الرئيسية / الرئيسية / رموز وأشباح الحلقة 8 : العهد الجمهوري العسكري الاول ( حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ) 1958- 1963

رموز وأشباح الحلقة 8 : العهد الجمهوري العسكري الاول ( حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ) 1958- 1963

ثانيا : صراع القوى السياسية العراقية الجديدة

الصراع الدموي بين القوميين والشيوعيين
سرعان ما دب الخلاف بين العراقيين ليس بين الملكيين والجمهوريين ، اذ خبا دور الملكيين تماما ، اذ قصم ظهرهم تماما بمصرع رموزهم باسوأ الصور المتخيلة ، بل تفجّر الصراع سريعا بين الشيوعيين والقوميين ليتحوّل مباشرة الى صراع دموي ، وتحدث انشقاقات عميقة في كل خندق من الخنادق العراقية . كان ان وصل بغداد بعد الحركة مباشرة ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي طارحا مشروع الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة ( اي مع مصر وسوريا ) ، وعندما مرت طائرة عبد الناصر في اجواء العراق ، ارسل برقية يحي فيها الضباط الثوار ، فدعاه ميشيل عفلق الى ان تهبط طائرته في بغداد دون ان يأذن من عبد الكريم قاسم ، ولكن عبد الناصر اعتذر ليهبط في دمشق ( وكان عبد الناصر طوال عهده قد زار معظم البلاد العربية الا العراق خوفا من العراقيين اذ بقيت مغروسة في ذاكرته صورة نوري السعيد مسحولا في الشوارع ) .
وكان الشيوعيون قد احبطوا مقترحات ميشيل عفلق ومراميه منذ البداية ، ووقفوا وراء الزعيم عبد الكريم قاسم الذي رفض فكرة الوحدة الاندماجية بشدّة وطرح مشروع الاتحاد الفيدرالي متذرعا بمشروع نوري السعيد في الاتحاد العربي الكونفدرالي ابان الاربعينيات .. واعتقد ان الخلاف قد دبّ بين القوميين وبين الشيوعيين منذ تلك اللحظة الحاسمة في العراق وفي ايام الثورة نفسها ، وهذا ما حدا بالاذاعي المعروف يونس بحري اطلاق صفة ” الاوحد ” على عبد الكريم قاسم بعد مقابلته له في مكتبه ، نكاية بجمال عبد الناصر الذي كان العراقيون يهتفون باسمه حتى بعد 14 تموز 1958 .. فراحت صفة ” الاوحد ” تلازم الزعيم قاسم مدى عهده السياسي .

قاسم وعارف : النقيضان العراقيان
ان اتفاق قاسم وعارف لم يكن مبدئيا ، اذ بدا منذ البدء تربّص احدهما بالاخر ، وان مشروعهما لم يكن موضوعيا بقدر كونه ذاتي الطابع ، وتاريخيا ، طار عارف وهو يترأس وفدا رسميا لمقابلة عبد الناصر في دمشق ، فعرف قاسم كل سقطات صاحبه هناك ، ثم سمح قاسم لعارف ان يتنقّل في الايام الاولى للثورة في اصقاع العراق ، وهو يلقي تهريجاته على العراقيين ، فجعله أضحوكة بين الناس ، ناهيكم عن تصرفات عارف المتهورّة اذ كان يمسك بعصاه وهو يخاطب وزراء العهد الجديد ، وينادي عليهم وهو يحرك العصا بيده وهو يصيح : يالله وزراء وبالله وزراء ! وغدوا جميعا يتأسفون ويتحسّرون على زمن مضى !!
آن الاوان كي يقوم قاسم بعزل عارف ، وهنا علينا ان نستفهم معنى الانقسام السياسي في العراق بين اليساريين عموما وبين القوميين عموما بما في ذلك انسحاب الوزراء القوميين من حكومة قاسم ؟ قال محمد صديق شنشل للرئيس عبد الناصر عندما سأله عن كل من قاسم وعارف بعد 14 تموز ، فاجابه شنشل : ان العراق اليوم يحكمه اثنان اولاهما نصف مجنون وثانيهما نصف عاقل !! نجح قاسم في اقصاء عارف ، لكن الثمار التي قطفها قاسم لم تستمر ، اذ انتصر عارف عليه عام 1963 بتحالفه مع البعثيين الذين اتوا به الى السلطة كي يقضى على قاسم ويشهد اعدامه البشع في دار الاذاعة في اليوم الثاني للانقلاب وبشكل مهين ، وكأنهما لم يشتركا في صنع حدث تاريخي واحد ! ولقد ولد حدث شباط 1963 من رحم حدث 14 تموز 1958 ، وهكذا ستتوالد احداث من سلالة دموية بشعة تتوالى على العراقيين حتى يومنا هذا !
اذا كان عارف منذ البداية قد ركن الى القوميين والاسلاميين والبعثيين ضد قاسم ، فان قاسم بقي لوحده ، اذ انفض عنه الوطنيين الديمقراطيين بزعامة كامل الجادرجي وجماعته .. وتوجّس عبد الكريم خيفة من نفوذ الشيوعيين الطاغي الذين اعلنوا ان مطلبهم ان يكونوا في الحكم لوحدهم ” حزب الشيوعي في الحكم .. مطلب عظيمي ” ، فحاول قاسم تحجيم دورهم ، واعتقل بعضهم وانقسم الحزب الشيوعي ، واقترح البعض على سكرتير الحزب آنذاك حسين الرضي المعروف بسلام عادل قيامه بانقلاب ضد قاسم لتسلم السلطة ، بينما اقترح آخرون الاستمرار في دعمه كونهم من حزب شيوعي تم صنعه على يديه ، ولكن البعثيون عاجلوهم في انقلاب بعثي دموي 1963 ضد قاسم وضد الشيوعيين جميعا ، علما بأن قاسم كان قد غضّ الطرف عن وجود بعثيين مناوئين له ، وأبقاهم في مناصبهم ومراكزهم العسكرية والمدنية . وكان حزب البعث هو من نفّذ الانقلاب ، ولم تعرف اسرار الانقلاب ومن خطط له حتى اليوم من قوى خارجية واقليمية وداخلية ووقف على رأس المنفذين كل من احمد حسن البكر وصالح مهدي عماش عسكريا وعلي صالح السعدي وجماعته مدنيا . وجيئ بعبد السلام عارف واجهة للحركة باعتباره مقتحم بغداد ورمزا للقوميين وخصما لرفيقه قاسم !!

الموصل وكركوك 1959 والتداعيات المريرة 
وبتأثير كبير من جمال عبد الناصر سياسيا ولوجستيا واعلاميا ، وخصوصا اذاعة صوت العرب ، يحتدم الصراع السياسي بين الشيوعيين والقوميين في الموصل ( آذار 1959 ) ، اذ كان الوضع ينذر بالانفجار ، ذلك ان مدينة الموصل واطرافها منقسمة تماما بين الشيوعيين والقوميين ، ويصر الزعيم قاسم على عقد مؤتمر انصار السلام فيها من دون الالتفات الى من طلب تأجيله ، وسيكون بمثابة الشرارة المحرقة ، وتتم المظاهرات الشيوعية التي تقابلها التظاهرات القومية في بعض شوارع الموصل ، وتصطدم الاضداد في محرقة الدم والنار والاحجار ، ويقتل القيادي الشيوعي المثقف الموصلي كامل قزانجي في الثكنة الحجرية ، ويحجز العديد من الشيوعيين فيها حين يؤدي تنظيم عسكري من الضباط القوميين المتآمرين ضد حكم الزعيم قاسم ، وهم الذين يتزعمهم عبد الوهاب الشواف ومحاولة قيامهم بحركة انقلابية فاشلة نظرا لانسحاب كل من الطبقجلي في كركوك ، ورفعت الحاج سري في بغداد منها ، اذ تم جلب اذاعة واسلحة من سوريا بموافقة من جمال عبد الناصر ، واذيع البيان الاول للحركة من قبل فاضل الشكرة على موجة قصيرة ، وارسل الانقلابيون بطائرات لقصف مقر قاسم فلم تصل .. اذ ارسلت بغداد سربا من الطائرات قصفت مقر الشواف في معسكر الغزلاني ، فجرح الشواف من قبل طائرات عراقية يقود سربها خالد ساره ، ويذهب الشواف للتداوي في المستشفى العسكري كي يقتل على يد مضمد شيوعي ، وتسحل جثته في الشوارع مع عشرات من الذين قتلوا وسحلوا ومثّل بجثثهم او علقوا على اعمدة الكهرباء ، كما استبيحت الموصل على مدى اكثر من اسبوعين ونهبت بيوتاتها واسواقها وحل الرعب فيها .. اذ هبّت عليها فلول من خارجها لتعبث بالمدينة وتنهب بيوتها الكبيرة واسواقها العامرة .. وتشكلت محاكم على هيئة كوميونات شيوعية في كل من الثانوية الشرقية ومركز الشرطة العام ، واصدرت احكاما باعدام العشرات ممن سيقوا الى الدملماجه شرقي الموصل وقتلوا فيها وسحلوا منها نحو شوارع الموصل !
وحدثت كل من مجزرتي الموصل وكركوك ( 1959 ) ، وحل بكركوك ما حل في الموصل ايضا .. وسيق كل الضباط والمدنيين المشاركين في الحدث في الموصل الى بغداد ، ليحاكموا امام المهداوي وتذاع المحاكمات تلفزيونيا .. واعدم العشرات من الضباط والطيارين العسكريين الموصليين ومعهم ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري في ساحة ام الطبول ببغداد واستتبت الامور بصعوبة بالغة مع فقدان الامن اذ اعقبت حركة الشواف في الموصل سلسلة اغتيالات واسعة النطاق استمرت حتى العام 1963 ، سببت موت المئات من العراقيين ، وقام بها بعض الاشقياء من الناصريين والبعثيين في الموصل ، كما سببت موجة رعب وخصوصا للمسيحيين الموصليين الذين تركوا ديارهم ، وهاجروا بالالاف المؤلفة الى بغداد ومنها الى خارج العراق ، ولم يكونوا جميعهم من الشيوعيين . ولا ننسى ان حركة القوميين العرب وصل تأثيرها الى العراق على عهد قاسم بتأثير كل من المؤسسين الاوائل لها : باسل الكبيسي وحامد الجبوري ( دورهما في بغداد ) ، ونايف حواتمه وهاني الهندي ( دورهما في الموصل ) . كلنا يتذكر عندما كنا اطفالا كم كانت المسيرات طويلة في شوارع بغداد والمدن الكبرى مع الكرنفالات والابتهاجات في كل مناسبة من المناسبات ، واذكر في العام 1958 – 1959 ، فرض الزعيم ان يضع كل عراقي على صدره صورة صغيرة للزعيم ، ووزعت ملايين الصور الصغيرة بمختلف الاطارات .. وغدا الزعيم وحده رمزا اوحدا للبلاد ، في حين بقي الشعب العراقي يتخندق كل في موقعه او حزبه او ايديولوجيته ..

اسئلة بحاجة الى اجوبة حقيقية !
اقتصر على اثارة ستة اشكاليات ، وينبغي البحث عن اجابات حقيقية عنها :
1 / السياسة المتقلبة 
لماذا لم يكن اتفاق قاسم وعارف مبدئيا ؟ لماذا لم يكن اتفاق القوى الثورية الجديدة مبدئيا ؟ لماذا انفرد عبد الكريم قاسم بالسلطة ؟ كما كان قد انفرد بالثورة ؟ لماذا انفرد بصنع القرار ؟ لماذا لم يكن اتفاق قاسم والملا مصطفى البارزاني مبدئيا ؟ لماذا لم يكن قاسم نفسه جسرا للتلاقي بين القوى السياسية الجديدة ؟ لماذا كان يستمع قبل الثورة للشخصيات الوطنية ، ولماذا لم يعد يستمع اليها بعد الثورة ؟ لماذا لم يرد ابدا على خطابات عبد الناصر الساخرة منه ؟ لماذا كان يستمع لنصائح الجادرجي قبل الثورة ولماذا لم يكن يستمع لنصيحة أحد بعدها ؟ اذا كان الرجل قد قضى على الاقطاع ، لماذا لم يرجع الفلاحين النازحين الى مناطقهم في الجنوب ؟ لماذا أمر بزحف التلاميذ والطلبة في المدارس لمرحلة كاملة ، فنال الالاف من الفاشلين شهادة الباكالوريا من دون وجه حق ؟ اذا كان قد الغى مشروع مجلس الاعمار .. لماذا اخذ خطط ذلك ” المجلس ” وطبق بعضها خلال عهده ؟
2/ سذاجة عبد الوهاب الشواف
السؤال لماذا قام عبد الوهاب الشواف بحركته الانقلابية في الموصل ضد حكم قاسم في بغداد ؟ حتى وان كان قد اتفق مع رفعت الحاج سري في بغداد وناظم الطبقجلي في كركوك ؟ لقد بلغت السذاجة بالضباط العراقيين القيام بعدة انقلابات ومحاولات انقلابية ضد الانظمة السياسية ، وكأنهم في تصورهم ان الحكم والسلطة من حقهم وحدهم التمتع بهما ضاربين عرض الحائط شرعية كل المؤسسات السياسية والدستورية . علما بأن تلك المرحلة التاريخية بين 1949- 1979 هي مرحلة الانقلابات العسكرية التي دعيت اعلاميا وسياسيا بـ ” الثورات ” بدءا بمصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا والجزائر والسودان ؟؟
3/ لماذا استمرت الاغتيالات في الموصل ؟ 
السؤال الذي طرحته منذ زمن طويل هو : لماذا تركت الموصل بعد فشل محاولة انقلاب الشواف والصراع الدموي فيها وعلى مدى سنوات وحتى 1963 ساحة دموية للاغتيالات العشوائية ، ونحن نعلم بأن الزعيم قاسم قد نصّب العقيد حسن عبود آمرا للواء الخامس في الموصل ونصّب عقيد الشرطة اسماعيل عباوي مديرا لشرطة لواء الموصل ، وكان الاخير يدرك ويعرف تماما ما يقوم به بعض الاشقياء المعروفين في الموصل بقتل ليس الشيوعيين حسب ، بل عدد كبير من الابرياء في الشوارع ؟ لماذا لم يأمر قاسم العقيد عباوي بالقبض على هؤلاء ويتم ارسالهم الى بغداد للتحقيق معهم واخذ جزاءهم العادل ؟
4/ ما سرّ تلك التناقضات ؟ 
السؤال الاخر عن عبد الكريم قاسم نفسه الذي زخر عهده بالتناقضات السياسية ، فهو يتفق مع عارف الذي يحمل شخصية نقيضة له فالاخير قومي متعصب وسلفي متدين .. ثم ينفصلا ! وقاسم يوقّع على اعدام سعيد قزاز وجماعته من وزارة الداخلية ، ولكنه يعفو عن فاضل الجمالي وجماعته من الخارجية ، كما يعفو عن رشيد عالي الكيلاني وجماعته اثر اتهامهم بالتآمر على الجمهورية ! وقاسم يوقّع على اعدام رفعت وناظم وكل ضباط الموصل المشتركين مع الشواف في حركته ، ولكنه يعفو عن الشباب البعثيين الذين قاموا بمحاولة اغتياله في راس القرية بشارع الرشيد ! وقاسم تصله التقارير عن تحركات الضباط البعثيين واضحة وسافرة في العمل على تقويض حكمه ، لكنه يبقيهم في مواقعهم ومناصبهم حتى يتم الانقضاض عليه في 8 شباط / فبراير 1963 .. الخ
5/ الدور الخارجي لبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية 
السؤال : لماذا بقي عبد الكريم قاسم لوحده في الميدان جراء السياسة التي اتبعها ؟ هل كان مطمئنا الى أغلب شعبه الذي احبّه حبّا جمّا ؟ هل كان ساذجا بحيث يتغاضى عن تحركات البعثيين العسكريين والمدنيين ؟ والاخطر من كل هذا وذاك ، ما علاقة المخابرات الامريكية بانقلاب 8 شباط 1963 في العراق ، ان صدقت مقولة على صالح السعدي بأنهم قد جاءوا بقطار اميركي ؟ والاخطر هو الاجابة على المعلومات الوثائقية التي تؤكد معرفة مايكل رايت السفير البريطاني في بغداد عشية 14 تموز / يوليو 1958 بما كان يجري من تحركات عسكرية واختفاء السفير في فندق بغداد رفقة زوجته ليلة الحدث ، والاخبار التي كان ينقلها بواسطة الشفرة فجر يوم 14 تموز !!
6/ انعدام الرؤية التاريخية
لماذا يختلف العراقيون حتى يومنا هذا حول عهد الزعيم عبد الكريم قاسم ، بل ويختلفون تماما حول زعامته واسلوبه في الحكم ؟ لماذا نجد حتى يومنا هذا من تصل محبته لهذا الرجل حد الهوس والتقديس ؟ ولماذا نجد حتى يومنا هذا من العراقيين من يمقت اسمه ويصمه بالخيانة والمخادعة وينكر عليه منجزاته ويتهمه بشتى التهم ؟ واعتقد انها مشكلة كل الشعب مع حكامه ، والانكى من ذلك لدى العراقيين انهم لا يقبلون منك ان تكون موضوعيا لا مع هذا ولا مع ذاك .. فلا حيادية ولا موضوعية لدى العراقيين ، اذ سرعان ما تدان حتى وانت تشتغل على تاريخ مضى عليه اكثر من ستين سنة !!

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل بتاريخ 24 نوفمبر / تشرين الثاني 2018
http://sayyaraljamil.com/

شاهد أيضاً

مفهوم الدولة العميقة

مصطلحٌ جديد لا تصادفه في موسوعات العلوم السياسية سابقا، بدأ توظيفه أخيرا، وقد فسّره المؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *