الرئيسية / الرئيسية / جنون التافهين كما نشرت ذلك قبل سنين!

جنون التافهين كما نشرت ذلك قبل سنين!

 اعيد على كل العراقيين ما كنت قد نشرته قبل عشر سنوات ، اذ كتبت انادي قائلا : لقد كنتم في سجن كبير على امتداد اكثر من خمسين سنة ، لا تدركون ما حدث عندكم وما قيل ويقال في حقكم لأن الماضي الصعب قد حرمكم حرمانا متعمدا من كل وسائل الحياة المرفهة والاتصالات والانفتاح على العالم ! لقد كان العالم كله اقرب منكم الى مشاهد الحروب التي مررتم بها وتحملتم موبقاتها وآثارها وتداعياتها المريرة ، وقد جرت من دون ان تحتفظ ذاكرتكم بصورها البشعة ولم يسجلها المبدعون في اسفار ونصوص وروايات ، وكان وقع التصريحات والاقاويل ضد العراق والعراقيين قاسيا علينا في الشتات كقسوة وقع الصواريخ والقنابل الامريكية التي انزلت عليكم ! وان ما تعيشونه اليوم هو ثمرة الانقسامات والصراعات والخوف وفقدان الثقة في ما بينكم ..
ان مستقبلكم اليوم قبل ماضيكم ، فأما ان تكونوا اذكياء جدا في الحفاظ على وطنكم ، وصفاء انفسكم ، واعمار بلدكم ، وبناء اجيالكم ، وان تتخلصوا من كل تبعات وآثار ما جرى بحقكم ليس في ما يخصّ اطفاء الديون التي تقدّر بمئات المليارات ، وايضا الغاء القرارات الدولية التي ورثها العراقيون .. واعلموا بأن ما حصل دوليا ضد العراق على امتداد اكثر من ثلاثين سنة ، لا يمكنكم القضاء عليه لوحدكم ، بل انّكم بحاجة الى من يسهم في الغائه نهائيّا من حياة العراق في المستقبل . كونوا اصحاب افق واسع في تقدير مستقبلكم ، وان من اهم ما يمكنكم الاعتزاز به هو تنوعّكم الذي ادهش العالم ، ولا تفسحوا المجال ابدا لكل اولئك الذين يعتبرون انفسهم اوصياء عليكم يتدخلون في شؤونكم ويفعلون ما يريدون وانتم لا مبالين بما يحدث ، بل ويساهمون اليوم في نحركم وسحقكم وزرع الانقسامات في ما بينكم .. فلقد عانى كل العراقيين من تدخلاتهم ومؤامرات عملائهم ومرتزقتهم منذ مئات السنين تحت اغطية شتى .. ان طريقكم سيكون محفوفا بالأشواك التي ستدمي اقدامكم ، ولكن لابدّ ان تتناسوا خلافاتكم السياسية قبل الاجتماعية .. عليكم ان تغيرّوا من لغتكم السياسية التي تعودّتم عليها منذ 50 سنة ، وقد كنتم وانا واحد منكم تحت وطأة الخوف والرعب وفقدان الثقة ليس من مؤسسات الدولة حسب ، بل من طوائف المجتمع وسلطاته المرعبة ! لا تخجلوا ابدا في ان تعلنوا ما تؤمنون به سياسيّا واختيار الاصلح والانظف والانزه والاذكى والاخلص الى العراق واهله جميعا .. لأنّكم بذلك ستعطون المثل الحي على بدايات تجربة “ديمقراطية ” بالرغم من حالتها الكسيحة مذ بدأـت تخطو ، وهي تحمل نفسها على عكاز ( امريكي ) ، وقد غدت بوابة مشرّعة لكل المتخلفين والطفيليين واصحاب المصالح الخاصة مع تسلّق الاغبياء والطفيليين والطارئين على السلطة من اجل الاستحواذ على الجاه المأبون والمال الحرام . انكم ما زلتم بحاجة الى مرحلة انتقالية حقيقية ، وعهد نقاهة وهدوء واستقرار بعد ازمنة مظلمة سحقتم فيها نفسيّا وسياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا ولم يحسّ بآلامكم المبرحة الا الشرفاء والاحرار في هذا العالم من الذين وقفوا معكم وقفة تاريخيّة اليوم من خلال مساعداتهم الانسانية في حين تجاهلتكم دول ومجتمعات كانت خزائنها تعب من ثرواتنا.
قلت لكم في يوم من الايام بالتفكير واعادة التفكير من اجل اختزال الطريق: ان العراقيين سيحررّون بلادهم لوحدهم وليسوا بحاجة اليوم الى نصائح الاشقياء المناضلين ، والفقهاء المعممّين ، والاستراتيجيين المحلليّن الذين صفقّوا للدكتاتورية حتى الرمق الاخير ، ثم خانوا الامانة وصفقّوا للطائفية المقيتة ! انكم لابدّ ان تتعلموا اليوم اساليب العمل السياسي بعد ان ضيعتكم الايديولوجيات الشوفينية والطوباويّة والطائفيّة البلهاء ردحا طويلا من السنين ! ربما سيغلب عليكم الصراع اذا ما انحازت قواكم السياسية الى احزابها المغرقة بالتناقضات والتخلّف والماضويات العقيمة ! واكرر بأن طريقكم سيكون طويلا وشاقّا اذا ما بقيت لغتكم مضطربة ، وتفكيركم قديم ، وشعاراتكم مهيّجة ، واساليبكم سمجة .. ابتعدوا عن لغة الاثمين والمكابرة والشتائم المقذعة .. ابتعدوا عن الانتفاخ الكاذب ، وعن الاحقاد واخذ الثارات ، واعلموا بأنّكم لم تهزموا ابدا ، اذ ان اغلبكم يشعر بأنه قد انتصر على زمنه الصعب حتى لو خرج ذلك النصر من تحت اجنحة الاخرين ! وان طيبته وسماحته ومحبته لوطنه وكل اهله من اسمى اخلاقياته .. لابدّ ان تصنعوا قطيعتكم التاريخية مع التقاليد البالية ومومياءات التخلّف ، وابتعدوا عن السماجة والحقد الدفين والتشفّي الكريه ! اقرأوا جيدا ما حصل على امتداد مرحلة تعيسة : ثرواتكم اين بددت .. ؟ اموالكم كيف سرقت ..؟ ارضكم كيف احرقت .. ؟ كرامتكم كيف اهينت.. ؟ ازمانكم كيف اهدرت ؟ تعترفون معي بأن هناك من فرح ورقص وتهستر في الشوارع في كل فورة سياسية ، او انقلاب عسكري ، او احتلال اجنبي .. وان بعض العراقيين لم يزل في طور ملتهب من العواطف المضطرمة ، او تبديل الموجة ، او اعلان ما لا يضمره .. وعليكم انتم ايها العراقيون ان تنتبهوا بأنّ المستقبل سوف لن يكون مفروشا بالورود والرياحين ابدا .. عليكم ان لا تخدعكم خطابات المتسلطين واضاليل المستشارين واكاذيب الاعلاميين والكتبة السياسيين ورجال الدين القريبة والبعيدة .. وعليكم ان لا تصدقوا بكل ما تقرؤونه او ما تسمعونه من اخبار واشاعات وأضاليل وبيانات وخطابات وصراخات ودعايات .. بل عليكم ان تفكرّوا في الكيفيّات السياسيّة الجديدة التي تستطيعون من خلالها ان تكونوا احرارا !
لقد قلت يوما : على الاخوة العراقيين الذين كناّ نتحاشى الاقتراب منهم كيلا يسلخوننا بالشتائم السيئة والتهم الجاهزة ان يلغوا من ذاكرتهم كل ما كانوا قد تشبّعوا به ، وانّ عليهم ان يخضعوا لإرادة شعب يحمل اسوأ الذكريات عن ازمنة دمويّة.. وعليكم ايها العراقيون ان تنتبهوا كيلا تلد تداعيات الاحداث قريبا : دكتاتورية جديدة تحت مسمّى من نوع آخر ، وان تتنزهوا بسموّ الدين وعليائه ولا تنزلوه الى مستنقعات السياسة الدنيوية ليغدو ممزّقا بين هذا وذاك ومن خلاله يتدّخل الاخرون في شؤونكم وتسويق قضاياهم ومشاكلهم طمعا بثرواتكم . ان الاسلام لا يمكن ان يكون سلعة رخيصة تتقاذفه هذه الفئة او تلك من اجل امتيازات فئوية او طائفية او عرقيّة او سلطويّة او حزبيّة او طبقيّة .. الخ
نعم ، لقد قلت يوما : على العراقيين بناء وعي جديد بقبول كلّ تنوّعاتهم الفسيفسائية في تركيبة سياسيّة موحّدة وترتيب بيتهم الذي يريدونه ديمقراطيا ومستنيرا وحداثويا متمدنا .. وعليهم ان يبعدوا اي نوع من التبشير الطائفي المقيت ، فان مجرّد التفكير باستخدام الطائفية السياسية سيدخل العراق في نفق معتم لا يستطيع الخروج منه الا بالتقسيم لا سمح الله وهذا هو رهان الحاقدين سواء من الاقربين منا أو من البعيدين عنا ! على كل عراقي ان يحترم طقوس وتقاليد ابناء جلدته مهما كانوا قلّة في المجتمع وان لا تضطهد الاكثريّة الاقليّات بحجّة عدد الاصوات ! وعلى العراقيين ان لا يخلطوا الانقسامات مع بعضها كما يفعل اولئك الذين لم يفهموا العراق ولم يستوعبوا نسيجه الاجتماعي وتركيباته البنيويّة القديمة بكلّ ما توارثته من بقايا وموروثات ليس من السهولة الاجهاز عليها واستئصالها من طرف ، ولكن بنفس الوقت لا يمكن لهذا العصر ان يتقبّل العمل بها .. على العراقيين ان يفكرّوا بأنجع الاساليب المعاصرة في ان يسلكوا طريقهم المختصر نحو المستقبل بفهمهم واحترامهم واستيعابهم وانفتاحهم مع بعضهم الاخر ، من دون اي من تلك الاساليب الدمويّة التي اتبّعها كلّ المستبدّين والمجانين التافهين في القهر والتهميش والترويع والاقصاء او حتّى اساليب التعذيب والقتل والتدمير والاغتيال والسحل والاعدام شنقا او الرمي بالرصاص على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين ! فما هذا الذي يجري من اساليب هذه الايام كالتفجير والتفخيخ والعبوات والاغتيالات الصامتة والذبح وقطع الرؤوس .. الخ
نعم ، لقد قلت يوما : ان ما اطالب به ليس نظريا تعجيزيا ، بل انه مستنبط من واقعنا العراقي ومن قراءة تاريخ خمسة قرون مرّت على العراق وانتجت كلّ خطاياها في القرن العشرين ، واننّي اطمح بأن تكون الاجيال الثلاثة القادمة في القرن الحادي والعشرين هي غير ما عاشته الاجيال المنصرمة من رزايا ومكابدات لا يمكن ان يعاني مثلها ايّ شعب اخر في هذا الوجود. وعليه ، فانّ ما اريد ان يعرفه ويدركه كل العراقيين ، سعيهم كمجرّد محاولة لتأسيس قطيعة تاريخية بينهم وبين ماضيهم الصعب مع نزاهة تقاليدهم وسمو اخلاقهم وروعة قيمهم الاجتماعية الاصيلة. وان ينتبهوا بأنّ تاريخهم يتحمّل ولادة زعماء دكتاتوريين لا يعرفون الرحمة ابدا ، فلا يمكن البتّة قبول أيّة زعامات فرديّة او حزبيّة او طائفيّة او قبليّة او تنبثق من اشقياء واولاد شوارع كانوا يتسكعون على الارصفة او يقتاتون من موائد السفارات ! تأتي لحكم العراق بالمرتزقة وبالحديد والنار والاسلحة الحديثة.
أخيرا اعيد يا اخوتي العراقيين ما قلته قبل سنين : بانّ امامنا طريق صعب طويل وليس من الهين ان تسوقنّا الاضاليل ، او تخدعنا الشعارات ، او تضيعّنا العواطف ، او توجهّنا الهواجس ، فلابدّ من اعادة التفكير مليّا في كلّ الخطوات من اجل اختصار المسافات ، وان اولئك الذين ما زالوا يراهنون على الاحاديات الطائفيّة ، والمثاليات الكاذبة ، والشعارات المزيّفة ، والايديولوجيات الميتّة ، والطوباويات الخياليّة ، والامراض التاريخيّة قد مضى زمنهم الى غير رجعة ، ولكن اذا ما رجعوا ثانية وهذا ما يطمح اليه البعض من المستفيدين والوصوليين والطامعين فتلك هي هزيمة العراق الحقيقية .

نشرت في جريدة المدى ، بغداد ، 17 شباط / فبراير 2014 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟

خرجت الموصل، مدينةً وشعباً، من تحت بطش “داعش” بأثمانٍ غاليةٍ جداً، بعد أن قامت أربع …