداث ذلك ان حركة العقيد عبد الوهاب الشواف قد انتهت في 24 ساعة ، وهي قد ارتبطت باحداث مهمة سبقتها ، وعوامل فجرتها ، ومسببات سارعت في صبغ دمويتها ، ولكن تداعياتها المأساوية استمرت زمنا طويلا ، وارتبطت بها عدة ظواهر مأساوية اخرى  ، منها : ظاهرة السلب والنهب ، وظاهرة الاعدامات والسحل ، وظاهرة موجة الاغتيالات ، وظاهرة الهجرة الجماعية ، وظاهرة محاكمات ( المتآمرين الخونة ) واحكام الاعدام بحقهم من قبل  محكمة  المهداوي  .. ثم ازدياد شرخ الانقسامات !

انني اجد ان تاريخا مثقلا بالأحداث الجسيمة ، والارتباطات السياسية ، والقرارات الصعبة ، والدعايات الكاذبة ، والحقائق المغيبة ، والروايات المتصادمة والمتباينة  .. لم يزل حتى يومنا هذا تاريخا صامتا لم يعلن عن نفسه بجرأة وشجاعة .. انه بالرغم من كثرة ما كتب عن تلك ” الاحداث ” من سير ومذكرات وتواريخ عامة ، فانني لم اجد حتى يومنا هذا اية دراسات وكتب وبحوث عالجت الموضوع بدقة متناهية ، وبالتفاصيل الكاملة ، والتوثيقات الرسمية . ان اهم ما نحتاجه والاجيال القادمة الخروج من نطاق التخندق مع هذا او الاصطفاف مع ذاك .. اذ انني ارى بأن كل من ساهم في تلك الاحداث ، يتحمّل مسؤوليته التاريخية كاملة .. وأرى بأن الزمن هو الكفيل بجعل الاجيال القادمة تكشف عن الصمت الذي  تمثله  الاستار  السميكة  ،  لتقول ما تريده .. خصوصا بعد رحيل ما تبقى من اجيال القرن العشرين !

من الاسباب الى التداعيات

ان احداث الموصل عام 1959 قادت ايضا الى احداث كركوك المأساوية في  14  تموز / يوليو  1959  ، فهي وليدة ما كان يجري وقت ذاك من صدامات  ايديولوجية وانفصامات قومية يشهدها العراق لأول مرة منذ تأسيسه بين قومياته الاساسية وغيرها  ، وكان من المؤمل  اشتعال تلك الاحداث التي تلازمت أسبابها وعواملها المتشابكة بعضها بالبعض الاخر ، فمنها عوامل الصراع على السلطة من قبل الضباط الاحرار ، ومنها عوامل الاحتدام السياسي والايديولوجي بين عراقيين  من قوميين وشيوعيين في ظل الحرب الباردة  .. وهو احتدام يولد لأول مرة بمثل تلك القسوة التي استمرت دموية ومتوحشة مرورا باحداث 8 شباط/ فبراير 1963 وما تلاها .. لم يكن هناك اية مطالبات عراقية يأية  عدالة  اجتماعية ،  ولا  بأمن واستقرار ، ولا  باسس دستورية ، ولا باطر قانونية ، ولا بحقوق وطنية .. كان استخدام مصطلحات كـ   ” الديمقراطية ” و ”  الاشتراكية ”  و  ” الحريات  ”  و ” الوحدة  العربية  ” و” حكم البروليتاريا ”  .. الخ  استخدامات جوفاء ، وكان الشغل الشاغل لكل الثوريين  ومن  يصفق  لهم  : الاستعمار ، العمالة ، الرجعية ، الاقطاع ،   اعوان الاستعمار ، التآمر  ،  الخيانة ، الاحلاف   .. الخ بل من يراجع كل ادبيات وخطابات تلك المرحلة ، سيجدها مجموعة شعارات حزبية وخطابات ضد الرجعية والاستعمار .. وردح بين قوميين يؤمنون بدور جمال عبد الناصر وشيوعيين يؤمنون بدور موسكو  .. وكان عبد الكريم قاسم لوحده في الميدان بين الموجات المتلاطمة سياسيا وهو  يستخدم  هذه  المصطلحات ، وقد وجد شعبيته طاغية من دون ان يوظفها لتأسيس حزب  سياسي  يضم كل القاسميين  ، او لبناء أي مشروع أي وطني  بالرغم من وعوده التي كان يطلقها من حين الى آخر ! لم يكن فحلا سياسيا باستطاعته ان يقود العراق بعيدا عن الصراعات الدموية  .. ربما  كانت  العواطف الوطنية متدفقة ، ولكنها قد تخفق ان لم تجد اي  رجال  بناة  او  زعماء سياسيين حقيقيين  يستثمروها لأي مشروع حضاري  ..

قصة معقدة جدا قابلة للتفسيرات 

اننا نقول بأن ما جرى في الموصل قبل ستين سنة بالضبط ، انما هو قصة دراماتيكية معقدة جدا ، ومتشابكة ايضا ، وهي بحاجة الى دراسات وافكار وتحليلات ومقارنات وتدقيق بعيد النظر ، والكتابة بلا اية انحيازات وبروح علمية وصبورة .. ان احداث الموصل لا يمكن ان تختزل بحركة عبد الوهاب الشواف العسكرية ، انها اكبر بكثير من حركة ضابط عسكري ربما كان محبطا او متهورا ، متآمرا او مندفعا .. دفعه طلبه للسلطة ان يستغل الاوضاع المحتدمة ليقوم بحركته الفاشلة بمساعدة ضباط لم يكونوا كلهم بقوميين ناصريين او بعثيين .. ولكنهم  بالتأكيد  كانوا  ضد  الشيوعية  والشيوعيين  .. ربما كان الشواف  متهورا ، ولكنه طلب من سيده الزعيم قاسم منع عقد مهرجان انصار السلام في الموصل ، لأن الموصل كانت تعيش على بركان يغلي  تحت الارض  وهو قابل للانفجار ! ولكن من ناحية اخرى  ، فان الشواف  كان قد استعد  للحركة  الانقلابية  استعدادا  واضحا  .  

 ان الزعيم قاسم نفسه ، كان يدرك حقيقة الوضع السياسي واحتقانه وقت ذاك ، ولكنه ربما لم يدرك طبيعة الانقسام الاجتماعي سواء  الطبقي  والفئوي  ليس في الموصل حسب ، بل في كل العراق . نعم ، لقد انتصر الزعيم قاسم على خصومه العسكريين اولا ، ورد على جمال عبد الناصر ردا عمليا ثانيا ، وسحق القوميين وادان الشيوعيين ثالثا .. واقحم الاكراد رسميا في الاحداث اذ طلب قاسم  منهم  ذلك ليقتحموا المدينة رابعا ويعبثوا  بها  ..

المسألة  الاخرى  التي  تكاد  تكون مشكلة  قائمة بذاتها  ان  مصادر  المعلومات الرسمية  نادرة  ، وان  ما  كتب  عن  احداث الموصل 1959  يبدو  على  طرفي  نقيض  فما  كتبه  القوميون  يخالف  تماما  ما  كتبه  الشيوعيون  ، وان  الدراسات التاريخية  التي  تناولت  الحدث  يبدو  انها  مختزلة  ونشرت على  استحياء  .. هنا  اقول  بأن على اي  باحث  ان  لا  يثق  تماما  بما  نشر  حتى اليوم  عن الاحداث  .. لقد  وجدت  ان  كلا  من القوميين  والشيوعيين  قد  جعل  احدهما  ملاكا  ازاء  الاخر  ،  وكل  طرف  يتهم  الاخر   بتهم  شتى  ولا  يعترف  ايا  منهما  بمسؤوليته  عما  حدث  !  وقد  وجدت  اكثر  من  نموذج لهذا الطرف او ذاك  يحاول  تزييف  التاريخ  لصالحه  بشتى  الاساليب  الساذجة ، وخصوصا  من اولئك الذين  شاركوا  في الاحداث  سواء  من  القوميين  او  الشيوعيين  !   

لكن ما طبيعة التداعيات الأليمة التي أنتجتها الأحداث ؟ وما  قصة  تلك الاحداث التي انبثقت  عنها  حركة  انقلابية  فاشلة  ، وانتجت  حمامات  دم  ؟  ما شخصية عبد الوهاب الشواف ؟  ما  اسرار  هذه  المدينة  التي  انتجت  على  امتداد  حياتها  تواريخ  صعبة  جدا  ؟  ما  خفايا  مجتمعها  المتنوع  والمزدحم  بالتناقضات  ؟   هذا ما سنعالجه في حلقات قادمة .

تنشر  يوم  1 مارس / اذار  2019  على  موقع  الدكتور  سيار الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

الحلقة  القادمة  من  رموز  وأشباح   ..   تتمة  لاحداث  الموصل  المأساوية  1959 

شاهد أيضاً

كتاب جديد للاستاذ الدكتور سيّار الجميل

كتاب  جديد  للاستاذ الدكتور  سيّار الجميل الأميركي الأول جوستن بيركنس : ورحلته من اورميا الى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *