الرئيسية / الرئيسية / الرموز الكندية الحلقة 18 من كتاب دومينوين كندا من الاتنلانتيك الى الباسيفيك

الرموز الكندية الحلقة 18 من كتاب دومينوين كندا من الاتنلانتيك الى الباسيفيك


Canadian icons
كان من الصعب ان تغدو كندا ذلك الوطن الجميل الذي يجمع الكنديين وهم من مختلف الاصقاع والاعراق والاصول والثقافات واصحاب لغات واحد الا من خلال غرس جملة من الرموز الوطنية الكندية التي اتخذت لها خصائص ملكية والتي تستمد شرعيتها من التاج البريطاني . ان الرموز التي حددها رسميا اولئك الرجال البناة الاوائل لكندا ابان القرن التاسع عشر ، وخصوصا عام 1859 ، انما تدل على ذكائهم وبعد نظرهم في ان تأخذ كندا مع توالي الازمان شخصيتها الوطنية بمدلولاتها هي نفسها ومن تاريخها وجغرافياتها ومخلوقاتها الجميلة .. دعونا نلتفت الى بعض اهم الرموز التي كانت لها معاني معمقة في ذاكرة البلاد التاريخية . لقد بقيت صورة ملكة بريطانيا على العملة الكندية رمزا له معانيه التاريخية قبل السياسية ، ومدلولاته الحضارية قبل الأيديولوجية ..
ولقد غدت ورقة القيقب The Maple Leaf رمزا من اهم رموز كندا بحيث اختيرت لتكون مرسومة على علم البلاد ، ولها معاني تدل على طبيعة كندا الساحرة ممثلة بهذه الورقة التي تنتشر شجرتها الوارفة بالملايين في اصقاع البلاد ، انها الورقة التي عاشت منذ ملايين السنين ، وهي تجدد نفسها كل ربيع وعند كل خريف وهي رمز او سمة الحياة في كل الوجود ، ومن خلالها منح للنبات حقه في الحياة وهو اقدم كائن حي في الوجود ! وبقي الحيوان ممثلا رمزه بكل من النماذج الكندية الشهيرة وهي تتألف من عدة نماذج اشتهرت في هذه البيئة القصية وراء المحيط الاطلنطي .. فكان هناك ايضا الوزة الكندية ( الاوزة التي تتفنن في العوم والغوص في مياه البحيرات ) ، والحصان الكندي ، وهناك الطواطم والدببة القطبية .
ان العديد من الرموز الرسمية الكندية باستثناء علم البلاد والراية الكندية والراية الملكية والشفرة الملكية والشعار الوطني والالوان الكندية والاعياد الكندية .. وبعض ما اختير من دلالات واشارات التي تأخذ لها موقع الثبات في ذاكرة الاجيال لا يمكن تغييرها حسب الامزجة والاهواء كما يجري في بلدان اخرى وشعوب اخرى ، كون البلاد تحترم نفسها اولا وتعشق رموزها وتحترم رجالها البناة الذين افنوا حياتهم بجهودهم واعمالهم من اجل بنائها حضاريا ثانيا ، ناهيكم عن تقدير لكل المبدعين المجددين من علماء ومثقفين وادباء ثالثا .. ولم ينسوا المرأة التي تشارك بفعالياتها ممثلة حقيقية لنصف المجتمع رابعا .. اضافة الى الاعتناء بكل ما يخص الذاكرة والتراث كالابنية القديمة التي لم تزل تحيا رموزها في اغلب المدن الكندية خامسا .. ان الاعتناء الكندي بالرموز هو جزء لا يتجزأ من فلسفة حضارية تجسد الروح الكندية ، والتي تدعى اليوم بـ ‘ Canadianize ‘ ، وهذا ما جرى عمله كنديا بعد ان بريطانيا ( او فرنسيا في اقليم كيبيك ) مع عدم ازالته او الغائه كونه يرتبك بالذاكرة التاريخية مهما كان تنوع صفحات التاريخ بين سلب وايجاب .. كما وان عناية كندا باهلها الاصليين كبيرة جدا ومتفوقة ماديا ومعنويا .
لقد احتفظت كندا برموز الماضي في القوات المسلحة ، والسفن البحرية .. ولم تزل كلمة ” الملكي ” ( =رويال ) اساسية ، اذ ان حضور مصطلح ” صاحبة الجلالة ” يروج كنديا . وهو رمز لدى مؤسسات كندية متنوعة ، مثل شرطة الخيالة الملكية الكندية ، او الباليه الملكي وغيرها . وفي اثناء توحيد القوى الكندية الفاعلة ابان الستينيات من القرن العشرين ، ومع التطورات المذهلة التي حصلت في أساليب الحياة المتقدمة ، وولادة اجيال جديدة ، أخذت تسميات عدة امكنة في التخلي عن ” التسميات الملكية” التي كانت شائعة رمزيا . وقد جاءت هذه التغييرات الحديثة مؤخرا ، لتعكس بشكل أفضل اسم التراث العسكري كندا وموازاة كندا مع غيرها من دول الكومنولث الرئيسية للأمم الاخرى . ويضاف الى ذلك عامل اخر ، نجده في نمو النزعة القومية الكندية بعيدا عن هيمنة ابقاء الروح البريطانية مسيطرة على اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين اولا ، وبعيدا عن هيمنة العولمة الاميركية الجديدة التي تمتد في كل اتجاه من العالم ، فكيف كندا وهي تجاور الولايات المتحدة في اطول حدود في العالم ثانيا .
ان الرموز الكندية غدت مألوفة لجميع الكنديين ، وعلى كل المهاجرين نحو كندا معرفتها واستيعاب معانيها وفلسفة وجودها ، كونها المعبرة عن ثقافة بلاد تمتد بين المحيطين الاطلنطي والباسيفيك ، نجح ابناؤها على مدى 300 سنة ان يؤسسوا قارة مثقفة متحضرة تستحق الإعجاب أو الاحترام ويكفي ما عبر عنه او دعا اليه عازف البيانو الكلاسيكي ذات الشهرة العالمية غلين غولد “ابن الثقافي الأكثر شهرة في كندا.” عن بلاد اوحت خصائصها البكر روح الابداع لابنائها القادمين من قارات قديمة في الشرق ، وخصوصا من اوروبا وآسيا وافريقيا .. وهذا ما يميز كندا في رموزها الابداعية في العالم .
من رموز كندا ايضا روعة ما تضمنه دستورها الذي لم يكن مجرد ” مكياج ” عادي نسخ عن غيره من دساتير العالم ، بل عبر عن “مجموعة من المبادئ الأساسية التي تخضع الدولة “. للنظام الراقي ومنح الأنثروبولوجيا الاجتماعية حقوقها في الحياة . والعمل على اسس ديمقراطية وهي التي تطورت وغدت الرمز الكندي المتقدم .
ان الرمزية الكندية أو ” The Canadian Iconicity” – تبدأ من بياض الثلج في الارضية البيضاء للعلم ، وورقة القيقب التي تعيش وتجدد نفسها في الوجود وهي الحمراء .. انتقالا كل الاشياء والايقونات التي احتوت عليها متاحف كندا ومكتباتها وارشيف دولتها وتشيؤات المجتمع الثقافية والتي يعبر عنها كنديا بالقانون والانثربولوجيا .. اي رمز العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع .
ولعل اهم ما يميز احترام الكنديين لدولتهم التي تكاد واحدة من حزمة دول تحترم نظام الحكم فيها ، وقد غدا مع توالي الزمن نفسه رمزا للنجاح والتقدم ، فهو يرتبط رمزيا بنظام ملكي ، انه نظام دولة مؤسسات . ان الرموز الكندية تعبر في الحقيقة على تقدم البلاد مع احترام المجتمع كله لها ، ما دامت الدولة حقيقية وتعمل من اجل خدمة المجتمع .. واخيرا اقول بأن من يعيش في كندا ، ويتعمق في قراءته لها ولأنظمتها وقوانينها والعقد الاجتماعي الذي ربط الدولة بالمجتمع سيرى ان الرمز الحقيقي في كندا هو الانسان الذي يأتي في المقدمة سواء كان طفلا او شيخا .. امرأة او رجلا .. وهذا هو سر انجذاب العالم اليها ..

انتظروا الحلقة القادمة
نشرت في مجلة المدار الكندية ، سبتمبر / ايلول 2014
وتنشر ايضا على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

untitled

الاشجار تحيا .. والبشر تقتله المجانين !

اثارت مقالتي السابقة قبل يومين ” موت أرنب ”  خلجات الكثيرين عن اسلوب  كندا دولة …