الرئيسية / الرئيسية / نزار قباني .. شاعر الرسم بالكلمات

نزار قباني .. شاعر الرسم بالكلمات


” في فمي يا عراق ماء كثير كيف يشكو من كان في فيه ماء”
نزار

مقدمة
مرّت قبل ايام الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر نزار قبّاني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في النصف الثاني من القرن العشرين .. ولم تزل اشعاره ورسومه وصوره والوانه تنتشر في كل مكان من ثقافتنا العربية وقد نقلها جيل الى جيل . نعم ، لقد كان نزار قباني قد رحل فجأة وهو يقيم في لندن يوم 30 ابريل 1998 .. واذا كان نزار قد رحل رحلة نهائية ، فان تراثه الادبي سيبقى الى جانب تاريخه الادبي والفكري على طول الزمن . ويسرني بهذه ” المناسبة ” ان استعير من كتابي ( نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية ) الفصلة من ذكرياتي عن نزار قباني وقد كنت قد اسميته : شاعر الرسم بالكلمات الرائعة . لقد كتبت اقول عنه :

شاعرية نزار وثقافته
ولد نزار في دمشق 21 مارس / آذار 1923 . لقد خلق نزار قباني على امتداد حياته المليئة بالتناقضات جملة من الأزمات الفكرية والأدبية .. انه المعبر الحقيقي عن تناقضات خطاب العرب في النصف الثاني من القرن العشرين . انه الشاعر الذي نسف بكل جرأة وشجاعة جملة من البنى التقليدية التي ألفها الناس في تفكيرهم وتقاليدهم الاجتماعية منذ أزمان طويلة .. كان شاعرنا حرا ومتمردا في ما يقوله بشأن أهم ما شغل البال العربي ، والتفكير ، والجوارح ، والمشاعر والأحاسيس .. من جانب وكل المحرمات والمنكرات والحلال والحرام من جانب آخر .. موضوع المرأة الذي وجد نزار فيه ضالته ، واعتبره الاهم في هذا الوجود ! لم يقدم نزار المرأة باعتبارها إنسان مثل أصناف البشر ، بل ليعرضها في فاترينة ويبقى يجّملها بالمساحيق والألوان وينادي الآخرين إليها مع كل أوصافه الرائعة فيها والتلذذ بما يطلقه من تعابير عن جسدها .. مستلهما كل تراثات أسواق النخاسة التي كانت مزدحمة ورائجة البضاعة في ماضينا المتعب !
انني اعترف أن للرجل شاعريته التي لا يختلف حولها اثنان ، وعندما يسمعه الناس تطرب أسماعهم وتهفو قلوبهم ، خصوصا ، وانه امتلك قدرة رائعة في الإلقاء الشعري الذي يأسر القلوب ! إنني لا أريد أن أكون ضد الرجل وقد غاب عنا ، فلقد حكيت له كيف اقيّم له تفكيره ! صحيح انه جادلني في البداية ، ولكنه بدأ يحترم آرائي لأنه عرف إنني من المؤمنين بحرية الإنسان وتنمية قدراته وتفكيره واستقلالية إرادته . وكان نزار ينتشي جدا عندما يسمونه بـ ” شاعر المرأة ” . والحق يقال ، بأن نزارا في قصائده الوطنية وأنشوداته القومية ومواقفه النقدية الساخرة وفي العديد من مقالاته التي نشرها في سنواته الاخيرة في ركن من جريدة الحياة المعروفة ، كان مثالا للمثقف العاشق ليس للمرأة حسب ، بل لترابه واوطانه لولا جملة التناقضات التي وقع فيها كأي شاعر عربي متمرد في هذا الوجود.

كلمات عن تكوين نزار وحياته
ولد نزار بن توفيق قباني في 21 / 3/1923 في حي مئذنة الشحم في القيمرية بدمشق ، ونشأ فيها ، وتخرج في الجامعة السورية بشهادة في الحقوق العام 1944، ولكنه لم يمارس القانون بل خدم في السلك الدبلوماسي السوري للفترة 1945-1966.. كتب الشعر منذ مطلع شبابه مذ درس في الكلية العلمية الوطنية بدمشق وفيها التقى استاذه خليل مردم بك الذي أخذ بيده ودفعه وشجعه ونشر ديوانه الاول ” قالت لي السمراء ” على نفقته الخاصة وهو طالب في الحقوق.. وخرج عن التقاليد والاطواق متمردا عليها ، اذ ثار عليه بعض رجال الدين وطالبوا بقتله عام 1945 اثر نشره قصيدة ( خبز وحشيش وقمر ).. استقر في بيروت بعد ان آثر الشعر وترك الوظيفة التي قيدته لسنوات طوال.. اصدر عدة دواوين تصل الى 35 ديوانا كتبها على مدى نصف قرن ، وله عدة كتب نثرية . أسس دار نشر لأعماله في بيروت تحمل اسم منشوراته. غنى المطربون عدد من قصائده ، ومنهم: ام كلثوم ونجاة وعبد الحليم وفايزة وفيروز وكاظم وماجدة وغيرهم . حكى لي انه كان يزور العراق دوما ويلتقي فيه بأبرز المثقفين والادباء العراقيين .. وفي بغداد التقى بلقيس وتحابا الى حد العشق ، ولكن اهلها منعوا زواجهما ، فافترقا وتزوج للمرة الاولى زوجته الاولى التي رحلت عنه.. وشاءت الصدف ان يلتقي بلقيس ثانية بعد سنوات فتحقق حلمهما وتزوجا وعاشا معا ، وجاء مصرعها اثر تفجير السفارة العراقية ببيروت وكانت تعمل فيها ، فكان ذلك صدمة عنيفة عنده وآثر التنقل في باريس وجنيف واستقر في لندن التي عاش فيها الاعوام الخمسة عشر الاخيرة من حياته… وشكلت السنوات الاخيرة من حياته صخبا من المعارك والجدل والقصائد السياسية الساخنة وخصوصا في عقد التسعينات من القرن العشرين. وقد قاوم مشروعات السلام والتطبيع مع اسرائيل وعبر عن ذلك في قصائده الشهيرة: المهرولون ، والمتنبي ، ومتى يعلنون وفاة العرب .. الخ . توفي في لندن يوم 30 /4/ 1998 ودفن في دمشق وترك اشعاره يرددها الناس.

كيف عرفت نزارا ؟
كنا ثلة من المراهقين في أروقة الاعدادية ( متوسطة المثنى ) بمدينة الموصل. شباب عند مطلع حياتهم لا يهجعون ولا يهدأون ابدا لا في الليل ولا في النهار ، ونحن في مرحلة حساسة وحرجة جدا في اواسط عقد الستينيات . كنا نقرأ الكتب في الليل ونطالع المجلات ونكتب الاشعار في اويقات النهار .. لم اكتشف نزار في مكتبة بيتنا الغنية والمكتنزة برغم محبة اسرتنا للشعر والشعراء ، ولكنني اكتشفت نزارا من خلال ديوانه ” الرسم بالكلمات ” الذي كان مدّرسنا في الجغرافية واسمه الاستاذ طارق فضل قد حمله معه يوما ، وكان يعشق نزار وأشعاره على عكس استاذنا في العربية الاستاذ عبد النافع الحكيم المشهور بسيدارته العراقية وهو يتأبط قاموسه كل الاوقات .. تذكرت قصيدة ” أيظن ” التي يقدمها نزار بنفسه تلفزيونيا ويقرأها قبل ان تشدوها المطربة نجاة الصغيرة على شاشة التلفزيون بالأبيض والأسود ! بدأت اهتم شيئا فشيئا بأشعار نزار.. كنت أخشى من والدي – رحمه الله – أن يعنفنّي إذا ما اكتشف أنني اقرأ مثل تلك الأشعار! ولكنه لم يقل شيئا لي عندما اكتشف ذلك ، وكان رجلا مثقفا ومستنيرا وانه رسم ابتسامة خفيفة على محياه ، وقال : لابد أن تقرأ المعاني وتتحسسها قبل أن تنعشك الألفاظ الجميلة . وبالرغم من كونه من رجال القانون الا انه يعشق الشعر وله باع كبير في نقد الشعر على القواعد النقدية العربية القديمة التي أسسها كل من عبد القاهر الجرجاني والآمدي وابن الاثير .. وغيرهم . وفي الثانوية الشرقية وكنت في الخامس والسادس الثانوي ، نجحت رفقة الصديق القاص عبود عبد الله بكر ( اسر لعدة سنوات في الحرب العراقية الايرانية عام 1982 ) ان نؤسس صحيفة أدبية اسبوعية جدارية ترأست تحريرها عام 1969 ، واصدرنا عدة اعداد منها ، وقد اثرت جدلا واسع النطاق للموضوعات التي كنا نطرحها ولكن الاوامر صدرت باغلاقها كوننا نشرنا قصيدة سياسية ساخنة للشاعر نزار قباني ينتقد فيها العرب في هزيمتهم نقدا مبرحا ، وكان وراء غلق تلك الجدارية الرائعة الاستاذ المرحوم غانم حمودات وكان يكره الشاعر نزار وينعته بأسوأ النعوت .

نزار : ثورة التناقض في التغيير
لقد كانت الحياة العربية قبل هزيمة يونيو / حزيران 1967 بسنوات مفعمة بالروح القومية الوقادة وذكر الأمجاد العربية وترديد الشعارات الوطنية واذاعة الاغنيات الحماسية وانتشار الهوس السياسي وحمأة الأيديولوجيات وسماع الخطابات النارية .. وبنفس الوقت ، كان المجتمع العربي يعتز بنخبه المثقفة ومبدعيه وكانت الاستنارة في الفن والادب قد وصلت الى اعلى مداها عند العرب ابان الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين .. وبرز عند منتصف ذلك القرن وبعد الحرب العالمية الثانية نخبة عربية رائعة من الشعراء والفنانين والادباء المثقفين وقد شغلتهم السياسة والايديولوجيات الثورية والقومية والنضال والاشتراكية واليسار والتقدمية .. ، ولم يكن لنزار في ذلك كله أي نصيب يذكر ، كما اذكر ، كانت المرأة لوحدها شغله الشاغل يتفنن في توصيفاتها ويتخيلها كما يريد له خياله ويصورها كما يجمح به فكره وخياله .. كان نزار يتلذذ بمشاهد خصرها وسيقانها ونهودها وأظافرها وخصلات شعرها .. التي يخلقها ويجسمها تعبيريا برسم كلماته جميعها للناس ، ويجلس يترقب ردود افعالهم على نصوصه واشعاره .. وكان ذكيا جدا في استخدام الألفاظ البسيطة جدا في خطابه الشعري الذي يدخل النفس مباشرة من دون استئذان او أية تعقيدات ، ونجح في تضمين شعره كلمات عادية يومية يستخدمها الناس صباح مساء في كل مجتمعاتنا العربية .. بل ومما زاد في ذيوعها جعلها على السنة بعض الفنانين والمغنين المصريين الذين كانوا قد شغلوا الحياة العربية وكل الشباب الناهض .
واستطيع القول ، ان نزارا يتميز بقاموسه الشعري وتعابيره التي انفرد بها عن الاخرين .. ولكن بقي الرجل محافظا على التفعيلة الشعرية، وقد اغرم بموسيقى بعض الكلمات والتعابير التي كانت تثير الأحاسيس وتسخن العواطف .. لقد وجد في البيئة الاجتماعية العربية المكبوتة الى حد النخاع فرصته الذهبية التي يستطيع اللعب فيها لعباته العاطفية بكل جرأة وشجاعة وقد ساعدته ظروف تلك المرحلة الزمنية على استخدام كل التعابير في الجنس والجسد والشهوات والوجه والقسمات والشعر والسيقان والنهود والعيون والبسمات واللفتات ووصف حتى ركامات الحلمات .. ولكنه اضطر الى تغيير جملة كبرى من الفاظه وتعابيره في العشرين سنة الاخيرة من القرن العشرين بسبب تغير الظروف السياسية والفكرية في كل قسمات المجتمع العربي تغييرا كاملا اولا ، وبسبب فقدانه بلقيس في رحيلها الذي قضّ مضجعه ثانيا ! فضلا عن تقدّمه في العمر وما حدث من متغيرات خاصة به كشاعر وانسان ثالثا !

هزيمة حزيران / يونيو 1967 : أسبابها وآثارها المدمرة :
لقد كانت هزيمة يونيو / حزيران 1967 قوية وصاعقة هزته من أعماقه ، فبدأ يكتب أشعاره الوطنية القوية التي سخرها لنقد الآخرين والسخرية منهم من دون ان يكتشف مسئوليته هو نفسه في صنع الهزيمة قبل الآخرين ! وهذا ما كنت قد أشرت به عليه لاحقا عندما التقيت به في بيروت للمرة الاولى ، رد علّي وقال : إن العكس هو الصحيح ، لو اكتشفني العرب وآمنوا بتفكيري قبل الهزيمة لما كانوا قد انهزموا أبدا !!! لقد أعطيت للمرأة مكانتها ومنحتها القوة إزاء الضعف الممقوت الذي كانت تعيش فيه .. لقد كانت دمية بأيدي الرجال يفعلون بها ما يشاؤون ! فأجبته : وجعلتها أنت مائعة تفترسها شهواتهم ومن خلال قراءاتهم الشفوية او تصوراتهم المخيالية بشكل لا يصدق ! قال : ذلك حق مشروع ! قلت : ولكن لم يفعلها غيرك من الشعراء حتى في ثقافات الأمم الأخرى ! قال: لأن مجتمعات الأمم الأخرى ليس لها نصيب من طغيان الكبت الجنسي! قلت : وهل باعتقادك أن العرب وحدهم مكبوتون جنسيا ؟ قال : اعتقد ذلك وان تاريخهم يحركه كبتهم بدءا بوأد البنات مرورا بأسواق النخاسة وصولا الى الحريم والرقيق الأبيض وانتهاء بزيجات المتعة والمسيار .. الخ قلت : وهل قمت يا شاعرنا بتحريرهن من هذه المستنقعات ، او عالجتهن من كل الاوبئة بأشعارك .. ألا تعتقد انك نفسك جزء لا يتجزأ من بنية ذلك المكبوت وتاريخه وانك نجحت في أن تعبر عن خزين عاطفي مشحون بأفظع الأحاسيس ؟! قال : انا شاعر ولست بمفكر مثلك! أنا شاعر لي الحق في ان أمارس كل التجارب الشفوية واغني ما اشاء ! او ارقص كالطير مذبوحا من الالم !

في لندن .. كان يائسا وقانطا :
كنت في رفقة زميلة قديمة لي وهي باحثة بجامعة اكسفورد درست العربية وعشقت الادب العربي المعاصر وهي المثقفة الاسكتلندية الانسة ساندرا هيزلتاين التي كانت تعد أطروحة في الشعر العربي المعاصر ، وهي اليوم أستاذ زائر في كالكاري احدى جامعات كندا .. كنا نمشي سويا في شارع الاجور- رود بعد نزهة في الهايد بارك بمدينة لندن ، كان الجو صافيا مع برودة لاسعة وهي تحث الخطى لمقابلة الشاعر نزار قباني الذي كان بانتظارنا بطلب مني ، واشكر ساندرا التي ذكرتني قبل ايام باشياء نسيتها عندما اتصلت بها من مدينة مسيسوغا في اونتاريو بكندا ، وقد كتبت في مقدمة اطروحتها عن مطارحتي افكار نزار في لقاء كان له عصفه الرائع ، ولكن نزار لم يزعل مني ابدا لعلمه انني لم انطلق من تفكير متحجر ، ولم أكن منغلقا أبدا . ويعجبه دوما ان اسمعه انه شاعر السهل الممتنع في الالفاظ والمعاني معا !
التقيناه في شقته المخملية التي تكثر الألوان الأرجوانية فيها ، وصورة زوجته العراقية بلقيس التي كانت قد قضت في حادث تفجير السفارة العراقية في بيروت .. في واحدة من الزوايا .. وثمة صور أخرى لولده وابنته تتوزعها بقية الزوايا .. كان طيبا معي جدا كعادته ، وكان خجولا من ساندرا .. لا ادري لماذا ؟ ربما بسبب كلماته الإنكليزية المكسرة وعدم إجادته اللغة الانكليزية بطلاقة ! ذكرّني بأشياء كنت قد حدثته عنها بصدد مجتمع دمشق في القرن الثامن عشر على عهد آل العظم مقارنة بمجتمع الموصل عصرذاك على عهد آل الجليلي ، كما وسألني عن مؤسسة الحريم والحرملك في العصر العثماني وعن بعض المصطلحات الخاصة التي استخدمت عن المرأة .. كنت متضايقا بعض الشيء ، فلقد جئنا إليه لنسأله لا ليسألني! وقد ظننت انه يريد الهروب من أمر ما ! لكن ساندرا كانت متسامحة معه الى ابعد الحدود.. كانت تريد فقط أن تسمعه لتكتشف من هو نزار الحقيقي وخصوصا تعمقّها في سايكلوجيته واكتشافها المزيد من تناقضاته .. كما قالت لي في ما بعد ! وقد سألتها : أتعتقدين بوجود نزارين ؟ قالت : نعم ، بل اكثر من اثنين ! فدهشت جدا ، وكانت فعلا أثناء اللقاء قد سألت نزارا : هل هو اندفاعك من دون تفكير في مديح حاكم عربي وهجاء زعيم عربي آخر قد جعلك تقضم أظافرك ندما وتحسرا ؟ وسألته : لماذا تكتب الآن ضد واحد من طغاة هذا العصر ، كما وصفته ، وكنت قد جالسته وشربت القهوة عنده عندما استضافك وقدمت آيات المديح إليه ؟ .. الخ من الأسئلة التي تفكك جملة من تناقضاته في هذا العصر . وتضايق نزار جدا من فتاة اسكتلندية تنتقد اندفاعاته السياسية التي سيرته فيها عاطفته المتوقدة بعيدا عن العقل ، ومن ابرز انتقاداتها له انه وصف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بـ ” آخر الانبياء ” ! وهذا لا يجوز ابدا ، وانه مدح الامام الخميني وجعله يرفع الاعلاما ، وذم الرئيس انور السادات بوصفه مجرد قروي ، ثم عاد ليذم هذا ويمدح ذاك من دون ان ينبس بكلمة واحدة ازاء اخرين معينين يخاف بطشهم ! وهل صحيح انه بخيل جدا ؟ الخ

معلومة مهمة
لم تكن إجاباته شافية طبعا ، إذ عللها بشاعريته ومكانته العليا في المجتمع العربي المعاصر ، وان الآخرين هم الذين يخطبون وده لا العكس وكنت اترجم ما يستعصى من الكلام ! ويستطرد انه كلما اعجب بواحد من القادة العرب ، عاد وغسل يده منه ، فيبدو للناس مضطربا .. لم يجب على كل الاسئلة وثمة اجوبة مقتضبة ، وبدا مهموما وحزينا على ما تعانيه ( الأمة) من أوضاع سيئة .. وقد كشف لي في ذلك اللقاء معلومة تاريخية مهمة جدا ذاكرا إن اصل عائلته من مدينة الموصل في العراق ، وانهم قد نزحوا الى بلاد الشام منذ عقود طوال من الزمن ( وقد سجلت هذه المعلومة في كتابي : زعماء وافندية الذي كتبته في بداية التسعينيات ونشرته عام 1999) وكان فرحا وجذلا بذلك كوني ابن الموصل الذي ذكرها باطيب الذكر كونها ام الربيعين ذات التاريخ الحضاري الرائع والطبيعة الخضراء المتوهجة .. تطرق بعد ذلك الى خصومه من الشعراء العرب المجايلين له معددا هناتهم في كتابة الشعر او في الدور الثقافي ! كما وذكر بعض خصوصياته وانه اضعف من ان يرد طلبات بعض اصدقائه .. وانه كثيرا ما كتب بعض الاشعار بعد ان قام بتصويبها لآخرين اصبحوا شعراء على اكتافه! وكان يعتز بدواوينه جميعها ، فضلا عن كتاب له ردد بعض مقاطعه عدة مرات وكان قد كتبه عن تجربته الشعرية. وفي لندن ، كان يعشق الوحدة والتأمل ، وان يمشي قليلا لوحده في الهايد بارك منذ الصباح الباكر او يجلس يتأمل الحياة قليلا ويستعيد الذكريات طويلا ، وقد رافقته يوما تلك النزهة الرائعة ، فكان يتعب ليجلس على مصطبة عامة وهو يستغرق في الكلام .. يقول انها نزهة يفرغ فيها شحناته واحزانه واكداره .. ولا يمكنه ان يكتب مقاله الاسبوعي او ينظم اية ابيات من الشعر من دون ان يتنفس نسيما عليلا .

كلمة اخيرة
وأخيرا ، لابد من كلمة حيادية سواء بينه وبين خصومه ليس من خصوم المهنة من الشعراء والادباء .. بل من فئات عربية حزبية وفردية .. سياسية ودينية وحتى من نقاد اختلفوا جميعا مع نزار وفي مقدمتهم الصديق الناقد جهاد فاضل.. ولكنني أقول بأن نزارا سيبقى ظاهرة ادبية عربية مثيرة للجدل على امتداد زمني طويل ! وسيبقى اسم نزار مدويا كواحد من ابرز شعراء العرب في القرن العشرين برغم تناقضاته السياسية . وآخر ما يمكنني ان أسأل : هل استطاع نزار قباني ان ينسف البنى الاجتماعية التقليدية وأزمة التناقضات السياسية الشعرية ؟ أقول بأن شاعر الرسم بالكلمات قد فشل فشلا ذريعا امام نسفه للتقاليد الاجتماعية التي كانت وستبقى اكبر منه على امتداد زمن ليس بالقصير ابدا. ولكن سيبقى اسم نزار قباني كبيرا ، وسيردد الناس اشعاره .. لقد عاش ورحل وهو ظاهرة أدبية وشعرية في حياتنا الثقافية العربية الحديثة .

نشرت في عدد من الصحف والمجلات منذ عشر سنوات واعيد نشرها قبل 5 سنوات لمناسبة مرور 10 سنوات على رحيله ..
( فصلة من كتاب الدكتور سّيار الجميل : نسوة ورجال : ذكريات شاهد الرؤية )
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

جدلية التعايش التاريخي والافتراق السياسي بين العرب والكرد

الاصدقاء الاعزاء .. اقدم لكم اليوم مختصر محاضرتي في مؤتمر العرب والكرد ، وسينشر نص …