الرئيسية / الرئيسية / هل من استراتيجية جديدة في العراق ؟

هل من استراتيجية جديدة في العراق ؟

 ما حدث في العراق منذ ثلاثة اشهر على يد تنظيم ” الدولة الاسلامية ” ، وخصوصا بعد سقوط الموصل وفقدان ثلث اراضي العراق ، وما رافقها من اضطهاد تجاه الناس من قتل وتهجير وقطع للرؤوس وتفجير الجوامع والكنائس والسيطرة على املاك واموال وعقارات وملاحقات واختطاف وسبي للنساء وجرائم بحق العراقيين المتنوعين في الموصل ولواحقها سواء كانوا من المسلمين او المسيحيين او اليزيدية او الكرد او التركمان او الارمن او الشبك وغيرهم ، وبحق كل الطيف المجتمعي .. وبالرغم من جملة المساعدات للألاف المؤلفة من المهجّرين التي وصلت من دول اوربية ، ولكن العالم حبس العالم أنفاسه عندما قطعت رقاب بعض الامريكيين .. ناهيكم عن تمدد داعش في كل من سوريا والعراق ، وخصوصا بعد ان زحفت نحو اربيل عاصمة اقليم كردستان ، في حين لم يقف احد لمواجهة الزاحفين نحو الموصل وسقوطها بأيديهم . ويعتقد الكثير من الناس بأن ما حدث هو رد فعل جراء السياسات السيئة التي اتبعتها حكومة المالكي السابقة .. بل وان المالكي نفسه يعد ضالعا ومسؤولا عن كل ما حدث ، وظن ان اللعبة ستبقيه على رأس السلطة ، ولكنه رضخ للهزيمة ، فكان ان انبثقت حكومة جديدة.
ولكن ما المسؤولية التي يمكن ان تضطلع بها هذه الحكومة ؟ وكيف ستواجه التحديات القادمة ؟ وهل ستبقى من دون تأسيس استراتيجية جديدة من اجل التغيير الذي يطالب به اغلب العراقيين ؟ واتمنى على الحكومة الجديدة تطبيق ما جاء من مواد في برنامجها الذي طرح قبل ايام ، ولكن هل سيتم تنفيذ ذلك ؟ واقصد تغيير السياسة التي اتبعها المالكي على مدى ثمان سنوات مضت ؟
ان ثمة تعقيدات لوجستية في الاقليم ، وخصوصا مع حكومة عراقية جديدة غير مكتملة ، اذ تخلو حتى اليوم من وزيرين لكل من الدفاع والداخلية وحقائب اخرى ؟ فمتى سيتم ذلك لبدء سياسة داخلية أمنية جديدة وسياسة دفاعية جديدة ؟ ما موقف الحكومة الجديدة سياسيا ازاء ابعاد التحالف الدولي لكل من النظامين السوري والايراني عن التحالف ؟ ولا يعرف حتى اليوم ما طبيعة موقف الحكومة العراقية المركزية من العلاقة مع ايران التي لها اجندتها المشتركة معها وهيمنتها عليها ؟ وما طبيعة موقفها ايضا من النظام السوري الذي كانت حكومة المالكي السابقة مؤيدة له ؟
الواقع ان ثمة تحديات ومخاطر عديدة تنذر بان الاستراتيجية الامريكية الجديدة لن تكون بهذه البساطة عندما ستفرض قوتها في الجو ، واعتمادها في الأرض على العراقيين .. فهل فكرت الحكومة العراقية في اية خطط فاعلة على الارض ؟ هل ستصغي الى ما سيقوله لها الامريكيون من طرف ، ام ستبقى العوبة بيد النظام الايراني ؟ هل بدأت الحكومة العراقية بطرح خطط جديدة من اجل بناء علاقات داخلية طبيعية مع كل العراقيين ؟ هل ستنجح الدبلوماسية العراقية على عهد الوزارة الجديدة بتحقيق الممكن في تبديل ما انتهجته الحكومة السابقة من مواقف متشنجة مع الاخرين ؟ وهل سينجح السيد الجعفري لقيادة الدبلوماسية العراقية في احرج وقت يمر به العراق ؟ كنت اتمنى عليه ان تمنح هذه الحقيبة لشخصية عراقية اخرى لها امكاناتها وباعها في العلاقات الدولية والاقليمية ..
السؤال الاهم : هل سيكون للحكومة الجديدة سياسات جديدة في تقريب الهوة بين السنة والشيعة في العراق بعيدا عن المنزلق الطائفي الذي مزق المجتمع العراقي شر ممزق ؟ ان على الحكومة العراقية الجديدة ان تدرك ان ثمة علاجات واقية وسريعة للعراق من خلال عملها على كسر الحواجز الطائفية بين ابناء الشعب العراقي، وكسب ثقة العراقيين جميعا في مواجهة الاخطار الجسيمة التي كانت الحكومة السابقة سببا رئيسيا في ضياع العراق ؟ وعلى الحكومة الجديدة اتخاذ اجراءات سريعة من اجل انقاذ العراقيين المهجّرين مهما كان دينهم ومهما كانت مذاهبهم واطيافهم واعادتهم الى ديارهم ، فما يعاني منه هؤلاء وقد اصبحوا بين المطرقة والسندان ، اي بين اضطهاد المليشيات الطائفية او المنظمات الارهابية . اذا بقيت الحكومة الجديدة غير مقتحمة للتغيير الجذري ، وبقيت تأمل ان يتحقق النصر من خلال التحالف الدولي بقيادة الامريكيين ، فهي واهمة ، اذ ستكون الحرب القادمة مأساوية ما لم يكن هناك في العراق اي ” مشروع وطني ” يعيد اللحمة بين ابناء البلد الواحد ، ويعيد العلاقة العضوية بين المركز واقليم كردستان من اجل مواجهة التحديات الصعبة .. والاهم من كل هذا وذاك ان يتم ترتيب اولويات بشأن كل ذلك من خلال تشريعات واصدار قوانين رسمية تحرم اية نزعات وعمليات تعمل ضد المشروع الوطني . انني واثق بأن الحكومة الجديدة لو غيرّت سياساتها واستراتيجيتها ، فسوف تكسب اغلب ابناء الشعب العراقي ، ذلك ان الشعب كان ولم يزل ينتظر حكومة وطنية تخدمه وتعامله معاملة متساوية وكريمة ..
ان لم تأخذ الحكومة العراقية مبادرات تشريعية جديدة سياسيا واعلاميا من خلال تشريعات جديدة ، فان تداعيات السنوات الثمان الماضية ستزداد مخاطرها بشكل لا يوصف ، وستتفاقم مشاكل اخرى .. اذ لابد من بداية جديدة تنطلق على نحو عملي في القضاء على الميلشيات الطائفية وتحريم استخدامها لأنواع الاسلحة ، وعدم دمج المليشيات في المؤسسات العسكرية والامنية الرسمية ، والا تسمح ابدا للأخرين بخلق كيانات تحكمها عصابات في داخل الدولة .. وعلى الحكومة الجديدة ألا يذهب تفكيرها بأنها ارضت السنة العرب في العراق كونها ضمت وزراء منهم ، ذلك ان الوجوه التي اتت بها هي نفسها التي افتقدت ثقة الناس بهم ، وان ابقاء الوجوه القديمة او تبديلها بوجوه اخرى ، لا يكفي ان لم تبدل النهج السياسي تبديلا جذريا ، ذلك ان اهم ما يحتاجه العراق هو التغيير في السياسات الغبية التي اتبعها رئيس الوزراء السابق .. ولا ادري الى حد الان لماذا اسند اليه منصب نائب رئيس الجمهورية ، وهو الذي ارتكب اخطاء لا تغتفر ابدا على امتداد ثماني سنوات من حكمه للعراق ؟ اذ ينبغي مساءلته ومحاكمته !
انني واثق ان تنظيم الدولة الاسلامية سيرحل ، ولكن هزيمته مقرونة الى من يحارب على الارض ، والضرورة تقضي باتباع خطط عسكرية جديدة واعادة بناء الجيش بسرعة على اسس وطنية وترسيخ العقيدة العسكرية ، وهذا لا يأتي الا من خلال مشروع قوي الفاعلية للمصالحة الوطنية حتى يمكن تأليف فرق عسكرية لكل اقليم من ابنائه كي يدافعوا عن ترابهم واهلهم واعراضهم واموالهم دفاعا حقيقيا .. وعلى العراقيين ان يستعدوا لمواجهة تداعيات صعبة لما حدث سابقا ، وخصوصا بعد كل الذي حدث من خطايا بحق هذه الملة أو تلك الفئة وبحق كل الابرياء الذين امتهنوا وهجروا واضطهدوا واختطفوا وذبحوا ولاقوا المصاعب التي لا يمكن ان يتخيلها احد في هذا العالم ..

نشرت في جريدة العربي الجديد / لندن ، يوم الجمعة 19 سبتمبر / ايلول 2014 ،
http://www.alaraby.co.uk/opinion/2f7882a3-19cc-45fb-853c-df8e67aee11a
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

الف مبروك لآل الجليلي سلامتهم .. ها قد حانت لحظة الخلاص !

بعد مرور ثلاثة اشهر صعبة وقاسية جدا .. وصلنا اليوم الخبر المفرح من الموصل القديمة …