الرئيسية / الرئيسية / التقاسيم الى دول او اقاليم ؟

التقاسيم الى دول او اقاليم ؟

 لم اؤمن يوما بانقسام العراق من الناحية الجيو تاريخية ابدا .. الى كيانات دول منفصلة كما يجري تداوله اليوم على السنة العراقيين ! وربما كان الحق معهم ، خصوصا بعد كلّ الذي لاقوه وما يصادفونه من سياسات حكومة وميليشيات وعصابات تهمش هذا ، وتضطهد ذاك ، وتحارب محافظات وتحرمها من ثرواتها ، وتفجر مدنا ، وتقتل ابرياء .. بل وما يلاقيه الناس من تمييز عنصري او طائفي بشع لا يدركه الا من يكابده ويعانيه . وليس هناك من عراقي له شرفه ووطنيته الا التعاطف مع شعبه كله مهما كان عرقه او دينه او طائفته !
لقد كنت قد اوضحت في مناسبات عديدة ان انقسام العراق مسألة صعبة ، وحتى ان طاله التقسيم يوما ، فانه سيرجع ويلتئم من جديد بعد مرحلة تاريخية شاذة تمر عليه قد تطول او تقصر ، وبعد ان يدفع شعبه اثمانا باهظة جدا من خراب وموت ودمار .. ان ” التقسيم ” الذي طرح افتراضاته بعض الساسة والكتاب الامريكان ، من الذين اخضعناها للنقد والمعارضة الشديدة .. يبدو اليوم ان العراقيين بدأوا يؤمنون بها ، ذلك ان ” التقسيم ” هو العلاج الوحيد والحقيقي للخلاص التاريخي ، وان مستقبلا للعراق بثلاث او اربع دول هو الذي سينقذهم من المأساة التاريخية !
كانت هذه ” الفكرة ” تعّد خيانة عظمى لا ينجو صاحبها من الموت ابدا ابّان القرن العشرين ، بل ويعتبر صاحبها منبوذا في المجتمع الذي كان يتعبّد في عشق الوطن ، ويردد شعاراته ، ويغني اناشيده ليل نهار .. بل وان العراقيين صنعوا لهم تاريخهم السياسي والاجتماعي المعاصر في القرن العشرين وهم يدافعون عن مبادئ ، او يتشدّقون بشعارات او يكتبون تاريخ وطن ، او يتغنّون بوحدة شعب ، كما وذهبت منهم الالاف المؤلفة من الشهداء في سبيله ، واهدرت من اجله ثروات ضخمة وحارب على حدوده ملايين العراقيين .. وعاش شعبه ثورات وانتفاضات وانقلابات وحركات سياسية وعقائدية من اجل الحركة الوطنية . فماذا حصل اليوم ؟
لقد اختزل التاريخ كله اليوم في عبارة ” تقسيم العراق ” بعد ان مرّ كلّ العراقيين على مدى عشر سنوات بأهوال ومصاعب ، وفشلهم انفسهم في قيادة انفسهم بأنفسهم مع تدّخلات عوامل خارجية لإفنائهم وتفجيرهم وارهابهم ، وسحق ارادتهم ، وقتل علمائهم وخواصهم ، وابعاد اعيانهم ، وقصف مدنهم ، وحبس نسائهم ، وقهر شيوخهم ، واهانتهم بتصنيفهم وشتمهم طائفيا .. ان الانقسام السياسي هو نتيجة طبيعية للانقسام الاجتماعي الذي تبلور بشكل علني بين طائفتين سنيّة وشيعية في حين كان انقسام الكرد عن العراق بولادة كيان منطقة كردستان منذ العام 1991 ، وقد تحررت ارادتهم وتحوّلت الى اقليم عام 2003 بعد ان عدّ ذلك نتيجة تاريخية لقضيّة كردية عاشت اكثر منذ نصف قرن .
ان المشكلة العراقية اليوم – كما ارى – ليست في المسألة الكرديّة بالرغم من كونها جزءا لا يتجزأ من مستقبل العراق ، بل المشكلة في وضع العراق نفسه كوطن متفسّخ اجتماعيا ومتشرذم سياسيا ، وبطبيعة الحال ، سيكون التقسيم نتيجة طبيعيّة لذلك التفسخ الذي كانت من ورائه عوامل عدّة داخلية وخارجية . وكان التقسيم قد طرح فيدراليا منذ العام 2003 ، وكرّس دستوريا عام 2005 لأسباب تخصّ فيدرالية اقليم كردستان ، وكم وقف البعض من العراقيين ضدّ ” المشروع ” الفيدرالي لبقيّة العراق ، في حين صفّق له المهرجون او اولئك الذين يقدّمون انتماءاتهم الخفيّة على العراق ، وقد طرحت مشروعات لتقسيم العراق العربي الى فيدراليات ، وقد منحهم الدستور المعمول به اليوم الحقّ في ذلك .. اليوم خفت حماس العراقيين ، وبات بعضهم يطالب بتأسيس كيانات سياسيّة منفصلة عن حكومة بغداد بسبب ممارسات نظام حكم ، وقهر عملية سياسية اخذنا قادتها الى الدمار ..
ان العراق كتلة جيوتاريخيّة موحدّة منذ القدم وسمي ببلاد ما بين النهرين او ” ميزوبوتيميا ” او بلاد الرافدين ، واذا كان العراق قد تعرّض للتوسّع او التقلّص او الانقسام في ايّة مرحلة تاريخيّة امبراطوريّة او عاديّة او ضعيفة ، فانه يعود دوما الى طبيعته الموحدّة بعد سنوات انتقاليّة صعبة وبتقسيماته الاقليمية الثلاث شمالية ووسطى وجنوبية عموديّا ويلتئم شرق دجلة مع غربي الفرات من خلال ما بين النهرين افقيا .. واذا كان اهل العراق ينقسمون اليوم انقسامات اجتماعية وعرقيّة وثقافيّة وطائفيّة .. فان الحكم ينبغي ان يكون للعقل لا للعاطفة ، وان يكون وطنيا لا طائفيا ، وموحدّا لا انقساميا ..
ان نتائج كلّ الفورة المتعاليّة من العواطف المحمومة ازاء الاحداث الجسيمة التي يتعرّض لها كلّ العراقيين ، وما ستسفر عنه امنيات البعض بالتقسيم ، ستأخذ العراق كلّه مع اهله الى الجحيم بعينه .. ان رؤيتي تقول : بأن مخاطر عدم التغيير اليوم ستقودنا الى التفكك السياسي والتعريض بوحدة العراق التاريخية من اجل عامل سياسي مبعثه الاصرار على ولاية ثالثة لرئيس وزراء ثبت فشله المرير في ادارة العراق في مثل هذه المرحلة الصعبة والحاسمة .
واعتقد ان اهمّ دولتين شاركتا العراق تاريخه السالب تتمثلان بكلّ من تركيا وايران ، في حين كان العمق العربي هو تاريخه الموازي منذ اكثر من الفي سنة .. ان تقاسيم العراق الى ثلاث دول اولاها للأكراد ، وثانيها للسنّة ، وثالثها للشيعة ، سوف ترتهن مستقبل هذه الدول العراقية للقوى الاقليمية لا الدولية ، فلقد خرجت اميركا من العراق بعد ان دمرّته بمشروعها السياسي والعسكري سواء في العام 1991 عندما سحقت بنيته التحتية ، او في العام 2003 عندما بدأ يعيش فراغا وطنيا وتبدأ حياته المتشرذمة على ايدي قادة لم يقرأوا شيئا عن تاريخ العراق ولم يدركوا مكانته بين الامم ..
وعليه ، فانّ العراق الادنى سيكون ايرانيا صرفا ، وهذا ما لا يريده الشيعة العرب الاصلاء ابدا ، واضيف بأنّ العراق كان تاريخيا جزء لا يتجزأ من مركزية بغداد الجامعة التي كانت برفقة الموصل والبصرة اهدافا ايرانية على امتداد خمسة قرون .. اما اقليم كردستان ، فإنني احترم ارادة الشعب الكردي في حقّ تقرير مصيره ، وان هدفه الاسمى يتمثل بتأسيس دولة كرديّة ، ولكنها ستكون بحاجة الى تأمين مصادر قوة واستمرار لها ، وسيمثلها كلّ من نفط الموصل وكركوك ، وهنا سيتم الدخول في مرحلة تاريخية صعبة من الصراع الداخلي فضلا عن مواجهة حقيقيّة مع تركيا وايران ، خصوصا وان الرهانات قويّة على الموصل التي تعاني اليوم بشكل لا يمكن تخيّله من صراعات وفوضى ، وانها تعيش انقساما لصنع المستقبل سواء في التحالف مع الاكراد ، او للاستقلال بإقليم نينوى ، او للاندماج مع كيان سنيّ ! هنا اتساءل : الا تجدون معي ان ايران قد نجحت في خطتها بجعل العراقيين يطالبون التقسيم بأنفسهم ؟!
تبدو المحافظات السنيّة في العراق الاعلى، قد بدأ اغلب ابناؤها يطمحون لتأسيس كيان منفصل لهم عن العراق الادنى لأسباب طائفيّة ، وهنا ، سيتواصل الصراع الدموي بين دولتين عراقيتين : شيعيّة تجد عمقها في ايران لأسباب مذهبيّة ، وسنيّة تجد عمقها عربيا لأسباب جغرافية بحكم وجود النهرين.. ولكن ثمّة مشكلة خطيرة يدركها الحكماء العراقيون ويستهين بها الايرانيون وعملاؤهم ، ذلك ان هناك الملايين من ابناء قبائل وعشائر عرب الجنوب يتوزعهما كلّ من الطيفين السنيّ والشيعي ، وان التلازم عضوي في بنيّة المجتمع العراقي ، فكيف يمكن فصل قبائل مشتركة سلاليا ومنفصلة طائفيّا بعد ان كانت متعايشة لتاريخ طويل ، وهي من شمّر والجبور والبو محمد وبني تميم وآل ربيعة والسودان وغيرهم ؟؟
ان العراق ليس كغيره من البلدان ، ذلك ان تمفصل مشيخات الخليج العربي قد بني على اسس قبليّة وتطورّت الى مجتمعات مستقرّة في سبعينيات القرن العشرين لتنال استقلالاتها .. واذا كان لبنان دولة له سيادته ، فان جبل لبنان كانت له شخصيته منذ اربعة قرون وعاش صراعات طائفيّة مريرة عكس تعايش العراقيين القومية والطائفية والدينية ، وتلاقحهم في الانساب .. ان أيّة تقاسيم للعراق لأسباب سياسيّة متسرّعة او عاطفيّة هي جنايات تاريخية بحق العراقيين اليوم ومستقبلا .. واتمنىّ على القادة العراقيين اليوم ان يكونوا اكثر عقلانية ووطنيّة في الخروج من الازمات السياسية والاكتفاء بما كان عليه العراق كأمصار واقاليم بديلا عن تأسيس أية كيانات سياسية ودول متصارعة لا تتوفر لها ايّة مقومات .
اننا نسمع اليوم بفكرة الكونفيدرالية بديلا عن الفيدرالية ، أي بمعنى ان يغدو تأسيس دول بدل تأسيس اقاليم ، وسوف تسري هذه ” الفكرة ” لدى المحافظات السنيّة بحيث بدأنا نسمع عن انفصال السنّة العرب عن الشيعة في دولتين او اكثر ، وهذا كلّه نتيجة طبيعيّة لما كان الدستور قد سّنه قبل قرابة عشر سنوات ! ان انقاذ العراق هدف لابد ان يعمل عليه كلّ العراقيين بمنعهم اية ولاية ثالثة مع اجراء التغيير الحاسم في النهج السياسي ومنح العراقيين حقوقهم بلا تمييز ! وعلى القادة السياسيين العراقيين ان يفكروّا بمصير العراق قبل اية اجندات اخرى .. فمتى يعقلون ؟

نشرت في جريدة المدى العراقية ، يوم الاثنين 2 حزيران / يونيو 2014 ،
http://www.almadapaper.net/ar/ViewPrintedIssue.aspx?PageID=9584&IssueID=484
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وعلى صفحاته في الفيس بوك وتويتر

شاهد أيضاً

العراقيون في عصر الظلمات

  مدخل اهدتني  الاخت العزيزة والزميلة الفاضلة  الدكتورة  جمان مكي كبة  نسخة  من كتابها الجديد …