الرئيسية / الرئيسية / التشاكل التاريخي في العراق القطيعة التاريخية / الثلاثية العراقية / رؤية تاريخ موازي

التشاكل التاريخي في العراق القطيعة التاريخية / الثلاثية العراقية / رؤية تاريخ موازي

(1) القطيعـــة التاريخيـــة: ضـرورة مستقبليــة
معنى التشاكل التاريخي
التشاكل التاريخي مصطلح يستخدم في تواريخ الارض وعصورها الجيولوجية ، وهو يعني ان الازمان لا تتغير بسرعة مهما يصيب الطبقات في الارض من عفن او تقادم او صلاح ! ويحظى اغلب الامم بتواريخ وطنية / قومية مهما بلغت درجتها من التنوع والتعدد والالوان بالتماثل homogeneity مما يكسبها قيمة في المجال التواصلي بين الاجيال . فمن دون ذلك لن يتحقق التواصل على النحو الأمثل. وربما نجد تواريخ اخرى لأمم اخرى لها تعقيداتها كونها تفتقد الاتساق consistency ، ولكنها تبقى موحدة ضمن اهداف متقدمة وجديدة ، بل وان مجتمعاتها منتظمة التفكير مهما بلغت فيها عوارض التواصل ” وهي في الحقيقة عوامل تشويش” مختلفة تحول دون إيصال المحتويات إلى المتلقين مع تواصل الاجيال .
ولهذا ينبغي على العراقيين ان يكونوا في الوسط دوما في قراءة تاريخهم كله ، وان يعتمد المواطن على كمية إضافية من المعلومات ويتربى على اقصى ما يمكن من الحيادية كي لا يبدل الرموز التاريخية ويجعلها بمثابة آلهة مقدسة يتعبد في محاربها ، تؤجج عواطفه ومشاعره وتشغله عن حياته ، بل وتعمي بصيرته عن مصيره ومستقبله .. وعليه ، فالانتظام في التفكير بحيث يفرق المرء بين ما مضى وما هو حي يضمن وجوده كإنسان معاصر في مجتمع حديث يؤمن بالتفكير النسبي لا التفكير المطلق ، وان المطلقات عادة تمزق حالة الانتظام , constancy وتجعله يعيش هوس الماضي ويجعل من نفسه حكما يفصل في قضايا خطيرة مضى عليها مئات السنين .. فيصطدم مع غيره من ابناء وطنه ، فيتشكل اكثر من تاريخ واحد في وطن واحد ، كل طرف يفسره حسب اهوائه ، فهذا يسحبه ليجعل منه صفحات لامعة يتفاخر بها وبرموزها واسمائها وكل عناصرها ، وذاك يحسبه صفحات سوداء يدينها ويجعل من رموزها مجموعة من المجرمين القتلة ، بل ويضع نفسه خصما لكل التاريخ وصناعه !
وهذا ما أسميه بـ ” التشاكل التاريخي ” historical dichotomy) (historical disharmony) or ( وهذا التشاكل الذي استفحل اليوم في العراق جراء تطبيق سياسات مؤدلجة رعناء منذ اكثر من نصف قرن ، قد عبثت بالوعي الوطني تحت مسميات شتى ، ومزقت نسيج الحياة الاجتماعية ، واضرت جدا بفاعلية التواصل بين الاجيال زمانيا وبين ابناء المجتمع مكانيا . واليوم في ظل نظام الحكم المهترئ الحالي ، يلجأ كل من هو مهووس بالماضي العقيم وترسباته وبقاياه المتعفنة الى استخدام ابشع الوسائل لبث الكراهية والبغضاء ضد كل من يخالفه من اجل تعزيز ما يؤمن به او ما يعلنه من مانشيتات واعلانات ونصوص وآيات ، وبالرغم من كونه يجهل تاريخه جهلا مطبقا ، وانه يردد ما يسمعه عبر وسائل الاعلام ، او يقال له من قبل ابناء طيفه، او ما يردده الملالي الجهلة لهذا الطرف او ذاك ، فهؤلاء جميعا مجرد ادوات تشويش وعناصر تجتمع فيها كل الادران وليس عندها الا النفاق والكذب والدجل وهي تعيق فهم محتويات المجتمع ومتطلباته في الحاضر .
وعليه ، فان هناك من يعتبر ” التشاكل ” مفهوما ملطفا” للدلالة على تواتر المقولات الدلالية المتواترة والساذجة والمشوهة التي تجعل القراءة الموحدة للنص التاريخي غير ممكنة ، وكل ما يدور من كلام غير علمي ، انما يأتي لاغراض مؤدلجة سياسيا او دينية عقدية او مذهبية طائفية للتنكيل بوحدة المجتمع والوقوف بوجه نموه وتطوره وحداثته ، هنا يغدو التشاكل التاريخي عقبة كأداء امام التقدم كونه اداة لتمزيق ليس المجتمع وحده ، بل الامة كلها .. وان العراق اليوم يعد اصعب بلاد تعاني من التشاكل التاريخي المعقد ، فمثلا يعد العراق مركزا حيويا باستقطاب بغداد للخلافة العباسية التي دامت دولتها اكثر من خمسة قرون 750- 1258 م وعاشت اكثر من عصر تاريخي ، وغدا العراق مركزا للعالم الاسلامي من اقاصي المغرب الى اعماق المشرق .. وكان للعرب المسلمين دورهم الحضاري في تاريخ البشرية إبان العصور الوسطى ، وان مؤسسها الاول كان حفيدا للعباس بن عبد المطلب عم الرسول الذي تسمّت الدولة باسمه .. لم تعترف الشيعة الامامية بهذا ” الحكم ” معتبرة اياه مغتصبا للسلطة من أتباع الامام علي ، وهي لم تعترف بالخلافة الاموية من قبله والتي دامت بحدود 92 سنة ، بل ولم تعترف بكل من الخلفاء الراشدين ابو بكر وعمر وعثمان ..
ان التشاكل العراقي يكمن هنا اساسا بين طرفي السنة والشيعة ذلك ان الطرف الاول من السنّة يعتبر ما حدث في التاريخ قضيّة سياسية وتاريخية اسوة ببقية القضايا الاخرى التي توالدت عنها نزاعات وصراعات وحروب .. في حين يعتبرها الشيعة الجعفرية الاثنا عشرية قضية شرعية ومقدّسة ، وان الحكم كله مغتصب من اصحابه الشرعيين ، بالرغم من ادعاء العباسيين انفسهم انهم من آل البيت كونهم من سلالة العباس عم الرسول ، ولكن الحجج الشيعية تقول بأن الشرعية منحصرة ببيت الإمام علي بن ابي طالب فقط ! واعتقد السنّة ان الخلاف لم يكن شرعيا ، ذلك ان التلاقي الاجتماعي لا السياسي كان ثابتا ، فالإمام علي اعتبر واحدا من العشرة المبشرة بالجنة .. وان الزيجات كانت موجودة بين الطرفين بحيث نجد – مثلا – ان الامام محمد الباقر كان متزوجا بأم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وهي التي انجبت منه الامام جعفر الصادق . وهناك عشرات الامثلة التاريخية تؤكد ان التلاقي كان موجودا ، ولكن كلما كان الزمن يتقّدم الى الامام ، نجد ان الشقة تتوسع بين الطرفين ، ويحل الافتراق محل التلاقي ..
المجتمعات الواعية والمتقدمة خالية من التشاكلات التاريخية
إن المجتمعات المتقدمة لا تشاكل تاريخي فيها ، كونها قد مارست القطيعة التاريخية بينها وبين الماضي ، فلا اجندة مفروضة من قبل سدنة التاريخ ومقدسات الماضي على الذهنية الحديثة ، فلا يهمها ان تصفي حساب طرف على طرف آخر بعد مئات السنين ! ولا يهمها ان تأخذ بالثأر لمقتل قديس او امام او خليفة من احفاد قتلته ! ولا يمكنها ان تصارع نفسها من اجل مشكلات سياسية او فكرية حصلت قبل الف سنة ! ولا يمكنها ان تخلط سياسات الحكام والزعماء مع توجهات خصومهم .. انها تعزل اللاهوت عن السياسات .. انها تعتني بقضايا الاديان بعيدا عن تاريخ الحروب الدينية او المذهبية .. لقد تشكلت قطيعتها التاريخية مع تضاعيف القرن الثامن عشر وثورة عصر الانوار وتحطيم هيمنة رجال الدين على الحياة بعد سحق الباستيل وفسح المجال للحرية وتقييد الفكر الذي كان يهيمن على الاذهان ..
ولعل اهم ما اصاب التغيير في التطلع الى الحداثة الرؤية الموحدة للانسان والمجتمع بعيدا عن انقساماته التاريخية وحروبه الدينية وصراعاته المذهبية .. وتركوا التاريخ لمن يعمل عليه من مؤرخين ومختصين ودارسين ونقاد وعلماء .. تركوا لهؤلاء دراسة التاريخ والتعامل مع تواريخ الامم والزعماء والعلماء والمقارنة بين الاديان والوعي بالتجارب .. لم يتدخل العامة في الشؤون التاريخية .. ولم تشغل النخب بالها وافكارها بالقضايا الماضوية .. ولم تشتعل مجتمعات اليوم باستخدام مشكلات قديمة منذ العصور الوسطى واتخاذها ذريعة لتمزيق المجتمع ! ولم ينحدر زعيم دولة او رئيس وزراء اي امة ليتكلم باسم مذهب ضد مذهب ، فيساهم في احراق بلاده ! سيسجل التاريخ في المستقبل صورة تراجيدية مأساوية وكئيبة عن هذه المرحلة التي يمر فيها العراق ، والذي يشهد اليوم اخطر مهزلة عرفها في تاريخه وما سيترتب عليها من آثار وتداعيات بحق الاجيال .
العراق ومكانته في التاريخ البشري
ان لكل امة من الامم تاريخها الذي تحترمه وتعتز به مهما تضمن في بعض ثناياه من حسنات وسيئات ، او كم عاش في جوانبه من حماة وطغاة ، او ما تمتع به من انتصارات وانكسارات .. ولكنه يعد في النتيجة : حصيلة تجارب حيّة تعيش في ذاكرة الشعب لكي يستفيد منها ، وكل شعب يعتز بآبائه وأجداده ، او حتى بأزمنة شهدت حالات من الترقي والتطور الحضاري .. وان لكل عصر تاريخه وعناصره واحداثه وشخوصه .. ولم اجد انكليزيا ولا ألمانيا ولا فرنسيا او سويسريا او إسبانيا او غيرهم جميعا لا يعتز بتاريخ امته ، بل يعتني بقلاع اجداده في العصور الوسطى وحياتهم وآثارهم وقصور اباطرتهم وملوكهم وقياصرتهم .. ويشكل كل عصر من العصور بنية تاريخية له تتباين عما سبقها من عصور وتختلف عما يتلوها من ازمان ، فلا يمكن ان يبقى التاريخ على ما هو عليه ، بل انه يتجدّد دوما ، ويتقدم على ما سواه جراء ما يتراكم فيه من متغيرات لم يكن السابقون قد عاشوها او وعوا بها ابدا .
كان العراقيون يهتمون بتواريخ متنوعة عاشها العراق اهتماما كبيرا ، وكانوا يعتزون بهذا ” التاريخ ” اعتزازا كبيرا ، ولكنهم باتوا اليوم ويا للأسف الشديد لا يقيمون اي اعتبار لتاريخ وطنهم ، بل ويتجاوز البعض عليه تجاوزات فظّة ومنكرة ، ويسيء اليه والى عناصره والى رجاله والى صفحاته واحداثه اساءات كبرى .. بل وبلغ الامر الى حد الشتام والسباب علنا ومن دون اي وازع اخلاقي او ادبي يراعي فيه القيم الحضارية والاجتماعية بعيدا عن السياسة والتاريخ السياسي .. ومن جانب آخر ، كثرت الاساءات البالغة والتشويهات المتعمدة مع التزويرات .. او النقولات التي تبالغ في تحريف المعلومات وصبغ الحقائق بصبغات كاذبة شائنة .. ان تاريخ العراق هو ملك لكل العراقيين ، ولا يمكن ان يتم نخره وتشويهه وتزويره والاساءة اليه بمثل ما يجري عليه الحال هذه الايام ، وخصوصا في وسائل الاتصالات الحديثة . ان التشاكل التاريخي واحد من اهم العوائق التي تقف وراء اي عراقي مضطرب التفكير ضعيف المواطنة محدود الافق كي يستهجن تاريخه .. ويستقبحه علنا ، علما بأنه يدري او لا يدري بأنه سليل وطن يكتنز بتاريخ ثقيل جدا وغني جدا ، فالعراق له مكانته العليا في تاريخ البشرية .
ان الضرورة باتت ماسة الى توظيف مبدأ ” القطيعة التاريخية ” من اجل فهم التاريخ فهما معمقا ، لا الايمان به ايمانا اعمى .. والقطيعة انك تقطع صلتك بالماضي وتبقى حياديا في معالجتك التاريخية كجزء من مهام فهم التاريخ الوطني .. وان تتعامل مع كل التاريخ برؤية واحدة ، شريطة ان تكون مجردة من كل ادران الحاضر وسياساته ومؤدلجاته واجنداته العقيمة .

نشرت الحلقة الاولى في جريدة المدى ، 25 حزيران / يونيو 2015 .

(2) خلفاء وفقهـاء وخلعـــاء
الثلاثية العراقية
إن الإنسان لا يمكنه أن يتخيّل أمة من الأمم تتصارع على ماضيها مثلما نعيشه اليوم في حياتنا ، خصوصا في العراق ، وهو أشرس حالة تمتع بها التشاكل التاريخي فيه كونه أخطر بؤرة تاريخية منذ القدم .. وإن المجتمع العراقي اليوم منقسم إلى ثلاثة أقسام ، كل قسم يؤمن إيماناً راسخاً بما خلّفه له تاريخ بعيد يمتدّ لأزمنة تعود في هويتها إلى العصور الوسطى ، بل وإن المجتمع اليوم يصارع بعضه الآخر من أجل ما يؤمن به كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة : قسم يؤمن بالخلفاء ، وقسم يؤمن بالفقهاء ، وقسم من الخلعاء يؤمن بأن الاثنين السابقين من البلهاء !
إن المشكلة ليست دينية أو عقدية بقدر ما هي مذهبية وتاريخية ، فربما يخالفني الآخرون في قولي ان كل الاديان والمذاهب والطوائف والفرق هي منتجات تاريخية ، فمن يعيش في خضمها يعيش تشاكل التاريخ ، ومن له قطيعة تاريخية مع الماضي ، فهو يعيش الحاضر بشكل سويّ ويفهم الماضي ويحترمه ويتعلم منه كونه قد انقطع عنه ! إن أي استخدام او توظيف للتاريخ بمثل هذا التشاكل سيخلق انقساما في المجتمع الواحد .. وقد غدت المشكلة اليوم في العراق “طائفية بامتياز ” أي استخدام اجندة تاريخية ليس للشحن الطائفي كما اسميناه قبل سنوات ، وانما للاستئصال الطائفي بين من يؤمن بالخلفاء والامراء ضد من يؤمن بالائمة والفقهاء . ويعتقد كل من الطرفين ان هؤلاء جميعا لهم قدسيتهم وبراءتهم وملائكيتهم وانهم ليسوا بشرا عاديين ، علما بأن القرآن وصف الرسول وصفا طبيعيا ، فما هو إلا بشر ، أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم!
ولعلّ اقرب الناس الى حقيقة الحياة هم الخلعاء الذين لا يهمهم ابدا لا السلاطين والخلفاء ولا الائمة والفقهاء ! ولا يهمهم إن كان هناك قديسون ابرار او ملائكة اطهار ، فهم يؤمنون بأن الانسان أي انسان يخطئ ويصيب ، وان الحياة بالنسبة للجميع هي نسبية وليست مطلقة ، كي يغدو هذا وليا وفقيها وإماما معصوما ، وذاك خليفة وأميرا للمؤمنين ، والآخر ملاكا فوق مستوى البشر ! ولقد وصل الامر عند الشيعة لجعل الائمة من المعصومين ووصل الامر عند السنة لجعل بعض الصحابة مبشرين بالجنة !
إن العراق بوضعه الحالي يدركه من له فهم عميق لتاريخه الحضاري والسياسي ، وكنت اتمنى ان يكون ذلك لبنة اساسية في بناء تاريخ وطني موحد والذي تشكّل ليس من خلال الانكليز المستعمرين او الاتراك العثمانيين ، بل هو تاريخ مجتمع متنوع ومتعايش منذ مئات السنين وقد صادف تحديات قوية لا ترحم ، ونجح في الاستجابة لها كما تبلور عن صراع مستويات اجتماعية متلازمة في السراء والضراء .. وكان طوال التاريخ في حالة مدّ وجزر من الناحية الجغرافية ، وفي حالة طرد وجذب من الناحية السكانية ، فالأطياف فيه منها ما يزدحم طورا ومنها ما يتقلص طورا .. او آخر يضمحل وينتهي كاليهود مثلا ! وكل ذلك بتأثير عوامل خارجية تؤلبها عوامل داخلية باستفحال التشاكل التاريخي في المجتمع .
ضرورة القطيعة التاريخية للعراقيين بين التشاكل والتواصل
إن تاريخ العراق لم يبتدئ بفتوحات عربية إسلامية ، فلقد كان تاريخا ثريا بتعاقب الإمبراطوريات القديمة وعلى ارض العراق ولدت ونشأت الحضارات المتنوعة الاولى وتوالت المجتمعات في تشكيلاتها الاولى وآدابها واساطيرها وملاحمها الاولى .. إبان العصور القديمة . ثم برز العراق إبان العصور الوسطى مركزا حيويا في العالم وازدهرت تجاراته ومراكزه ومدنه وثقافاته وعلومه وآدابه وفنونه بالرغم من الخلاف على الزعماء والخلفاء وسياساتهم الداخلية واساليب معالجاتهم للمشكلات السياسية والفكرية التي واجهتهم ، ولكن غدا العراق عصر ذاك مركز حضارة عربية حقيقية استفاد العالم منها .. ثم مر العراقيون بتواريخ من التحديات والغزوات والاحتلالات والصراعات حتى ولادة التاريخ الوطني الذي زخر بالحركات الوطنية والافكار والثقافات والنخب والاحزاب السياسية إبان القرن العشرين ..
والقطيعة مصطلح فلسفي استخدم لدى البعض من العلماء المعاصرين في القرن العشرين ، وهو يعني فهم الشيئ والوعي به من دون تمثله او تقديسه .. والقطيعة التاريخية اقصد بها ان لا نبقى اسرى تاريخ مضى بكل ما حفل به سياسيا من تناقضات وحروب وانشقاقات وفرق واحزاب .. بل فهم ذلك والاعتناء به من اجل بناء مستقبل مشرق .. وهذا ما اكدّت عليه في فهم التاريخ السياسي ،هنا ينبغي ان اوضح وازيد بأن مفهوم القطيعة التاريخية لا يعني اننا نجتث انفسنا عن ماضينا ونقطع ذاكرتنا التاريخية عن جذورنا ، بل تعني في الحقيقة فهمنا بتاريخنا والوعي بتجاربه ومحاولة خلاصنا من المشكلات العالقة حتى اليوم .. وخصوصا في تواريخنا الفكرية والسياسية ، بعيدا عن تاريخنا الحضاري والثقافي الذي لا يمكننا ابدا الانسلاخ عنه ، بل التواصل معه لا التشاكل فيه !
لقد بدأ العراق دولة اعتُرف بكيانها السياسي عام 1921 برضى العراقيين جميعا ، وتطورت يوما بعد يوم مؤسساتها ، وحكمتها طبقات سياسية على عهود مختلفة سواء في العهد الملكي ام العهد الجمهوري ام العهد البعثي ،وقد انتهت الدولة عام 2003 بالاحتلال الامريكي وتنصيب طبقة سياسية جديدة للحكم اختلفت سياساتها عن سياسات الطبقات الحاكمة التي سبقتها في القرن العشرين ، اذ تباينت اجندتها عن الاجندة الراحلة . ومنذ العام 2003 وحتى اليوم والعراقيون يشهدون تشاكلا تاريخيا مفضوحا بين ألوان الطيف الاجتماعي ضد رموز واماكن ومعابد تاريخية متنوعة ، فكم من النصب والتماثيل سحقت ، وكم من دور العبادة والجوامع فجّرت ، وكم من اللوائح والآثار سرقت ، وكم من المتاحف والمعارض دمرت ، وكم من المعالم الحضارية غيرت ، وكم من المكتبات والارشيفات احترقت ، وكم من الاسماء تبدّلت ؟؟؟ ومن خلال معاينتنا لما جرى ولم يزل يجري حتى الآن وسيبقى الحال على ما هو عليه ، فان كلا من السّنة والشيعة معا يتشاكلان تاريخيا في هذا ، ليس بسبب افضلية عقيدة كل طرف على الآخر ، بل بسبب صراع كل من الطرفين على احتكار السلطة .
ضرورة الإدراك المتبادل
إن العراق لا يمكن ان يحتكره طرف على حساب اطراف اخرى ، وان العراقيين بحاجة ماسة الى ادراك متبادل بينهم وبين اطيافهم لتقدير كل طيف رموز الطيف الآخر .. واذا كانت هناك تسميات تاريخية لرموز عراقية قد اطلقت على شوارع وأحياء ومدن ومحافظات ومعسكرات وافواج ومعارك وصواريخ وجسور ومدارس ومطارات وحدائق .. الخ فان الناس في العراق على امتداد عشرات السنين الماضية قد ترسخت في وجدانها تلك الاسماء المقترنة بأماكنها ، ولم يكن هناك اي اعتراض عليها منذ اكثر من ثمانين سنة ، كما لم تعترض عليها لا المراجع الدينية ولا القوى السياسية ولا زعماء المجتمع ، ولم يسجل اي موقف سخط او اعتراض منذ سبعين سنة على تلك ” التسميات ” . فلماذا يتم الاعتراض اليوم بشكل مثير للنقمة والإثارة والشحن الطائفي وكأن الأمر جديد ووليد منذ ايام في الحياة العراقية ؟ هل اكتشف العراقيون اليوم فقط ان اصحاب بعض الاسماء التاريخية هم من القتلة والمجرمين ؟ علما بأن مثل هذه الدعوات التي تطلق اليوم من قبل البعض لا تمثل ابدا رأي ملايين العراقيين الذين يعتبرونها جزءا من الشحن الطائفي للتنكيل بالمجتمع وسحقه وتوسيع الشقة بين ابنائه اليوم . ولا اعتقد ان مثقفا عراقيا حقيقيا ينزل بمستواه كي يتشاكل طائفيا مع عراقي آخر ، ذلك ان هموم المثقف الحقيقي معاصرة لا تمت بصلة الى مشكلات سياسية حدثت قبل اكثر من الف سنة ! ولا افهم كيف يتساوق فهم مثقف حقيقي مع ضحالة رجل دين ويتعصب مثله ويدعو معه لدعوة طائفية ماكرة !
إن امثال هؤلاء الذين يريدون تمزيق العراق يخلطون الامور ، بإثارتهم هكذا قضايا معقدة في التاريخ الذي حوى خزينا هائلا من التناقضات ، وهو التاريخ الذي اختلطت فيه السياسات والثورات بالعقائد والطقوس والافكار والنصوص .. هم لا يعرفون من التاريخ إلا المتداول الشعبوي ، ولكنهم بعيدون عن تفاصيله وجزئياته ، إنهم يضيعون في متاهاته ان دخلوا فيها ، ولكنهم يتخذون مواقفهم الصعبة والساخنة وهم واقفون عند الهوامش والحواشي والضفاف الضحلة .. ان ما يحركهم سايكلوجياتهم لا عقولهم ، بل انهم بوازع او اكثر من عواطفهم يخلطون بين قضايا التاريخ المعقدة بالعقائد والطقوس .. انهم يعيشون القرن الحادي والعشرين ، لكنهم يقتاتون على الافكار البدائية البالية التي انتجتها العصور الوسطى .. وهناك من يدرك الحقيقة ، لكنه يخفيها إما خوفا ، او تلبية لمشاعر جمعية ، او ارتباطه بحنين عاطفي وسايكلوجي بمن رددها على مسامعه ، او انه يخشى على مصالحه الشخصية .. انه يخفي ويبطن عواطفه تبعا للظرف الذي يعيشه او البيئة التي يقطن فيها .. انه يخفي الحقيقة ويعتقد بأن من يخالفه الرأي والاعتقاد كافر او ناشز او ظالم .. او انه يجد بأن مصلحته تقضي بخلق ” هوية جديدة ” له لتميزه عن الآخرين وهم ابناء وطن واحد .. ان مجرد خلق هوية متفوقة سايكلوجيا وعقائديا على المواطنة تكفي لزرع الفتنة وبث روح الحقد والكراهية في المجتمع ..
الهويّة الوطنية تأكل الهويّات الأخرى
إن الضرورة تقوده لإيجاد أسانيد لأي هوية يتخذها له لمزاحمة الهوية الوطنية ، فيبدأ يؤشكل التاريخ ويجعل كل عفن التاريخ والماضويات البالية مجموعة اساطير ورموزا ، بل يتخذها ضرورات مقدسة له ، ويجعلها ملتصقة به وكأنه يعيش مأساة حدثت قبل الف سنة ، او يحيا لكي ينتقم من اناس قتلة لا وجود لهم في الواقع .. بل يعتقد اعتقادا راسخا ان الثارات تؤخذ لاحقا ! بل وان صراعات الماضي السياسي يجعلها صراع المجرمين ضد المقدّسين ، بل ويعتقد اعتقادا راسخا انها صراعات الشياطين مع الملائكة .. انه يخرج عن واقع تاريخ كان يتصارع من اجل السلطة والنفوذ خلفاء وفقهاء .. ان مجرد الانتقال بالمجتمعات الحديثة الى هذا النوع من التشاكل التاريخي سيخلق مجتمعا مفككا لا وحدة وطنية فيه ، وانه سيثير الاطراف الاخرى لتجديد صراعات لا معنى لها ابدا ، بل وإشعال حروب تأكل الاخضر واليابس .. ان ما يعيشه العراق اليوم من تشاكل تاريخي بليد هو واحد من نتائج عملية سياسية بليدة زرعت الثارات والمحاصصات في حياة المجتمع ، وبقدر ما اشاعوا عن التنوع والتعددية في مجتمع اليوم ، إلا انهم في الحقيقة نفوا الاساليب الحديثة بتبلور مجتمع حر .. لقد خلقت سياسات اتبعت لأكثر من عشر سنوات في العراق بنفي مجتمع متمدن متنوع ذكي ، اذ جعلت تلك السياسات احتكار طبقة معينة للسلطة واحتكار طائفة معينة للسلطة ، واحتكار طرف واحد للتاريخ بخلق التشاكل فيه ..

نشرت الحلقة الثانية في جريدة المدى ، 27 حزيران / يونيو 2015 .

(3) من أجل رؤية تاريخيّة موازية
خصوصية تاريخ العراق العام
قلت في مقالة سابقة قديمة نشرتها 2008 وعنوانها :” إشكالية – التاريخ – في الثقافة العراقية ” (الحوار المتمدن-العدد: 2295 – 2008 / 5 / 28): ” لكن للتاريخ طعم خاص لدى العراقيين .. وله مناخات لا حصر لها من أنواع متعددة وفضاءات متنوعة .. صحيح أنه مضطرب ومنقسم ومزدحم التناقضات في ذاكرتهم ، إلا أنه يحتل كل تفكيرهم ، فمنهم من يثلمه ، ومنهم من يقصيه ، ومنهم من يعيش بعض تناقضاته ليل نهار وبعض من يتملكه ويحتكره لنفسه ضد غيره .. بل إن رواسب التاريخ وبقاياه هي الأقوى في المجتمع العراقي مقارنة بغيره من المجتمعات ! ” ..
إن الدعوة الى ان يكون تاريخ العراق موحدا ومتفقا عليه في مثل هذه الايام ، عملية صعبة بل وأجزم انها مستحيلة ، ولكن ينبغي ان تكون مهمة اساسية ولكل مؤرخ له وطنيته وغيرته على مصير بلده من الانقسام والتشرذم .. والمأساة ان البعض من العراقيين لا يؤمن بوجود العراق اصلا ، ولا يعترف بحدوده الجغرافية ، فكيف به يؤمن بتاريخه الوطني المحدد .. كما ان هناك اليوم من لا يؤمن ايضا بوحدة المجتمع العراقي ، ويعتقد ان العراقيين مجموعات متناثرة من اصول متباعدة ، وهو مجتمع ” لملوم ” لا توحده اية عوامل او غايات ، فكيف يؤمن امثال هؤلاء بتاريخ وطني للعراق ، علما بأن العديد من المؤرخين والمستشرقين غير العراقيين وصفوا العراق بـ “صاحب اثقل تاريخ في الدنيا ” ، كونه قد شحن بالاحداث الكبرى ، وكان مركزا لحضارات متوالية وثقافات متنوعة واديان عدة ، كما كان منبعا للأساطير والملاحم لدى البشرية.. وكان معبرا لاقتصاديات الدنيا ، وتجسدت فيه زعامات قوية مذهلة كان لها تأثيرها على تاريخ العالم .. اضافة الى ان العراقيين كانوا على امتداد التاريخ من اذكى الاقوام البشرية وقد ابدعوا في مختلف العلوم والآداب والفنون .. ولكنهم باتوا اليوم على غير ما كان آباؤهم واجدادهم ، وقد نخرتهم عوامل داخلية وخارجية ، فأمسوا وقد افتقدوا هويتهم الوطنية جراء ما اتبع من سياسات خاطئة على امتداد خمسين سنة مضت منها ذهبت باتجاه اقصى الشوفينية واليوم باتت في اقصى الشعوبية ، وكان يلازم هذه او تلك اسوأ انواع التعصّب والتطرف والتفرقة والكراهية مما احيا العصبيات الطائفية والمحليات الجهوية والعشائرية .. ولم اجد من خلال دراستي المتواضعة لتاريخ العراق ان مرّ المجتمع العراقي بحالات قاسية ضد نفسه كما يعيشها اليوم .. وكلما يمتد الزمن مع وجود مثل هذه العوامل التي انضجتها طبقة سياسية حاكمة مهترئة ، كما زاد امر العراق سوءا !
هكذا بلاد سميت ببلاد وادي الرافدين او بلاد ما بين النهرين كانت اليوم بحاجة الى ان تخرج للعالم بأجندة متحضرة متمدنة تعتز بتواريخ العراق وتثمن رموز تاريخ العراق .. وانها تدافع عن كل العراق وتاريخ كل العراقيين لا ان يتشاكل التاريخ العراقي سياسيا بأيدي فرقاء او خصماء ، وتنتقل العداوة السياسية الرعناء والكراهية الطائفية المقيتة الى جعل التاريخ حقلا للمقايضة والتسقيط والتأليه والتجريم ، وكأن العراقيين اليوم هم من المسؤولين عن تواريخ مضت منذ مئات السنين ! وكأن الحاضر مسؤول عما قضى به السلاطين والخلفاء او صرح به الائمة والفقهاء ..
العراق : جيوتاريخية مركّبة
كما هي جغرافية العراق الطبيعية والبشرية مركبة ، كذلك هو تاريخه القديم والوسيط والحديث له مركباته الصعبة . إن التاريخ في العراق ليس بتاريخ واحد موحد ، بل يتركب من عدة تواريخ مضاد بعضها للآخر ، ولا يمكن البتة ان يُعتمد اي تاريخ وطني لكل العراقيين ان بقوا منقسمين ليس على واقعهم ومصيرهم ، ولكنهم منقسمون حتى على تحديد إطار تاريخهم المتشعب والمتصارع والمشرذم سياسيا .. ان العراقيين في ما مضى من السنين كانوا منجذبين الى تاريخهم الوطني او العربي كونهم تربوا على أطر تربية مدنية ووطنية وحضرية بعيدا عن كل الادران الماضوية .. وكانوا يعتبرون انفسهم خلفية لتأطير الأحداث التاريخية التي يعتزون بها وبرموزها بعيدا عن التشاكل وخلق الاضداد وبالتالي خلق النزعات الكريهة في اوصال المجتمع .. وكانت المناهج الدراسية في درس التاريخ خصوصا تشدد على درس تاريخ العراق القديم وحضاراته الاولى ، ثم الانتقال الى درس التاريخ العربي الاسلامي والوقوف عند الادوار التاريخية المجيدة للعراق ومكانته القوية في العصور الوسطى ، وتعزيز ثقة الاجيال الجديدة بالايجابيات الحضارية دون المثالب والسلبيات السياسية والقضايا المذهبية .. كي لا تعمل على تعزيز احتمال وقوعها.
ومما يدل على ذلك أن المؤرخ العراقي لا يثقل الروايات بالأحداث التاريخية ولا يجانب الصواب فيها ولا ينحرف عن موضوعيته ، ولم يذكر التواريخ الحساسة إلا باحتراس فهو حريص على تغليب الموضوع على الذات ، والواقع اليوم على اخيلة الماضي وحشوه بالأساطير والاكاذيب والعواطف والتفاهات ، وعيا منه بأن كتابة التاريخ لا ترتبط بدين ولا بمذهب ولا طائفة ولا بأخيلة ولا بعواطف ولا بجماعة مقدسة .. انه يؤرخ لمرحلة معينة في الحاضر وان ما يتطلبه الحاضر من ضرورات هي اكبر بكثير من اجندات الماضي . وهذا هو الفرق بين ما يقوله المؤرخ الحصيف وما يردده السياسي التافه او الشخص العادي الذي ما تمنحه هامشا من الحرية ليقول ما عنده في شؤون معينة من الأحداث التاريخية ، إلا وانبرى ينكّل بها بكل عواطفه كي يصفي حساباته مع من يتخيل او يعتقد انهم خصومه .. في حين يعمل المؤرخ الحيادي على إعادة تمثيلها دون أن يجرؤ على قلب الحقائق وتمويهها.
التشاكل التاريخي : حالة تضاد للوحدة الوطنية الحديثة
السؤال الآن : ان التشاكل التاريخي في العراق لا يقف عند طرف دون الطرف الآخر ، فلا يمكن لأي طرف ان يدعو الى حكم شرعي / ديني دون ان يسمح للطرف الآخر ان يقيم حكمه الشرعي / الديني ايضا ، فكيف يقام في العراق اي حكم شرعي / ديني بوجود هذا التشاكل الخطير بين طائفتين ؟ وعليه ، لا يمكن ان يعمل اي حزب او منظمة او تحالف على اسس دينية او مذهبية او طائفية .. كي يشرعن الصواب لنفسه من دون ان يسمح لغيره من حزب او منظمة او تحالف يقوم على اسس دينية ايضا ! وسواء كان النظام جمهوريا او ملكيا او اميريا او رئاسيا او برلمانيا ( او حتى قبليا او عشائريا ) .. فلا يمكن ان تعمل فيه اية قوى دينية تؤمن بأشياء وتطبق اشياء اخرى .. لا يمكن لأي حياة ديمقراطية ان تنجح في نظام تتعرّى فيه التناقضات كونها ” ديمقراطية كاذبة ، ان ضمت عناصرها حركات واحزاباً دينية كون هذه الحركات والاحزاب في عملية سياسية كسيحة لا تؤمن ايمانا حقيقيا بالديمقراطية التي لها ركائزها واسسها ونظمها في الحياة السياسية الحديثة ، وهي لا تعمل باستقامة ولا حتى ببدائية ان كان الوعي بها معدوما او شبه معدوم اولا ، وان كانت الحياة العامة قد انعدمت منها الحريات كاملة ، والحريات انواع تبدأ بالحريات الشخصية ثم الجمعية ثم الرأي وحرية الفكر وانتهاء بالحريات السياسية والحريات العامة . فكم ستمنح الحكومات الدينية من حريات الى المجتمع ؟ فهل فكّر البعض ممن يصفقون للاحزاب الدينية كيف يمكن بناء دولة حديثة مع تفاقم التناقضات العقيمة التي يذكيها التشاكل التاريخي وتعقيداته القديمة ؟
ولما كانت الحياة السياسية الحديثة لا تقوم إلا على اسس ديمقراطية او ليبرالية او اشتراكية ، فان كل من يفرض اجندة عقدية او دينية او مذهبية او طائفية لا يمكن له ان يعمل اليوم في ظل حياة مدنية لا تشاكل تاريخي لديها مع الماضي البعيد .. ان الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية المعاصرة المتقدمة اليوم في العالم ، لا تقيم وزنا للماضي كي يكون اساسا للحكم في هذا العصر ، او ان يكون حكما بين الحاضر والمستقبل ! وهي نقطة جوهرية لقوم يعلمون ويعقلون لا لقوم يناورون وينافقون ويكذبون على ربهم وعلى انفسهم وعلى الاخرين .. ( وكم شرحنا وحللنا ذلك قبل سنوات سواء في مقالاتنا او في حواراتنا ، واخص بالذكر جادة حوار بيني وبين الصديق المفكر الدكتور كاظم حبيب حول موضوع الديمقراطية ) .. ان الدولة مهما كانت طبيعتها او طبيعة نظامها السياسي ، لا يمكنها ان تكون اداة طيعة بأيدي اعضاء اي حزب حاكم ، او طغمة متسلطة ، او فئة حاكمة ، او طبقة مسيطرة ، او قبيلة متنفذة ، او عائلة مستبدة ..الخ فكيف اذا تسلطت فئة متعصبة متورمة وهي تسيطر على المجتمع بأكمله باسم دين او باسم طائفة او باسم مذهب او باسم ميليشيا ؟ وهذا ما امكن توقعه منذ زمان مضى .. وستكون نتائجه وتداعياته التاريخية خطرة جدا على مستقبل العراق والمنطقة اجمعها !
والخلاصة : غياب المسؤولية وغيبوبة المؤرخين والمفكرين المحدثين
إن العراق سيبقى يعاني طويلا من أشلاء دولة فاشلة ليس باستطاعة طبقة سياسية جاهلة يقودها نفر ضال من المسؤولين المتعصبين والمنافقين وعديمي المعرفة والاخلاق الذين يشكلون اليوم طبقة حاكمة تحكم على اسس طائفية ، وهي طبقة توازي في التعصب والجهالة الطبقة السياسية التي حكمت العراق سابقا ، ولكن هذه ” الطبقة الجديدة ” لم تقتصر على جعل الدولة صاحبة مؤسسات فاشلة وعقيمة ، إلا انها سمحت للمجتمع لأن يتفسخ لسماحها بالصراع بين اطيافه وبث الكراهية والاحقاد واتباع سياسات التهميش ضد العراقيين ، وانها التزمت بما أسمي بالمحاصصة اسما ، واعتمدت على أسوأ العناصر في القيادة وصنع القرار .. ولم تمتلك تلك العناصر ادنى درجة من الوطنية ، فضلا عن تعامل المسؤولين مع شعبهم من ابراج عاجية ، فهم معزولون عن كل الشعب لا كرها له فقط ، بل خوفا منه ايضا .. ان العزف المؤلم على اوتار الطائفية البائسة قد خلق ردود فعل ساخنة جدا في كل المجتمع العراقي . بحيث شمل الاستخفاف ليس بالوطن والارض والجغرافية ، بل إقحام التاريخ ومعضلاته في قلب الازمات السياسية اليوم كي يصفق هذا على حساب البطش بذاك !
إن التشاكل التاريخي الذي يمر بالعراق سياسة ومجتمعا منذ اكثر من 12 سنة سوف ينتج المزيد من الادران والامراض التي ستبقى مزمنة ومتوطنة في العراق لأزمنة قادمة .. والمشكلة الحقيقية ان لا احد باستطاعته ان يفصح عن طبيعة المرض الذي يسري عند كل العراقيين ، وخلا الجو من الحكماء الذين باستطاعتهم ان يقولوا : كفى عبثا بالمصير .. وكفى ترديدا للكراهية ، وإحياء للمعضلات القديمة .. وخلا الواقع من مؤرخين عراقيين باستطاعتهم لجم افواه من يريد سحق التاريخ الوطني وحرق رموز تاريخية متوازنة بين الجميع ، وخلق حالات من التشرذم .. وكل هذا وذاك من اجل خلق شحن طائفي كريه ، للوصول الى تصفية حسابات تاريخية لا تنتج إلا الويل والثبور وعظائم الامور على حساب مستقبلنا ومصيرنا . فليس امام العراقيين ، الا القطيعة التاريخية مع تشاكل الماضويات السياسية لبناء تاريخ حضاري معاصر حقيقي من خلال رؤية تاريخية موازية ومعرفة حقيقية واعية . فهل وصلت رسالتي الى كل العراقيين ؟
انتهت
نشرت الحلقة الثالثة في جريدة المدى ، العدد (3397) بتاريخ 28 حزيران / يونيو 2015 .

شاهد أيضاً

منظومة بشعة تأكل العراق

ليس ثمّة ما يماثل ثقافة الفساد التي تعمّ العراق في أي مكان من هذا الوجود …