الرئيسية / الرئيسية / الصامدون حتى النهاية قصة انقاذ بطولية لآل الجليلي في الموصل القديمة

الصامدون حتى النهاية قصة انقاذ بطولية لآل الجليلي في الموصل القديمة

 

استطعت خلال هذا اليوم ان اقف على حقائق مهمة وجديدة  لما يخص  انقاذ  بطولية  لآل الجليلي  الذين  كانوا محاصرين  في بيتهم  القديم  بشارع الفاروق في الموصل القديمة .. وهم  يتحدّون  كل الخطر  اسوة بكل  اهل الموصل  .. ولقد اعتمدت  على مصادر  وثيقة  جدا  عن  احداثيات ما جرى  ، منها التقرير  الذي  كتبه  الاخ  سعد زيدان الخزرجي  ورواية  عائلة  الاخ  الغالي  الاستاذ  محمد عبد الرحمن الجليلي  ، وقد تحدثت  مع عقيلته الفاضلة يوم امس  صباحا بالتلفون  ، وكذلك  عن مصادر  موثوقة  اخرى  لروايات  حكاها لي بعض الاصدقاء والاقرباء بألم شديد  ضمن ما حكوه لي من اهوال عاشها الناس  .. لقد مضت ثلاث سنوات صعبة  للغاية لم يكن باستطاعتي ان اذكر  اسم  اي كائن من كان في الموصل خوفا عليهم من  اجرام داعش ضده ، ولكن الصورة تبدلت الان  نهائيا ،  اتمنى  ان  يسجل  كل موصلي صمد صمودا بطوليا بوجه داعش حكايته المؤلمة  كي  تعرفها الاجيال .

هذه قصة  تحكي  المعاناة  البطولية  التي  عاشتها هذه العائلة  الكريمة  على  امتداد  شهور  تحرير الساحل الايمن ، وخصوصا  الاسابيع  والايام  الاخيرة  .. وهي قصة  تصّور  المأساة  الحقيقية  التي تعّرض لها  كلّ سكان  الساحل الايمن  ، وخصوصا  اولئك  الذين  طال بهم مطال التحرير  اياما وشهورا ، وهم يواجهون الموت مواجهة  حقيقية  .. وكم  اندثر من بشر  تحت  الاحجار  ، وكم انهارت سقوف  وجدران  ؟؟ وكم  مات من بشر  بتأثير الجوع والعطش ؟؟  وكم اعدم  من بشر  بتأثير  القناّصة  الدواعش  ؟؟ وكم  .. وكم  ؟؟  وسوف تبقى  الذاكرة  التاريخية للموصل  تحفظ للاجيال  قصصا  وحكايات لا يمكن ان يتخيلها  العالم  ، ولا يمكن ان تنساها الاجيال القادمة  ابدا .

ان آل الجليلي  الذين بقوا  في بيتهم  الكبير  يعانون الامرين  ، هم آخر  الناس   الذين  صمدوا  صمودا  بطوليا  ، كما  وصمد ايضا  صمودا بطوليا اولئك الذين ما زالوا يسكنون ايضا  في سوق  الشعارين  والميدان  والنبي جرجيس  والامام ابراهيم  والمكاوي  وحوش الخان  .. الخ وما زالت  هناك  مناطق عميقة  في المدينة القديمة لا يعرف مصير  سكانها  من القابضين على  الجمر  ،   اما اسواق  باب الطوب  وباب السراي وباب الجسر  وبعض  خانات وقيصريات  واسواق  قديمة كلها  قد   تمّ تلغيمها  وزرعت  فيها  عبوات ناسفة  ..

يقول التقرير  الذي كتبه الاخ الخزرجي :  لقد تمّ  على بركة الله اليوم وبجهود استثنائية انقاذ عائلة آل الجليلي  ، وهي  من عوائل الموصل العريقة التي كانت محاصرة في دارها بظروف صعبة للغاية  –  . وكان عدد  الافراد  الذين  تمّ انقاذهم  في اللحظات الاخيرة  ، اذ  كانوا  في اصعب  حالاتهم  قد  قدر   بثمانين  شخصا  ، في دارهم  القديمة  الكائنة  قرب جامع  عمر الاسود  .  ثمانون من البشر   ، منهم  17  انسان هم افراد  العائلة الجليلية  و 5 او 6 من اتباعهم  .. اما البقية  الباقية  فهم ناس من بعض  قراهم  ، كانوا قد  احتموا  بهم ، فابقوهم وآووهم  على  الرحب والسعة  في سراديبهم  ، وكانوا يطعمونهم  ويسقوهم  على امتداد  الاشهر   الماضية ، حتى  نفذ ما كان لديهم من غذاء منذ  يومين  بعد ان قننوا  الاكل  للجميع لوجبة واحدة  كل يوم منذ اكثر من شهر .

بعد تحرير جامع عمر الاسود يوم امس من قبل الفرقة السادسة ، والمتشكلة من قوات النخبة البطلة ، وصلت  عدة  نداءات  ان هذه العائلة  مع  من دخل  اليهم  من الناس  لم تزل باقية في سراديب الدار وبظروف امنية قاهرة  ومعاشية صعبة لا يمكن  تخيلها  ، وكانت القوات العسكرية  قد اجتازتهم  ، وعبرت القطعات من شارعهم  اذ  تعذر اخلائهم  لكثرة  العبوات  المزروعة   .

لقد تم الاتصال بالعائلة التي كانت قد فقدت الامل  بالحياة ، ولكن بشكل مباشر وبالسيد وضاح الجليلي  وكان محاصرا  ، وهو احد ابناء العائلة ، وقد  ابلغ ان ابواب الدار قد فخخها الدواعش وكذلك الممرات واحواش الدار : الحوش الاول  والحوش الثاني  والحوش الثالث  وامام ساكنيه مما جعل الجميع بوضع مخيف للغاية  غير  قادر  على  الحركة  ابدا  .

يواصل التقرير  كلامه :  هكذا ،  تم اتخاذ مايلزم مع قيادة قوات النخبة بادخال مفرزة معالجة متفجرات لتفكيك العبوات ، وتمّ التواصل مع المفرزة حتى فجر اليوم ، ولكن تعذر وصولها الى  بوابة  الدار  ، وهي بوابة  كبيرة جدا ،  بينما كانت الاتصالات طوال الليل مستمرة وكان وضع العائلة والناس الذين بمعيتها  مأساويا  للغاية ، اذ  نفذ كل شيئ عندهم  ، وكانوا في حالة  رعب  ، اذ  عاشوا في الايام الاخيرة تحت هاجس  تفجير  البيت كله  .

صباح هذا اليوم ، تمّ  الاتصال مع قيادة الشرطة الاتحادية ، فتمّ تشكيل فريق خاص  لمعالجة هذه الحالة  الصعبة  ، واتجه الى موقع الدار ، ولكن للمرة الثانية تعذر الوصول لان الوضع الامني كان رديئا جدا جدا ، وهنا فقدت العائلة الامل بالحياة خاصة ان فيها كبار السن ومرضى وجرحى من نسوة  ورجال ، وكانت الاتصالات مع الاخ وضاح توحي بفقدان الامل ، وكان المتحدث العسكري  معه يشحذ الهمم ويرفع المعنويات ويؤملهم  بالانقاذ   .

في تمام الساعة 1500 الثالثة ظهرا اليوم وبعد ان تمّ الاتصال بالنقيب قيصر الموسوي في عمليات الفرقة الخامسة اتحادية وشرح الوضع الانساني المتردي للعائلة ، انتخى هذا الرجل واتجه مع العقيد  سعد من الفرقة ذاتها الى موقع الدار وخلال عشر دقائق ، اتصل بنا يعلم قيادته انه خلف جامع عمر الاسود الان بالضبط .. ومرت دقائق صعبة جدا حاول النقيب خلالها التوجه الى باب الدار ليفاجأ بعبوة تحت قدميه قدر الله ان يكون سلكها ضعيفا ، فلم تنفجر  .ولو  قدّر وانفجرت  لانفجر  الدار كله بمن فيه  لا سمح الله

وأخيرا ، تم دخول الدار والوصول للعائلة ، ولكن كان المرور من بين العبوات المزروعة ومن خلال تسلق لاحد جدران الدار ، وتم تصوير الدار المفخخ ومكان العائلة المحاصرة  ، وارسل التصوير الى الفريق الركن رائد شاكر قائد الشرطة الاتحادية في مقره بالموصل ، وقد اصدر اوامره فورا بتحرك مفارز معالجة المتفجرات وقوة متكاملة وعجلات بأمرة م . اول عمار مرافق القائد . ووصلت القوة الى الدار الساعة 2000 الثامنة مساء وببطولة منقطعة النظير وبوقت قياسي وبجهد بالظلام الدامس ،  استطاعت القوة ان تفكك كافة العبوات والوصول الى عمق السراديب من خلال فتحة  الى الخارج  عند نهاية الدار الكبير  البالغة مساحته 5000 خمسة آلاف متر  ، وهو  يتكوّن من عدة  بيوتات في الداخل  منها ما لاحها القصف  بالهاونات  سابقا  ، وكانت حركتهم وانجازهم بتواصل مع القيادة لحظة بلحظة الى ان يسر الله الامر وتم تحرير العائلة .

في تمام الساعة 2300 الحادية عشر ليلا  ، حضر العديد من ابطال فرقة النخبة لتسهيل مهمة اخلاء العائلة ، وقد حمل كبار السن  على  الاكتاف  ، وخرجت  العائلة  مع كل  تابعيها  والذين  احتموا  بها  منذ شهور ، وقد اصبحوا  اشباحا بعد شهور من الصمود البطولي  ، وتم تقديم المياه والاغذية وتم اخلاؤهم الى سيطرة العقرب ، وتمّ ايصالهم الى الجانب الايسر .

سقط  على  هذا البيت  الكبير  اكثر  من 150 صاروخا  ( بي إم-21 غراد  وقذائف هاون )  وقد  تهدمت  اجزاء  واسعة  منه وبيوت داخلية  فيه  .. واحترقت  كل موجوداته  والسيارات المركونة في الحوش الامامي  ..  ودخلته عناصر  من داعش في الايام الاخيرة  واحكمت السيطرة  عليه ، وزرعته كله  بالالغام والمتفجرات والعبوات من اجل  قتل  كل المدنيين  المحصورين والعسكريين المحررين  ..  قبل ان تغادره  تلك العناصر  المتوحشة ..

هذه  قصة  واحدة  من الاف القصص الحقيقية  التي  عاشها اهل الموصل  في الساحل الايمن ، وخصوصا المدينة القديمة في الساحل الايمن  والتي سحقت سحقا  ، واصبحت  خرابا  يبابا  وفي  اقسى محنة تراجيدية مؤلمة عاشتها وعاشها  سكانها  في تاريخها الطويل  ، اذ  لم يسلم  فيها اي شارع ، او زقاق  ، او سوق  ، او بيت ،  او  كنيسة  ، او جامع او  سيارة  او  دكان   .. ان  الناس  بدأت  تحكي  معاناتها الان  بحرية  اثر  زوال داعش  ، واننا نسمع  وسوف  نسمع حكايا  تشيب  منها الرؤوس .. وكم  ذهب  من الناس  تحت الانقاض  ؟   وكم مات  هنا وهناك  من البشر  بتأثير  الجوع  والعطش ؟ وكم  رحل  من ناس  جراء  القتل المجاني  وكم مات من اطفال ؟  وكم  قضى من  الشيوخ والعجائز ؟    وسوف  لا ينسى التاريخ ابدا  بعض الابطال والفرسان من اصحاب النخوة  الذين  ضحوا  بحياتهم  ودمائهم من اجل انقاذ  بشر  ، او  تفكيك  عبوة ، او  مساعدة  اطفال  ، او  صدّ  مفخخة  ، او  معالجة قناص  ، او  تخليص  محاصرين  ..  لقد كان الثمن غاليا  جدا  ، بحيث  سحقت الموصل  القديمة سحقا  جراء  تحررها من قبضة  الوحوش  . وان التاريخ لن ينسى ابدا  من كان سببا في  هيمنة داعش  وكل الارهابيين  على  الموصل  .

اننا بالوقت الذي  نبارك  للاخوة والاخوات الاعزاء  من آل الجليلي  ومن معهم  خلاصهم وانقاذهم  في اللحظات الحرجة بحول الله  ، نقدم  الشكر  لكل من ساعدهم وانقذهم من براثن  داعش  وشروره   ..  ادعو الله مخلصا ان  يجنّب الموصل ام   الربيعين  واهلها  اي اذى  وان يفتح عليها  فتحا مبينا بعد  اليوم  ، وينصرها  على  اعدائها  .. ويعيدها الى  بهائها  وجمالها  .. ويعيد  كل  ناسها  اليها  لاعمارها  ويحفظها من كل  سوء   من اجل بدء  تاريخ جديد ، ولكن  ستبقى تحمل  لقب   المدينة  الصامدة  الى  الابد    ..

تورنتو – كندا  في 2 تموز / يوليو 2017

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

شاهد أيضاً

يسألونك  عن العراقيين : متى  يتعلّمون  من  الدروس الصعبة ؟؟

  متى  تتعلّمون  “الحكمة”  من أفواهِ  العقلاءِ ، لا من  خطايا المجانين   ؟ متى  تدركون  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *