الرئيسية / الرئيسية / رموز واشباح الحلقة 9 : العهد الجمهوري العسكري الثاني( 1/ حكم البعثيين )

رموز واشباح الحلقة 9 : العهد الجمهوري العسكري الثاني( 1/ حكم البعثيين )

أولا: 8 – 9 شباط / فبراير 1963
“عروس الثورات ” جاءت بقطار امريكي دموي

8 – 9 شباط 1963 الانقلاب ومصرع عبد الكريم قاسم
خلال يومي 8-9 شباط / فبراير 1963 ، قامت حركة انقلابية بعثية ضد حكم قاسم ، والتي وصفها علي صالح السعدي لاحقا بانها قد جاءت بقطار امريكي ، في حين وصفها احمد حسن البكر انها ” عروس الثورات ” .. وفيها اعدم الزعيم عبد الكريم قاسم وجماعته بطريقة مهينة وعدد كبير جدا من القادة الشيوعيين في مجزرة دموية ذهب ضحيتها الالاف من العراقيين على رأسهم أقطاب الحزب الشيوعي العراقي .. وجرت تصفيات واسعة من قبل ميليشيا الحرس القومي عام 1963 .. وكان الشيوعيون قد تناقص عددهم عام 1963 عما كان عليه عام 1959 ، ولما ارتبط مصيرهم بالزعيم قاسم ، فقد وجهت ضربة شديدة إلى الشيوعيين بمصرع ما يقارب 5000 شيوعي ( وبرواية صالح مهدي عماش الى عبد الناصر كان العدد 4000 شيوعي ) كان من بينهم حسين أحمد الرضي سكرتير الحزب الشيوعي آنذاك المشهور بـ “سلام عادل ” .. ويردّ البعثيون على ذلك ، بأن الشيوعيين هم اصحاب المجازر الحقيقية ، وهم الذين قتلوا وسحلوا الناس بالحبال !!

البعث هو العدو الحقيقي للزعيم قاسم
عدّ البعث هو العدو رقم واحد لحكم قاسم ، اذ جرت محاولة بعثية صرفة في تصفية الرجل ، ففي 27 تشرين الأول / أكتوبر 1959، تَعرض الزعيم قاسم وهو في سيارته إلى مَحاولة اغتيال في شارع الرشيد، ببغداد، قام بها تسعة من الشباب البعثيين ، وهم: إياد سعيد ثابت وخالد علي الصالح وأحمد طه العزوز وسليم عيسى الزيبق وعبد الحميد مرعي وسمير عزيز النجم وعبد الوهاب الغريري . وساندهم كل من صدام حسين التكريتي وعبد الكريم الشيخلي وحاتم العزاوي. ، وقد نَقل قاسم على إثر العملية ونجا من الموت بعد مقتل سائقه واحد مرافقيه وجرحه مع مرافقه الثاني قاسم الجنابي .. لقد كان لهذه الحادثة تأثيرها السلبي السيئ على قاسم ، اذ غدا يخشى على نفسه كثيرا فيزج طلبة في السجون لاتفه الاسباب ، في حين يصدر احكاما بالعفو عن المحكومين بالاعدام الذين ارادوا قتله من البعثيين .

المنجزات تأكلها معاول الهدم
بدأ الصراع بين عبد الكريم قاسم ورفاقه من تنظيم الضباط “الأحرار” والساسة العراقيين الكبار سواء كانوا من الاصلاحيين او الديمقراطيين او القوميين بسبب اجراءاته الفردية في السلطة وهيمنة كل من العسكر والشيوعيين على الحكومة والمؤسسات المدنية والعسكرية العراقية، اذ قام بمنح صلاحيات كبيرة لليساريين والشيوعيين الذين كانوا يعارضون القوميين والاسلاميين والاصلاحيين ويرفضون كل الأحكام الإسلامية التي كان ينص عليها القانون العراقي ، وأصدر الرجل قانون الأحوال الشخصية ، فكان ذلك أن دق اول مسمار في نعشه بعد ان شجبته المراجع الدينية ممثلة بالمرجع الشيعي السيد محسن الحكيم ، فضلا عن مناوئة علماء السنة له ، بمعنى انه افتقد الشرعية بالنسبة لهم !
ولما كان قاسم قد أخلّ – حسب الذي ذكره رفاقه من الضباط الاحرار – بالميثاق الذي عقدوه في ما بينهم ابان تنظيمهم واتفاقهم عشية 14 تموز لدخول العراق في مجال الجمهورية العربية المتحدة ، فقد غدا قاسم عدوا للوحدة العربية ، ويعد ذلك بالنسبة للقوميين العراقيين كفر والحاد ، وخلال عهده ، دخل العراق في صراع مع الدول العربية من اجل قضية الكويت ، اذ نادى الزعيم بضم الكويت للعراق سنة 1961 فكان لذلك أثره في زعزعة السياسة الخارجية ، وظهوره كالمتخبط لوحده في الشرق الاوسط ، وجراء مشادة في مبنى الجامعة العربية ، الغيت عضوية العراق من الجامعة العربية اواخر 1961 ، والعراق يعدّ مؤسسا لها ، بل وصاحب فكرتها الجوهرية الاولى والتي بلور مشروعها نوري السعيد منذ الحرب العالمية الثانية .

عوامل الانقلاب
من ضمن العوامل الداخلية والإقليمية التي نضجت للإطاحة بحكم عبد الكريم قاسم وأركان حكمه، فان البعض يرى ما وصف بالتخبط والفردية واعداماته للضباط القوميين وأعمال العنف التي قامت بها قوات المقاومة الشعبية والمليشيات الشيوعية المتحالفة معه والاقامة الجبرية لصديقه عبد السلام عارف ، فضلا عن تصريحاته لدعم انفصال سوريا عن مصر والعمل ضد إطار الجمهورية العربية المتحدة. وكان للسياسة الدولية ومصالحها ادوارها في اذكاء نزاعات الأطراف المتصارعة وجني ثمارها ، والحد من نفوذ الشيوعية وتوغل المنظومة الاشتراكية على حساب المصالح الامبريالية للإستراتيجية الأميركية وتكريس مشاكل الشرق الأوسط المثقل اثر الحرب العالمية الثانية وتغول الحرب الباردة بين المعسكرين ، ناهيكم عن صراعات الحكام الموالين لكل من هاتين الكتلتين والحكام الانقلابيين الجدد الذين اسموا انفسهم بالضباط الاحرار واعتبروا انفسهم جزءا من حركة التحرر العالمي ضد الاستعمار ، علما بأن علاقاتهم مع الغرب كانت وطيدة وقد تصل الى حد العمالة المستترة . .

الاسباب المباشرة والتحولات الثورية
فضلا عن ضعف سياسته الداخلية وتفرّده بالقرارات وعدم تشكيله مجلس قيادة الثورة ، وتأليفه محكمة الشعب التي وضع ابن خالته المهداوي رئيسا لها ،
وكانت واجهة اعلامية تنطلق منها الاهانات والسباب والشتائم .. ناهيكم عن الاضطرابات والقلاقل في الموصل وكركوك وما لحقها من محاكمات واعدامات ، وما قامت به المليشيات الشيوعية ، علاوةً على تمرّد الملا مصطفى البارزاني وانتفاضة الأكراد في سبتمبر / أيلول من عام 1961 وضربهم بقسوة، مما أدى إلى ضعف هيمنته المركزية على حكم العراق. اما دوليا ، فكان قاسم قد اصدر بعد مفاوضات طويلة مع شركات النفظ قانون رقم 80 الذي يقال ان قاسم عندما كان يوقعه قال: انني اوقّع على قرار اعدامي ! وقيل ان القانون كان معّدا سلفا منذ العهد الملكي من قبل نديم الباجه جي بالانكليزية ، وكان يحتفظ به نوري السعيد ليصدره بعد 8 سنوات من قانون مناصفة الارباح للعام 1952 . وقانون رقم 80 قد فسح المجال للعراق ان يستكشف بنفسه حقولا نفطية جديدة. وابقاء الحقول القديمة بيد الشركات الأجنبية .
اتهم الزعيم قاسم بالعلمانية من قبل المراجع الدينية المحافظة التي ناصبته العداء كون المجتمع تتحكم فيه سلطات اجتماعية صعبة .. كما وقام باصدار قانون الأحوال الشخصية الذي ضمن للمرأة حقوق واسعة بعيدة عن تناقضات التشريع الإسلامي ، فاتهم القانون بأنه مستوحى من الفكر الماركسي ، فضلا عن اصدار قانون الإصلاح الزراعي حيث اخذ الاراضي الزراعية من الملاكين وشيوخ العشائر ووزعها على الفلاحين ، فكان ان غدا عدوا لهذه الطبقة التي خسرت منافعها والتي ايدها رجال الدين ايضا ضده .

البعثيون يعملون على تقويض حكم قاسم
كانت الحركة بعثية صرفة مع شراكة بعض عناصر قومية ، وكان ابطالها : احمد حسن البكر وعلي صالح السعدي وصالح مهدي عماش وحازم جواد وطالب شبيب ومسارع الراوي ومنذر الونداوي والتحالف مع عبد الغني الراوي وطاهر يحي وعارف عبد الرزاق وحمدي عبد المجيد وعبد الستار عبد اللطيف وعبد الكريم مصطفى نصرت ورشيد مصلح وعبد الهادي الراوي وقد انضم اليهم عبد السلام عارف في الايام الاخيرة .
اعتبر قاسم انقلاب 8 شباط حركة طائشة ينفذها أذناب الاستعمار وبعض الخونة والمفسدين لتحطيم النظام الجمهوري، قائلا بأن الحركة سوف تفشل بسبب قوته لأنه وحكومتة لا يُقهران، بما أنه يعمل في سبيل الشعب وفي سبيل الفقراء بصورة خاصة . وفي خطابه ، دعا الجيش لتمزيق قادة الحركة قائلا: “مزقوا الخونة، اقتلوهم، اسحقوهم، إنهم متآمرون على جمهوريتنا ليحطموا مكاسب ثورتنا، هذه الثورة التي حطمت الاستعمار، وانطلقت في طريق الحرية والنصر، وإنما النصر من عند الله، والله معنا، كونوا أشداء، اسحقوا الخونة والغادرين”.

14 – 15 رمضان / 8- 9 شباط فبراير 1963
اتفق قادة الحركة على ساعة الصفر ، فكانت التاسعة من صباح الجمعة 8 فبراير / شباط 1963 الموافق 14 رمضان.، وتمت السيطرة على دار الإذاعة التي بدأت تبث أناشيد ثورية ومنها تشيد ” الله أكبر ” الشهير للموسيقار محمود الشريف وكان له وقعه فضلا عن نشيد ” بغداد يا قلعة الاسود ” لأم كلثوم للتأثير على المعنويات .. كان اول قتيل شيوعي هو جلال الاوقاتي قائد القوة الجوية الذي اغتيل صباحا.. وكانت طائرات الميغ 17 والهوكر هنتر من السربين السادس والسابع في قاعدة الحبانية وقاعدة كركوك الجوية تقصف مبنى وزارة الدفاع الذي حاصرته الدبابات وطوقت قوات المشاة مبنى الوزارة ومبنى السراي الحكومي، ، ولم تتحرك القطعات العسكرية لمناصرة نظام الحكم، وبقيت الحامية العسكرية الخاصة بوزارة الدفاع وبقي مع قاسم بعض المخلصين له ، وهم كل من: المهداوي وطه الشيخ أحمد، وقاسم الجنابي سكرتير عبد الكريم قاسم، ومرافقه كنعان حداد. في حين قاتل كل من عبد الكريم الجدة ووصفي طاهر حتى قتلا في باحة الوزارة .

لماذا سلّم الزعيم نفسه طواعية الى جلاديه ؟
نتيجة شدة القصف ، انتقل قاسم إلى قاعة الشعب المجاورة للوزارة ليلا واتصل من هناك هاتفياً بدار الإذاعة، وتحدث مع رفيقه الاقدم عبد السلام عارف يطلب منه التفاوض ليشركه في الحكم أو السماح له بمغادرة العراق، لكن عبد السلام طلب منه الاستسلام وان لا علاقة مباشرة له بالحركة وأنه سينقل مطاليبه الى قادتها. وبعد عدة اتصالات قام بها الوسيط الصحفي يونس الطائي بدا واضحا خذلان قاسم وعدم  حصوله على اي وعد من الانقلابيين .. وكان عليه أن يدرك بشاعة مصيره
بعيدا عن السذاجة .. وعند الساعة الواحدة والنصف من ظهر 9 شباط 1963 سلم عبد الكريم نفسه الى خصومه الانقلابيين وقد علم من يكونوا علم اليقين ، فاقتيد مع صحبه مجردا من رتبته العسكرية ووصل الى الاذاعة وحال صبحي عبد الحميد بينه وبين الاهانات التي تلقاها وهو يدخل مبنى الاذاعة ووقف مع رفاقه امام محكمة صورية من جلاديه البعثيين والقوميين برئاسة عبد الغني الراوي .. ويحاول البعض تبرئة عبد السلام عارف من موقفه ، ولكن عارف كان حاضرا وشارك في القاء العتب واللوم والتقريع لصاحبه متشفيا به ، وحاول بكل الوسائل ا أن ينتزع منه أعترافا منه يؤكد فيه بأن عارف هو الذي خطط للثورة ، وهو من كتب البيان الأول وليس عبد الكريم .. وفي غمرة الفوضى لم يحصل عبد السلام على ما اراد ! .
ولم يمنع اعدام رفيقه ابدا ، اذ قررت المحكمة اعدام قاسم ورفاقه حالا ، وفي أستوديو التلفزيون ، انهار المهداوي ملقيا باللوم على قاسم .. رفضوا عصب اعينهم ، وتم اطلاق النار عليهم من قبل عبد الغني الراوي ومنعم حميد ، فسقطوا قتلى يتمرغون بدمائهم وسط شماتة اعداثه وصياح عبد الستار عبد اللطيف وتهريج الاخرين .. واتخذ القرار بعرض تنفيذ الاعدام على شاشة التلفزيون ، والاقسى ان يقوم احد الجنود برفع رأس الزعيم قاسم من شعره ويبصق عليه وتذاع اغنية مصاحبة ساخرة عن ” الزعيم الهمشري ” !! كم كنت أتمنى مخلصا ان ينزل الرجل بنفسه الى باحة الوزاره ومعه سلاحه ليقاتل قتالا بطوليا حتى يقتل كما قاتل غيره .. وليسقط كما سقطوا وان يموت دون تسليم نفسه الى خصومه ليغدو أسير ا بين أيديهم ويقتلوه امامهم ويموت متمرغا ميتة مهينة على شاشات التلفزيون .

ثوار .. ثوار لآخر مدى
استمرت الإذاعة ببث البيانات وبرقيات التأييد من مسؤولين وسفراء وشيوخ عشائر ورجال دين شيعة وسنة ومسيحيين وقادة فرق وضباط كبار واناس متبرعين بالمداهنة والمدح وكعادتهم العراقية عندما يتقلبون على الحبال ، وتوالت اعترافات الدول بالنظام الجديد ، واصبح قاسم في نظرهم عاهة وهمشريا وخداعا وشعوبيا .. الخ من الاوصاف ..
وامر عبد الناصر ان تغني ام كلثوم لثوار العراق الجدد ، ولما كانت علاقتها سيئة مع رياض السنباطي ، فقد اعتذر .. وفجأة تصله مكالمة من القصر ، فيهرول لتلحين اغنية ” ثوار ثوار لاخر مدى ” التي غنتها ام كلثوم في اليوم نفسه لتهدى الى عارف وصحبه وتذاع كما حدث في 14 تموز 1958 عندما غنت ام كلثوم “بغداد يا قلعة الأسود” للضباط الاحرار .. غنت ام كلثوم ليوم 8 شباط 1963 أغنية ثوار .. والكل يعلم ان الاسود لم تأكل بعضها بعضا ، ولكن الثوار الاحرار اخذ احدهم يقتل الاخر .. بل ولا يكتفي بالقتل ، بل يهينه في حياته ومماته !

مصير جثة الزعيم قاسم
كان الانقلابيون يدركون ادراكا عميقا ان للزعيم قاسم شعبية كبيرة ، فخافوا حتى من جسده وهو قتيل ، فقد قبرت الجثة في منطقة المعامل ، وعرف الناس بها ، فاقترح احد القادة البعثيين رمي الجثة في قاع نهر ديالى ، فنقلت الجثة الى معسكر الرشيد وقام سفاحون بقصم ظهر الجثة الى قسمين ووضعوه في كيس جنفاص مع اثقال من الحديد وقامت سيارة اسعاف بألقائه في نهر ديالى ..

التساؤلات الضرورية : لماذا سّلم الزعيم قاسم نفسه لخصومه ؟
لماذا اتجه الزعيم قاسم من بيته صباح يوم 8 شباط بعد سماعه بنبأ الحركة الى وزارة الدفاع ، بدل ذهابه الى معسكر الرشيد ؟ لماذا حاصر نفسه في مبنى الوزارة لاكثر من 28 ساعة وهو تحت القصف ؟
السؤال المحير الاخر عن قراره تسليم نفسه لخصومه صباح يوم 9 شباط 1963 ، فهل يعقل وهو الضابط المحترف والمقاتل ان يسلّم نفسه طوعا ليكون بايدي اعدائه من دون التعهد كتابيا له بميثاق شرف ؟ فكيف وهو زعيم ثورة كما يقول ورئيس حكومة فعل ذلك ؟ كم كنت أتمنى عليه الخروج الى ساحة وزارة الدفاع ليقاتل حتى يقتل بعز واباء بدل مصيره المحزن الذي حسمه خصومه الالداء في دار الاذاعة واعدامه المهين الذي نقل على شاشات التلفزيون .. كي يتشمّت فيه عبد الناصر في خطبه الساخرة من خلال اذاعته صوت العرب وتعليقات المذيع احمد سعيد !!
انتظروا الحلقة 10

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل بتاريخ 26 نوفمبر / تشرين الثاني 2018
http://sayyaraljamil.com/

شاهد أيضاً

مفهوم الدولة العميقة

مصطلحٌ جديد لا تصادفه في موسوعات العلوم السياسية سابقا، بدأ توظيفه أخيرا، وقد فسّره المؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *