الرئيسية / الرئيسية / أزمة سعودية واهية مع كندا

أزمة سعودية واهية مع كندا

لا نعيش اليومَ في العصور الوسطى، بحيث يقضي البشر حياتهم في الأقبية، ليموتوا من دون أن يعرف بهم أحد. لا نعيش اليوم بمنطق القبيلة وأعرافها، بحيث تخاصم القبيلة الأخرى من أجل سبب واهٍ سخيف. لا نعيش اليوم في مرحلة دكتاتوريات، بحيث لا يسمح لأية دولة أن تؤذي نشطاءها ومعارضيها، من دون أن يتحرّك العالم. لا نعيش في زمنٍ يمتلك الحاكم، سعودياً كان أم ايرانياً أم غيرهما، تفويضاً له من الله، لكي يحتكر كلّ الحياة لنفسه وباسمه، بل ويجعل الدين والمقدّسات من ممتلكاتهِ أيضا. لا نعيش اليوم في عصر الظلمات، بحيث يتعّرض الإنسان، رجلاً أو امرأة، للأذى والجلد والضرب وقطع الأيادي والرقاب.

مشكلة السعودية مع كندا واهية، كما تبدو، بل ومفتعلة من السعوديين باتجاه كندا التي تعتبر الدولة الأولى في العالم، وخصوصاً في حقوق المرأة، إذ تجد المرأة فيها حقوقها كاملة، وحريتها باعتبارها إنسانا، على عكس السعودية التي تسيطر عليها طبقةٌ من رجال “التابو” المتعصّبين. وكان متوقعا حدوث أزمةٍ كهذه مذ دانت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش اعتقال نشطاء سعوديين كثيرين، في 15 مايو/ أيار 2018، وكان منهم سبع ناشطات سعوديات مناضلات بارزات في مجال الدفاع مهنياً وإعلامياً وثقافياً عن حقوق المرأة والحياة: لجين الهذلول وإيمان النفجان وعزيزة يوسف وحصة آل شيخ وعائشة المانع، وأخيراً مديحة العجروش وولاء آل شبر. وكانت هناك غيرهن من المثقفات المناضلات اللواتي أثرنَ الرأي العام. ويبدو أن الاحتجاجات الدولية كانت أكبر مما كانت تتوقّعه السعودية، في حين لم تحدث أيّة احتجاجات عربية خوفاً ومداهنة، بل أعلن بعضهم تأييدهم السعودية، بقطع علاقاتها مع كندا، ليس إيماناً بمبادئها الأيديولوجية، بل تعاطفاً سياسياً معها.. ومن دون معرفة إجراءات السعودية بحق نشطائها ومعارضي سياساتها، إذ شعرت كندا بقلق بالغ إزاء الاعتقالات التعسّفية الإضافية لنشطاء المجتمع المدني ونشطاء حقوق المرأة السعودية، بما في ذلك المناضلة سمر بدوي، فأخذت كندا تحثّ السلطات السعودية على الإفراج عنها فوراً وعن جميع النشطاء السلميين الآخرين في مجال حقوق الإنسان.

كانت هذه مجرد تغريدة كندية نشرت على “تويتر”، لكنها غدت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير، أو الشرارة التي أشعلت حريقاً هائلاً بين السعودية وكندا، وكأنّ السعودية كانت تنتظرها من بلدٍ مسالم ككندا، ومن خلال الصفحة الرسمية لسفارتها، حتى قامت السعودية بالردّ المباغت بتجميد العلاقات الاستثمارية والاقتصادية مع كندا، وجعلتها في لحظةٍ عدوّة لها باستدعاء السفير السعودي وطرد السفير الكندي، بسبب ما اعتبرته تدخّلاً سافراً في شؤونها الداخلية، وتطاولاً كندياً على سيادتها. وجاء في بيان الخارجية السعودية أن هذا الموقف السلبي والمستغرب من كندا يُعد ادّعاءً غير صحيح، جملة وتفصيلاً، ومجافياً للحقيقة، وأن السعودية لم يحدث في تاريخها أيّ تدخل خارجي في شؤونها.

وفي أول ردّ كندي على قطع العلاقات، قالت المتحدّثة باسم الحكومة، ماري بير باسل، إن الحكومة الكندية تحاول إجراء اتصالات مع السعودية، وإن الكنديين يشعرون بالقلق الشديد ويسعون إلى التواصل مع المملكة. وأكّدت أن بلادها ستقف دائماً مدافعة عن حقوق الإنسان، بما فيها حقوق المرأة وحريّة التعبير، في كلّ العالم، وإن الحكومة الكندية لن تتردّد أبداً في نشر هذه القيم، كما تعتبر أنّ الحوار يحظى بأهميةٍ حيويةٍ بالنسبة للدبلوماسية الدولية. وأضافت أن بلادها تريد الحصول على مزيد من الوضوح من السعودية، بخصوص قرارها الذي أثار أزمة دبلوماسية بين البلدين.

لم يقف التصعيد السعودي عند هذا الحدّ، فقد أصدر الديوان الملكي السعودي أمراً يقضي بـإيقاف علاج المرضى السعوديين في كندا، ونقلهم إلى دول أخرى، كما علقت الخطوط الجوية السعودية رحلاتها من تورنتو وإليها، وإعفاء كلّ التذاكرالصادرة منها وإليها من أية قيود أو   رسوم عند الإلغاء أو إعادة إصدار التذاكر أو استعادة قيمتها. وقد جاءت إجراءات السعوديين مفاجئة وسريعة وانقضاضية، وكأنّ المملكة تريد فتح باب لها للهروب من أزمةٍ بنيويةٍ تعاني منها جرّاء تصادم ما تؤمن به مع متغيرات هذا العصر، وبحجّة تدخّل كندا، من خلال تعليقات لوزيرة الخارجية الكندية والسفير في الرياض على “تويتر”، في محاولةٍ لنصح السعوديين من أجل احترام حقوق الإنسان، فاعتبرت السعودية ذلك تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية، وكأنها لا تعلم أنها تدّخلت في شؤون داخلية لدول عدة، بل وأشعلت النار في أكثر من نظام سياسي، وأنفقت المليارات لهذا وذاك منذ عشرات السنين.. واندلعت حروبٌ، وقامت انقلاباتٌ، وثارت تمرّدات هنا وهناك. والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ينتهك كلّ الأعراف، ويعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والسعودية لا تحّرك ساكناً، لكنها تستأسد على كندا: أية دبلوماسية سعودية هذه؟

لو تعلم السعودية المواقف الإنسانية التي تتبنّاها كندا إزاء العرب وغيرهم ممن فقدوا بوصلتهم في هذا العالم، وتركوا أوطانهم، فاستقبلتهم كندا على الرحب والسعة، لخجلت من فعلتها. لو تعلم السعودية حقوق الإنسان والحيوان والنبات في كندا، لسكتت، وتعلّمت من الاخرين كيف تكون معاملة الإنسان حقيقة وفعلاً. لو علمت أن مصالحها ومصالح أبنائها وبناتها الذين يدرسون في مدارس كندا وجامعاتها، بحيث يزيد عددهم على 15000 طالب وطالبة، هي أكبر من مصالح كندا في السعودية، لأجابت السعودية بأساليب عقلانية، لا بأسلوب الهراطقة. لو تعلم السعودية كيف يتم الحفاظ على المصالح، وكيف تحترم العلاقات بين الشعوب، لما أقدمت على فعلتها المفتعلة، خصوصاً أن حروباً اشتعلت بين بلدانٍ بقيت علاقاتها الدبلوماسية ثابتةً في أثناء الحرب.

من حقّ كندا، ومن حقّ أي بلدان مسالمة ومتحضرة، أن تبدي رأيها ونصيحتها لمن غاب عنده العقل والمنطق.. من حقّ أيّ عربي أن يقول كلمته الصريحة في أي موضوع يمسّ كرامة أي عربي أو غير عربي في أي مكان. شعوب عربية انتهكت أعرافها وتقاليدها ومزّقت أنسجتها وثقافاتها.. شعوب عربية سحقت مدنها، وفنيت مواردها، وديست كراماتها، والسعودية منشغلة عن أداء واجبها تجاهها. إذا لم تريدوا أن يتدّخل أحد في شؤونكم، فلا تتدخّلوا أبداً في شؤون الآخرين، وإذا أردتم أن يحترم العالم تقاليدكم وأعرافكم، فالمرجوّ أن يحترم السعوديون تقاليد الآخرين في بلدانهم، إذ ندرك ما الذي يفعلونه في ربوع أوروبا وأميركا الشمالية والشرق الأقصى، فضلاً عن بلداننا العربية، واعلموا كيف تعامل كندا العرب والمسلمين على أراضيها.. واعلموا أيضاً أن الآلاف من الحجيج تقصد بيت الله الحرام لأداء الحج والعمرة من كلّ أنحاء العالم.. أتمنى أن تعيد السعودية علاقاتها الكاملة مع كندا، بلا أية تشنجات سياسية، من أجل مصالحها المستقبلية ومصالح العرب والمسلمين.

مؤرخ  عراقي  كندي

نشرت  في  العربي الجديد  ، السبت  11  آب / اغسطس  2018  ، ويعاد نشرها على  موقع الدكتور سيّار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

شاهد أيضاً

في الردّ على الأخوة السائلين هل جاءت "عروس الثورات " فعلا بقطار امريكي ؟

عروس الثورات أود التوقف قليلا عند ملاحظات بعض القراء الكرام الذين اعترضوا على نص جاء …

2 تعليقان

  1. الناصر دريد

    دكتور سيار جميل هذه ربما اول مرة اقول لكم هذا ………. ( انا فخور بموقفكم )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *