الرئيسية / الرئيسية / ناصر الدين الاسد الاكاديمي والاداري والسفير والوزير والمجمعي اللغوي

ناصر الدين الاسد الاكاديمي والاداري والسفير والوزير والمجمعي اللغوي

طالب علم نجيب وذكي يجلس امام استاذه طه حسين !

” الشعر الجاهلي يمكن فهمه واستساغته ”
ناصر الدين الاسد
مقدمة :
علمت قبل قليل برحيل الاستاذ الدكتور ناصر الدين الاسد الى دار البقاء ، وكنت قد سألت عنه الاخوة في الاردن في سفرتي الاخيرة الى الاردن قبل شهر ، فقيل لي بأنه متعب جدا .. وها هو يغادرنا اليوم كآخر الرواد الاوائل .. ويسرني ان اعيد نشر الفصلة الدراسية التي نشرتها عنه قبل 15 سنة في كتابي :” نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ” ولكي اعيد ذكرى الرجل وقد انتقل اليوم الى رحاب الله ..

ناصر الدين الاسد .. من يكون ؟
انه ناصر الدين محمد أحمـد جميل الأسد الذي ولد بمدينة العقبة الاردنية عام 1922 وعاش 93 سنة ، اذ توفي يوم امس 21 مايو 2015 ، وهو مثقف واديب وعالم أردني ويقترن اسمه بتأسيس الجامعة الأردنية وبقي رئيسا لها بين 1962- 1968 . كان قد اكمل تعلِيمه الجامعي في مصر وكان احد طلبة طه حسين ، وحصل على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز في جامعة القاهرة عام 1955، وحاضر في عدد من الجامعات ومعاهد البحوث في الأردن وليبيا ومصر، كما عمل سفيراً للاردن لدى السعودية بين 1977 – 1978، وترأس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية “مؤسسة آل البيت” ومجلس الأمناء في جامعة الإسراء بعمّان، ومجلس أمناء جائزة عبد المجيد شومان الدولية للقدس. ويعد كتابه الأبرز “مصادر الشعر الجاهلي” وهو أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراه وناقش فيها كتاب طه حسين الشهير في الشعر الجاهلي ، وكانت اطروحته باشراف الاستاذ شوقي ضيف ، وقد كان الاسد استاذا اللغة العربية والادب العربي في الجامعة الأردنية.

مزايا الرجل
كنت اسمع عن هذا الرجل كثيرا مذ كنت طالبا في كلية الاداب مطلع السبعينيات ، وطالما قرأنا بعض ما كتبه من موضوعات في بحوث ودراسات عن اللغة والشعر وتاريخ الادب .. وهو العالم اللغوي المجمعي الاردني الذي له صيته وجهوده المتميّزة في كل من الجامعة الاردنية والمجمع اللغوي الاردني ومؤسسة آل البيت لبحوث الحضارة الاسلامية . ولقد واكب ناصر الدين الاسد على امتداد أكثر من ستين سنة صنوف الثقافة العربية الادبية واسهم بتغذيتها بالمزيد من الاعمال التي اثار بعضها جدلا ونقدا ! وللأستاذ الاسد صفاته ومزاياه الخاصة التي يعرفها عنه القاصي والداني ، فهو المتحدث اللبق الذي تنجذب اليه الاسماع .. وهو الذي نال حظوة عند الملك الراحل الحسين بن طلال ، فغدا وزيرا قديرا وساهم رفقة اقرانه من الاساتذة المؤسسين الاردنيين والعرب الاوائل امثال : محمود السمرة وعبد الكريم غرايبه وعبد العزيز الدوري واحسان عباس وعلي محافظة ومحمد عدنان البخيت وغيرهم في ارساء الاسس الاكاديمية في الاردن . وهو المثقف الذي يتميز باناقته البالغة وعلاقاته الرائعة مع بعض المثقفين العرب الكبار في ارجاء عدة من الارض العربية .. وهو الكاتب والباحث الذي يهوى الكتابة في الشعر العربي ونقده باثرائه المكتبة العربية بالمزيد من الاعمال .. وهو المجمعي اللغوي العربي الذي له حضوره ومكانته في اغلب المجامع اللغوية العربية .. لم يغب عن اي اجتماع او ندوة يعقدها المجمعيون العرب ، وخصوصا ذلك الاجتماع الدوري السنوي الذي يقيمه المجمع اللغوي المصري .. وهو الرجل الاداري الذي يرعى على قدر من المسؤولية العلمية مؤسسة آل البيت في عمّان بالاردن ، ويدير انشطتها بكفاءة منذ سنوات طوال .. وقد نجح في توثيق علاقات المؤسسة بمؤسسات وهيئات عربية ودولية عدة في العالم .
نعم ، لقد اقترب الرجل من الثمانين أمد الله في عمره ، ولما يزل يمتلك روحية الشباب وفصاحة الاجداد ، ويهيم عشقا بالحياة ويعتني بنفسه وصحته واناقته كأي رجل في الاربعين من العمر .. وفوق كل هذا وذاك ، فان اشد ما يعجبني فيه قدرته في تمييز الشعر العربي القديم وذوقه في اختياراته له وعرض نماذج منه .. وبالرغم من كل الذي حدث ضد الرجل في الصحافة الاردنية قبل سنوات طوال عندما اتهم من قبل احد الاكاديميين الاردنيين بأن اطروحة ناصر الدين الاسد مسروقة من الفها الى يائها ، الا ان الاسد لم يجب ولم يعترض ولم يرد التهمة عن نفسه لينفي عن تاريخه وسيرته هكذا تهمة خطيرة !! ولما سألت أحد الزملاء الاردنيين عندما كنت اعمل بالأردن قبل سنوات عن هذه ( التهمة للأسد ) وكان ذلك الزميل رئيسا لأحدى الجامعات في واحدة من جلساتنا .. اجابني بضحكة ماكرة قائلا : يا اخي سيار ليس هناك دخان من دون نار !! وبقيت مبتعدا عن فحص هكذا موضوع شائك .. لأنني مؤمن بأن الرجل بقي طوال حياته يمتلك ثروة علمية كبيرة ، وله درجة عالية من الثقافة ، وسجل له سيرة علمية واكاديمية متميزة بتاريخها الناصع .

كنت بين رجلين معروفين
لا انسى ابدا ان ناصر الدين الاسد قدم الى مؤسسة عبد الحميد شومان بمنطقة الشميساني في عمّان بالاردن يوم 21 مارس/ آذار 1992 للمشاركة في الاحتفال الذي اقامته المؤسسة بمناسبة فوز بعض العلماء العرب بجائزتها السنوية .. وكنت احضر الاحتفال اذ كنت واحدا من الفائزين بتلك الجائزة في العلوم الانسانية منفردا للعام 1991 .. وكان قد حضر الى جانبه ايضا استاذنا الدكتور عبد العزيز الدوري وضيوف آخرين .. كان حفلا بسيطا ، اجتمع فيه البعض من الفائزين في الطابق الاعلى من المبنى والقيت فيه بعض الكلمات .. القاها كل من الاخ الدكتور اسعد عبد الرحمن مدير عام المؤسسة وقت ذاك ( وزير في السلطة الفلسطينية لاحقا ومديرا لاحدى المؤسسات حاليا ) والاستاذ عبد المجيد شومان رئيس مجلس ادارة المؤسسة .. والقى ايضا الدكتور ناصر الدين الاسد كلمته المختصرة التي اشاد فيها بجهود المؤسسة ورعايتها العلماء العرب الشباب وتشجيعهم وخصني بذكر جميل .. وبعد ان وزعت الجوائز والشهادات ، التقطت الصور التذكارية ، ثم وقفت بين كل من الاسد والدوري ورحنا في حديث عن اللغة والادب وعلاقتهما بالتاريخ .. كان الدوري ينصت لكلامنا ولم يعّلق بشيىء ، اذ كان الاسد يؤكد ان ليس من مؤرخ عربي يختص بتاريخ اي مرحلة من المراحل الزمنية من دون ان يهضم ادبياتها ونتاجاتها الفكرية واشعار ابنائها .. لأنها كلها تعبير عن روح المجتمع وتفكيره . واضفت معلقا وقائلا : بل ويعطينا ما انتجته كل مرحلة زمنية من نتاجات تعكس طبيعة كل من المحكي ومقول قول عناصر تلك المرحلة الزمنية .. ولكن شريطة الا يعّول المؤرخ على مثل تلك الادبيات تعويلا كاملا .. انتهى الحفل في الساعة التاسعة والنصف ليلا ، وودّعني الضيوف وكان الاسد من بينهم .
جائزة الملك عبد الله
اعلنت مؤسسة آل البيت لبحوث الحضارة الاسلامية في العام 1996 عن منح جائزة علمية باسم الملك عبدالله تمنحها للدراسات والبحوث الجديدة غير المنشورة ، واشترطت عدة شروط اساسية للمتقدمين المرشحين اليها من ضمنها ان يكون العمل علميا واصيلا وجديدا ، وقد رشحتني مؤسستين اثنتين لنيل الجائزة ، وعكفت عليه ردحا من الزمن ثم قدمّته بحثا موسّعا بأربعمائة صفحة وبخمس نسخ وكان ذلك في العام 1997 .. ومضى زمن ليس بالقصير ، وكنت المرشّح الاول .. وفي احد الايام ، اتصل وانا في مكتبي بالجامعة الاخ الاستاذ فاروق جرار مدير ادارة الجائزة ليخبرني شفويا بعدم فوزي بعد ان كان التنافس قد وصل بيني وبين مرشح آخر الى نهايته ، وقال الرجل بأن الفائز هو الدكتور محمد عماره من مصر ، وتأسف لحصول ذلك ، فشكرته ومضت ايام وشهور تبّين لي بأن تدخلا من جهة معينة قد حدث لعدم منح الجائزة لي ، اذ كانت توجّهات معينة قد حالت دون منح الجائزة الى اي عراقي في تلك المرحلة الصعبة من حياة العراقيين ! ربما كان ذلك تبريرا واهيا ، ولكنه لا يقبل التأويل والتساؤل ما دام قد لبس لبوسا .. ونحن ندرك كم هو دور السياسة ومداخلاتها في الشؤون العلمية والثقافية العربية ! وقد كثرت التعليقات حول ذلك .. وكتب احدهم في واحدة من الصحف اليومية بـ ” أن الذي وقف ضد منح الجائزة الى سيار الجميل هو شخص فرضته الاقدار ولا علاقة له بالعلم والمعرفة ، في تلك المرحلة ولأسباب شخصية وسياسية ذهبت الجائزة الى الدكتور محمد عمارة الذي كان خصما للدكتور سيار الجميل الذي كان قد افحم آراء محمد عمارة بحضورهما معا جلسة حوار عامة وسفّه الجميل اراء محمد عمارة على مرأى ومسمع الجميع ” . ولم اصدق كل ما جرى من الاقاويل .. واعتبرتها كلها اشاعات لا ترقى الى حقيقة ما حصل ، وبالرغم من الحاح بعض الزملاء والاصدقاء على الاعتراض ، ولكن ما حصل كان قد علّمني درسا مع اعتزازي بكل الاخوة من الكتاب والمختصين والمفكرين العرب بأن لا حياة ( علمية ) حقيقية عند العرب المعاصرين ، وكل ما نراه في محيطهم ودولهم ومجتمعاتهم مجرد تزويرات ومجاملات وانشائيات ومواعظ وعلاقات شخصية او تنفيذ اوامر سياسية وسلسلة روابط اجتماعية .. وكان من الاصول ان يصلني خطاب شفوي يقدم كلمة شكر على عمل علمي .. ولابد ان يتعلّم العرب اتباع الاصول في علاقاتهم الاجتماعية والثقافية .

حوار مع الاسد على مائدة فطور الصباح في الهيلتون
ودارت الايام .. وفجأة ادخل القاعة في فندق الهيلتون ، وهي التي سألقي فيها ورقتي العلمية في واحد من المؤتمرات العربية لعام 2000 في احدى العواصم العربية ، فأجد وانا جالس على المنصة الاستاذ ناصر الدين الاسد جالسا يشارك في اعمال ذلك المؤتمر . ألقيت ورقتي بهدوء في الجلسة الاولى ، ولما انتهت الجلسة وجدت نفسي والاستاذ الاسد يتوجه نحوي ويأخذ بيدي ويصافحني ويقول : لقد كانت ورقة علمية رائعة وكنت متألقا ، فشكرت للرجل عواطفه وتقويمه وتبادلنا التحيات والاسئلة . وفي صباح اليوم التالي ، كنت اجلس واياه على مائدة الفطور ودار بيننا حوار عميق في اللغة العربية ، وتحاشيت ان اثير موضوع الجائزة كيلا يفسر سؤالي تفسيرا شخصيا احرجه فيه بالرغم من مطالبة احد الزملاء لي بأن اعاتب الرجل على ما حصل ، ولكنني لم التفت الى ما قال .. ولكن اسجل كلمة للتاريخ في مذكراتي هذه بأن العمل الذي قدّمته في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية كان يستحق اكبر من تلك الجائزة مقارنة بما قدّمه غيري من بحوث وكتابات انشائية مع احترامي لكل المرشحين !!
رحت والاسد في حديث مهم حول المجامع اللغوية العربية ودورها او بالاحرى اخفاقها في اثراء لغتنا العربية . اعلمني بأن كل مجامعنا اليوم تعاني من ضعف وهزال باستثناء المجمع اللغوي المصري ( الخالدين سابقا ) الذي لم يزل يحافظ على تقاليده . سألته عن مدى الفوائد المجمعية اليوم وسط هذا الابحار المخيف في ثقافات اخرى ، وما يشوه لغتنا العربية ، أجاب بأن المجمع المصري لم يزل ينحت المزيد من المرادفات ويترجم العشرات من المصطلحات ! قلت له : وما نفع تلك البدائل العربية ان لم يستجب لها احد من المعاصرين وهم يتعلمون من وسائلهم الاعلامية السمعية والبصرية يوميا ! قال : تلك ليست مهمتنا ابدا ! سألته عن المجمع الاردني فاجاب انه لم يزل مشلولا ، وسألته عن السوري وهو اقدم المجامع العربية اجاب : ليس اقوى من المجمع المصري .. عقّبت والعلمي العراقي ؟ قال : لا اعرف عنه شيئا هذه الايام ، فقد لعبت به الاهواء ! ثم التفت ليحدثني عن استاذه طه حسين ، وكيف كان يجلس امامه ، وهو معجب بنطقه الحروف العربية ، وفصاحة لغته ، وكان طه حسين يشيد دوما بنجابة ناصر الدين وذكائه . ويستطرد الاسد قائلا بأن لطه حسين الفضل الكبير عليه في جعله يهوى الشعر الجاهلي ويستسيغه !
 
مشاركة غير سعيدة
كان مقررا ان يكون الاسد رئيسا لاحدى الجلسات في ذاك المؤتمر ، وفجأة وجدته في حالة عصبية وشديد الانفعال يقول : كيف يمكنهم ان يغّيروا البرنامج بمثل هذا الاسلوب غير اللائق ؟ قلت له : اعتقد بأن ما حصل لم يكن مقصودا ضدك ابدا من قبل منّظم المؤتمر.. ولكن هكذا طبيعة الامور هنا ! اجاب : لا يمكنني التعامل مع هكذا اسلوب ، سوف اقاطع المؤتمر ولن اعود الى هنا ثانية اذا قدر لي العيش .. وفي المساء كان الاسد قد اختفى وهو يطير راجعا الى بلده من دون ان اسمع احدا بسائل عنه !! وفي الختام ، سجلت اعتراضي على الموقف الذي حصل ، ولابد من تقدير رجالنا حق قدرهم وليس من باب الاصول ان يغادر الاستاذ ناصر الدين الاسد المؤتمر بهذه الطريقة من دون الاعتذار اليه .. وقد ذكّرني ذلك بمسألة تخصّني فقلت : كم يتألم الانسان اذا لم يلق من الاخر اتباع الاصول ! ولم التق بالرجل منذ تلك المناسبة ، ولكنني كنت فرحا جدا بمشاهدته على شاشة التلفزيون لاحقا وتمتعت بمشاهدة حوار جرى معه اختتمه بالقاء قصيدة عصماء تعود الى شاعر جاهلي من البحرين .. وكانت قصيدة لا يمكن وصف جمالياتها وروعتها .. اتمنى للأستاذ ناصر الدين الاسد دوام الصحة والتوفيق .

واليوم اقول : رحم الله الاستاذ الدكتور ناصر الدين الاسد رحمة كبيرة واسكنه فسيح جنانه ..

نشرت هذه الفصلة في كتابي : نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ، ( دبي : مؤسسة البيان ، 2001 ) . ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com


شاهد أيضاً

هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟

خرجت الموصل، مدينةً وشعباً، من تحت بطش “داعش” بأثمانٍ غاليةٍ جداً، بعد أن قامت أربع …