الرئيسية / الرئيسية / سالم الآلوسي الحلقة الاولى : ذكرى مثقف عراقي محترف

سالم الآلوسي الحلقة الاولى : ذكرى مثقف عراقي محترف

رحل عن حياتنا العراقية وعن دنيا ثقافتنا العربية أحد أبرز مثقفينا العراقيين الذين برزوا في النصف الثاني من القرن العشرين ، وعدّ الرجل خلال زمنه أبرز متخصص ومهني عراقي اعتنى بوثائق العراق المعاصر ، واحترف العمل بها ، ونال شهرته من خلال وجوده أميناً للمركز الوطني لحفظ الوثائق ، انه الاستاذ الراحل سالم الآلوسي .. دعوني أتوقف قليلا عند ذكراه الطيبة مستعينا بما كنت قد كتبته عنه في كتابي ” حقيبة ذكريات” معالجاً مكانته وسيرته وأخلاقياته بعد ان أتحدث عن بعض ذكرياتي معه التي تضفي بعض اللمسات على شخصيته ، وتوضّح بعض أنشطته الدؤوبة التي خدم بها العراق والعراقيين .
من حقيبة ذكريات
كتبت عنه في كتابي ” حقيبة ذكريات ” قائلا : يُعد الاستاذ سالم الآلوسي أبرز محترف عراقي في علم الوثائق العراقية ، ويعود الفضل اليه في حفظ الأرشيف العراقي الوطني على مدى سنوات طوال ، وكان هو المؤسس الحقيقي لذلك الأرشيف والاحتراز عليه وتصنيفه وتصويره . نعم ، انه رجل وثائق العراق بلا منازع الى جانب شخصيات عراقية أخرى اعتنت بالأرشيف والوثائق .. وعليه ، فان الآلوسي كان أبرز رجل سعى لحفظ وثائق العراق المعاصر في القرن العشرين .. وهو من أبناء الجيل الأوسط الذي جمع المع المتخصصين والمثقفين العراقيين من الذين تكّونوا في فترة ما بين الحربين العظميين وبرزوا بعطائهم ونتاجهم وإبداعهم إبان النصف الثاني من القرن العشرين .
لقد عرفته مذ كنت صبياً ، إذ كان مرافقاً لزائر العراق الكبير المستشرق جاك بيرك (عام 1957 على ما أذكر) وقد قدِم معه من بغداد في زيارته التاريخية الوحيدة الى الموصل ، وقد حل مرافقاً ودليلاً له ، وكانا قد قدما في زيارة الى قضاء سنجار ورافقهما الاستاذ المؤرخ سعيد الديوه جي مدير متحف الموصل وقت ذاك ( توفي سنة 2000) ، وكان أبي الاستاذ القاضي كوكب علي الجميل ( توفي 1968 ) حاكماً فيها ، وقد لبوا دعوته على حفل غداء في بيتنا هناك ، وقد قضوا نهارا كاملا وزاروا القلعة والتقطوا بعض الصور التذكارية ، ثم وصلوا الى بيتنا المطل على بساتين التين والزيتون ظهراً بمعية السيد قائممقام سنجار عهد ذاك الاستاذ احمد الوهاب ، وقد قضوا وقتا جميلا ، ثم خرج الجميع مشياً على الأقدام وكان المستشرق بيرك يتكلم العربية المكسرة ويلاطفه والدي بالفرنسية.. ومشوا الى منارة سنجار الأثرية وكانت من معالمها التاريخية ، إذ كانت قد بُنيت لأغراض علم الفلك قبل الف سنة ، ويحكي جاك بيرك بأن سنجار كانت من أقوى مراكز العالم الإسلامي بعلم الفلك لارتفاعها عن سطح البحر وصفاء سمائها .
ويضيف المؤرخ سعيد الديوه جي معلقاً عليه قائلا : كانت سنجار ايضا منتجعا جميلا للعلماء الذين يقصدونها من شتى البلاد لطيب هوائها وعذوبة مياهها .. كان الآلوسي أصغر الجميع سناً وكان دائم الابتسامة ، وقد ذكرني يوما بتفاصيل تلك الرحلة الجميلة وملاطفته إياي وأنا ابن خمسة أعوام .
التقيت بالرجل مرات أخرى بعد مرور سنين ، سواء في مهام علمية لي او أجده صدفة في مؤتمرات وندوات ، وكان يذكرني دوما بسفرة سنجار ، كنت التقي به في بغداد أثناء زياراتي العلمية لها ، وقد ساعدني كثيرا في الوقوف على وثائق البلاط الملكي ووثائق وزارة الخارجية وخصوصا في اعوام 1974 و 1975 و 1976 قبل سفري لإكمال دراستي العليا في بريطانيا .. كما منحني من وقته بتزويدي ببعض الوثائق العراقية التي استخدمت بعضها في بحوث علمية ولم يزل البعض الآخر في طور التوظيف .. وكلما التقيت بالرجل اكتشف فيه لوناً جديداً وخصالا أخرى .. كان دمثاً طوال حياته مع الآخرين ، هادئاً وايجابي التفكير بالآخرين في حديثه حلاوة وفي تعليقاته طلاوة .. كان أنيقاً جداً ، يختار من الألبسة الغامقة وشعره أسود خفيف يزيحه من اليسار الى اليمين دوما .. وكان وجهاً إذاعياً وتلفزيونياً عراقياً معروفاً عند المثقفين والمتابعين وخصوصا في الستينيات من القرن العشرين ، اذ تعد سنواته تلك هي الذهبية باطلالته التلفزيونية ومعالجاته الثقافة العراقية في لقاءات يعدها مع أبرز المثقفين والمفكرين العراقيين وينتظرها الناس .
وكان يقف الى جانبه كما أتذكر الاستاذ الراحل خالص عزمي ( توفي 2010 ) في برنامجه ” زيارة الى مكتبة فلان ” والاستاذ مؤيد البدري ” الرياضة في اسبوع ” والاستاذ كامل الدباغ ( توفي سنة 2000) في ” العلم للجميع ” وكان لكل منهم أسلوبه الجاذب .. ولقد بقي كل من برنامجي البدري والدباغ ولكن اختفى كل من برنامجي الآلوسي وخالص بعد عام 1968 ، واعتقد ان كلا من الآلوسي وخالص كانا يعالجان موضوعات ثقافية ، وكان النظام الجديد قد بدأ سياسة مؤدلجة للثقافة العراقية ، فخبا صوتهما وانزويا بعيداً ! كان الآلوسي قد سعى منذ عقد الستينيات من القرن العشرين ، الى تأسيس المركز الوطني للوثائق ، واصبح مديراً له وكان يتبع وزارة الارشاد وقت ذاك ( وزارة الثقافة والإعلام ) .. وعمل ايضا في ظل حكم البعثيين منذ عام 1968 كرجل خبير بقي يمسك العصا من الوسط مع كل الانظمة السياسية التي عمل في ظلها .. وكان مقدراً من الجميع ، اذ كان حصين اللسان ولا يشغله إلا عمله ولم يسعَ الى منصب او جاه ، فهمومه أن ينهض العراق ليكون في مصاف الأمم المتقدمة ، وقد تقلد بحكم كفاءته وثقافته بعض المناصب .
وكنت أتبادل معه المكاتبات من حين الى آخر حول بعض الوثائق ، وكنت اسمع دوما بأن الرجل يذكرني بخير دوما في جلساته مع اخلائه وأصدقائه في بغداد .. ولا أنسى ان اذكر بأن الرجل لم يكن يفرق بين مناطق العراق أبداً ، فالعراق كله عنده بلده الواحد ، فكانت اهتماماته بكل أصقاعه وبكل أبنائه أينما كانوا ووجدوا لا يفـرِّق بينهم أبداً لا في الثقافة ولا في المذهب ولا في الدين ولا في الهوية ولا في القومية .. كان الفقيد يتمتع بصفات عظيمة فهو محب للخير لا يغضب بسرعة ومجامل وصبور ودؤوب وقد كتب عنه صديقه الأستاذ عبد الحميد الرشودي فقال: انه مؤمن بالوطن، والوحدة الوطنية وقد وضع نفسه على مسافة واحدة من كل الأطراف والقوى المختلفة، لذلك لم تطاله ألاعيب السياسة وأعاصيرها ، انه يحترم العلم ،ويجل العلماء ،ويحرص على مجالستهم ومحاورتهم للوصول إلى الحقيقة ، كما انه محدث جيد يجذب السامعين إليه ويأسر لبابهم بسرعة عجيبة، لذلك فإنه يحظى باحترام الجميع وتقديرهم وإعجابهم به وبجهوده ، رحم الله سالم الآلوسي وأسكنه فسيح جنانه ..

للحديث بقية ( انتظر الحلقة 2 من المقال بعنوان رجل الأرشيف العراقي ) .

نشرت في المدى ، 23 ديسمبر / كانون الاول 2014 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com



شاهد أيضاً

يسألونك  عن العراقيين : متى  يتعلّمون  من  الدروس الصعبة ؟؟

  متى  تتعلّمون  “الحكمة”  من أفواهِ  العقلاءِ ، لا من  خطايا المجانين   ؟ متى  تدركون  …