الرئيسية / الرئيسية / الاطوار الانتقالية لمركزية العالم القديم : تحولات العراق من الاحقاب القديمة الى العصور الوسطى الحلقة 2: العراق قبل الاسلام : صراعات الاكاسرة والقياصرة والاباطرة

الاطوار الانتقالية لمركزية العالم القديم : تحولات العراق من الاحقاب القديمة الى العصور الوسطى الحلقة 2: العراق قبل الاسلام : صراعات الاكاسرة والقياصرة والاباطرة

 الموصل وريثة الحضارات الكلاسيكية
إنني أعتقد بأن خمسة عشر الف أسير يهودي جلبهم نبوخذنصر الى العراق كانوا سبباً أساسياً غير مباشر في سقوط بابليون ، اذ تحوّل هؤلاء اليهود مع مرور الزمن الى طابور خامس داخل العراق ، وهم يحملون النقمة ويكبتون الاحقاد ضد من سباهم ، فبدأوا يعملون سرا ضد الدولة باتفاقهم مع الاخمينيين الفرس ، فكان ان سحق العراق القديم وهيمن عليه الفرس هيمنة صعبة للغاية .
وكانت الدولة الآشورية تعاني ايضا ، وكان كيانها يتقلّص ووجودها يضمر وجيشها يضمحل ككيان جغرافي وسياسي وانكمشت حضارتها وتقلصت قوتها العسكرية ، فقد كانت من اقوى الدول الحربية في التاريخ ، كما تبددت مكتبة آشور بانيبال ، وهي اول مكتبة في التاريخ ، وساد الاصقاع الآشورية الاخمينيون. ولكن بقاياها عاشت في مملكة حدياب في بلاد ما بين النهرين ومركزها الموصل ثم اربيل ، وكانت قادرة على ان تصد الفرثيين من الشرق والرومان من الغرب .. ووصلت المسيحية الى انحاء الموصل منذ القرن الميلادي الاول واسست نفسها في عدة اديرة عريقة .. وكانت تتلقى الضربات الموجعة من كل من الرومان بقيادة الامبراطور تراجان وخليفته هادريان من الغرب ، ومن البارثيين والساسانيين من الشرق . لقد دخلت المسيحية بلاد ما بين النهرين قبل اي منطقة اخرى ، أي منذ القرن الميلادي الاول، وأصبحت الموصل وتوابعها مركز المسيحية الشرقية الاول ،وتأسست الطقوس المسيحية بتقاليدها الادبية السريانية ، وعانى المسيحيون الاوائل ، وهم من السريان القدماء من الاضطهاد الروماني والبطش الساساني معا . وكانت مواليد بلاد ما بين النهرين يتعرضون للموت خلال تلك الفترة الصعبة من تاريخ ميزوبوتيميا العظيم .
لقد كان العراق منذ سالف الحقب والأزمان مطمح المتجبرين ومبتغى الطامعين لما حباه الله من موقع استراتيجي لمركزية العالم ، وكان يشكل جسرا رابطا بين الشرق والغرب لوفرة خيراته ولكونه مهد الحضارات والأديان. وظل العراق على امتداد عصور ما قبل الميلاد لاعبا دور الريادة الإنسانية سياسيا واقتصاديا وثقافيا. ولم يكن له من يضارعه للاضطلاع بهذا الدور سوى أبناء حضارة (وادي النيل). وبمرور الوقت تنامت قوتان عظيمتان في غضون الألفية الأولى قبل الميلاد وهما الإمبراطورية الفارسية في الشرق والإمبراطورية الرومانية في الغرب اللتان أدركتا المغزى الاستراتيجي الفريد للحيازة على هذا البلد العظيم.
ولما كانت جغرافية وادي الرافدين متاخمة الى (الدولة الفارسية الإخمينية) ، فقد غدا العراق هدفا لهم في مشروعهم للسيطرة عليه وجعله ساحة حرب بينهم وبين الاغريق ، وكانوا يستغلون ضعف العراقيين ممثلين بملوك (بابل) الكلدانيين عصر ذاك ، وخصوصا بعد رحيل نبوخذنصر ، وبين اسر اليهود واحتلال كورش العراق 47 سنة فقط ، قام الملك الفارسي الأخميني كورش عام (539 ق.م ) باحتلال بابل بالتواطؤ مع اليهود فيها ، فكانوا ان انتقموا من البابليين العراقيين وملكهم نبوخذنصر عام (586 ق.م) الذي كان قد سحق القدس واحرقها ..

الأخمينيون Achaemenides في العراق : داريوس الثالث والاسكندر الاعظم
سلالة حاكمة في ايران كونت لها إمبراطورية فارسية عام 559 ق.م. وامتدت نحو ليديا (غرب الأناضول) وبابل وإيران وفلسطين ومصر، وفرضت هيمنتها على جميع أرجاء الشرق الاوسط، وعلى وادي السند وعلى ليبيا، ووصل نفوذها شمالاً حتى مقدونيا. فكان ان تمكن الاخمينيون من السيطرة على كل المسالك التجارية المنتهية بالبحر المتوسط برا وبحرا ؛ وكان من أشهر ملوكهم دارا (داريوس الثالث) الذي خطط لغزو أثينا باليونان فهزم هزيمة نكراء . فكان ذلك مبعثا لأن يقوم الاسكندر المقدوني بإسقاط هذه الإمبراطورية عام 331 ق.م. وكان من اشهر ملوكها قمبيز وكورش (سيروس). ويعد عهد الإمبراطورية الاخمينية ممثلا لحقبة الحضارة الفارسية العريقة .
لقد كانت سيطرة الإخمينيين على العراق قد استمرت حتى انتصار الإسكندر المقدوني على الملك الفارسي داريوس في معركة اربيلا الفاصلة قرب (أربيل) والتي فرّ منها داريوس وماتت احلامه ، ومن هناك امتد الإسكندر الى بابل فاحتلها ، وفر الفرس منها عام 331 ق.م ، إذ بدأ القيام بتجديد أبنيتها الواسعة وترميم معبدها الكبير ليس لإحياء تراثها البابلي العراقي ، بل كان يسعى الى نشر الثقافة الإغريقية فيها كونها تحتل حتى ذلك الوقت مركزيتها وجعلها بؤرة انطلاق له للامتداد نحو بلاد الشرق ، اذ وصلت حدود دولته الى أقاصي الهند وسور الصين العظيم ، وربما كان ينوي ضم الصين الى عالمه ، لكنه مرض فجأة وعادت جيوشه برا وبحرا الى ايران والعراق ، ليستقر في بابل ، ليموت ويدفن فيها عام 223 ق.م. وهو في عز شبابه مسجلا نفسه كواحد من اعاظم القادة العسكريين في التاريخ .

السلوقيون والصراع مع الفرثيين في العراق
كان السلوقيون قد حكموا مركزية العالم بين (312 ق.م.، 64 ق.م.) ، وهم سلالة هلنستية تعود تسميتها إلى مؤسس الأسرة الحاكمة لدولتهم، سلوقس الأول نيكاتور أحد قادة جيش الإسكندر الأكبر، اذ تشكلت هذه الدولة كإحدى دول ملوك طوائف الإسكندر(Diadochi)، التي تأسست بعد موت الإسكندر المقدوني، خلال القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد وحكمت منطقة غرب آسيا، وامتدت من سوريا وتراقيا غرباً وحتى الهند شرقاً. وكان للسلوقيين الدور الكبير في تفاعل الحضارة الإغريقية و الحضارات الشرقية..
هكذا انتقل حكم العراق بعد رحيله الى اقوى قواده في الشرق ، واسمه سلوقس الأول نيكاتور Seleucus I Nicator ( حكم 358 ق.م. – 281 ق.م.) الذي أسس الدولة السلوقية مستقرا في سلوقية التي اتخذها عاصمة لدولته ، وكانت سلوقية التي انشأها تقع على ضفاف نهر دجلة وبالضبط عند منطقة المدائن اليوم والتي تعاقب في حكم تلك الدولة من بعده (18) ملكا كان آخرهم أنطيوخس السابع) Antiochus VI Dionysus (or Epiphanes)، ( حكم بين 145- 140 ق.م ) الذي سقط على يد الغزاة الفرس من الفرثيين وكانوا خصوما له بالتوارث منذ هزيمتهم النكراء على يد الاسكندر المقدوني ، وكان الفرثيون يقودهم ملكهم متريدات الأول الذي اسقط السلوقيين عن حكم العراق عام (139 ق.م) واحتله احتلالا شرسا ، مغيرا اسم العاصمة سلوقية الى طيسفون التي سيسميها العرب بالمدائن والتي بني فيها ايوان كسرى الذي لم تزل آثاره المتمثلة بطاق كسرى قائما حتى يومنا هذا . لقد حكم السلوقيون العراق 184 عاما .. وكان للسلوقيين ثقافتهم الهيلينية القوية التي انتشرت في العراق كمركزية لهم وكل البلاد التي ضموها الى دولتهم وصولا الى الهند ، ولكن ما تعاقب على العراق من احتلالات فارسية من الفرثيين الى الساسانيين قد محق كل التأثيرات الهيلينية في العراق ..

صراع الفرثيين مع الرومان
لقد شهدت المراحل التاريخية اللاحقة صراعات وحروب مريرة بين الفرس الفرثيين وبين الرومان وكان من اهم المعارك بين الطرفين معركة حران Battle of Carrhae عام 53ق.م ، التي كانت قد دارت بين الملك الفرثي الفارسي أورود وبين القائد الروماني كراسوس Marcus Licinius Crassus احد ابرز قواد الإمبراطور يوليوس قيصر Julius Caesar ( حكم للفترة October 49 BC – 15 March 44 BC )، وقد قتل كراسوس في تلك المعركة ، فخسرته الامبراطورية الرومانية كونه من اعظم القواد في التاريخ إطلاقاً .
وكان الفرس قد جعلوا العراق قاعدة جيوستراتيجية لهم في التوسع نحو الغرب ، فحققوا انتصارات واسعة وغلبة ساحقة على الرومان الذين انهزموا في عدة مواقع ،ولقد حاول اعظم القادة السياسيين الرومان واسمه ماركوس أنطونيوس (Marcus Antonius (died 87 BC عام 37 ق.م ان يغسل ما لحق بالرومان من عار الهزيمة ، ولكن جهوده باءت بالفشل ، ومني بخسارة جسيمة ، فما كان من الامبراطور الروماني (أغسطس) Augustus الا الجنوح للسلم وطلب الصلح ، اذ نجح باستعادة الاسرى الرومان ومجموعة من اعلامه وراياته التي احتفظ بها الفرس .. ولقد وصف البعض من المؤرخين ذلك الصلح بمثابة النصر الدبلوماسي للرومان في سوريا ازاء النصر العسكري للفرس في العراق ! خصوصا أن الفرس لم يحققوا الهدف الاستراتيجي لهم في صراعهم مع الرومان بوصولهم الى مياه البحر المتوسط ! ويتبين لي من خلال دراسة التاريخ المقارن لإيران مع جيرانها ، ان الهدف الحقيقي لإيران في اغلب حروبها القديمة والحديثة هو الوصول الى سواحل البحر المتوسط ، وهذا ما وجدناه من خلال دراستنا التاريخية للصراع العثماني الايراني منذ بدايات القرن السادس عشر حتى بدايات القرن العشرين ، وتفاقم العلاقات سوءاً مع العراق حتى انفجار الحرب العراقية الايرانية التي دامت ثماني سنوات للفترة 1980- 1988 .. وما تحقق لايران من اهداف اثر الغزو الامريكي للعراق عام 2003 .. وما جر على المنطقة من اهوال ، وخصوصا على لبنان وسوريا بعد العام 2009 وحتى اليوم.

انتهت الحلقة الثانية وتتلوها الحلقة الثالثة
كل مراجع وتوثيقات النصوص التاريخية أعلاه ستنشر مع النص كاملاً لاحقاً
نشرت في المدى ، بغداد ، 17 آب / اغسطس 2015 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟

خرجت الموصل، مدينةً وشعباً، من تحت بطش “داعش” بأثمانٍ غاليةٍ جداً، بعد أن قامت أربع …