الرئيسية / الرئيسية / رموز وأشباح الحلقة 13 : قصة قطار الموت : بانوراما في مسلسل قطارات الجحيم العراقي

رموز وأشباح الحلقة 13 : قصة قطار الموت : بانوراما في مسلسل قطارات الجحيم العراقي


أ.د. سيّار الجميل

قال نوري السعيد موجهاً كلامه عام 1956 الى رفعت الحاج سرّي مؤنباً :
” عندما ستنجحون في حركتكم الانقلابية ضدي ، 
فسوف يأكل احدكم الاخر ، ويعلق واحدكم المشانق للاخر ” !!

كلمة لابد منها
انهالت علّي رسائل وطلبات واقتراحات من اصدقاء عراقيين متنوعي المشارب بصدد ما انشره من حلقات بعنوان ” رموز واشباح ” ، واقترح البعض علّي بكل لباقة ايقافها ، والاهتمام بما عليه وضع العراق اليوم ، فالواقع أحوج للعلاج من التاريخ !! وان التركيز على تواريخ قريبة يثير المواجع ، وينكأ الجراح ، ويجلد الذات .. وان وضع البلاد اليوم لا يتحمّل ذلك .. ومع احترامي لكل الاراء والمقترحات ، وهي منطلقة من دوافع سياسية بالتأكيد ، أقول ، بأن معالجاتي تعمل من اجل اثراء المعرفة التاريخية اولا ، وأعتقد جازما ان مجتمعنا العراقي بأمس الحاجة اليوم الى النقد التاريخي ومعرفة كل الرزايا التي اّلمت به ثانيا ، ومن أجل أن نكسب قدرا من الحقائق المخفية من خلال الاحياء الذين شهدوا تلك المراحل الصعبة قبل رحيلهم ثالثا ، وليعترف المجتمع بها من اجل بناء صفحة تاريخية جديدة كما تفعل كل الشعوب المعاصرة اليوم رابعا . فضلا عن حجم كبير جدا من المتابعين والقراء والمهتمين الذين يطالبونني بالمزيد من هذه الحلقات خامسا .

مقدمة وملاحظات نقدية 
قصة قطار الموت 1963 ، عاشها البعض ممن لازال على قيد الحياة ، فهم شهود على الحدث ، بل وكانوا من عناصره ، وهناك اجماع على تفاصيله المؤلمة ، ولكن من يستلمك منهم ليسرد عليك الاقاويل بشكل عام ، سيتم الاختلاف في التفاصيل ، ومنهم من يسكت ويكتفي بهز رأسه ، ومن أصعب ” التواريخ ” القريبة هي التي شهدها اناس وحكوها لنا .. ويستلزم على المؤرخ قراءة ما وراء الاسطر ، والتأكد من الاجماع عليها من خلال الرواية الشفوية او كتب المذكرات ، ولكنه ملزم بالتفكير في الاسباب والنتائج معا . ويكاد يجمع اغلب الشيوعيين العراقيين على التفاصيل ، في حين وجدت ان روايات بعض المسؤولين البعثيين عن هذه ” القصة ” يكتنفها التمّلص من المسؤولية وتحميلها لقادة اخرين ، وهنا يكمن الحذر – كما سنرى – . ان تفاصيل الحدث قد نشرها الكتاب الشيوعيون العراقيون ، وربما بالغوا في شناعتها ، في حين استهان بها اعداؤهم من القوميين والبعثيين ، ولم يلتفت الي الحدث اصلا بعض المؤرخين الكبار ، وعلى رأسهم حنا بطاطو !!
من خلال دراستي المقارنة لمذكرات كل من طالب شبيب وحازم جواد وهاني الفكيكي وصبحي عبد الحميد وحوار مع امير الحلو ، وما جاء في الجزء 6 من كتاب جعفر عباس حميدي وجماعته ، تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري 1958- 1968م .. وكتب علي كريم سعيد في كتابه عن حسن سريع وقطار الموت .. فالاضطراب والتملص من المسؤولية واضحة ، والذهاب الى تشخيص غير مقنع ، وبقدر ما كان الشيوعيون يتماسكون في الترويج لأنفسهم ، كان البعثيون يدينون انفسهم بأنفسهم ، اذ كشفت عن حقائق ومقاربات لابد ان يعرفها كلّ العراقيين . وجدت ان الكتّاب من اليساريين والشيوعيين ، قد اسهبوا في توصيف ” الحدث ” بكل تفاصيله المؤلمة ، وقد بالغ بعضهم مبالغات لا معنى لها مع كيل الشتائم والسباب .. ومن نافل القول ان محمد علي الشبيبي قد نشر مشكورا جداول واسعة ومهمة جدا باسماء المعتقلين والسجناء الشيوعيين سنة 1963 ، فضلا عن نشره بعض الوثائق السياسية والبومات من الصور النادرة التي تجمع المئات من المعتقلين الشيوعيين في سجون العراق .

المسؤولية يتحملّها الجميع 
اسأل : لماذا انفرد القادة البعثيون من المنشقين ليكتبوا في مذكراتهم عن هذا الحدث ، متراجعين أمام الملأ عن مسؤولياتهم التاريخية ؟ لماذا اتفق هؤلاء على ادانة العسكريين منهم ، وفي مقدمتهم : عبد السلام عارف وعبد الغني الراوي واحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش ( الذي وصفوه بالطاووس وهو يزهو فرحا بالانتصار ) وحردان ؟ ولماذا حملّوا الجناح العسكري اليميني من الحزب بصنع الجريمة ، وقد اخرجوا انفسهم منها باسم ” البعثيين المدنيين” ، وشملوا معهم كل من سعدون حمادي ومحسن الشيخ راضي .. ؟؟ لننظر مقارنين بين اسماء العسكريين وبين اسماء المدنيين .. فماذا يمنحنا ذلك من ملامح ؟ وماذا نشتم في ذلك من رائحة ؟ ولكن اين دور علي صالح السعدي الذي غيبّه اصحاب تلك المذكرات ؟ لماذا عتّم على اسمه وهو الامين العام للحزب ووزير الداخلية ؟ ماذا كان دوره ؟ واذا صدق هؤلاء الذين اسموا انفسهم بالبعثيين المدنيين في اقوالهم .. لماذا بقوا ساكتين ورضخوا للامر ، من دون ان يعلنوا اعتراضهم السياسي الشديد ، ويقدموا استقالاتهم من مناصبهم ؟ وأسأل : لماذا جاءت شهاداتهم متأخرة كثيرا لتمنح الشيوعيين المصداقية ؟ فالفكيكي نشر كتابه 1993 ، ونشرت مذكرات طالب شبيب عام 1999 ، ونشر حازم جواد ذاكرته بعد السقوط 2003 .. الخ وهكذا توالت شهاداتهم المتأخرة لاكثر من ثلاثين سنة على 1963 . 
في الحقيقة ، أنا ادين النظام السياسي كله ، ولا استثني منه احدا سواء كان عسكريا ام كان مدنيا ، فهو المسؤول الحقيقي عما حدث ، ولا اعتقد ان البعثيين المدنيين كانوا ملائكة في حين كان العسكر من الشياطين ؟ وأدين كل الصراعات الايديولوجية في العراق التي وقعت كلها في دوامة الحرب الباردة كي ينتقم هذا من ذاك باتعس الاساليب . ان مشكلة تاريخ العراق في العام 1963 ( وبالذات منذ العام 1958 ) ، ازدحامه بالاحداث التراجيدية ، ومثقل بالشهادات والمذكرات مع ندرة الوثائق الرسمية ، فالدولة لم تترك لنا اية وثائق دامغة عن تلك الاحداث الخطيرة .. ولم أعثر حتى اليوم على وثائق اجنبية تخص هذا الحدث بالذات ، وربما أتى من بعدي مؤرخ آخر يكشف عن حقائق تاريخية جديدة ، او ليكشف عن مبالغات وافتراءات لا حدود لها . وبدا واضحا ان البعثيين والقوميين ارادوا الانتقام من الشيوعيين الذين كانت لهم ادوارهم السياسية العنيفة ضدهم على عهد عبد الكريم قاسم .

بانوراما غير مكتملة تحكي تراجيدية عراقية 
ليست قصة قطار الموت في العراق 1963 هي التراجيدية الوحيدة واليتيمة في تاريخ العالم ، فقد استخدمت القطارات من اجل الترحيل القسري في اوروبا نحو المانيا النازية على عهد ادولف هتلر ، واستخدمت بشكل بشع على عهد جوزيف ستالين في الاتحاد السوفييتي بترحيل الملايين من المعارضين والمنشقين نحو اعماق سيبريا .. ولاقى المرحلون الموت المحتم في ظروف بشعة وقاسية للغاية !! وحدث الترحيل القسري في تاريخ العراق المعاصر أيضا ، فقد سبقت قصة قطار الموت للشيوعيين ، ولحقت بها ، جملة من القصص المأساوية والاحداث المؤلمة التي قام بها عراقيون ضد عراقيين ! ولكن ، ماذا لو ترجمت احداث قطار الموت المنطلق من قلب بغداد نحو نقرة السلمان فجر 4 تموز / يوليو 1963 ، وصورت أحداثه في فلم تاريخي يمثل بانوراما للجحيم العراقي ، حيث عبّر العراقيون على طريقتهم عن اعلى درجات الكراهية والبغضاء والانتقام في الصراع بين البعثيين والشيوعيين العراقيين ، ولكن سيجد السيناريست حلقات مفقودة من حقائق القصة التي تنقصها بعض الجوانب غير المعروفة .. 
سألت احد القادة البعثيين قبل سنوات عن قطار الموت بحق الشيوعيين ، فاجاب بارتياح – مشترطا عدم ذكر اسمه – قائلا : انه الرد الحقيقي لاولئك الذين اباحوا السحل والقتل ، ورفعوا الحبال فوق اكتافهم لسحل البعثيين والقوميين الذين كان الشيوعيون يصفونهم بالعملاء والرجعية !! واستطرد قائلا متشمّتاً : مثلما جاءوا بقطارات انصار السلام ، وهم يرقصون طربا نحو الموصل .. ارسلناهم في قطار الموت لينالوا جزاءهم العادل ” !! بهذا المنطق من روابط الانتقام بين المواطنين العراقيين أنفسهم ، عاش العراق سياسيا بين الشيوعيين والبعثيين الذين لا يعتبرون مثل هذا ” الحدث ” جريمة اقترفوها مع الشيوعيين فجر يوم 4 تموز/ يوليو 1963، بل يعدونها صفحة انتقام دموي لما فعله الشيوعيون بهم عام 1959 .. ( يخطئ فائق بطي في كتابه الوجدان في تاريخ تحرك القطار فيقول يوم 5 تموز ، ص 134 ) !

حركة حسن سربع : حالة تمرد ثوري
واذا كانت حركة حسن سريع قد حدثت فجر 3 تموز / يوليو 1963 في معسكر الرشيد ، وكانت خطتها الاساسية القيام بأطلاق سراح الضباط الشيوعيين والقاسميين المعتقلين في سجن رقم (1) بمعسكر الرشيد. وقد باءت المحاولة بالفشل الذريع ، ولم يكن للمعتقلين جميعا اي ضلع او علم بالحركة .. ولكن بعد فشلها اجمع كل اركان نظام الحكم على خطورة الموجودين في معتقل سجن رقم واحد واستحالة ابقائهم في مكان حساس بالعاصمة ، والاسراع بتسفيرهم الى نقرة السلمان في الصحراء . ان اشكالية المؤرخ تكمن في البحث عن توقيت اتخاذ القرار ، فان كان حركة حسن سريع قد تقدمّت 48 ساعة ، من اجل انقاذ مئات المعتقلين الشيوعيين والحؤول دون ترحيلهم قسرا فجر يوم 4 تموز / يوليو ، بمعنى ان القرار قد اتخذ قبل حركة حسن سريع .. وقد كتب الاخ الاستاذ عدنان زلزلة مؤخرا تعليقا على الحلقة 12 من رموز وأشباح ، قائلا : 
” معذرة كل ما جاء بالمنشور بانها انتفاضة للشيوعين ، وقد خطط لها مسبقا عار عن الصحة . انا من المشاركين في احتلال بوابة معسكر الرشيد ، حيث جاءنا امر بالاحاطة للمعسكر ، ومنع اي عسكري من الخروج . وبعد دقائق ، علمنا ان بعض اعضاء مجلس قيادة الثورة داخل المعسكر ، وتحركت قيادة الكرادة وبغداد الجديدة ، ثم دخلنا المعسكر بواسطة سيارات عسكرية ، وتمت محاصرة المتمردين في البناية التي كان بعض المسؤولين محجوزين ، واستعملت الاسلحة الخفيفة ، وتم محاصرتهم ، واطلق سراح المسؤولين ، وكل العمليه لم تستغرق اكثر من ساعة . علما ان المسؤولين كانوا متوجهين الى سجن رقم واحد للتحقيق مع كبار الضباط لاطلاق سراحهم ، وان صنف هندسة المعادن في بداية المعسكر منعوا من الدخول لعدم معرفتهم بكلمة السر ، لذلك اليوم واستغل حسن سريع الفرصة واستعان باصحابه ، ونفذ بما يشبه الاعتصام ، ولم نر اي شخص من رئاسة الجمهورية ، ولا عبد السلام فاخذ الكتاب يستمعون من الشيوعين بانها انتفاضة ووووو وكل كاتب جاء باخبار تختلف عن الاخرى .. هذا كل ما حصل ” . هذه رواية اخرى ، تؤكد هشاشة الحركة من وجهة نظر احد المشاركين من قوات الحرس القومي في قمع الحركة ، وثمة اشارة واضحة الى ان الحسم قد تمّ على ايدي قوات الحرس القومي ، ولا دخل للرئيس عبد السلام عارف فيها !!

قرارات جماعية 
بعد فشل الحركة ، اجتمع “المجلس الوطني لقيادة الثورة” (1) في مقر وزارة الدفاع. ، وقرروا الانتقام ، واعدام كل الشيوعيين برواية الفكيكي ( اوكار الهزيمة ) وغيره . وكان في مقدمة المسؤولين الذين اصدروا القرارات – كما يقول الفكيكي – عبد السلام عارف واحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وعبد الغني الراوي وآخرون من القيادة القطرية لحزب البعث، بداية اقترحوا اعدام كل الضباط والمدنيين المعتقلين الموجودين في سجن رقم واحد، وكان يقدر عددهم أكثر من 1200 معتقل ( هذا الرقم مشكوك فيه وهناك اختلافات بشأنه ، ولكن الاجماع جرى بذكر 500 معتقل ) . وبعد ساعات على ارفضاض الاجتماع الأول ، انعقد اجتماع آخر في مقر وزارة الدفاع أيضا، وكانت الخلافات حامية ومستمرة بين المجتمعين حول مسألة التخلص من المعتقلين! وحال بينهم والتنفيذ ردود الفعل الدولية كونها مجزرة همجية وبربرية ، فكان ان خرجوا بمقترح رحلة قطار الموت لترحيل الشيوعيين عن بغداد ، وكان عدد كبير من الشيوعيين قد عذبوا وماتوا او قتلوا بالرصاص في سجن رقم (1) على ايدي علي صالح السعدي، وسعدون شاكر، وحازم جواد، ومنذر الونداوي، ومحسن الشيخ راضي، ونجاد الصافي، وبهاء حسين شبيب، وهاشم قدوري، وعمار علوش … وغيرهم كما يجمع اغلب الذين كتبوا في الموضوع !. 
ويحكى ان عبد الغني الراوي وانطلاقا من ( ورعه الديني) ، حصل على فتاوى من علماء سنة ومجتهدين شيعة ، فيها اباحة لقتل الشيوعيين ومصادرة أملاكهم باعتراف الراوي نفسه ( مقابلة غسان شربل معه في جريدة الحياة ) . اذ اعتبرهم مرتدين وجزاء المرتد القتل. ويقول : لست نادما على ما فعلته بهم. ويكتب الفكيكي كتابه (أوكار الهزيمة) صفحة 279: … وفجأة اندفع عبد الغني الراوي في الاجتماع وقدم الى عارف اوراقه ، فصاح عارف : ها هم الشيخ قاسم القيسي والمفتي نجم الدين الواعظ والسيد محسن الحكيم قد افتوا بجواز قتل الشيوعيين. فماذا تنتظرون بعد؟ وفي الصفحة 280: يطلب عارف اعدام 150 ضابطا شيوعيا ولكن الراوي رفض قتل هذا العدد القليل !!! وطالب باعدامهم جميعا ! وهذا التعبير يشكّل انتقاما سياسيا من الخصوم .

الاسئلة التاريخية
السؤال هنا : لماذا زج عارف والراوي الدين في معترك الصراع السياسي ان صحّت رواية الفكيكي ؟ ولماذا قام بعض فقهاء العراق باصدار الفتاوى بقتل الساسة والضباط العراقيين لنزعتهم السياسية ؟ وأين هي تلك الفتاوى ؟ لماذا قبل البعثيون الارتكاز على الشريعة والدين في قتل الشيوعيين العراقيين ؟ ما هذه الازدواجية في دولة علمانية ؟ وهل كانت الاكثرية في الحكم تصطف وراء عارف والراوي ، ام كانت تلتف حول علي صالح السعدي والبعث ، اذ لم يكن الخلاف قد بدأ بينهم وقت ذاك ؟ 
اذا كان الشيوعيون لا يعترفون بدين ولا بحكم شريعة ، فليس من العقل ان تقتلهم باسم الدين ، وانت تنتمي الى حزب سياسي يقوده ميشيل عفلق ؟؟ اذا كان الشيوعيون قد اخطأوا او اجرم بعضهم على عهد عبد الكريم قاسم ، فيمكن محاكمتهم محاكمة عادلة ، وان يحاسبوا على اخطائهم ، اما ان تسفك دماءهم من خلال ” فتاوى” في دولة يحكمها البعثيون العلمانيون ، فان ذلك غير مقبول ابدا ! ناهيكم عن ان المؤسسة الدينية العربية سواء كانت مرجعية الشيعة ام علماء السنة قد لاذوا جميعهم بالصمت ، اذ لم تصدر اية استنكارات لما كان يحدث من انتهاكات في السجون والمعتقلات العراقية .. وكأنها كانت راضية عما كان يسود في العراق انتقاما من الشيوعيين ، علما بأن مرجعية السيد محسن الحكيم قد اصدرت الفتاوى على عهد عبد الكريم قاسم ضده وضد الشيوعيين . لقد كان الشعب قد انقسم الى قسمين ، احدهما ينادي بالقومية العربية وثانيهما ينادي بالشيوعية الاممية . 
قبل عشرين سنة ، سألت في ابو ظبي الاستاذ شكري صالح زكي وهو احد المتعاطفين مع انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 وقد نصّب وزيرا عن تقييمه لما حدث ضد الشيوعيين العراقيين من قبل البعثيين ، اجاب : لقد كانت ردود الفعل من قبل كل التيارات القومية والاسلامية في العراق شديدة جدا وعنيفة جدا ضد الشيوعيين العراقيين الذين ( اجرموا ) بحق معارضيهم ابان حكم قاسم ، وما فعلته فصائل المقاومة الشعبية في مدن العراق بالناس ، وما كانوا يرددونه في مسيراتهم ومظاهراتهم من شعارات وما يرفعونه من حبال وسكاكين !! وعليه ، فان الانتقام منهم جرى على طريقتهم العراقية نفسها ، وختمها بالعبارة المعهودة : العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم ! وانا اقول بأن العداء لم يزل يستحكم في النفوس لدى العراقيين حتى يومنا هذا ، وبعد مرور اكثر من نصف قرن من الزمان على ذاك الصراع . 
ويقول صبحي عبد الحميد في مذكراته : ” وبعد أخفاق هذه المؤامرة قرر المجلس الوطني لقيادة الثورة نقل الضباط الشيوعيين كافه من سجن رقم (1) الى سجن نقرة السلمان. فوضعوا في قطار الحمل ونقلوا ليلا في جو شديد الحرارة، حتى قيل أن احد الضباط توفي في القطار في الطريق من شدة الحرارة. واشرف على نقلهم مدير السكك الحديدية العام وآمر الانضباط العسكري بأمر من الحاكم العسكري العام. وفكرة النقل في قطار الحمل هي فكرة شيوعية حيث سبق لهم نقل ضباط الموصل بعد أخفاق حركة الشواف في 8 أذار/ مارس 1959 من الموصل الى بغداد بقطار الحمل أيضا ” . ما يهمني فكرة النقل بالقطار التي وصفها صبحي عبد الحميد انها ” فكرة شيوعية ” ، اذ مورست مثل هذه التجربة الشيوعية القاسية ضد الضباط القوميين المعتقلين اثر فشل حركة الشواف فتم نقلهم يوم 12 / 3/ 1959 بنفس الاسلوب وفي اسوأ الظروف التي لا تطاق .

انتظروا القسم الثاني من قصة قطار الموت 
تنشر يوم 26 ديسمبر / كانون الاول 2018 على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

رسالة محبة الى أهلنا في الموصل وكلّ العراقيين الطيبين

سمعت الآن الى خطاب بائس مخجل للمسمّي نفسه “مفتي أهل السنة في العراق “..سأردّ عليه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *