الرئيسية / الرئيسية / الاطوار الانتقالية لمركزية العراق القديم : تحولات العراق من الاحقاب القديمة الى العصور الوسطى الحلقة 4 : الصراع الفارسي الروماني على مملكات العراق العربية المسيحية

الاطوار الانتقالية لمركزية العراق القديم : تحولات العراق من الاحقاب القديمة الى العصور الوسطى الحلقة 4 : الصراع الفارسي الروماني على مملكات العراق العربية المسيحية

 مملكة عربايا في الحضر
لقد استطاع احد قواد الامبراطور واسمه سيفيروس عام 135 م ، من سحق تلك الثورة اليهودية على نحو مأساوي تراجيدي مريع. وبالرغم من قصر الوجود العسكري للجيوش الرومانية في العراق (114 – 117 م) ، فإن الرومان قد وجدوا في العراق بؤرا حضارية وتقاليد اجتماعية قديمة ومتطورة ، كما احترموا بأس المقاتلين العراقيين ودفاع سنطروق الاول (حكم تقريباً بين عامي (176 -192 ) للميلاد ) ملك الحضر العربي عن عرينه ! كما انبهروا بمخلفات بابل وآشور ، ناهيكم عن افتتانهم بالعمارة الشرقية العراقية التي كانت تمثلها الأقواس وحاولوا محاكاتها وتقليدها . فضلا عن تأثرهم بالحضارة الهلنستية التي كان قد تركها في العراق كل من الامبراطور الإسكندر المقدوني والملوك السلوقيين ، وكانت هي في الاساس مزيجا متلاقحا من حضارتي العراق القديمتين لبابل وآشور وحضارة الإغريق اليونانية . ولكن من هو الملك سنطروق الاول الذي حكم دولة عربايا إبان القرن الثاني للميلاد؟ انه ثاني ملوك مملكة الحضر العراقية الواقعة جنوب غربي الموصل , عُرف بفضل اكثر من عشرين نقشاً عثر عليها في آثار مدينة الحضر ، انه ابن الحاكم ناشرو ( حكم بين عامي 128-140 للميلاد ) وكان سنطروق الاول من اوائل حكام الحضر الذين اطلقوا على انفسهم لقب ملك مع احتفاظه بلقب “مري” اي الحاكم او السيد . وهي ذات الالقاب التي حملها اخوه ولجش او ڤلجش , ولا يعرف فيما اذا كان سنطروق واخوه ولجش قد تسلما الحكم في ذات الوقت وحملا هذه الالقاب ام ان سنطروق الاول خلف اخاه ولجش . وكان سنطروق الاول يلقب بملك العرب , وبعد وفاته خلفه ابنه الملك عبدسميا.
وفي عام 164 للميلاد ، عاد الهوس الروماني نحو العراق الذي حلم الرومان باستعادته ثانية إبان عهد لاكيوس Lucius Verus ( ويسمى بالقيصر CAESAR LVCIVS ) ( الذي حكم بين 161م – 196م) ، فقام كاسيوس بقيادة جيش كبير جدا ، سيطر به على العاصمة طيسفون ، حيث مقر الفرس الفرثيين ، فنجح الرومان في مهمتهم ، لكن انتشار وباء الطاعون وقلة الإمدادات وسقوط جيشهم قد حال دون تحقيقهم النصر الساحق على الفرثيين ، اذ تمكنوا بعد مرور سنتين فقط ان يعيدوا بسط سيطرتهم ونفوذهم على العراق ، فاسترجعوا العاصمة طيسفون وكان ذلك في العام 166 م. ولقد امتد حكم الفرس الفرثيين للعراق حتى العام 226 للميلاد بسقوط آخر ملوكهم ارطبان الخامس بيد الملك أردشير مؤسس الامبراطورية الفارسية الساسانية.

الساسانيون في العراق
لقد اتخذ خلفه الملك شابور الأول عام 241 م العاصمة الفرثية طيسفون عاصمة شتوية لدولته شاسعة الاطراف ، ويعتقد العديد من المؤرخين بأنه هو الذي بنى طاق كسرى ، ووسع نفوذه بقوة امبراطوريته الجديدة ، فاحتل مملكة الحضر العربية عام 270 للميلاد. إلا أنه مني بهزيمة ماحقة على يد الإمبراطور الروماني جاليريوس عام 298 للميلاد.
وفي عام 310 م، تولى الحكم الساساني من بعده الملك سابور ( وتلفظ شابور ايضا ) الثاني المشهور بـ ذي الأكتاف والذي دام حكمه قرابة سبعين سنة ، وهو الذي وصلت على عهده الدولة الساسانية الى اوج قوتها ، وكان قد انتصر خلالها على جيوش الإمبراطور الروماني قسطنطين في معركة شهيرة وقعت قرب بلدة سنجار العريقة غربي الموصل ، وامتد ليستولي على عدة قلاع وحصون رومانية ، كما توسع شرقا باتجاه آسيا الوسطى نحو الصين ، واشتهر باضطهاده للمجتمعات التي تقع تحت بطشه وكانت له نزعته الفارسية العميقة . ولقد عاصره الإمبراطور الروماني جوليان الذي كان يراقب تحركات سابور الثاني وانشغالاته في الشرق ، فكان ان امتد بجيوشه الرومانية الكبيرة مستوليا على مدن الفرات ونصيبين وامتد ليسيطر على بابل التي بقيت قبلة العالم القديم ، فاحتلها ثم طوّق طيسفون العاصمة الساسانية محاصرا اياها ، فلما سمع سابور الثاني بذلك ، عاد بسرعة ليلتقي كلاً من الجيشين الساساني والروماني في معركة فاصلة دارت رحاها قرب سلاسل جبال حمرين العراقية ، وكانت معركة قاسية بين الطرفين على العراق ، فحلّت الهزيمة بجيوش الرومان وسقط إمبراطورهم جوليان صريعا Didius Julianus ( الذي حكم لمدة شهرين من عام 193م) ، مما قاد الى تقهقرهم نحو بلاد الشام وأنطاكيا ، وقد ازداد سابور الثاني بعد هذا الانتصار الماحق امبراطورا اكثر قسوة وفتكا بكل من كان يناصر الرومان ، بل طبق سياسة شريرة لا تعرف الرحمة بالعراقيين المسيحيين مذ بسط هيمنته على كل اصقاع بلاد الرافدين وأرمينيا وكل الحصون والقلاع في الثغور الشمالية التي كانت على علاقة عضوية بمركز الموصل مثل آمد ونصيبين وذلك بحدود عام (360) للميلاد.
الممالك العربية المسيحية : المناذرة والغساسنة نموذجاً
استمر حكم الساسانيين لبلاد الرافدين حتى القرن الثالث الميلادي واستمر حتى الفتوحات العربية الاسلامية وتأسيس دولة الخلافة العربية في القرن السابع الميلادي . لقد عاش العراقيون القدماء ابان تلك المرحلة التاريخية حياة صعبة جدا ، وخصوصا ما كان تحت حكم الساسانيين ، وكان كسرى قد قسم إمبراطورتيه الى اربعة اقسام ، شمل القسم الغربي معظم العراق مقسما اياه الى ادارات تابعة لحكمه .. وعانى الناس من البطش طويلا .. وكان العراق ساحة حرب قاسية ومزمنة بين الاباطرة الساسانيين الفرس وبين القياصرة الرومان والبيزنطيين .. لقد كانت مملكة عربايا العربية في الحضر تحمي ثغور بادية الجزيرة الفراتية شمالا ، وكانت مملكة المناذرة العربية في الحيرة تحمى ثغور بادية العراق والشام جنوبا .. وكان النعمان بن المنذر احد ملوك لخم العرب القدماء الذين استوطنوا الحيرة منذ ازمان سحيقة ، وكانت هناك امارات عربية اخرى تنتشر في العراق وحكامها يسيطرون على الثغور الجغرافية بين الرومان والفرس الساسانيين ومنهم قبائل تغلب وبكر ووائل وتميم وزبيد واياد وقضاعة وشيبان وطي وربيعة..
عاش المناذرة العرب في الحيرة وتوابعها بالعراق ، وعاش الغساسنة في تدمر وبصرى ببلاد الشام ، وكلها مناطق عازلة ومستقرة اشتهرت بمدنيتها وحضارتها وقوة اسواقها التجارية ، واذا كان الغساسنة في سوريا قد خضعوا للرومان ، فان المناذرة في العراق خضعوا للساسانيين الذين قضى عليهم الشاهنشاه كسرى الثاني ابرويز مما جعل الحدود والتخوم مفتوحة امام الهجمات القادمة من جزيرة العرب . وتعد معركة ذي قار من اشهر المعارك الكبرى قبل الاسلام بين العرب والفرس وحدثت في سنة 609م وانتصر فيها العرب ، وقيل 604م ، وقيل 624م أي قبل البعثة المحمدية ب70- 90 سنة ! وفي كتاب المؤرخ جواد علي : المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ( الجزء الأول ص658) ، تفاصيل موسعة عن ذلك الحدث التاريخي الاستراتيجي المهم الذي كان بمثابة رد فعل قوية على السياسة الظالمة التي اتبعها الفرس ضد العراقيين في العراق .. ويقول عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري في كتابه المعارف عن ذي قار قوله: “يوم ذي قار كان سببه أن النعمان بن المنذر حين هرب من ( كسرى ) أبرويز استودع هانئ بن مسعود بن عامر الشيباني عياله ومئة درع، فبعث إليه أبرويز في الدروع وفي ابنيه فأبى أن يسلم ذلك فأغزاه جيشاً فاقتتلوا بذي قار فظفرت بنو شيبان، فكان أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم” !
بعد انحسار حكم مملكة تدمر العربية عن منطقة غرب الفرات التي بضمنها الحيرة بدأ جذيمة الأبرش جهوده ليحكم تلك المنطقة وكانت تدمر من ألدّ اعداء الفرس التي أذاقتهم الرعب وويلات الهزائم. وغدت الحيرة قاعدة ملك جذيمة وقد ضم الى حكمه كلاً من عانة وبقة وهيت والأنبار، وبعد جذيمة انتقل الحكم لعمرو بن عدي أول ملك من ملوك المناذرة الذي عاصر قيام الإمبراطورية الساسانية عندما هاجم ملك الفرس نرسي مملكة المناذرة وجعلها تابعة له لعدة عوامل منها الموقع الاستراتيجي الذي تمتعت به الحيرة حيث كانت تتحكم في مسالك القوافل ، اذ تمكّن الفرس ان يتحكموا بخطوط التجارة وتصريف بضائعهم بشكل غير مباشر, وجعل حكومة المناذرة من الدروع التي تحميهم من هجمات العرب أو الروم.
هكذا ، ففي الفترة التاريخية لأكثر من مئة سنة ، أي بين 224 وحتى 337م، نصّب الساسانيون ملكا عربيا من أسرة اللخميين يعود الى قبيلة تنوخ لينوب عنهم في إدارة العراق ، وفي سنة 602 م عين الساسانيون حاكما فارسيا استمر يحكم العراق حتى انهزم الفرس على أيدي المسلمين في معركة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص سنة 637م/ 14هـ، وسقطت المدائن بعد شهرين من معركة القادسية.

تحليل المواقف التاريخية
على العراقيين الاذكياء ان يكونوا بعيدي نظر في فهم استراتيجية بلدهم العراق ازاء اطماع الاخرين فيه ، ولم تكن الاديان والمذاهب الا عوامل تستغلها الدول في سياساتها لقهر الشعوب وفرض ارادتها على المجتمعات التي توالت على بلاد وادي الرافدين . ان تعامل الاخرين مع العراق مهما كان العصر الذي يمر فيه ، ومع العراقيين مهما كانت اديانهم واجناسهم باحتلالهم واستغلال بلادهم ، يمنحنا الثقة باهمية تلك المركزية التي تمتع بها العراق في العالم القديم .. ولا اعتقد ان جيوتاريخية العراق قد تغيرت حتى يومنا هذا .. اذ اننا نراقب عن كثب سلسلة التحديات التي عصفت بالعراقيين ، وكانت لمقاومتهم البارعة في الاستجابة لتلك التحديات لها سلاسلها من اجل بلاد عريقة جدا ، وبقدر ما تمتعت به من اعاجيب في الثقافة البشرية ومنجزات حضارية كبرى ، فقد مرّت بكوارث وحروب مدمرة خرج العراق منها مخربا مدمرّا في عصور متباينة .. ولقد كانت المقاومة والبطولات الوطنية اكبر بكثير من فرص العملاء والمرتزقة الذين سجل التاريخ مواقفهم بأحرف سوداء ..
دعونا نتوقف قليلا عند هذا الجانب الذي اضر بالعراق طويلا ذلك ان العراق عبر التاريخ يكتسحه الغزاة .. والغزاة لا يأتون الا وبمعيتهم مجاميع من العملاء والتابعين والمتعاونين وذلك ديدنهم منذ التواريخ الغابرة القديمة وحتى اليوم ، ولكنهم لا يصلون الى مرتبة الشراكة او الصداقة الا لمن يصّر على استقلالية حياة العراق السياسية اساسا .. لقد زحف الاخمينيون وجاءوا الى العراق ، وكان لهم من تابعيهم يهود العراق القدماء المتضررين منذ زمن السبي البابلي ، ولكنهم غدوا عراقيين بعد مئات السنين ..
وعندما جاء الاسكندر المقدوني كان له البعض من تابعيه العراقيين القدماء الذين كانوا قد تضرروا من حكم الفرس ، فغدوا اعداء لهم .. وعندما جاء السلوقيون على عربات الهيلينيين استقبلهم البعض من العراقيين للخلاص من الفرثيين ، ثم غزا الساسانيون العراق ، وكانوا قد نصبوا بعض العرب عملاء لهم .. ولما انسحق المسيحيون العراقيون القدماء على ايدي الساسانيين وبطشهم ، كانت ذي قار بين العرب والفرس في العراق ، وهي مواجهة تاريخية حقيقية بين العراقيين العرب والايرانيين الفرس .
وعليه ، عندما جاء المسلمون كان يرشدهم المسيحيون العراقيون من السريان العرب .. وهكذا ، عندما جاء العباسيون اتفقوا مع العلويين العراقيين في الكوفة تحت شعارهم ” آل البيت ” كونهم من سلالة واحدة ليكونوا ضد الامويين ، وبدأ الصراع بين العباسيين والعلويين على السلطة ، فكان العباسيون اقوى ، فغلبوا العلويين ، وبقي الصراع بين الطرفين قرابة 500 سنة ، وعندما اجتاح هولاكو المغول ايران والعراق وسحق بغداد عام 1258م ، وقف معه بعض العملاء في بغداد من اهل الكرخ .. وعندما جاء تيمورلنك التتري عام 1402 م ودمّر العراق ، اتفق معه طابور خامس آخر من العراقيين ، وبعد مائة سنة ، عندما غزا الشاه اسماعيل الصفوي العراق عام 1502م ، جاء بمعيته بعض اصحاب القلنسوات الحمراء من القزلباش العراقيين ..
وعندما وصل السلطان سليمان القانوني ودخل الحدود العراقية عام 1534م ، سلمه العراقيون مفاتيح بغداد قبل وصوله اليها .. وهكذا عندما حل الشاه عباس في العراق عام 1623م كان هناك جواسيس من اهل العراق يرشدونه ، وكان احدهم من اسرة عراقية معروفة ! وعندما غزا نادرشاه العراق لاكثر من مرة ، واشهر حملاته عام 1743 م ، تحالف معه بعض المستوطنين العراقيين .. وعندما احتل الانكليز العراق جاء على متن فرقاطاتهم وسفنهم جواسيس يرشدونهم من العراقيين لقاء ليرات عثمانية من الذهب .. وبعد اربعين سنة جاء البعثيون بقطار امريكي عام 1963 م – كما جاء ذلك على لسان احد قادتهم – .. وبعد اربعين سنة اخرى ، أي في عام 2003 م ، غزا الامريكان العراق ، جاء الاسلاميون من دعويين ومجلسيين وبقايا معارضين اضطهدهم حكم صدام حسين بمعيتهم ، وذلك على متن دبابات وطائرات وسيارات امريكية .. وهلم جرا

انتهت الحلقة 4 انتظروا الخامسة
ملاحظة : جميع توثيقات ومصادر هذه ” المباحث ” التاريخية مثبتة في الاصل ، ولم نستطع نشرها الآن لضيق المساحة..
نشرت في المدى ، بغداد ، العدد (3437) ، 23 آب / اغسطس 2015 .

شاهد أيضاً

جدلية التعايش التاريخي والافتراق السياسي بين العرب والكرد

الاصدقاء الاعزاء .. اقدم لكم اليوم مختصر محاضرتي في مؤتمر العرب والكرد ، وسينشر نص …