الرئيسية / الرئيسية / رموز وأشباح الحلقة 22 : الهتافات والشعارات والهوسات في العراق تناقضات اجتماعية تنتج اللامعقول

رموز وأشباح الحلقة 22 : الهتافات والشعارات والهوسات في العراق تناقضات اجتماعية تنتج اللامعقول

مقدمة 
هذه محاضرة اخرى من محاضرات تجمع بانيرا الثقافي في مدينة مسيسوغا بكندا ، وقد القيتها على جمهرة من اعضاء التجمع الكرام مؤخرا ، واثارت ” المحاضرة ” وافكارها جملة من الحوارات والتساؤلات ، واستخلصنا منها جملة من الاستنتاجات والدروس .. وجاء في المحاضرة :

الاصدقاء الاعزاء 
لا يقتصر ترديد الهتافات والشعارات على العراقيين وحدهم ، بل نجد ان الحالة عربية بامتياز وخصوصا في مصر وسوريا وبلدان اخرى يتم فيها ترديد الهتاف شعبيا ، وتتفاقم الحالة كثيرا في العراق ، تصل فيها الى درجة من الغرابة واللامتخيل ، وخصوصا عندما تضاف اليها الهوسات الشعبية والاهازيج التي باتت جراء استخدامها سياسيا واعلاميا ، متفشية في كل العراق .. ان الهتافات فعل سياسي شعبي، ومن ثم غدت كأي فعل حزبي ، وتمت صناعتها لاحقا في دوائر رسمية معينة في الدولة كي تتناقها الافواه في الشوارع بعد ان يتمّ تلقينها ، وفي حين كانت عفوية تصدر عن هذا وذاك ثم تنتشر لدى المتظاهرين ، كما تنتشر النار في الهشيم ، فقد غدت حالة يصطبغ بها تاريخ اي نظام سياسي أو حزب وتبقى ملازمة له . واذا كانت الهتافات شعبية او حزبية ، فان الشعارات تكون رسمية او شبه رسمية قد تعّبر عن غضب واشمئزاز او عن فرح ونشوة في الوعي الجمعي .. واذا كانت الهتافات والشعارات موجودة منذ ان وجد العراق المعاصر على العهد الملكي ، فقد زادت كثيرا على العهود الجمهورية ، ووصلت الى ان تكون صناعة رسمية بين 1968- 2003 تمارس بالقوة ، وان كان الهتاف السياسي والشعارات الشعبية والرسمية لها طابع التحزب المعبر في شوارع العاصمة والمدن الكبرى ، فان الاهزوجة والهوسات الشعبية هي عشائرية بامتياز ، وطابعها من تراث جنوب العراق والفرات الاوسط الادنى ، اذ بات يغزو كل العراقيين ! 
نعم ، عاش العراقيون زمنا طويلا ، وهم يرددون في المظاهرات والمسيرات ، وفي الاجتماعات والقاعات هتاف ” يعيش .. يا يسقط يا ” ، وذبحت حناجر بعضهم ، واغلب حكام العراق يطرب للهتافات ،واطلاق الاوصاف المبجلة له دون الاقتصار على التصفيق ، اذ تخلل الخطابات هتافات كلها لا تعبر عن الحقيقة ، وهي ظاهرة عراقية بامتياز أيضا بالرغم من توظيفها لدى عرب آخرين في بلدان اخرى .. ووصلت الحالة العراقية ان ينتج الصراع السياسي بين القوميين والبعثيين من طرف والشيوعيين والقاسميين من طرف آخر ، مجموعة شعارات وهتافات مضادة خلال عهد عبد الكريم قاسم 1958- 1963 . ولم يقتصر الامر على الناس بانفراد بعض الغلاة والمتعصبين لاعلان هتاف او التشهير بشعار ، بل وجدنا بعض زعماء العراق تصل نرجسيته الى ان تصبح اوصافه رسمية ، فوجدنا على امتداد العهود الجمهورية اوصافا غير معقولة ، منها : الامين ، والاوحد ، وابن الشعب البار ، والزعيم الثاني ملا مصطفى بارزاني ، والرئيس المؤمن ، وعبد الله المؤمن ، وابو الثورات الثلاث ، والقائد الضرورة ، والاب القائد ، والبطل القومي ، وقمر بغداد ، وغيرها اذ كانت تزاحم ” رائد الامة العربية” التي كانت تطلق على جمال عبد الناصر .. الخ

نماذج من الهتافات 
دعونا نتأمل قليلا بعض الهتافات التي انتشرت في العراق واغلبها مثيرة للعواطف والوجدان وقد فسرت كونها تستنهض الهمم وتثير العواطف حتى وان كانت خارجة عن نطاق العقل ، والسؤال : ان كانت العبارة قد صدرت عن احدهم ، فلماذا سرت في اللاعقل الجمعي العراقي بمثل هذه السرعة ، وبقيت تتناقلها الاجيال ؟

البدايات : من ثورة العشرين والعهد الملكي 
اثار تعجب العراقيين عندما وجدوا امامهم طائرة تطير في السماء من قبل الانكليز ، يستهزئ احدهم برب العالمين ، قائلا : ” متعجب خالقله بعيره ” ! هكذا ، بسرعة صدمة الحدث ليستنكر على الله خلقه ! وهنا اختار البعيرة .. ويأتي الاخر ليصيح ابان ثورة العشرين: ” الطوب احسن لو مكواري ” ، فهو يستحسن المكوار على المدفع ويذهب هتافه مثلا ، وتمر اجيال وهي تعتقد ان مكوارها احسن من مدفع الاعداء حتى وصل الامر لأن يعلق السيد الرئيس في نهاية القرن على طائرات الشبح : ” يكدر الراعي يوكعها “!! ، وعندما يقوم الشيخ ضاري بقتل القائد الانكليزي الميجر ليجمان في خان النقطة ، يسري نص هاتف يقول ” هز لندن ضاري وبجّاها ” ، ويبقى هذا حياً لدى العراقيين ، بحيث يردده حتى صدام حسين لاحقاً ، اذ اعتقد اهل العراق ان ضاري بالفعل قد هز لندن وابكاها ! لننظر الى الصورة كم رسمت كبيرة في ضمائر العراقيين على امتداد القرن العشرين بحيث شاع لديهم : ” الله اكبر يا عرب .. شبانه جتلوهم الله اكبر يا عرب .. شبانه جتلوهم ” . وهذا ما رسخ فكرة البطولة عند العراقيين لدى العرب ، اي بمعنى انهم سلالة من الامجاد . 
يقال ان فيصل الاول لم يكن يميل ابدا لسماع التمجيد والتفخيم بحقه ، اما غازي الاول فكان يطمح ان يكون العراق قوياً مثل المانيا ، وشاعت اهازيج وهتافات على عهده وبعد مصرعه ، منها : أويلاخ يابا انجتل غازي ” بعدما كانت اهزوجة قد رسخت عنه في ضمير العراقيين .. في حين كان الشاب فيصل الثاني بمنتهى التواضع .أما نوري السعيد ، فنال نصيبه من الهتافات المضادة ، ومنها :
” نوري السعيد قوندره .. وصالح جبر كيطانه ” . ةتقبلها برحابة صدر ، فقابلها أنصاره : بـ ” نوري السعيد شدة ورد وصالح جبر ريحانة ” 
وكتب الراحل سامي موريه عن فرهود اليهود العراقيين هذا الهتاف : 
“الله اشحلو الفرهود يا أسلام يا ريته يعود كل سنة وكل عام…. ” !
وفي العام 1956 ، شاع عراقيا هتافا ردده الالاف في الشوارع : “مصر حرة أبية .. فلتسقط الصهيونية “. وتردد في الشوارع : ” فوت بيها وعلى الزلم خليها “

هتافات وشعارات العهد الجمهوري الاول : الشيوعيون والقاسميون
راجت بعد 14 تموز / يوليو 1958 ، هتافات ساخنة لا اول لها ولا آخر عن الجمهورية الخالدة ، وعن الثورة وعن الزعيم ، وبدأ الصراع بين الشيوعيين والقوميين وتعاقبت المسيرات والمهرجانات والكرنفالات ، ورفعت الاف اللافتات ، وكتبت الاف الشعارات منها للشيوعيين المروجين للزعيم وللحزب ، وتقابلها أخرى للقوميين والناصريين الذين كان يطلق عليهم جميعا بالبعثيين وكلهم كانوا يروجون لجمال عبد الناصر والوحدة العربية ، في حين تمّ ترديد : ” كرد وعرب فد حزام ..عاش الزعيم المقدام ” ، وعندما تولت نزيهة الدليمي وزارة البلديات ، وكانت شيوعية ، رفع القوميون هتاف :” نزيهة صارت بالحكم موتوا يا بعثية ” ، فرد عليهم ( البعثيون ) قائلين :” نزيهة بالت بالحكم وازحلق المهداوي ” ..! عاش العراقيون تحت وطأة “المؤامرة” ، فانطلقت شعارات عديدة منها :” ماكو مؤامرة إتصير والحبال موجوده ” .! وبعدما قوي الشيوعيون ، وارادوا من الزعيم عبد الكريم قاسم إشراكهم في الحكم ، فانطلق هتاف :”عاش زعيمي عبد الكريمي .. حزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيمي ” . ! 
وعندما تفاقم الامر بعد قيام الزعيم عبد الكريم قاسم بإعدام زميله ناظم الطبقجلي ورفاقه من المتهمين بمؤامرة الشواف في الموصل ، وخصوصا بعد محاكمة الضباط المشتركين في تلك الحركة ، وصدرت عليهم في المحكمة العسكرية العليا الخاصة الاحكام بالاعدام ردد البعثيون والقوميون :” يابغداد ثوري ثوري ،خلي قاسم يلحك نوري ” ، ورد الشيوعيون عليهم قائلين :” عبد الناصر شيل إيدك ..شعب العراق ما يريدك”، وكانت اذاعة صوت العرب الناصرية تلهب الموقف في دواخل العراق ..اندفع الشيوعيون ليرددوا في الشارع مخاطبين الزعيم هتافات من قبيل : ” اعدم اعدم ،لا تكول ما عندي وكت … إعدمهم الليلة ” ، وردد الشيوعيون في الشوارع : سنمضي سنمضي إلى مانريد …… وطنٌ حرٌ وشعبٌ سعيدْ 
سنحمي سنحمي قلاع السلام ……. ونبني ونبني عراقاً جديدْ .
ردد القوميون والبعثيون :” نحن جنودك يا جمال ..جيب سلاح وإخذ إرجال ” .
وبعد اعدام الضباط القوميين ، ردد انصارهم : ” الله أكبر يا عرب شُبانه جتلوهم ….. ما صارت إبكل الدول قاسم نذل سواها ” .. وفي الموصل ترددت هتافات شتى ، منها : “هوب هوب عفلق كدامك الطسّة .. جمال وكع بالخرا محد سمع حسّه ” 
وفي عيد السلامة والابتهاج، وهي مناسبة استشفاء عبد الكريم قاسم من هجوم البعثيين عليه في شارع الرشيد ، تردد صدى هتاف : 
“سبع ملايين تصيح .. فدوة لبن قاسم ” ..و “سلامات .. سلامات … يا حبيب الملايين ” ، وتردد في الشوارع : ” شلت الأيدي الأثيمة ..ماتت الروح اللئيمة ” وتردد “إعدم .. إعدم .. جيش وشعب يحميك يا قائد الثورة ” . وجاء رد الزعيم : عفا الله عما سلف ، اذ شعر الرجل لأول مرة بالخوف . وعندما الغى الزعيم قاسم قطعة نقود 4 فلوس ( العانة ) وجعلها 5 فلوس ، طار الهتاف : عبد الكريم النمس زيّد العانه فلس . وظهرت إشاعات بأن مؤامرة بعثية ستقوم وردد الشيوعيون : ” خمسة بالشهر ماتت البعثية ” ؟؟ واعتقد ان بعض الهتافات كان يصوغها احدهم دون تفكير فتسري كالنار في الهشيم .

هتافات البعثيين استمرت طويلا على عهدي الرئيسين البكر وصدام
.بعدما سقط نظام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم في حركة 8 شباط / فبراير 1963 وتولى البعثيون السلطة قالوا :” جئنا لنبقى ” ، وهو شعار رفع ايضا بعد 17 تموز / بوليو 1968 وشاعت مقولة علي صالح السعدي :”جئنا بقطار اميركي ” … وذاع في الاعلاميات العراقية مطلع قصيدة شعر ية غدا هتافا في الشوارع وعلى اللافتات :
لما سلكنا الدرب كنا نعلم.. ان المشانق للعقيدة سلم
وطن تشيده الجماجم والدم تتهدم الدنيا ولا يتهّدم 
وخلال فترة حكم البعث الاولى 1963 ، والثانية 1968-2003 ، ساد أهم شعار حزبي في العراق هو ” امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ” وترديده بمثابة القسم .. وظهرت أهازيج ، وشعارات ، وأناشيد ، وأغان كثيرة جدا ومعظمها كان يدور حول تمجيد حزب البعث العربي الاشتراكي، ومنها ما كان يردده البعثيون عندما يأتي أحد قادتهم الكبار لحضور احتفال ما :”هلا بيك هلا .. وإبجيتك هلا ” . 
وفي عهد احمد حسن البكر ، طارت هتافات وشعارات لا اول لها ولا آخر ، اذكر منها : “بالروح بالدم نفديك ابو هيثم ” ، و “هربجي كرد وعرب رمز النضال ” ، و ” دايمين او دايم وطنه بيكم ” ، “هلهولة للحزب الصامد” ( التي تضمنتها اغنية لداوود القيسي ) . 
وتطورت الاهازيج والاناشيد والمقولات السياسية لتتركز على الرئيس القائد ومنها مثلا :
” اذا قال صدام قال العراق “، و”عمود البيت إحنا انصيرلك سور” و “علم عال يمر بين الاعلام ” و ” الوطن غال غال الوطن غال غال “و ” سمح ويا اليحبون نحن انحبك يا صدام العزيز انت “،و”حياك يا ابو حلا ” و” صدام غالي ” و “صدام حسين احنة يلوكنه” ،و” عزيز الكوم يا عونهى ” و” بالروح بالدم نفديك يا صدام ” و ” هلا بيك هلا وبجيتك هلا ” . 
وعندما اندلعت الحرب العراقية –الايرانية في 1980 ، انتشرت اهازيج واغان كثيرة منها :”ياحوم اتبع لو جرينا ” و”منصورة يا بغداد ” و” ياكاع إترابج كافوري ” و”عجيد الكوم يا عونه ” و”قادسية صدام قادسية كل العرب ” . والقادسية الثانية أو قادسية صدام مصطلح اطلق على الحرب العراقية –الايرانية 1980-1988 ، ثم جاء وقف الحرب بين العراق وايران يوم 8/8/ 1988 فسماه صدام ” يوم الايام ” كما اسمى البصرة “مدينة المدن .” . 
وبعد ان اجتاح الجيش العراقي دولة الكويت في 2 آب /اغسطس 1990 ،رفعت شعارات عديدة من قبيل “الفرع عاد الى الاصل ” ، وردد البعض بعد ان عادت الكويت الى العراق :”اسمع يا الرئيس الفرع الخايس كصيناه ” ، واطلق تعبير (أم المعارك ) على ما حدث انذاك من حرب بين العراق ودول التحالف بقيادة الولايات المتحدة ، وما حدث من تداعيات الحصار الجائر على العراقيين لسنوات طوال بحيث ردد البعض تعبير ” أم المهالك ” .

الاحتلال الامريكي 2003 وما بعده من تداعيات 
وفي 9 نيسان / ابريل 2003 ، اندلعت حرب غير متكافئة وسقط النظام السياسي في العراق ، واحتل العراق من قبل الولايات المتحدة ، وذاع تعبير ” العراق الجديد ” ، ودخلت البلاد في بحر من المشاكل والانقسامات والمحاصصات التي تحتاج الى وقت طويل لحلها . . لقد حلت الفوضى ، وطارت شعارات شتى عن الديمقراطية والفيدرالية والمكونات والمظلومية وغلبت الهوسات واهازيج طائفية على الهتافات والشعارات القديمة ، ولكن تردد شعار ..” هيهات منّا الذِّلَّة” و ” ايران برة بره ” . ومن هتافات العراقيين. التي سمعناها : “.والله والله والله فضحتونا ” و “إخوان سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه ” .. ” يا جامع النشالة يا مالكي يا زباله ” .. الخ ورفعت في بغداد وبقية المدن مئات الهتافات والشعارات على مدى 16 سنة دون اية استجابة تذكر !

تحليل هذه الظاهرة العراقية 
السؤال الان : كيف نحلل هذه ” الظاهرة ” العراقية ؟ وما مدى نجاحها وفشلها في حياة المجتمع الذي عاش على سماعها ورددها عفويا او قسرا ؟ 
يبدو للعقلاء وهم يتأملون طويلا في هذه ” الظاهرة ” التي يفسرها من يؤمن بها انها وسيلة للاستنهاض واحياء الهمم واثارة المشاعر الوطنية ، ولكن الحقيقة ان من ينظر اليها مجردة من اهدافها ، سيجدها ظاهرة غوغائية وفوضوية منذ بداياتها وحتى نهاياتها ، وكانت قد اسهمت في الانقسامات وبث روح التخلف ، بل وغدت عند البعض من المغالين والمتعصبين لهذا الطرف دون ذاك بمثابة طقوس لمصالح معينة ، وقد تغلبت على الروح الوطنية باستخدامها كاداة سياسية .. وعليه نتساءل ايضا : هل بقيت هذه الظاهرة حية بكل مقولاتها تعيش في كل الضمير العراقي ام انها عبرت عن نفسها مرحلتها وماتت دون رجعة ؟ هل كانت واقعية تعبر عن ضرورات الحياة بسلبياتها وايجابياتها ام كانت طوباوية وخيالية تعبر عن افكار متخلفة لا يمكن لها الحياة ؟ ولماذا استخدم الدم في الهتافات ؟ ولماذا استخدمت البذاءة في الشعارات ؟ واذا كانت المدن قد ذبحت حناجر اهلها في الشوارع من خلال التظاهرات والمسيرات ، فهل كانت الاهزوجات هي الاخرى معبرة عن افكار وطنية ام انها منطلقة من ثقافة عشائرية متخلفة ؟ بعض الاهزوجات والهوسات لا يمكن ان يفهمها حتى ابناء الجنوب والفرات الاوسط الادنى ، فكيف يفهمهما كل ابناء الشعب العراقي ؟ انها تعبر عن بيئة عشائرية معينة ، وقد طغت الثقافة الشعبية في كل العراق ، فاشاعت هوساتها حتى في شوارعها وثكناتها واسواقها وحتى مدارسها ودواوين وزاراتها اليوم ! كنت اسأل عن معنى ما يقوله صاحب الهوسة وما يردده من يتجمع من حوله ( ثم يدورون حول انفسهم وهم يعيدون عبارته ويرددون ما يسمى بالردسة على ارض ضيقة تسمة بالملعب ، فلم اجد اي معنى لها ، الا كونها اهازيج تلهب المشاعر ، كما كانت تستخدم من قبل عشيرة ضد اخرى ! حدثني احد الاصدقاء قال بأن الهتافات قد لا يكون مصدرها حزب معين ، ولكن قد يطلق احد المتظاهرين هتافا يتلقفه منه من يمشي معه فيروجونه بعد ان يسمعه الناس ، فيلصق باسم هذا الحزب او ذاك ! خصوصا وان المجتمع العراقي يتصف عن غيره انه يزدحم بالتناقضات وقد اصيب بهوس الشعارات وتفاهة الهتافات واكاذيب الخطابات التي لم تطعم فقيرا ولم تلبس مسكينا ولم تحقق العدالة الاجتماعية ولا السياسية ولا الثقافية في العراق .. 
يقول آخر ممن يدافع عن هذه الظاهرة ويعتبرها تراثا لشعب حي، فلولا تلك الشعارات لانهزمنا امام ايران في الحرب بيننا وبينها ، اذ ان الشعارات قد جعلت الجبهة الداخلية قوية صلدة ومتماسكة .. وهذه وجهة نظر تتحدث عن رأي عام كان مفقودا ، وعن خوف ورعب كان مسيطرا ، وعن ظاهرة ماتت لم تكن معبرة عن وجدان شعب قلب ظهر المجن، فاين هو تراث تلك الحرب اليوم ؟ انها ظاهرة واحدة ولكنها ملونة ، ففي كلّ عهد يتراقص من خلالها اناس على الحبال ، وما ان يتغير النظام السياسي حتى يبدأ الرقص على حبال اخرى ! ان الوطن ابعد ما يكون عن هذه ” الظاهرة ” التي لا اعتقد ان العراقيين سيتخلصون منها عاجلا ام آجلا ، فهم كما يبدو على قناعة بها من دون مبرر حقيقي لها ! ويؤكد احد العراقيين انه في شبابه كان يردد في البصرة هتافات لا يدرك معانيها ، واليوم يسخر منها ومن نفسه ! 
ان العراق اليوم بحاجة ماسة الى طريق عقلاني جديد له منهج يقوم على العقل والتمدن لا على الهوسات والهتافات .العراقيون بحاجة ماسة الى فلسفة متمدنة جديدة وتفكير يعاصر هذا العالم بديلا عن كل هذا الميراث المتخلّف .. العراقيون بحاجة ماسة اليوم الى ان يخرجوا من عباءة الماضي العقيم الذي سجنوا انفسهم تحت طياته .. العراقيون بحاجة ماسة الى ان يفهموا بعضهم بعضا بدل هذه البيئية المنكودة ، والعشائرية المتخلفة ، والطقوس السياسية المؤدلجة التي توارثوها عن احزاب ماتت اليوم بعد ان عاشت وسادت وطاشت بمثالياتها ورومانسياتها واكذوباتها المفضوحة .. العراقيون اليوم ليسوا بحاجة الى هتافات عاطفية ، فهم ليسوا مومياءات او اقزام يحركونها على مسرح العرائس .. العراقيون اليوم ليسوا بحاجة الى هوسات واهازيج تافهة تشحن عواطفهم بالمفاخرات والاكذوبات ، وكأنهم في نزاعات قبلية .. كفاهم تغطية للمثالب بالفخر والتنطع بالحماسة الفارغة .. وعليه ، فانهم ان بقوا في مثل هذه الدوائر البليدة المغلقة ، فسوف لا يتغير شيئ عندهم أبدا .. انا لست ضد هذه الظاهرة كلها ، بل اتمنى مخلصا توظيف العقل في ممارستها .. فكم من الناس تؤيدني في ما اقول ؟ وكم من الناس تخالفني كونهم بحاجة ماسة الى التفكير والتأمل طويلا ، كي ينفكوا عن هذه الظاهرة المتعبة ؟

تنشر بتاريخ 23 شباط / فبراير 2019 على موقع الدكتور سيار الجميل 
http://sayyaraljamil.com/
انتظروا الحلقة القادمة رجاء

شاهد أيضاً

محاضرة عن الملك فيصل الاول ومكانته التاريخية مؤسس سوريا والعراق في التاريخ الحديث ضمن التشكيلة الجديدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *