الرئيسية / الرئيسية / يشار كمال : رحيل الاديب المتمرد عاشق الاناضول

يشار كمال : رحيل الاديب المتمرد عاشق الاناضول

“منذ شبابي وحتى الآن قلت دائما أن العالم حديقة ثقافات تزهو بآلاف الزهور.
وعند قطفنا لثقافة واحدة من هذا العالم، يعني زوال لونٍ، رائحةٍ وثراءٍ من عالمنا هذا”.
يشار كمال

فاجأتنا الاخبار قبل ايام عن رحيل الروائي التركي الشهير يشار كمال ( وهو من اصل كردي ) والذي ولد 1922 ( او 1923 ) وهو من ابرز ادباء العالم في القرن العشرين .. وكنت قد كتبت عدة صفحات عن هذا الروائي الاناضولي الراحل قبل سنوات طوال ضمن كتابي ” نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ” .. واليوم ، وبعد ان سمعت برحيل الرجل يوم 28 شباط / فبراير 2015 ، استدعيت مقالتي القديمة ، واقتطفت منها هذه النصوص والمعلومات اذ وددت اعادة نشرها هنا لمناسبة رحيله .
قلت : نعم انه صاحب اسرار كثيرة ، وصاحب اشياء كبيرة .. وتبدأ حكايتي في ملاقاتي معه في استانبول على مدى عشرين دقيقة ، وكان الجو مشمسا والنسيم عليلا .. عندما كنت برفقة الصديق والزميل نامق اوغلو ( الاستاذ حاليا في جامعة استانبول ) ونحن نمشي في الحدائق الفاصلة بين جامع السلطان احمد ( الجامع الازرق ) وايا صوفيا في استانبول ، وقد خرجنا توا من دائرة الارشيف العثماني والمتحف البيزنطي ، وكان ذلك ضحى يوم السبت من الاسبوع الثاني يونيو / حزيران 1979 ، وكنت قد امضيت قرابة الشهر في تلك العاصمة العريقة لكل من بيزنطة وآل عثمان قادما من جامعتي البريطانية بحثا عن الوثائق العثمانية الخاصة بالقرن الثامن عشر ، وكنت مع صاحبي نامق نبحث عن فنجان قهوة ، فدلفنا الى مقهى شهير ، وجلسنا قرب رجل كان – كما يبدو – غارقا في تأملاته .. قال لي نامق : انه يشار كمال الشاعر والاديب التركي الشهير !! انه يأتي هنا كل يوم سبت لاحتساء قهوته .. تطفلنا عليه بالسماح للجلوس معه لدقائق .. انتبه ورحب بنا وخشي ان نكون من الصحفيين ، وقد لفت نظره نامق الى كوننا من الطلبة الدارسين لتاريخ العثمانيين .. التفت ببراءة ، وكان كريم العين ، فوجدنا نبتسم اليه فألقى تحيته الينا ثانية وقال بالتركية : اجلسا ما بالكما ومن اين انتما ؟ فاقتربنا منه ورحنا نلتقط منه الكلمات ، وفرح عندما عرف بأنني عربي من الموصل في العراق ، وقال ان الموصل بمثابة الجسر الرابط للاتجاهات الاربعة جغرافيا شمالا من الاناضول حتى بحر العرب وغربا من المتوسط للشرق البعيد .. وهي حلقة وصل الشعوب الاربعة ثقافيا : الترك والكرد والعرب والفرس ..
كان الصديق نامق اوغلو يترجم لي ما لا التقطه بالتركية .. ثم تحدثنا عن القرن العشرين ، واعطانا من جيبه قصاصة من ورق ، كتب عليها انطباعه عن حظه الوافر السعيد كونه احد ابناء الاناضول ، وقد كتب عليها بقلمه الحبر جملا مبسطة .. وقد احتفظت طويلا بتلك الكلمات الجميلة في واحد من اهم دفاتري قرابة عشرين سنة ، ثم ضاعت في زحمة اسفاري ويا للاسف الشديد !
لقد سألته عن ثقافة الاكراد في الاناضول ، فكانت معلوماته عادية ، اذ بدا لي بأن ثقافته التركية تطغى على عرقه واصله وهو لا يعرف اللغة الكردية ابدا ما خلا بعض الكلمات ، وسألته عن علاقته بالمثقفين والمبدعين العرب ، فأجاب : بأن لا علاقة تربطه بهم ، وكان ذلك حتى نهاية السبعينيات من القرن العشرين .. ولا ادري ان ارتبط بصداقات مع بعض الادباء العرب لاحقا ، وبدا لي بأنه يفضل العزلة عن الاختلاط بالأخرين ، خصوصا وانه قال بأن وجوده لوحده يمنحه نعمة التفكير ، وخلق المعاني الجديدة . اما اختلاطه بالأخرين ، فسوف يضيّع عليه جملة كبرى من الافكار .. بدا لي بأن يشار يعشق الاناضول عشقا من نوع خاص ، وان الافكار اليسارية مسيطرة عليه حتى تلك اللحظة ، وانه يكره الحرب والحروب كراهية عمياء ، وان ذاكرته مثقلة بجراحات طفولته .. يبدو للأخرين انه شخص مخيف بقسمات وجهه الصارمة ونظرته المستقيمة الحادة ، ولكن وجدته في الحقيقة لطيفا وشفافا ويخاف من خياله ! ويردد كلمة ” الانسان ” كثيرا ، فهو انساني النزعة ويريد من الدول والكيانات السياسية ان تحترم الانسان اينما وجد على الارض سواء شخصا مفردا ، او عدة جماعات في مجتمع ، او شعب بشري بين الشعوب .. وجدته يهوى الطبيعة ، ويحب الاخضرار ، ويفضل الاستماع الى موسيقى تلك الطبيعة في اويقات معينة وخصوصا عند الفجر او عند الغسق .. يعشق نهر الفرات كثيرا ! ان لم تسأله لا يتكلم ، وكلامه مختزل جدا ولكنه يزدحم بالأفكار والمعاني .. فكره حديث جدا ، لا يؤمن بالماضويات ولا بالأديان اذ يعتبرها اليوم من الآفات الصعبة ( كذا ) ! وقال كلمة لم افكر فيها حينذاك ، ولكنني عدت اتأمل فيها في قابل الايام ، قال : منذ الاول من فبراير / شباط ( 1979)، عادت العمامة الينا ثانية لتحلّ بدل القبعة ، وستحل تداعيات مخيفة في منطقتنا ! ( وقصد في ذلك اعتلاء الامام الخميني الحكم في ايران ) ، وبدا لي بأنه ضد أي حكم ديني اذ كان يعشق المعاصرة الجديدة وحياة الحداثة مع ايمانه بعلمنة الحياة واشتراكية الانسان والمجتمع والقوانين المدنية هي مفاتيح الدولة الناضجة .. انه النموذج المثقف الذي انتجته بدايات تاريخ القرن العشرين وقد تخرّج في مدرسة مصطفى كمال اتاتورك !

مجتزأ من فصلة كتاب سيار الجميل : نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية .. ( مؤسسة البيان ، 2002 ) .
نشرت في جريدة المدى البغدادية ، 8 آذار / مارس 2015 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljmail.com

شاهد أيضاً

منظومة بشعة تأكل العراق

ليس ثمّة ما يماثل ثقافة الفساد التي تعمّ العراق في أي مكان من هذا الوجود …