الرئيسية / الرئيسية / كتاب بقايا هيكل.. الحلقتان -43- و -44-

كتاب بقايا هيكل.. الحلقتان -43- و -44-

الحلقة 43
نظرية الأمن القومي

نوري السعيد ــ العراق قبل الآخر
يتابع هيكل كلامه قائلا: “نوري باشا تحدث إلي جمال عبد الناصر.. وأنا في وقتها لم أقدر كلامه، لكني فيما بعد قدرت أن هناك أشياء أخري تستحق الالتفات. يقول نوري السعيد لجمال عبد الناصر: الحزام الشمالي يهمني تركيا والعراق وإيران.. وباكستان بشكل ما لوحدة العراق.. وهذا أمر لم نكن نقدره بالقدر الكافي في هذا الوقت لدي مشكلة الأكراد.. والتي لا أستطيع أن أضمنها إلا إذا تأكدت أن تركيا معي تماماً وكذلك إيران.. أظن أن نوري باشا في هذه اللحظة كان يتكلم عن مستقبل العراق أكثر ما يتكلم عن مستقبل الأمة… وأنا هنا علي استعداد لأن أقول إن إسرائيل لم تكن في باله. إن حق أي سياسي في أي بلد أن يؤمن وطنه أولاً.. يهتم به، لكن أن يري أمن وطنه خارج حدوده.. فلا يستطيع أحد أن يبقي علي حدوده فيقول إنه لدي نظرية للأمن القومي..! ” (نص هيكل).

ماذا أجيب ؟ وكيف نحلل نص هيكل ؟
لا ندري يا هيكل ، هل أنت الآن تصطف وراء نوري السعيد بعد أن بانت حقيقة العراق عارية، أم ما زلت تخالفه الرؤية والمبدأ والتفكير؟ هل تعتقد فعلا أن نوري السعيد قد نسي القضية الفلسطينية عندما سيؤمن مستقبل العراق بتحييد الدور الإقليمي إن لم يكن معه، فهو لن يكون ضده؟ طبيعي أن من حق أي سياسي عربي أن يؤمن وطنه أولا، وهذا ما يفعله كل القادة والزعماء الذين يخشون علي أوطانهم.. إلا أن كان هوسه الثوري أو حماسه الأيديولوجي يجعله فوضويا عابثا ليس بمصير الأمة كلها، بل حتى بمصير وطنه! ما معني كلامك: إنك لم تقدر كلامه (تقصد: نوري السعيد) وقت ذاك؟ من الطبيعي انتم لم تقدّروا وضعية العراق المحرجة بين قوي إقليمية ضارية، وثمة قوي في الداخل تحلم بالانفصال.. لم تقدّروا وضع بلد كالعراق يمتلك مقومات دولة ناجحة لمجتمع نجح المؤسسون في توحيده ولم شمله وقت ذاك.. وعندما قضي علي نوري السعيد بتشجيع من صوت العرب وكتاباتكم في الأهرام، لم يجد العراق نفسه في أي يوم من الأيام واحة للاستقرار بدءا بحياكة المؤامرات وتدبير الانقلابات وحكم الدكتاتوريات العسكرية وحكم الحزب الواحد وإشعالا للحروب وتطبيقا للحصارات وانتهاء بالاحتلال واختراق دول الإقليم في العراق للعبث به وبمجتمعه ومصيره.. من المصيب إذن؟ من الذي كان يتمتع برؤية مستقبلية بعيدة؟ ماذا لو بقي العراق حصنا أمينا وعمقا لكل بلدان المنطقة؟ ما الذي جنيتم بحق العراق؟ هل من حقك اليوم أن تمنع زعيما عربيا واحدا عن ممارسة السياسة التي يراها ملائمة لبلاده؟ إذا كنتم تعتقدون أن الأمريكان والبريطانيين سيخرجون من الباب ويدخلون من الشباك.. فلقد كنتم واهمين اشد الوهم، ذلك إن الاستعمار كان قد تغلغل حتى في أعماق الأنظمة التي سميتموها بـ”الثورية”! وأسألك يا هيكل: أين هو الاستعمار اليوم؟ هل نحن امام سوق بضاعة من المصطلحات والألفاظ والشعارات.. نسوّقها متى نشاء ونتخلى عنها متى ما يشاءون؟ أين الشعارات التي روجتم لها قبل خمسين سنة، وهاجمتم بيوت الأمة العربية المجيدة من خلالها؟ هل أحسستم اليوم فقط بمخاطر كل من إيران وتركيا على العراق؟

تركيا وإيران
نتابع مع هيكل كلامه قائلا: “بالفعل فإن تأثير إيران وتركيا كبير، لكن ما يقوي نوري باشا أكثر هو وجود عمق عربي من خلفه يسانده ويساند العراق ويحافظ قدر ما هو ممكن علي وحدته… يقويه أكثر من دخوله في حلف مع إيران من ناحية وتركيا من ناحية ” (نص هيكل).
نفهم منك اليوم يا هيكل أن لكل من تركيا وإيران تأثيرات كبيرة، كما تقول، ولكن أسألك بضميرك: أين هو وجود العمق العربي من خلف العراق يسانده قدر ما هو ممكن علي وحدته؟ إن تجارب القرن العشرين وحتى اليوم لا تمنحنا ليس مثل هذا الانطباع، بل لن تؤكد لنا مثل هذه الأوهام.. كيف تقبل القول إن هذا الوجود العربي يقوّي العراق أكثر من دخوله في حلف مع إيران وتركيا؟ ما الذي قدمه العرب إلي العراق؟ لقد منح العراق جزءا كبيرا من ثرواته إلي العرب من دون أن يقف العرب معه، لا في سرائه ولا في ضرائه.. كم من المؤامرات حيكت ضد العراق؟ كم من الصراعات الباردة والساخنة حدثت بين العراق وجيرانه العرب؟ إنني لا أقول أن يقطع العراق روابطه عربيا، فهذا يستحيل حدوثه بالرغم من وجود الصحاري عوازل جغرافية، ولكن يبقي العراق نفسه عمقا عربيا، وأنه الوحيد القادر علي ترتيب شئون التوازن في المنطقة بسبب جيوستراتيجيته في قلب الشرق الأوسط. إن المصالح الكبرى بين العراق وتركيا وإيران ينبغي أن تكون مشتركة لعدة أسباب في مقدمتها المياه، وأيضا العتبات العراقية المقدسة، وأيضا الحدود الطويلة المشتركة.. الخ
يتابع هيكل قائلا: “يجب أن أعترف بأنني وقتها لم أقدر الكلام الذي قاله نوري باشا بالقدر الصحيح… لكنني اليوم أري فيه وجهة نظر أخري.. يمكنني تعديلها لأري أننا لو كنا تفهمنا وجهة نظر نوري باشا أكثر وضرورة دعمه من العمق أكثر لكي يستطيع أن يشعر أن كيان الدولة العراقية يمكن المحافظة عليه.. ربما كان الوضع أفضل ” (نص هيكل).

ما نفع اعترافك بعد خراب العراق ؟
هنا أسأل: ماذا يقول القارئ الكريم، وهو يسمع هيكل يقول مثل هذا “الكلام”؟ إن هيكل يعترف بأنه لم يقّدر كلام نوري السعيد قدره الصحيح.. وإذا كان هيكل يقدم اعترافه بهذا الصدد، فما بال الآخرين الذين اندفعوا ضد مشروعات العراق الإستراتيجية له وللمنطقة كلها؟ اليوم يرى هيكل وجهة نظر أخرى! وماذا تفيدني اليوم وجهة نظرك الأخرى.. بعد خراب العراق منذ خمسين سنة؟ تقول: لو كنا تفهمنا وجهة نظر نوري السعيد أكثر.. طبعا يا هيكل إن كلمة (لو) لا تنفع أبدا، ولكن ما معني تدعمونه من العمق أكثر؟ هل دعمتموه أصلا حتى تدعموه أكثر؟ إن حربا إعلامية وسياسية ودعائية شعواء ضد العراق، وخصوصا ضد نوري السعيد في وقت لم يكن الأمر كله لا يستدعي كل تلك الحرب الباردة الشعواء من صوت العرب أو من وسائل أخري؟ أنتم لا تستطيعون دعم العراق من العمق حتى يستطيع كيان الدولة فيه المحافظة علي وجوده! إنني واثق يا هيكل أن الوضع سوف لن يكون أفضل ـ كما تري ـ إذ عليك أن تعترف بأن الرئيس جمال عبد الناصر كانت له أفكاره وطموحاته.. وأنه بني شهرته علي أجهزة دعايته ليل نهار ضد الرجعية والعملاء وضد الاستعمار!

مشروع الهلال الخصيب
يتابع هيكل قائلا: “لكن المشكلة أيضاً أن نوري باشا كان يتصور أن العراق.. وإيران وتركيا ساندين لوحدته، بينما يأخذ عمقه في المنطقة من خلال مشروع الهلال الخصيب… أي أن يدخل إلي الحلف سوريا ولبنان والأردن..” (نص هيكل).
هنا، علي أن أقول لك يا هيكل بأنك على خطأ استراتيجي كبير في تقييم موقف نوري السعيد الذي اعتقد أنه كان صائبا.. إنه لم يكن يتصور أن البلدين تركيا وإيران يسندان وحدة العراق، بل كان يؤمن بذلك إيمانا عميقا.. ولم يكن يأخذ عمقه في المنطقة من خلال مشروعه (الهلال الخصيب)، بل إن العراق نفسه عدّه عمقا للمنطقة العربية.. ولكن ينبغي ان تعلم يا هيكل أن مشروع الهلال الخصيب لنوري السعيد كان قد مضي عليه زمن طويل عندما طرحه علي عرب المنطقة، ولم يستجب له أحد، بل وقف العرب أنفسهم ضده.. إن تجارب نوري السعيد القومية بدءا بمشروع اتحاد العرب الكونفدرالي الذي لم يوافق العرب عليه.. انتقالا إلي مشروع آخر انتج مؤسسة أو منظمة اشترك في تأسيسها ست دول عربية، هي: مصر والعراق والسعودية ولبنان وسوريا والأردن. ثم انضمت اليمن دولة سابعة، قد تمثلتها جامعة الدول العربية، ووصولا إلي مشروع الهلال الخصيب الذي طرحه علي السوريين واللبنانيين والأردنيين.. فوقف ضده المصريون والسعوديون وشنت ضده حملات سياسية وإعلامية قاسية.. وهذا ما لم يجده العراق في ظل نوري السعيد لا مع إيران ولا مع تركيا، وكان نوري السعيد يدرك طبيعة التهديدات والأطماع لدي هذه أو تلك، ولكن التجربة قد علمته منذ الثلاثينيات أن ميثاق سعد آباد قد نجح مع إيران، وأن العراق قد بني علاقات متميزة مع تركيا كي تقود هذه وتلك إلي ميثاق بغداد عام 1955 . فأين أخطأ نوري السعيد يا هيكل؟


أين الحقيقة؟ أين الكذب؟
يواصل هيكل حديثه قائلا: “وهنا يبقي موضوع فلسطين غير حاسم… بينما يبقي هذا موضوع مهم جداً بالنسبة لجمال عبد الناصر. عبد الناصر كان يرد عليه.. مؤكداً أنه لا يجب أن نبني الخطط علي أساس حرب عالمية لأنها فوق طاقتنا، وإذا جرت فلن يكون لنا دور فيها. ويرى عبد الناصر ثانياً.. أن الدور الذي يمكن أن نقوم به هو أن نتقي بقدر ما هو ممكن شر ما هو قادم. ويقول عبد الناصر لنوري: أرى ما تفعله.. وأريد أن أقول لك بصراحة وهنا كان الكلام صريحاً فعلاً أنت تريد أن تؤمن العراق بتركيا وإيران، وبعد ذلك أنت تعمل في سوريا..
وقتها كانت سوريا في حالة فوضى بعد الانقلابات.. والأتراك يحرضون أن تدخل العراق إلى سوريا تحت دعوة إنقاذها من الفوضى”. (نص هيكل ).
لا ندري يا هيكل مدى صحة ما تتحدث به لأننا لم نطلع علي نصوص المباحثات بوثائق رسمية.
وعليه، فسوف نبقى نشكك بصدقية ما تقول ، كونك لم تمنحنا أي مصدر لمثل هذه المعلومات التي تتحدث بها من دون أي سند. لا اعتقد أن موضوع فلسطين كان مهمًا جدًا عند عبد الناصر ولم يكن له أهميته عند نوري السعيد.. ولقد اعترف بعض الزعماء في إسرائيل عن صعوبة نوري السعيد معهم، فضلا عن واقعية الرجل، ومعرفته أسلوب التعامل مع إسرائيل بعيدا عن الأوهام التي زاولها غيره من الزعماء! هنا أسأل: هل كانت خطط نوري السعيد تسعي لإشعال حرب عالمية كما كان يتصور عبدالناصر كما تدّعي يا هيكل؟ وهل كانت خطط نوري السعيد تسعي للاشتراك في الحرب العالمية التي كانت في مخيلة عبد الناصر؟ وهل اندلعت أي حرب عالمية حتي رحيل عبد الناصر.. حتى يمكن القول إنه كان يتوقّع الحرب النووية؟ وهل نجح عبد الناصر في اتقاء شر ما كان قادما؟ إن عبد الناصر إن صّح ما ادعاه هيكل عنه، كان يعّبر عن قضايا غير واقعية، وهو لا يدرك حجم التحديات التي تحيط بالعراق.. وإذا كان عبد الناصر صريحًا مع نوري السعيد ليسأله مثل هكذا أسئلة.. فماذا كانت أجوبة نوري السعيد يا هيكل؟ لماذا أخفيت أجوبة الباشا عن الناس.. ومن المعروف أن نوري السعيد كان جريئا في طرح ما يفكّر فيه، وكان حاّدا في أجوبته عن أي أسئلة تطرح عليه.. إذ لا يلف ولا يدور. كنت أتمني علي هيكل أن يكون منصفًا.. إن كان عبدالناصر قد تحدّث ويورد أحاديثه، فأين هي أجوبة نوري السعيد علي عبد الناصر.. من المؤكد إنها أجوبة صارمة وحادة ومن موقع أستاذ اكبر لتلميذ أصغر!

أين إجابات نوري السعيد؟
يتابع هيكل قائلا: “يقول عبدالناصر: لكن السبب هو إنشاء مشروع الهلال الخصيب.. وهو ما يدعو للدخول في لبنان والأردن، ما أريد أن ألفت نظرك إليه.. وبأمانة.. مصر موجودة في المغرب العربي.. وفي غرب فلسطين.. وأنت تريد أن تأخذ ما بشرق فلسطين لتدخله في معركة لا أري أنفسنا طرفاً فيها أمام الاتحاد السوفيتي وداخل أحلاف وبالتالي يتأتي عما كنت تريد أن تقوم به أن تجد مصر نفسها وحيدة أمام الخطر الإسرائيلي.. ويقول له: بمقدار ما أنت حريص علي دعم العراق بتركيا وإيران.. فأنا أيضاً حريص لأن أحدد في هذه اللحظة بالضبط: من هو العدو؟(نص هيكل ).
أيضا، يبقى هيكل على نفس أسلوبه من دون أي موضوعية ولا أي حيادية.. يبقي مع عبد الناصر ليسمعنا ما قاله لنوري السعيد، ولكنه يخفي اجابات نوري السعيد على عبد الناصر، وتلك من أسوأ ما يمكن لأي كاتب للروايات التاريخية أن يفعلها، فالتدوين التاريخي يفرض على من يقوم بتلك المهمة أن يكون أمينا في نقل ما دار بين الطرفين، وإلا اعتبر تسجيل ما يدور عند طرف واحد تغييبا متعمدا عن قصد وسبق إصرار.. أو أن يكون هيكل غير ملّم بما حدث، وأنه يلفق مثل هذا على لسان عبد الناصر كذبا وبهتانا. فمن له أي معلومة عن حضور هيكل اجتماعات خاصة حدثت بين جمال عبد الناصر ونوري السعيد ليخبرنا بها؟ إننا نعتقد بمثل هذا، لأن سياق الكلام علي لسان عبد الناصر كان مضطربا، ذلك أن مشروع الهلال الخصيب الذي طرحه نوري السعيد كان قد مضي عليه أكثر من عشر سنوات.. ولم يعد صاحبه نوري باشا متعلقًا به البتة بالرغم من إيمانه أن اتحاد الدول العربية لا يمكن أن يأتي بوحدة فورية أو اتحاد مفاجئ.. انه كان يؤمن بسياسة الخطوة خطوة.. وهل كان جمال عبد الناصر ساذجًا بمثل هذه الدرجة التي وضعه فيها هيكل عندما يتكلم بأن يدخل العراق سوريا من خلال تحالفه مع تركيا، ثم يدخل لبنان وشرق الأردن؟ هذا تفكير ساذج ، لا اعتقد أبدا ان عبد الناصر قد طرحه أصلا. إنني إذ اشكك بكل ما حكاه هيكل، بسبب جعل هيكل نوري السعيد صامتًا لا يتكلم.. ونحن العراقيين ادري من يكون الباشا نوري السعيد.. إنه لا يتواني بجعل جمال عبد الناصر يسترسل بأسئلته من دون ان يجيبه ويحاوره ويحاصره بالأمثلة والأسئلة.. فماذا دار يا هيكل حقيقة في تلك المفاوضات إن كنت فعلا قد وجدت نفسك هناك.. ولا ادري بأي صفة تجلس أنت مع زعيمين يتفاوضان في قضايا بمنتهي الخطورة! ألم تتراجع عن كلامك وتعتذر من كل ملايين الناس، كونك قد جعلت من نفسك بطلاً مشاركًا في مفاوضات قمة سرية.. وأنت لا تمتلك أي صفة سياسية، ولا أي منصب قيادي.. إنني اشكك في أحاديثك حتى لو اختلقت أجوبة على لسان نوري السعيد، وأنت لم تره أصلا.. وإلا لكنت وصفت هيئته ولهجة كلامه وطبيعة ردوده.

سذاجة أم منطق؟
انك تنهي الموضوع بسذاجة اكبر عندما تكمل قائلا: “وجمال عبدالناصر يرى أن العدو هو إسرائيل ولابد أن يصطف كل الناس في هذه اللحظة أمامه، وهو يرى ضرورة وضع إسرائيل في حدود طبيعية.. وفتح طريق بري عريض بين مصر والمشرق العربي. وهذه كانت حدود ما نتكلم فيه في هذا الوقت وأظنها كانت ملائمة ومنطقية جداً… ” (نص هيكل).
ويبقي هيكل يسجّل ما يريده حول الموضوع من دون أن يسأله أحد: ما الذي يجعلنا نثق بما تقول يا هيكل؟ إنه يقول أيضا: “وأمر آخر قاله عبدالناصر لنوري باشا: إن خطر الغرب والاستعمار لا يزال موجوداً.. وهناك مطامع ومصالح ودعاوي للقوي الكبرى هنا… وحتى فيما تتحدث فيه بخصوص الاتحاد السوفيتي فإن الضمان الأكبر والحماية الأساسية ضد هذا الذي تتكلم فيه هو وجود أمة عربية واعية بنفسها وقادرة لأن تتخذ موقفاً.. علي أساس الجامعة العربية وميثاق العمل والدفاع العربي المشترك” (نص هيكل ).
هنا نسأل هيكل الذي أعلن في بدء كلامه أنه لم يتم فهم رؤية الباشا نوري السعيد.. نسأله نحن: هل أنت مع نوري السعيد في رؤيته، أم مع عبد الناصر في هواجسه؟ وأسأل هيكل أيضا: بالله عليك، ما الذي فعلته الجامعة العربية وميثاق العمل والدفاع العربي المشترك؟ ما الذي فعلته هذه المنظمة على امتداد أكثر من خمسين سنة من أحداث مصيرية واحتلالات وتدخلات وحروب باردة وحروب ساخنة ودموية وغزو عربي وغزو أجنبي وغزو إسرائيلي؟ هل بعد التي واللتيا نعد خطوات نوري السعيد خاطئة وان هواجس عبدالناصر صائبة إن صحّ ما سجلته عن عبد الناصر؟ تقول: “هنا تتضح وجود رؤيتين أو خطتين في المواجهة”. نعم، انك قد عرفتنا برؤية عبد الناصر، ولكنك لم تقدم أي كلمة على لسان نوري السعيد، فكيف يمكننا قياس الرؤيتين أو مقارنتهما مع بعضهما الآخر؟

نشرت على جريدة روز اليوسف المصرية العدد 1483 – الاثنين – 10 مايو 2010
، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وأيضا على صفحة تجمع الدكتور سيار الجميل
http://www.facebook.com/group.php?sid=ef680591def239dac31065b4f16482c3&gid=48810538237
ملاحظة : لا يسمح بإعادة النشر تحريريا أو الكترونيا ، إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر .


الحلقة 44
يقظة ضمير أم هوس سياسي ؟
أي سوء فهم في قضية مصيرية ؟

لماذا سوء الفهم بعد اكثر من خمس وخمسين سنة !؟
يقول هيكل: “هناك سوء فهم لابد هنا من الإشارة إليه.. في آخر المناقشات بين جمال عبد الناصر ونوري باشا.. أكد عبدالناصر أنه لا يمانع بأن يقوم نوري بما يخصه ويخص العراق وفي حدوده.. لكن ما أحذر منه هو الدعوة إلي دول عربية أخري لكي تنضم لما تقوم به مع الأتراك وإيران، لأن هذا هو خطر علي الأمن المصري.. بشكل مباشر. فهم نوري هذا.. ونقله للأمير عبدالإله وآخرين أن جمال عبدالناصر لن يعترض طريقه في حلف بغداد… وبالفعل بدأ نوري التحرك بطريقة علنية مع إيران وتركيا في يناير 1955 ليعلنوا أنهم سيوقعون ورقة، ارتاب الملك سعود فيما جري بين عبدالناصر ونوري السعيد.. وبدأ يرسل خطابات حملها سفيرنا في السعودية في هذا الوقت عبدالوهاب عزام. الرسائل فيها التساؤل.. وفيها أيضاً نبرة شك، فهو يقول: نحن نسمع تصريحات.. فطمئنونا! نوري باشا يمضي في خطته… والأمير عبدالإله يرسل لعبدالناصر سائلاً عما جري تحديداً من اتفاق مع نوري السعيد باشا.. لأن نوري يقول إنه أخذ ضوءاً أخضر من عندكم، فأرسل له عبدالناصر يقول أنه لم يعط ضوءًا أخضر.. لكنه قال بأنه لن يعترض، وفيما يتعلق بمصلحة العراق هو حر.. لكن بعد ذلك هناك خط أحمر لا تتجاوزه..” (نص هيكل).


دعني أتساءل وأقول :
مرة أخرى ، يتحدث هيكل وحده ويضمّن رأي عبدالناصر وحده من دون أن يعلمنا ما الذي قاله نوري السعيد للرئيس عبدالناصر.. وكيف نجح نوري السعيد في اقناع عبد الناصر بالمشروع، بحيث لم يعترض عبدالناصر علي خطط نوري السعيد!! مرة أخرى ، يحاول هيكل أن يضيع القارئ بين الأسطر، من دون أن نعرف ما الذي يريده من سرد الحكاية، ولكن من زاوية محددة! تعال يا هيكل لأسألك: أي سوء فهم قد حصل بين زعيمين كبيرين في مسألة خطيرة جدا؟ ألا تعتقد أنك لم تنجح ابدا في اللعبة، بحيث لم تعرف كيف تدافع عن الموقف الذي قاله عبدالناصر بعد ان اقنعه نوري السعيد بمشروعه.. أو ربما ان عبدالناصر قد وافق أمام نوري السعيد سياسيا، ثم تنّصل عن موقفه إعلاميا، وإلا ماذا نفسّر ما قاله الدكتور فاضل الجمالي لاحقا من أن العراق قد اقنع عبدالناصر بمشروعه علي لسان نوري السعيد؟ إن ما ذكرته يا هيكل من أن عبدالناصر قد وافق علي مشروع نوري السعيد فيما يخص العراق فقط، هو بمثابة إعلان بألا يعترض عبدالناصر علي ما سيجري بين العراق وحلفائه مستقبلا.. ولم يفسّر هيكل مدى خطورة المتحالفين في الشرق الأوسط علي الأمن المصري! ولا أدري مدي صدقية الاتصالات السعودية مع مصر بهذا الصدد بسبب مشروع نوري السعيد، إذ اعتقد أن العلاقات العراقية ــ السعودية وصلت إلي أوج قوتها في تلك المرحلة، وكان الخط مفتوحا بين الرياض وبغداد! أما بشأن الأمير عبدالاله، فمرة أخري أؤكد للقراء الكرام أنه ليس هناك أي اتصال قد حدث بينه وبين عبدالناصر حول مشروع نوري السعيد، فالثقة التي اولاها عبدالاله لنوري كبيرة جدا.. ربما قد اختلفا بعض الاحيان في بعض القضايا، ولكن يبقي نوري باشا ركيزة اساسية للحكم الملكي في العراق، ولا يمكن للامير عبدالاله أن يشك لحظة واحدة بالباشا، حتي يطمئن من عبدالناصر؟ اعتراف بالفشل.. بالخسارة بعد 55 سنة !

تحركات جمال عبد الناصر ضد العراق
يتابع هيكل قائلا: “على أي حال.. دعا جمال عبدالناصر إلي مؤتمر رؤساء الحكومات العربية، وعُرضت فيه كل الآراء… لكنا هنا نجد ليس فحسب الصراع علي روح وقلب وعقل ومستقبل العالم العربي.. وهو صراع أقول إنه يحزنني بعد 55 سنة أن أقول إننا خسرناه تقريباً.. يكفيني جداً مجرد النظر إلي الدول الرئيسية في مؤتمر رؤساء الحكومات.. فأجد مصر في هذا الوضع التي هي فيه وبينها وبين العالم العربي بوابة عليها مفتاح إسرائيلي، ثم أجد العراق.. وهو لاعب رئيسي في هذا الوقت.. وما آل إليه حاله الآن، سوريا التي كان الصراع عليها.. أصبحت اليوم في عزلة، السعودية والتي تبدو كما يتصور بعض الناس في أحسن أحوالها… صحيح أنه توجد عليها بوية ذهب.. لكنا لا نجد أي قدر من البوية يغطي واقع اجتماعي مختلف. فالقوة الحقيقية لا تتأتي بأن يكون لديك مليون طن ذهب، فهذا مطمع وليس مصدر قوة. عندما أنظر إلي أحوال الدول العربية أدرك إلي أي مدي نحن خسرنا هذه المعركة، لكنه في ذلك الوقت كان بادياً أن مستقبل العالم العربي وضميره وروحه وقلبه جاهز ومتحفز. هذه المعركة دائماً تذكرني بأمر شخصي..” (نص هيكل).

ماذا اقول لك يا هيكل ؟
أليست هذه هزة ضمير؟ اليست هذه يقظة إحساس في يومنا هذا؟ إلا يعتقد القارئ معي أن هيكل قد ادرك اليوم، وبعد فوات الاوان ما الذي جناه الصراع في الأمس علي روح وقلب وعقل ومستقبل العالم العربي؟ إن هيكل لا يريد أن يفصح أكثر مما افصح هنا.. إن ما يحزن هيكل وبعد 55 سنة، أنه يعترف بخسارة كل شيء في العالم العربي! أنه يشير إلي مصر والعراق وسوريا بكل رفق، ولكنه ينال من السعوديين طويلا كونهم مجرد “بوية ذهب”.. إنه ينظر إلي احوال الدول العربية اليوم، فيدرك مدي الخسارة التي مني بها في المعركة ! كنت اتمني أن يزيد هيكل من اعترافاته ويدين أولئك الذين سببوا كل أعطاب البلدان العربية.. كنت اتمني أن يكون أكثر جرأة ليعلن علي رؤوس الاشهاد، كم كانت الاخطاء كبيرة جدا عند هذا، وقابلتها اخطاء اخري لدي ذاك، ومن آخرين .. كنت اتمني علي هيكل أن يعلن لكل العالم حياديته ولو لمرة واحدة، ويشير الي حجم الفجائع التي ألمت بالمجتمعات العربية علي امتداد خمسين سنة! كنت اتمني عليه أن يعترف بأن ما ساد من هوس ثوري وشعارات كاذبة ومفبركات قاتلة وخطابات عنترية واذاعات مدوية. كلها كانت اسبابا حقيقية في ضياعنا اليوم.. بدل ان يعلل الأمر أن ضمير العالم العربي وروحه وقلبه كان جاهزا ومتحفزا لتلك المعركة الخاسرة ! ان كل الشعوب يا هيكل تطمح لبناء مستقبل لها لتلمع تحت الشمس من خلال إراداتها.. ولكن ماذا لو وجدت محفزات ووسائل وإعلاميات تجعلها تسير نحو الانحراف.. وهذا ما حدث لدي شعوبنا منذ أكثر من خمسين سنة، فكيف سيكون حالها اليوم؟ وما الذي ستوفره من الايجابيات نحو بناء مستقبلها في القرن الواحد والعشرين؟

مؤتمر جمال عبد الناصر ضد العراق
قال هيكل: “تمت الدعوة للاجتماع وأنا في القاهرة، لكني علي حسن الحظ علي أي حال كنت في ذلك الوقت أعرف شريكة حياتي، وأنشئ حياة جديدة.. وعندما وُجهت الدعوة قلت لجمال عبدالناصر إنني في طريقي لشيء مختلف وإلي سفر لأسوان لمدة أسبوعين! حضرت جزءاً من المؤتمر… لم يحضر نوري باشا وأرسل يقول أنه مريض، وأرسل فاضل جمالي وزير خارجيته… وبدا أن المؤتمر يتعثر، لكن جمال عبد الناصر أصر علي حضور نوري باشا، وهنا أشهد بأن الأمير عبدالإله ضغط في هذه الفترة علي نوري باشا لكي يجيء إلي القاهرة بنفسه، فقد كانت هناك لا تزال الرغبة في اختبار النوايا. بدأ المؤتمر في أواخر يناير.. ثم تعطل ستة أيام لانتظار نوري باشا، ووصل فعلاً، لكني كنت سافرت أسوان… سافرت أسوان لكن بعد يومين ضرب لي الرئيس عبد الناصر تليفون وقال لي: أنا آسف.. لكن أظنك لازم ترجع، وهكذا عدت. عدت ونوري باشا موجود، والمناقشة في المؤتمر علي أشدها.. والحجج التي تتردد هي نفس الحجج التي قيلت من قبل في اجتماعات ثنائية، هنا اتضحت مدرستين في العالم العربي… اصطفاف من نوع آخر.. أصبحت مصر والسعودية وسوريا المنهكة جداً في هذه الفترة بعد الانقلابات وهم واقفون ضد مشروع حلف للغرب. ونوري باشا لا يزال يري الخطر هو الاتحاد السوفيتي… حتي أنني أتذكر أنه قال في جلسة ما أعتبره من نفس نوعية الأوهام التي يقولها بعض الناس حتي وقتنا هذا، يقول: بانضمامنا إلي حلف فيه إيران وتركيا.. تسانده أمريكا وتباركه وترعاه إنجلترا مباشرة.. فسوف يعطينا هذا مزيداً من السلاح نستطيع أن نحارب به إسرائيل.. وقد نستطيع أن نجر باكستان وتركيا تحت الدعاوي الإسلامية بتاريخ لاحق إلي حرب من الممكن أن تكون موازينها مختلفة في مواجهة إسرائيل” (نص هيكل).

اكذوبة أخرى
نسأل هيكل : هل انت متأكد ان هذا “المؤتمر” انعقد في نهاية يناير 1955 ام أنه عقد في 22 يناير 1955 ولكنه دام حتي 6 فبراير 1955 . هل من الاهمية الكبيرة ان تحضر جلسات المؤتمر يا هيكل وانت في شهر العسل؟ وما دمت قد ابلغت الرئيس عبدالناصر بمناسبة زواجك وسفرك إلي أسوان لقضاء شهر العسل.. فهل تعطلت أعمال المؤتمر حتي يتصّل بك الرئيس عبدالناصر بنفسه تليفونيا في أسوان وبعد يومين فقط ليبلغك: أنا آسف ويلزمك بالرجوع إليه؟ هل تأسف عبدالناصر منك؟ وما مهمتك الرسمية أو السرية كي تكون مسئولا؟ تقول عدت ووجدت نوري السعيد قد حضر بعد أن تلكأ عن الحضور بسبب مرضه. فانا أسألك امام الدنيا كلها وانت بمثابة شاهد علي الاحداث : هل حضر نوري السعيد المؤتمر فعلا؟ أم ارسل وفدا عراقيا يقوده الدكتور محمد فاضل الجمالي؟ كيف تتحدث عن مشاركة نوري السعيد وانك قد رأيته.. والرجل لم يحضر المؤتمر قط؟ كيف تقول انك تتذكر أنك قد سمعته يقول كلاما حسب قولك: “حتي أنني أتذكر أنه قال في جلسة ما أعتبره من نفس نوعية الأوهام التي يقولها بعض الناس حتي وقتنا هذا..”، وهو لم يحضر قط؟ أي مصداقية لك يا هيكل؟ لماذا تختلق اشياء لم تحدث اصلا؟ لماذا تقول الرجل وتدّعي حضورك، وهو لم يقله اصلا ؟ انت شاهد ما شافش حاجة! كل ما تحدثت به عن هذا “الموضوع” لا أصل له من الصحة، وانا اتحداك ان اثبّت العكس يا سيدي.. يقولون: المجالس أمانات.. بحيث لا يمكن نقل ما يدور خشية تحريفه.. فكيف بك تختلق الأحداث وتحضر الشخوص وتقوّلهم ما لا يقولونه اصلا!! انك يا هيكل تحدثّنا ، ونحن لسنا جهلاء بتاريخنا حتى تمّرر الاكاذيب علينا ! ولن اقول لك الا : حدّث العاقل بما لا يليق ، فان صدّق فلا عقل له ! ويبدو لي انك تعتقد بأن كل مشاهديك ومستمعيك لا عقول لهم ، بل وهم قطيع من الجهلة ! وحاشا ان يكونوا كذلك ! كل شيئ افهمه من الرواة الكذبة ، بحيث يكذبوا بخلق روايات ، او تسجيل انتحالات ، او توهم مفبركات .. الا ان يتفوق هيكل على كل هؤلاء ، بجعل نفسه في قلب الحدث الكاذب ، ويروي مرويات ومشاهدات رآها بعينه وهي كلها لا اساس لها من الصحة ، فهذا ما لا يمكن تخيله لدى انسان تجاوز الثمانين من العمر ، ولم يزل يحيا ويعيش على مثل هذا الاسلوب المفضوح !

حقيقة المؤتمر
ليسمح لي القراء الكرام أن انقل ما ورد من معلومات مهمة عن هذا “المؤتمر” ، معتمدا في ذلك على ما ورد من تسجيلات رسمية في ملحق محاضر جلسات مؤتمر رؤساء الحكومات العربية خلال الفترة من 22 يناير حتى 8 فبراير 1955 . لقد قررت مصر برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر أن تدعو رؤساء الحكومات العربية، إلى اجتماع عاجل، يعقد يوم السبت، 22 يناير، في مقر الجامعة العربية لبحث موضوع انفراد العراق وانضمامه إلى حلف عسكري، خارج إطار الدول العربية.. وهذا يهدد كيان تلك الجامعة.. وردّ نوري السعيد، من بغداد، بأنه لن يحضر اجتماع رؤساء الحكومات العربية، بدعوى أنه تدخّل سافر في شئون العراق الداخلية وحجْر على استقلاله وحريته في التصرف!
لقد انعقد المؤتمر في موعده.. واستمر انعقاده إلى 6 فبراير 1955 ، ولكنه فشل في الوصول إلى نتيجة. وقبل ساعة واحدة من موعد الجلسة الأولى، تلقى الرئيس جمال عبدالناصر، رئيس وفد مصر، ورئيس المؤتمر، برقية من الباشا نوري السعيد، تتضمن اعتذاره عن عدم الحضور، بسبب مرضه. لقد تدّخل الرئيس اللبناني كميل شمعون ، وبعث إلى نوري السعيد يقترح تفويض وفد عراقي يترأسه الدكتور محمد فاضل الجمالي وزير الخارجية على رأس وفد المملكة العراقية.. فوافق العراق ، وسافر الوفد برئاسة الجمالي ، وحضر جلسات المؤتمر، ابتداءً من الجلسة الثامنة حتى نهاية الجلسات، ليقول إنه ليس مفوضاً إليه أكثر من إبلاغ المؤتمرين وجهة نظر العراق، الذي من حقه، أن يحدد بنفسه نوع الأخطار التي تهدده، وأن يكون حرّاً في عقد اتفاق مع من يشاء من أطراف، وكما يشاء، وأن العراق مع تأكيد التزاماته بميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية، يحتفظ بحق اتخاذ أي إجراءات إضافية من أجل ضمان سلامته.. ولم يسفر المؤتمر، بعد خمس عشرة جلسة عن شيء؛ ولكن محاور الحركة في العالم العربي، تحددت فيه تحديداً قاطعاً.. وأصدر مجلس الجامعة، في 8 فبراير 1955 البيان الختامي للاجتماع الفاشل ( لقد أكدّ لي الدكتور محمد فاضل الجمالي هذه المعلومات ، وحكى لي عن تفصيلات اخرى ايام مشاركته في هذا المؤتمر الذي كثر فيه الصراخ ضد العراق ، وعن مواقف دول عربية توافق العراق سرا ، وتعلن عن رفضها لمشروعات العراق علنا في المؤتمر ، ناهيكم عن حوار ساخن نشب بين الوفد العراقي والوفد المصري برئاسة عبد الناصر الذي لم تكن له وقتذاك اية قدرات سياسية ولا اية معرفة بالعلاقات الدولية ـ كما قال المرحوم الجمالي ـ مقابلاتي مع الدكتور الجمالي في بيته بالمنزه بتونس عام 1984 ).

الموقف السعودي من الازمة
ينتهي هيكل بقوله: “انتهي المؤتمر.. وبدا أن العالم العربي فيه خط تقسيم واضح.. دول صديقة مع الغرب تري أن حلف بغداد ضروري لمواجهة الاتحاد السوفيتي.. ودول أخري مع مصر تتحدث عن ميثاق الضمان الاجتماعي والدفاع المشترك العربي.. ولو أن بعضها له آراء وتصورات مختلفة. الأمر الغريب هو أن الوفد السعودي الذي كان موجوداً في القاهرة برئاسة الأمير فيصل، عاد واستدعي السفير الأمريكي وقابله في جدة.. ليقول له: نحن موافقون علي الانضمام إلي حلف غربي.. لكنا لا نريده بغداد.. ولا نريد العراق فيه. وهكذا كان الوضع.. في الظاهر، وفي الحقيقة، وفي الخطوط المرئية.. والخطوط غير المرئية، لكن العالم العربي كان من الواضح أنه داخل إلي صراع في داخله وعليه (نص هيكل).
دعوني اقول بأن انقسام العرب بدا جليا وواضحا بين اتجاهين متنازعين. ربما كان النزاع متفقا عليه في العلن، والاتفاق مختلفا عليه سرا.. ولكن اريد ان اسأل هيكل: من اين عرفت أن السعوديين قالوا هذا الكلام للأمريكان بعد عودتهم من مؤتمر القاهرة؟ إذا كان المؤتمر قد اتخذ موقفا مختلفا من ميثاق إقليمي وقع بين العراق وتركيا.. فلماذا يقول الامير فيصل بن عبدالعزيز للسفير الأمريكي أنه يوافق علي الانضمام إلي حلف غربي، ولكن ليس حلف بغداد ؟ واسألك يا هيكل : هل كان الاتفاق العراقي ـ التركي قد وقّع رسميا باسم (ميثاق) ام (حلف)؟ وأسألك يا هيكل: إذا كانت أمريكا لم تدخل عضوا في حلف بغداد الا بعد مضي زمن طويل، فكيف يمكن ان يصدر مثل هذا “الكلام” عن الامير فيصل آل سعود؟

وأخيرا.. الكتلة الجديدة للشرق الاوسط
إن كل الوثائق والتقارير والمصادر تشير الي اخطاء ارتكبها نوري السعيد، فالرجل يعلن صراحة بلا وجل انه يريد الاعتماد علي الغرب من اجل بناء قدرات بلاده والاعتماد علي نفسها، وانه يسعي ـ كما كان دوما يقول ـ لتأسيس كتلة قوية في المنطقة ومنها قوله في مطلع العام 1954 : ” إن الكتلة الجديدة، ستكون أقوي ما عرفه الشرق الأوسط”، ولكن نوري السعيد وطاقمه السياسي من العراقيين قد اخطأ خطأ جسيما لمحاربته الشيوعيين العراقيين من خلال المراسيم 16 و17 و 18 و 19 وبقية القوى السياسية المعارضة لسياسته، خصوصا عندما وقف الجميع بوجهه ووجه المشروعات التنموية الكبرى للعراق، التي انطلق بها في ثلاثة مجالات:
1/ فرض التنظيم والاستقرار السياسيين.
2/ تطوير البلاد من خلال مشروعات كبرى لمجلس الإعمار العراقي.
3/ تطوير القدرات الدفاعية، مع التحالفات الدولية، اللازمة لهذه الغاية، وقد زود العراق بأحدث الأسلحة الأمريكية وقت ذاك..
هذه “السياسة” خلقت عدة خصوم واعداء عرب وداخليين للسياسة العراقية، خصوصا لدى الشيوعيين العراقيين الذين عدّهم النظام الملكي العراقي أعداء سافرين ليس للنظام السياسي، بل للوطن اجمع.. وبالاخص عندما شنّ عليهم حربا قاسية.. ولكن موقف عبدالناصر قد انقلب من تساهله ازاء المشروع إلى تشددّه له دلالات واسعة مطروحة للتفكير.. وأيضا ، موقف السعوديين الذين وجدوا في مصر منقذا من العراق الذي بدأ يعتمد الكبار في علاقاته الإقليمية والدولية.. ومن المستغرب جدا ان يقيم عبدالناصر الدنيا ولا يقعدها بسبب ميثاق بغداد الذي وقع بوجود عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا ببغداد بتاريخ 12 يناير 1955 ، ولكن لم نجد أي ردود فعل ساخنة منه إزاء ما حدث في 9 سبتمبر 1954 عندما وقعت الحكومة الليبية، برئاسة مصطفى بن حليم، اتفاقاً عسكرياً، منح الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة ضخمة، في طرابلس؛ واتفاقية دفاع مشترك، بين ليبيا وتركيا.. إذ أصبح علي أرض ليبيا قاعدتان أجنبيتان؛ إحداهما أمريكية، في طرابلس؛ والثانية بريطانية، في بنغازي. فأين هي ردود الفعل ازاء الليبيين؟

ما الذي اطالب هيكل به ؟
لا اطالبه بأن يتراجع عن فكره او اتجاهه السياسي ، بالرغم من ادانة الجميع لأي تدخل عربي بشأن عربي آخر ، وقد وجدنا كم تدخل العرب سياسيا واعلاميا بشؤون عرب آخرين ، وخصوصا ازاء العراق .. كان عليهم ان يدعوا العراق لمصيره ، وهو يعالج اوضاعه ويبني علاقاته من اجل مستقبله ، بدل ذلك السعير الملتهب الذي اضر بكل مستقبل المنطقة .. واذا كانت ثمة مشكلات سياسية داخلية في العراق ، فكان على الجميع احترام ارادة العراق بعدم تدخلهم السافر في شؤونه الداخلية او الخارجية .. كونه لم يتدخل ابدا في شؤون الاخرين . ارجع اليك يا هيكل لاقول : ان كل ما أردت نقده وقوله هنا.. تصويب للمعلومات، وتفكيك للنصوص، وتوضيح للأحداث.. مع تمنياتي على الأستاذ هيكل بالتراجع قليلا إلي الوراء وإعادة فحص ما تحدّث به إلى الناس منذ سنوات طوال! وان يعترف باخطائه الكبيرة ، فالاعتراف بالخطأ فضيلة .. كما اطالبه بأن يرجع الى عدة مصادر ومراجع اعتنت بتاريخ تلك الاحداث التي محورها العراق ، ليتأكد من كل ما اذاعه على الناس من اخطاء ، كما وعليه ان يتوقف عن ادخال نفسه كشاهد على الاحداث ، وهو لم يشهد شيئا منها ـ كما توضح ذلك جليا لنا ـ . انها ليست المرة الاولى التي يمارسها هيكل حتى يمكن ان يغفر له نقاده ذلك ، بل لقد تكرر ذلك مرارا عنده ، وكأنه لم يشعر بما يقترفه بحق تاريخنا ، او ان الدوغمائية قد وصلت عنده الى حد لا يمكن التخلص منها ابدا ، فضلا عن الانوية التي تجعله يستخف ليس بالاخرين ، بل بكل التاريخ الذي يجعله مجرد حكايات تلفزيونية ويقدمها من دون ان يتأكد من صحة ما يقول ! واعتقد ان سبب ذلك كله يعود الى كل اولئك الذين منحوه درجة لا يستحقها ابدا .. فكيف لمن عرفه واكتشفه على حقيقته ان يمنحه صك غفران ، او ان يصفق له ؟ ذلك امر يستحيل حدوثه ابدا !

نشرت على جريدة روز اليوسف المصرية ، العدد 1486 – الخميس – 13 مايو 2010
، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وأيضا على صفحة تجمع الدكتور سيار الجميل
http://www.facebook.com/group.php?sid=ef680591def239dac31065b4f16482c3&gid=48810538237
ملاحظة : لا يسمح بإعادة النشر تحريريا أو الكترونيا ، إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر .


شاهد أيضاً

عالميون من مدينة الموصل

عالميون  من مدينة الموصل  .. كما  ورد  موقعنا  ، وهو  يحمل  ستة اسماء  ، هي …