الرئيسية / الرئيسية / خراب الدولة وتدمير المجتمع

خراب الدولة وتدمير المجتمع

يعيش العراق خراباً وتدميراً منذ سنوات خلت ، وسيزيد من تدمير نفسه لسنوات قادمة ، وهو يحمل كل جراحات البيئة الإقليمية التي تدهورت فيها هيبة الدولة وضاع استقرارها، وخارت قواها العاملة والمنتجة ، كما كان العراق أول من قامت بسحقه دول كبرى باسم التحالف الدولي ناهيكم عن الانهيارات التي تعرضت لها مؤسسات العراق على ايدي العراقيين انفسهم عندما حل الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب من قبل الانظمة العسكرية والحزبية الثورية سابقا والدينية لاحقا .
لقد قامت الحكومات التي مثلها رؤساء مخربون ووزراء تافهون بتدمير كل توازناتها إبان العقود الخمسة الماضية، وحرم المجتمع العراقي نفسه من أن يصل إلى مستويات عليا من القيم والعلاقات والوظائف والاعمال التي تعزز الاستقرار والسلام بين شرائحه وطبقاته وانواعه وكل فئاته ونخبه ، كما جرى حال بقية الامم التي قادها أناس من نسوة ورجال ثبت للعالم كم كانوا رائعين في فن القيادة وصنع السياسات وادارة الازمات والعفو عند المقدرة وسلوك طريق السلام .. مع الاستجابة الحية للتحديات وايجاد الحلول للازمات .. وتسليم الصلاحيات لمن ينجح في ممارستها ..
إن انهيار الدولة في العراق قد سبق انهيارها في بقية الدول العربية ، ولقد قاد ذلك الى تفكك المجتمع ، اذ لعب المتسلطون الجدد ادوارهم في الفتك بالمجتمع ، وقاموا بإلغاء أي مشروع وطني بعد ان رسخوا حزمة من الشعارات الطائفية وإحراق البلاد بالفوضى والانقسامات ، وقتل اي أمل في الخروج من حالة الفوضى ومأزق الانهيار، التي وصل إليها العراق اولا ، ومن ثمّ اعقبته تجارب بلدان عربية اخرى ثانيا .
إن من المستحيل ان أدرك ما الذي يحصل اليوم ، ولا يمكن قياس الاجهزة نفسها التي تطبق في بلدان العالم حول المجتمعات العربية وسياق الانظمة السياسية التي تحكمها اليوم ، ولم يتبق أحد من اجيال عربية قديمة كانت تركّز اساسا وبدقة في تحليلها للأوضاع على الجزئيات وربط الحيثيات وفهم التوجهات وقياس مدى الفائدة ناهيكم عن البحث في معاملين اثنين اولهما يتمثل بالأهلية المهنية والتخصصية والابداعية ، وثانيهما يتمثل بالسلوك وقوة حمله للقيم والاخلاقيات على كاهله ، ولم يطلقوا الاحكام إلا بعد التأكد من النتائج ..
لقد مرّ على حكم العراق موديلات من الوجوه والرجال منذ اكثر من خمسين سنة ، وخصوصا بعد ان غابت الطبقة السياسية الحاكمة إبان العهد الملكي ، ورحلت بعد ادائها الامانة لتأتي طبقة اخرى لها شراكتها بنفس المزايا ، واغليهم من العسكريين الذين كانوا قد اشتركوا في 14 تموز 1958 او من المؤيدين لها .. هؤلاء حكموا قرابة 10 سنوات 1958- 1968 على عهدي قاسم والعارفين ، وكانت العسكرة العراقية قد فرضت هيمنتها على العراق وجعلته اشبه بثكنة عسكرية ، وغدت البلاد ومصيرها بيد زعيم واحد وألغي البرلمان وقيدت الصحافة وتصارعت الاحزاب وانقسم المجتمع السياسي العراقي الى تيارين متناحرين ، وتبوأ وزراء بلا مؤهلات وألغي مشروع الإعمار الاستراتيجي كي تنبثق وزارة تخطيط فاشلة .
ان حكم العسكريتاريا للعراق قد ساهم لأول مرة في خراب المؤسسات ، ونجح في فصلها عن سياقها التاريخي والجيوسياسي، وكان سببا مباشرا ليس في صراع الآيديولوجيات ، بل في انقسام المجتمع من خلال صراع كل من الشيوعيين والقوميين على السلطة وتنكيل كل منهما بالآخر ، ولقد فاز البعثيون ووصلوا السلطة وكان تدمير المجتمع قد بدأ بعيدا عن النزعة الوطنية التي ارتهنها هذا او ذاك بإحالة كل الأمور إلى الماهيات المتحركة والقوى المتصادمة .. وكان الخوف قد سيطر على العراقيين منذ ان وجدوا جثث حكامهم وزعمائهم تسحل في الشوارع او تقطع اوصالها إربا إربا ، او تهان على شاشات التلفزيون ..
وتحوّل العقل المثقل بالحكمة الى التفسيرات المبسطة والعفوية والساذجة ، التي توحي للعالم بأن كل ما يحصل للعراقيين نتيجة طبيعتهم الخاصة، أو ماهيتها، المرتبطة بثقافتهم العنيفة والقيم المتوحشة التي تسيطر عليهم منذ قرون خلت ، وبات عدد كبير من العراقيين يرى نفسه جزءا من واقع تحفل فيه التناقضات على زمن الحزب الواحد وما لحقه في زمن الدكتاتورية ، لقد مضى على العراقيين زمن صعب جدا انهارت فيه الاخلاقيات ، وتبعثرت خلاله القيم ، وعم الرعب مفاصل المجتمع .. وذهبت الآلاف المؤلفة قرابين في حروب عبثية وقرارات جائرة .. وهذه البشاعة التاريخية في حقيقة الامر قد مثلّت جوهر تلك ” الثقافة” البدائية، فتكاد هوية العراقيين تتلخص في التمسك بثقافة مضطربة متحجرة ومتناقضة وعنيفة ، تغطيها اغلفة من القيم الهشة والاعتقادات الانقسامية والطقوس الدينية والطائفية ، التي لم تتغير، ولم تتبدل، ولم تتطور منذ قرون، وزادت سوءا في النصف الثاني من القرن العشرين ، والتي تتحكم بسلوك العراقيين، وتمنعهم من إمكانية معالجة مثالبهم والارتقاء في تفكيرهم، وتنظيف ذهنياتهم ، وتنظيم شؤونهم كي يصلوا إلى مستوى مفهوم الدولة والامتثال للقانون وممارسة أخلاقيات الحرية والاستقلالية الفردية والروح الجماعية ، وان ينقطعوا تماما عن كل الاوبئة والامراض التي توارثوها أبا عن جد باسم الدين مرة وباسم العشيرة مرة وباسم المذهب ثالثا ، وهو ما يسمى في العلوم الاجتماعية، بالأشكال الأهلية والممارسات العرفية والانتسابات للعصبيات التقليدية، التي تجري في دم اصحابها منذ طفولتهم ، او تصبح عادات موروثة تنتج نفسها بنفسها، من دون أي تفكير ولا القبول بأي تغيير، ناهيكم عن الارتباطات بالمكان (= الديرة ) والتشبث بها بديلا عن الوطن في حجمه الواسع كله ..
إن الخصوصيات الجهوية والبيئية في العراق كبيرة جدا ، بحيث يتشبع اصحابها بثقافة المكان ، ولم تنفع معهم اية ثقافات اخرى بديلة .. بل ويبقى العراقي يتعلق بثقافته الجهوية ويدافع عنها مهما كان فيها من مثالب وأدران .. فضلا عن علاقات النسب والقرابة التي اضرت بالمجتمع والدولة ، ونكلت بالمؤسسات تنكيلا خفيا ، بازدياد المحسوبية والمنسوبية والعلاقات الخاصة والعائلية بحيث ادت نتائجها الى اسوأ النتائج ،بدءا برأس النظام والحواشي لتغدو السلطة بيد “عائلة ” ولهم حق اختراق الدولة ومؤسساتها ومن ثم السيطرة على المجتمع سيطرة عمياء .. وهي الشكلية الرعناء التي اتبعت ليس في العراق وحده ، بل في دول اخرى ، مثل سوريا وليبيا وتونس واليمن ..
ويبقى العامل الأخطر في تدمير المجتمع خصوصا هو المتمثل بالتماهي عبر الدين بجعله درعا واقيا لكل الافعال وتسجيلها باسمه .. وقد وجدنا ان اسوأ عهد ازدحمت فيه الرشاوى والصفقات المشبوهة والفساد هو على عهد حكومة حزب ديني ، يظهر كل ممثليه بلحاهم وسبحاتهم والطرة على جباههم وهم غارقون في الفساد واللصوصية وسوء الاخلاق .
لا إصلاح يبدأ ، ولا نصائح تنفع ، ولا فكر يعمل ، ولا صيحات تفيق .. فالسلبيات طاغية ، والمجتمع مدمّر بالكامل والفساد قد استشرى تماما .. من هذا المنظور الذي تعترف به الغالبية من الناس ، فان السنوات القادمة حبلى بالبشاعات إن لم يحدث تغيير جذري وهذا التغيير صعب المنال في انتشار الوضع المتفجر الذي عرفه العراق ، ومن ثم انتشر نحو كل بلدان المنطقة .
علينا اليوم مهمة التنبيه ، كي يفيق الناس ، ومن بعد سيتولد الوعي .. وسيشعر المرء بأن ما أصفه بالبشاعة ، يكاد يكون أمراً طبيعياً لديه كونه تأقلم على البشاعة وانحدر عما كان عليه العراق واهله قبل خمسين سنة ! ان غياب مفهوم الدولة ونظريتها سيعكس نتائج خطرة وستتوالد عنه تداعيات جدّ رهيبة ضد كلّ قيم الحرية والانسانية والفردية والروح الجمعية المبدعة في الثقافة العراقية التي تبدو الآن منقسمة على أشنع ما يكون ، ليس انقسامات عرقية وقومية بل مذهبية وطائفية ، فهل باستطاعة العقلاء من المثقفين والساسة الأحرار فعل شيء ؟
هذا ما سنعالجه في مقال آخر .

نشرت في المدى ، يوم الاثنين 27 اكتوبر / تشرين الاول 2014
http://www.almadapaper.net/ar/ViewPrintedIssue.aspx?PageID=11790&IssueID=594
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

رقصة النصرِ على حلبةٍ مدمرّة

1 هل  نَرقُصُ فَرحاً  بالنَصر  المؤزّر ؟ أم نبارك تحرير  الموصل من الدواعش  الأشرار  ؟ …