الرئيسية / الرئيسية / بصدد الفيس بوك وثقافة شبكة التواصل الاجتماعي واخلاقيات العالم الافتراضي

بصدد الفيس بوك وثقافة شبكة التواصل الاجتماعي واخلاقيات العالم الافتراضي

ان شبكة التواصل الاجتماعي ( = الفيس بوك ) ، احدى الوسائل المتطورة اليوم التي لها ثقافتها الجديدة واصول العمل بها وقيمها واخلاقياتها ، كما هو معمول به في مجتمعات متقدمة علينا في علاقاتها الانسانية ، وعندما بدأ الفيس بوك في حياة مجتمعاتنا العربية ، كنا نجد من يريد تجاهله ، او من يريد الابتعاد عنه .. ولم يزل البعض لا يريد المشاركة فيه ، او ان آخرين يشاركون باسماء مزيفة اذ يتملكهم الخوف منه ، وهناك الالاف المؤلفة من يحجم عن نشر صورته مستخفا بهذه ” الظاهرة ” ، ولكن مع توالي الايام تزداد الاقترابات من هذا العالم الافتراضي الذي كنت اتأمل ان يكون وسيلة ناجعة للتقارب والتعارف والشراكة وتبادل الافكار والابداعات بدل ان يكون بؤرة للخلافات والخصومات وتراشق المشاتمات او ميدانا رحبا للتفاهات ورحابا لاستعراض المصورات . باختصار ، ان مجتمعاتنا حتى الان لم تدرك قيمة ما لديها من وسائل بالغة التطور كي توظفها توظيفا حقيقيا وواقعيا وخدميا وفكرياً وحتى سياسياً واجتماعياً وثقافياً .

ان شبكة الفيس بوك تجمع على صفحاتها الناس كأصدقاء لا كخصوم ، وأحبّة لا كأعداء ، وأصفياء لا كرقباء .. وحنى ان اختلفوا في الرأي والتفكير والاتجاه السياسي او الايديبولوجي او الديني ، فان الاختلاف لا يفسد للود قضية – كما قالوا – ، ولكن ظاهرة الفيس بوك بقدر وظائفها المتطوّرة كواحدة من أعظم منجزات العصر الممثلة بثورة المعلومات والاتصالات ابان القرن الحادي والعشرين ، فان هناك من يسئ استخدامها ، أو أنه يتخذّها ألعوبة يوظفّها حسب مزاجه وأهوائه ورغباته وعواطفه وتعصباته وسايكلوجياته بحيث أصبحت بعض الصفحات بيئات ضحلة تعشّش فيها الاوبئة والأمراض الاجتماعية وتنبعث منها سموم الكراهية والطائفية والتنابزات والتنافرات او السخافات والتفاهات والبلادة في التعبير ومجالا سهلا للمناكفات ، بل سبيلا عند البعض لاثارة النعرات وتوزيع الاتهامات وتشويه سمعة الاخرين وصولا الى مباركة الارهاب .. علماً بأنّ مجتمعات أخرى لديها قدر كاف من العقلانية اولا والاخلاقيات والقيم والمعاني النبيلة ثانيا في علاقاتها الحقيقية (والافتراضية جزءاً منها ) ، وهي تتواصل اجتماعياً وثقافياً وفكرياً وحتى اكاديمياً من خلال هذا الاكتشاف البارع الذي قرّب المسافات في العالم بين القارات ، ونشر الابداعات ، وخلق الافكار ، وجددّ الروابط الوثيقة ، ووطّد العلاقات الانسانية، وأحيا الصداقات القديمة ، وجعل الاخبار الاجتماعية والأسرية والشخصية تنتقل في العالم بسرعة البرق بين الناس ، ولم يكتف بالاصوات الافتراضية التباينية ، بل اصبح ” الفيس بوك ” مجالا حيويا وسريعا لتبادل الصور والمعلومات والفيديوهات .. كما أوضحت تفصيلات ذلك في كتابي ” العولمة والمستقبل : استراتيجية تفكير ! ” ( المنشور عام 1999) .
ولعل من أبرز الوظائف الرائعة التي تقدّمها هذه ” الشبكة ” ، أنها تكشف ببراعة ، وخصوصاً في ثقافتنا العربية عن سايكلوجيات الآخرين ونفسياتهم وأمزجتهم وأخلاقياتهم وحجوم شخصياتهم في التعامل الافتراضي ، ولكنه تعامل حقيقي كونه يجمع بين اثنين مهما كان بعدهما عن بعضهما الاخر ، او يجمع بين مجموعات ( او ما يطلق عليه اليوم كروبات ) حتى وان لم يلتق الناس بأجسامهم وهيئاتهم الجسدية ، ولكنهم يلتقون بصورهم وأشكالهم وأصواتهم ومقولاتهم وتعليقاتهم واحاديثهم ونفسياتهم ، فالكلّ يعبرّ عن رأيه ، والكلّ يقدّم ما لديه من أفكار ورؤى وتعليقات وطرائف وهواجس ، والكلّ يستأنس أو يفرح ، أو يغضب ، أو يحزن ، او يغتاظ .. وهذا يجامل او يمدح ، وذاك يخاتل أو يقدح ، وذاك يصمت ويتحسّر ، او يتجاهل ويغضّ الطرف ، وذاك يتعصّب ليسبّ ويشتم ، وذاك يراقب ويتجسّس في الخفاء .. وهذا يأخذ موقف معتدل ، وذاك ضيق الافق يسئ الظنون .. ولكن آخرون لهم حلمهم ومرونتهم وانفتاحهم ومحبتهم واتساع صدورهم ، أو سماحتهم وتقديرهم وقيمهم العليا بالرغم من اختلاف القناعات وتباين الأفكار .. وعليه، فهو ميدان استعراضي للسايكلوجيات المتنوعة .
أكتب هذا ” الكلام ” لأن صديقاً قديراً لي حدّثني انه قام بقبول طلب سيدة عراقية على صفحته أسوة بقبول غيرها من الأصدقاء على صفحته الشخصية ، كان منهم من يعرفهم ومنهم من لا يعرفهم ، ولكن ما دامت الشبكة ” افتراضية ” ، فان قبولهم قد جاء بالحاح منهم ، أو بأعجاب منقطع النظير من لدنهم ، وبنفس الوقت قد قبله أصدقاء على صفحاتهم عن طيب خاطر وفرح غامر واعتزاز كبير .. يقول : وقد سعدت تلك السيدة سعادة غامرة بقبولي لها ، وقامت بارسال التشكرات والمديح والمجاملات .. وبقيت فترة من الزمن على صفحته مشاركة ايجابية ، ولكنها فجأة انسحبت بلا أي استئذان ! يقول : هل هذا أسلوب مهذّب في الحياة حتى وان كانت افتراضية ؟ وهل أصبح الفيس بوك العوبة بأيدي الناس وأمزجتهم وظنونهم ؟ وعلى هذا الاساس ، فثمة أصدقاء حكوا لي بأن صفحته على الفيس بوك قد سببّت له صداعاً مريراً ومتاعب نفسية جمة ، فكان أن أغلقها ليريح نفسه من مشكلاتها !! في حين ان أغلبية الناس تجد في شبكة التواصل الاجتماعي المتعة والراحة وقضاء ساعات عدة معها في الليل والنهار !
ربما يتابع المرء الشبكة المتوفرة لديَه بقدر ما يسمح به وقته ، وربما لم يكن لديّه الوقت الكافي لأن يتابع كلّ شاردة وواردة ، ولكن ما يجعل البعض يتضايق حقاً أن شخوصاً يطلبون قبول صداقتهم من نسوة ورجال ، وهم يقدمون الشكر والتقدير والاعجاب منقطع النظير ويتحفون المقابل بمجاملاتهم .. وفجأة تجدهم وقد اختفوا وانسحبوا من دون أية اشارة أو علامة ولاذوا بالصمت وتجاهلوا ما أقدموا عليه .. وأعتقد أن ذلك دلالة واضحة على سوء استخدام مثل هذه ” الشبكة ” من الناحية القيمية والاخلاقية حتى وان كانت افتراضية ، بل وأن البعض يسئ الظنون بشكل واضح .. فان كان هو يتعبّد اليوم كله في محراب شبكة الفيس بوك ليل نهار ، فغيره لا يسمح له وقته بذلك حتى يوزّع عواطفه للجميع .
ان من يتمتع بالسمو والرفعة لم يقم بحذف أي شخص عن صفحته الا ان أساء الادب والتقدير ، وتجاوز الصحبة الافتراضية بتعليقاته السمجة بالضد ، ولكن من القيم الرفيعة ان لا يقوم المرء بحذف أي صديق أبداً مهما بلغ به الامر .. وعليه ، فثمة اقتراح على كلّ من يجد نفسه متكلفّاً وقلقاً وهو غير مرتاح على صفحة صديقه ولا تسعده أخبار صديقه وأنشطته وابداعاته .. أن ينسحب بهدوء من صفحة صديقه بعد أن يعلمه بالامر ليتيح المجال لغيره من الناس الذين يطلبون الصداقة ، وهم ينتظرون قبولهم منذ زمن بعيد .. وأخيراً ، أتمنى مخلصاً أن يدرك المرء أن لشبكة التواصل الاجتماعي قيمها وأخلاقياتها حتى وان بقيت أو سميت بالافتراضية كما تتعامل كل الشعوب الاخرى في العالم معها ..
سأبقى اعتز بكلّ الاصدقاء الاوفياء والمخلصين لي سواء كانوا من القدماء او الجدد ..

سيّار الجميل / لندن

شاهد أيضاً

نزار قباني والقطة السوداء في قصر الحمراء

  اكتب لكم هذا ” المقال ” وانا في الطائرة التي  عدت فيها عبر الاطلنطي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *