الرئيسية / الرئيسية / الاطوار الانتقالية لمركزية العالم القديم : تحولات العراق من الاحقاب القديمة الى العصور الوسطى الحلقة 1 : 600 سنة بين سقوط بابل وآشور وهيمنة الاغريق والفرس على العراق

الاطوار الانتقالية لمركزية العالم القديم : تحولات العراق من الاحقاب القديمة الى العصور الوسطى الحلقة 1 : 600 سنة بين سقوط بابل وآشور وهيمنة الاغريق والفرس على العراق

مقدمة
تأتي هذه ” الدراسة ” استجابة لطلب الدارسين والطلبة في تحليل الأطوار الانتقالية من التواريخ الكلاسيكية الى العصور الوسطى .. ومن بدايات المسيحية الى بدايات الإسلام ، سائلين : هناك حوالي ٥٠٠ سنة قد مسحت من كتب التاريخ ما بين ولادة المسيح والفتح الإسلامي ، كانت هناك إمارات وحضارات إنسانية وممالك في جنوب العراق ، فهل عرف العراقيون عنها شيئا ، وهل كتبت عنهم كتب التاريخ ؟ كتابة التاريخ هي أمانة وأنتم اهل لها ؟ ( انتهى السؤال ) وقد وعدتهم الإجابة عليه ، وها انا ذا انشر هذه ” الدراسة ليس عن خمس مئة او ست مئة سنة ، بل عن 1200 سنة من حياة العراقيين .. ست مئة سنة بين سقوط بابل وآشور وبين انتشار المسيحية ، وست مئة سنة اخرى بين انتشار المسيحية وانتشار الاسلام .. كما يأتي هذا ” الجواب ” مني ردّا على كل الحملات التي تهدف الى تشويه التاريخ ، من اجل اغراض مبيتة ، اذ ان اصحابها يحاولون جعل حياة العراق واحة استقرار وامن وسلام ، وهو لا يعرف الصراع والحرب والخراب إلا على ايدي العرب ، وان تاريخهم قد جر ّ على العراق الويلات !!
هنا ، ينبغي على كل العراقيين وبمعيتهم العرب المعاصرين اليوم ، ان يدركوا التواريخ القديمة او الاطوار الفاصلة والانتقالية من العصور القديمة الى العصور الوسطى ، كما عليهم ان يدركوا ويتفهموا تواريخ الامم الاخرى ، وخصوصا في تجاربها المأساوية لبلداننا في عصور خلت ، ليقفوا على حقائق ما جرى عبر التاريخ . ولقد اشتدت الحملة الشعواء اليوم على ” التاريخ العربي الاسلامي ” كونه جرّ علينا الويلات والنكبات وخصوصا ما يشيع اليوم لدى العراقيين ، من دون معرفة معمقة بالتواريخ الاخرى ، وما كان لها فيها من كوارث ومآس عانى منها العراقيون لأحقاب متعددة ، ومن دون فهم لطبيعة اية تواريخ في قياسها النسبي اذ لا توجد اية مطلقات في التاريخ ، فالأمور لا تقاس ضمن منظار هذه الايام ، والاحكام لا تطلق بطريقة مطلقة ، كما ان الاستنتاجات تستنبط لمعرفة حجم الايجابيات والسلبيات بعد درس العوامل والعلل التاريخية والمعلولات الجغرافية والبيئية والبشرية ، وتموج المجتمعات بتغير ثقافاتها وتنوع سايكلوجياتها من عصر الى آخر ..
سيجد القارئ الكريم جملة من التحليلات والاجوبة على تساؤلاته ، وخصوصا ما يتعلق بالعراق الذي عانى من عوامل الهيمنة ومن الصراعات الإقليمية والعالمية ، وما الاستنتاجات التي سنستخلصها من هذا الدرس الذي يعلمنا البحث في اعماقه .
ضرورة الوعي التاريخي
لابد ان اؤكد بأن حقبة عصرين كاملين من تاريخ العراق المنحصرة بين ولادة دينين سماويين هما المسيحية والاسلام مهمة جدا ، ولم تكن حقبة تاريخية غامضة ابدا ، بل لدينا معلومات واسعة عنها ، وهي التي دامت ست مئة سنة ، أي بين 1 ميلادية الى 599 ميلادية مع انبعاث الاسلام ووصوله العراق بعد قرابة 30 سنة أي بعد مرور جيل واحد فقط ، وذلك عام 11 للهجرة / 632-633م . ويؤكد اغلب المؤرخين الذين اشتغلوا على حياة العراق التاريخية في اطوار انتقاله من العصور القديمة الى العصور الوسطى ، أي في دراساتهم الاطوار الانتقالية تلك ، بأن العراق كان يعيش مخاضا صعبا ومعقدا جدا للغاية ، اذ دمرت حضاراته القديمة وقلت اعداد سكانه وكثرت فيضانات دجلة والفرات ، وكانت تهلك الزرع فيعيش المجتمع حالات قاسية .. وان آثار الحضارات العراقية القديمة ومنتجاتها التاريخية بقيت حية الى ازمنة طوال استفاد منها الآخرون الذين غزوا العراق وجعلوه مركزا لهم في تحركاتهم وامتداداتهم في العالم القديم .. وسنعرف ان العراق كان حلقة وصل بين الشرق الآسيوي وبين الغرب الأوروبي ، فكانت له تجاربه مع دول وانظمة ايرانية بدءا بالاخمينيين ومرورا بالفرثيين وانتهاء بالساسانيين وكل تلك الانظمة التاريخية السلالية كانت في صراع مع المقدونيين الاغريق والسلوقيين والرومان ومن ثم البيزنطيين قبل ان يأتي العرب والمسلمون .. اذ كان العراق ساحة صراع تاريخي دموي دفع ثمنه العراقيون بين اديان متنوعة هي الزرادشتية والمانوية واليهودية والمسيحية ( بشقيها الاريوسي والاثنوسيوسي ) وصولا الى الإسلام .

الأسبقيات التاريخية
علينا ان لا نقتصر على ست مئة سنة مرت على العراق بين ظهور المسيحية وبين ظهور الاسلام ، بل علينا ان نمتد الى ما سبقها ، أي الى ست مئة سنة سبقتها لنجد ان كلاً من البابليين والآشوريين القدماء قد رحلوا ، وكان كلاهما من اصول سامية وليست آرية حسب التصنيفات القديمة لعلماء الأنثروبولوجيا .. وفي القرن السادس (586 قبل الميلاد)، غزا نبوخذ نصر الثاني فلسطين ليهاجم يهودا (يهوذا)، وقد دمرت القدس واحترقت . كما تم تدمير معبد سليمان . ويبدو ان نبوخذنصر كان ولم يزل العدو اللدود لليهود منذ تلك اللحظة التاريخية حتى اليوم ، اذ وصف بأبشع الاوصاف مذ قام نبوخذ نصر الثاني بجلب حوالي 15000 من الأسرى اليهود ، واقتيد معظم السكان إلى منفاهم في بابل. وينسب نبوخذ نصر الثاني (604-562 قبل الميلاد) لبناء الجنائن المعلقة الأسطورية ببابل، وهي واحدة من عجائب الدنيا السبع في العالم. ولكن الدراسات الغربية الحديثة (التي وافق عليها اغلب المؤرخين في العالم ومنهم عراقيون ) اثبتت ان الجنائن المعلقة كانت في العاصمة الآشورية نينوى التي يصفها جوستن بيركنس بأنها كانت تقابل في العصور الكلاسيكية في مكانتها العاصمة لندن في العصر الحديث !
وفي عام 612 قبل الميلاد ضعفت الامبراطورية الآشورية وانهارت نينوى بتأثير الحروب الاهلية المريرة ، وخصوصا بعد وفاة الامبراطور العظيم آشور بانيبال ، وفي العام 620 قبل الميلاد تنهار سلطة البابليين ايضا ، وكان هناك الاعداء القدماء الذين بدأوا بالزحف على بلاد وادي الرافدين ومنهم الميديون والفرس واقوام متنوعة من السيمريين والاسكيثيين .. وهذا هو حال العراق عندما يكون قويا لا احد يقاومه فالبابليون والآشوريون امتدوا من العراق نحو اتجاهات بعيدة حتى مصر وايران والاناضول .. في حين يكثر الغزاة عليه في حال ضعفه .. فتاريخه سلاسل من التموجات التي تعلو وتدنو مع توالي العصور والاحقاب !
بحلول القرن السادس ق.م. تمكن الميديون من تأسيس امبراطورية واسعة امتدت زمانيا بين 678–550 ق.م واتسعت جغرافيا من اراضي أذربيجان إلى امداء آسيا الوسطى وأفغانستان. وكان الميديون قد اندمجوا مع الفرس . وهناك عدة قوميات تعتبر نفسها اليوم من بقايا الميديين وامتدادا لهم مثل الأكراد واللور والاصبهانيين والأذريين وغيرهم . وكان الميديون قد اعتنقوا الديانة الزرادشتية وتمكنوا في 612 ق.م . من تدمير نينوى العظيمة عاصمة الأشوريين وتخريب الحضارة العراقية .. وكان لذلك الحدث قد أوقع الهلع في قلوب البابليين الذين بادروا لعقد الصلح مع الميديين ، فقد قام الملك البابلي نبوخذ نصر بالزواج من ابنة امبراطور الميديين سيارخاريس Cyraxares ( حكم حوالي 40 سنة بين 634 to 594 B.C ) ولقد استمر نفوذ الميديين في المنطقة إلى أن تمرد الملك الفارسي كورش Cyrus the Great ( حكم 559- 530 ق.م. ) على الميديين وحقق انتصارا كبيرا عليهم سنة 553 ق.م
ولقد قضي على العادات والتقاليد العراقية القديمة يوما بعد آخر ، ومنها الاعياد ومنها عيد نوسرديل (عيد رش الماء) ، اذ كان الآشوريون يمارسون تقليده قبل دخول من تبقى منهم في المسيحية وخصوصا خلال احتفالاتهم بعيد (أكيتو) ، وهو رأس السنة الآشورية–البابلية الجديدة في شهر نيسان / ابريل .. وكان أول بدء لعيد الرشاش اثر ظهور البشارة المسيحية ايام التلاميذ والرسل ، فقد كان الرسل وتلامذة السيد المسيح قد بدأوا بتعميد الناس والامم بالماء وبأعداد هائلة بالطريقة الجمعية ، وكان تقليد رش الماء يمارس كثيرا عند ضفاف الأنهار والجداول حيث تجتمع الناس في مجاميع كبيرة ويبدأ الرش بالماء المبارك، ولقد استمر هذا ” التقليد ” حتى يومنا هذا، ليغدو عيدا قومياً ودينياً في وقت واحد ، اذ بقي يرمز الى تطهير النفوس من الخطيئة.

من صناعة التاريخ الى هيمنة الاخر
لم يقو سكان العراق بعد زوال إمبراطورياتهم الكبرى على مواجهة كل من الاخمينيين والسلوقيين الذين زحفوا من ايران نحو بابل ، وكان بمعيتهم جملة هائلة من المحتلين والغزاة من عدة اقوام سيطرت على بلاد ما بين النهرين ، وخصوصا بعد وفاة الملك نابونيدوس ملك الدولة الآشورية وباني بابل، كما لم يقو العراق على مواجهة عمليات الامبراطور الفارسي كورش الكبير عام 539 ق. م. ، وتحركات الاسكندر المقدوني عام 331 ق.م. ، الذي صفىى حساباته الاغريقية مع الامبراطور الايراني داريوس في معركة اربيلا ( اربيل ) الشهيرة ، وتوفي الاسكندر هناك عام 323 ق.م. وهو في عز شبابه ، ودفن في العراق ، وكانت بابل قد غدت جزءا من الإمبراطورية الأخمينية، ثم غزاها الاسكندر وبقيت تحت حكم الاغريق اليوناني ، ومن ثم تحت حكم السلالة السلوقية قرابة قرنين من الزمان. وكانت بابل قد بقيت عاصمة ، فبعد ان اسس السلوقيون مراكزهم المهمة على امتداد نهر دجلة، صارت بابل عاصمة الإمبراطورية السلوقية الجديدة ، ولكن تبدلت حياتها وبدأ التوحش يسودها ، وبدأت حضارتها في الاندثار يوما بعد آخر .

نشرت في جريدة المدى ، بغداد ، الاحد 16 آب / اغسطس 2015 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
انتظروا الحلقة الثانية

شاهد أيضاً

هل تعود الموصل إلى الحياة.. كما هيروشيما؟

خرجت الموصل، مدينةً وشعباً، من تحت بطش “داعش” بأثمانٍ غاليةٍ جداً، بعد أن قامت أربع …