الرئيسية / الرئيسية / بغداد .. سيدّة البلاد مدينة السلام طورا ومدينة للدم اطوارا اخرى ! 3 حلقات

بغداد .. سيدّة البلاد مدينة السلام طورا ومدينة للدم اطوارا اخرى ! 3 حلقات

الحلقة 1 : سيرة مدينة عجيبة
إنّ ما يؤلم حقّاً أن أجد بغداد يتنازع أهلها في ما بينهم نزاعاً طائفياً مقيتاً وقد تحوّلت إلى بيئة موشّحة بالسواد ولا تجد فيها إلا الدماء تقطر في نواحيها ، والموت يرسم جوانبها ، والاشباح المقيتة تتلاعب في ملاعبها .. وما يزيدك ألماً أن تقرأ أساطيرها وجمالياتها عبر التاريخ ، وقد سطّرها كاتب أجنبي لا علاقة له لا بالعروبة ولا بالإسلام ، ولا بالعراق ولا ببغداد نفسها ، وهو يصف تحوّلات حضارة مدينة السلام من اقصى ذروتها الى منحدرها العميق ، أي من زهو حضارة منفتحة إلى ظلمات عصر منغلق يجري فيه الدم .. وأقرأ في الوقت نفسه ، لكاتب عراقي يصف تاريخ العراق بتاريخ المجرمين العبّاسيين !! فلم أستغرب ، ذلك لأنّ المسألة ليست بسيطة في تشويه تاريخ معين او كراهيته من دون سبب ، بل لأن هناك بعض العراقيين ينازعون تاريخ العراق ولا يعترفون بقوته وعظمته لعوامل طائفية أو دينية واضحة ، فما زالوا يؤمنون بالثارات والقبلية والكراهية والانقسامات جراء شعورهم المكبوت بالظلم والأسى .. وأيّا منهم لا يؤمن بوجود تاريخ وطني عراقي موحّد له قيمته الثرة في التاريخ البشري ، فهو يلغي من قاموسه كلّ منجزات حضارة العراق إبّان العصور العربية كونه يختلف دينياً وسياسياً وطائفياً معها بالكامل ! وخصوصا مع بغداد المدينة التي سماها ياقوت ” سيّدة البلاد ” في كتابه معجم البلدان .
بقي كتاب الصحفي والمؤرخ البريطاني جوستن ماروزي Justin Marozzi الموسوم : Baghdad: City of Peace, City of Blood. أمام مكتبي طويلا ، بعد ان اقتنيته قبل أشهر ، وكان قد نشر عام 2014 وصاحبه رحالة ومؤرخ وصحفي في الصنداي تلغراف .. وبدأت أقرأ كتابه هذا بشغف منقطع النظير ، وهو كتاب موسوعي جديد في تاريخ بغداد باللغة الإنكليزية وقد زوّده بالمصورات النادرة .. وكثيرا ما أجد العراقيين يسمون بغداد بـ ” دار السلام ” خطأ ، في حين ان الصواب كما ترجمها ماروزي بشكل صحيح عندما وصفها بـ “مدينة السلام”، وهو توصيفها الحقيقي كما سماها مؤسسها العظيم أبو جعفر المنصور ، ولكن بالقدر الذي طمح الرجل ان تكون مدينة سلام بقدر ما غدت مدينة دم احمر ! فالسياسة والسلطة ذبحتا بغداد الحضارة والثقافة على امتداد التاريخ !
ولدت مدينة السلام بعد ان برد حمام الدم، والتأمت جراح الناس اثر القضاء الدموي المبرم في معركة الزاب الفاصلة قرب الموصل على الامويين الذين حكموا 93 سنة بعد اتخاذهم دمشق عاصمة للخلافة التي توسعت على عهودهم لتصل الشرق بأقصى الغرب عصرذاك.. وكان موقف العلويين ( تاريخيا : انصار الامام علي ولم يقصد بهم العلويين النصيرية الذين لم يكن لهم ولا الفرق الباطنية الاخرى أي وجود وقت ذاك ) يزداد نقمة ضدهم مع توالي الايام ، ولما تحالف كل العلويين مع العباسيين على عهد الخليفة الاموي مروان بن محمد وهو آخر خليفة اموي كثرت على عهده الاضطرابات والفتن ، ونجحت الثورة العباسية ضد الامويين الذين ابيدوا عن بكرة ابيهم ، اذ قتلوا جميعا مع كل اولادهم ونسائهم بعد مصرع الخليفة . قام العباسيون بإقصاء العلويين ، فنشب صراع سياسي مزمن بين الطرفين على السلطة ، وترسخ الانقسام السياسي يوما بعد يوم بين السنة والشيعة ليأخذ له جملة ابعاد كبرى لصراع تاريخي طويل الامد .
ولما جاء الخليفة العباسي الثاني ابو جعفر المنصور الى السلطة العليا وكان حاكما للموصل قبل ذلك ، عمل على نقل العاصمة من الكوفة الى عاصمة جديدة سميت ” بغداد ” وهي تقع على نهر دجلة. وكان الموقع خياراً استقر عليها وحيه لمدينة مدوّرة ، لها مواصفات نادرة نظرا لما تمتعت به من ستراتيجية جغرافية وعبقرية مكان ، فهي تتميّز بجدارتها الجيو ستراتيجية كونها منظومة ستغدو محطة كوزموبولتيانية تتصل برا ونهرا على امتداد بلاد ما بين النهرين، بطول الطريق “السلطاني” إلى الأسواق المتنوعة باقترابها من الموصل والاناضول على طريق الحرير، وصلتها بالبحر المتوسط والمحيط الهندي عبر الخليج العربي ، وتحتضنها الصحارى من الغرب وطوروس من الشمال وزاكروس من الشرق.
وبقدر ما كانت افضل عاصمة في الدنيا إبان العصور الوسطى حضارة وثقافة ، اذ برز فيها العدد الكبير من العلماء والشعراء والفقهاء والقضاة والنقباء والادباء والتقاة والمتصوفة والاطباء والفلاسفة والبلدانيين والطلبة والعشاق والرواة والوراقين والمحدثين والمؤرخين والنقاد والمطربين .. غدت في تواريخ تعيسة من اسوأ مدن الدنيا لكثرة ما عاش فيها من الغلاة والطغاة والمرتزقة والشقاة والمجانين والخلعاء والغزاة والمتطفلين والطارئين والمتهتكين والمهاجرين والداعرين والشعوبيين والبدائيين لتكون علامة تاريخية للسلام والدم معا ، وهو تلميح ذكي للمفارقة التاريخية لثنائية خطيرة تموت وتحيا حتى يومنا هذا ، وكان الناس فيها يتبدلون بغير الناس من متعايشين مسالمين طورا الى اعداء دمويين في اطوار آخرى ، ومن مستنيرين ورومانسيين يعشقون الارض والاساطير والشعر ويحبون الآخرين الى مشعوذين ومعممّين وكارهين ومرضى نفسيين يكرهون انفسهم ويحقدون على غيرهم .. ومن اناس صفاة طاهرين كماء نهر دجلة الى اناس ملتوين كالتواءاته الافعوانية عند بغداد نفسها ..
لنشهد بغداد اليوم وهي مدينة محطمة ومنقسمة ومنكوبة عنوانها الدم والكراهية والموانع المثيرة للاشمئزاز ، وقد غدت اسوأ معقل للكراهية والأحقاد .. تجد ازمانها متلونة زاهية او حمراء دموية قانية ، فمن زمن تعيشه كغانية يعشقها اهلها ، ويكتبون الشعر عنها ويسكرون بخمرها عند ضفافها ويغنون ويرقصون لها وتعيش شوارعها في ازهى حللها ، وكل شارع فيها له نكهته خلال اليوم الواحد ، فشارعا الرشيد والنهر وفروعهما تطغى حيويتهما في النهار .. وشارع السعدون يضج بحيويته وجمالياته واضويته مع اللوكسات في المساء .. في حين يسهر ابو نؤاس في اعماق الليل حيث ضفاف دجلة فتجد انوار القمر تنعكس على لجج موجاته ، وتصدح الميانات والمقامات ، ثم تتهادى ألحان الاغنيات عبر اثيره .. الخ ليذهب الزمن الجميل ويهجم الزمن الكئيب الذي تعيشه بغداد اليوم وهي حزينة ملتاعة وكئيبة .. يكرهها اهلها الجدد الذين لا يدركون قيمتها ، ونحن لا نعرف من اين اتوا ليتعاملوا معها كعجوز شمطاء تصاحبها اللعنة اذ قدموا اليها من مناطق بشعة ، وهم يريدون اغتصابها وسحقها وغسلها كل يوم بالدم البشري .. لقد تغير اهلها بغير الناس وغدا اهلها الجدد يصارعون انفسهم وهم يرجعون اسباب الصراع الى مئات السنين منذ عصور خلت !
ان هذا الكتاب الرائع الذي كتبه ماروزي ، يحدثنا فيه عن بغداد التي كانت دوما منارة علم وادب وسلام ، ولكنها اليوم تعيش استلابا تاريخيا قاسيا من قبل اناس مرضى بالصرع التاريخي وهوس الماضي والامراض النفسية القاتلة للوعي الجمعي . لعل مشكلة اهل العراق الاساسية هي مشكلة تاريخية سايكلوجية صعبة ، فهم يعيشون حياتهم عبر سلاسل من منوال الاجيال واذهانهم مغلقة عن كل العالم ، ولم يفكروا إلا في تاريخ محدد مضى وانتهى قبل اكثر من الف سنة ، بل ولن يشغل بالهم سياسيا إلا استلاب السلطة من اجل الانتقام التاريخي .. في حين تجاوزت الشعوب الاخرى في هذا العالم مثل هذه المشكلة النفسية منذ مئات السنين . ولم يبق لديهم من ذاكرة العصور الوسطى إلا المتاحف والمكتبات والتماثيل والرموز التاريخية والاساطير القديمة ..
لقد سعى المؤلف ماروزي لإحياء سيرة مدينة عجيبة ، لم يكتشفها صدفة كما هو حال عواصم الدنيا ، بل عرفها منذ قرأ في طفولته عن احلام الف ليلة وليلة .. فكان ان عمد من خلال مراجعته لمصادر تاريخية موثوقة وقديمة عن العراق ومركزه بغداد ، وبدأ يقرن ايام ازدهارها الحضاري بأيام ظلامها السياسي اليوم ، وكأنها مدينة اضاعت نفسها مذ أضاع أهلها جثمانها ودفنت في “مقبرة جماعية”!
وأستطيع القول ، ان هذا المؤلف يعد في التاريخ العالمي ، صفحة مهمة في ما سمي بـ “التاريخ المنسي”، فقد كان محاولة جريئة ومخلصة لاستعادة” جزء تاريخ حيوي من ذلك العالم المفقود” لبغداد ، وهي واحدة من اعرق المدن الجميلة التي كان لها تأثيرها الكبير في تاريخ الثقافة البشرية .. وهو ” تاريخ ” لم يكن يملك عنها إلا القليل. ففيما يخص الناس العاديين، وبخلاف الشخصيات المشهورة، يصطدم المؤرخ بتناقض المواقف منها ومن حكامها وزعمائها الاوائل .. ويقف ازاء صمت النصوص، إذ لا توجد أية كتابات عنهم، فهم أشخاص غير مرئيين البتة . واستطيع القول ، ان بغداد تحمل اليوم ليس اوزار اهلها عنها ، بل ان عواطف اهلها مرتبطة بتاريخها التأسيس الاول .. كيف ؟ هل من مثال تاريخي او أنموذج على ذلك ؟ دعوني استرسل قليلا كي اوضحه لكم .

.نشرت في جريدة المدى ، 18 مايس / ايار 2015 .

الحلقة 2 : تاريخٌ أم تاريخان ؟
إن العالم كله يفخر بزمن اسطوري كان رمزه الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد عندما كانت عاصمة العالم الإسلامي بين سنتي 786م و 809 م . هذا الرجل يتناقض رأي العراقيين فيه اليوم ، فنصفهم من السنّة المؤيدين له يفخرون بتاريخه العباسي وامجاده وزمنه الذهبي – كما وصفته المصادر – ، ونصفهم الآخر من الشيعة الكارهين له يمقتونه ويعتبرونه مجرما ! ( وهذا حكم مطلق للمؤلف ، اذ اعتقد ان الحقيقة ليس كلّ السنّة وليس كلّ الشيعة لهم هذا مثل هذا التناقض ، فمن الطرفين هناك من يعتبر كلاً من الوصفين غلوا وتطرفا ) . وعليه ، ومع الاعتراف بوجود هذه الثنائية ، فان العراقيين يربون اولادهم اليوم ليس على الحيادية والموضوعية في هكذا ” موقف اشكالي عقيم لا فائدة منه ” ، بل على ثنائية صراع التفكير المزدوج الذي يزرع الخلاف النفسي والاجتماعي والثقافي بين الابناء والاحفاد ، أي بين التمجيد من طرف ، والكراهية من طرف آخر ، او يعيشون في كذبة كبرى باستثناء من لم يؤمن بذلك ، ولا يشكل ذلك بالنسبة له قلامة ظفر !!
ونبقى نقرأ في صفحات الكتاب : .. ففي حين تسجل كل موسوعات العالم وصفا لبغداد على عهد الخليفة هارون الرشيد حيث “روعة زمنه واتساع الثروات المادية والادبية والعلمية ابان حكمه”، تجد اغلب المسؤولين العراقيين اليوم يكرهون شارع الرشيد ببغداد كراهية الموت بسبب تسميته بالرشيد الذي يتهم بمقتل الامام موسى الكاظم من خلال تسميمه ، وفي حين ان المدارس في العالم لم تزل تروي للأجيال قصص ” ألف ليلة وليلة” .. ويشيدون بالرشيد وحكمه ، فان اغلب العراقيين الشيعة يكرهونه جدا كونه اضطهد الامام موسى الكاظم في حين يمثل الرشيد رمزا بالنسبة للسنة الذين يعجبون به وبزمنه الحقيقي اعجابا منقطع النظير ، ففي زمنه ترجمت اعمال الفلاسفة الاغريق العظام ، وهو هارون نفسه الذي تعلم اليونانية وتثقف بالثقافة الإسلامية، واحاط نفسه بالموسيقيين والفلاسفة والعلماء ووثق علاقاته بالمطارنة السريان المسيحيين بزياراته لاديرتهم . والعالم كله يبقى يذكر الاجيال بعهده الذي أسمي بـ “العصر الذهبي ” . كان على العراقيين ان يعالجوا بأنفسهم مثل هذا الصراع بكل لباقة وذكاء ورؤية عاقلة بدل بقاء هذا الشرخ في تقييم اكبر خليفة للعالم الاسلامي يصفه السنة بالعظمة ويتهمه الشيعة بالإجرام ! خصوصا وان مجتمعاتنا لا تعرف حاضرها ومعاصرتها بقدر ما تعيش في معبد ماضيها ليل نهار ..
هكذا وجدنا في ظل واقع تاريخي يتناصف الرأي العراقي مناصفة في الضد بين طرفين ، فان كل الازمنة لن تشهد مصالحة تاريخية حقيقية بين الجانبين ، اذ بقي كل طرف يتخندق في خندقه ، ويعزف ما الذي يريده ويؤمن به بطريقة تمجيدية او بردود متوحشة او بأسلوب باطني ، او بنهج مستتر . ان خلاصات واستنتاجات تاريخية تفسر سبب كراهية الشيعة لهارون الرشيد .. ولماذا يكرهونه ويمقتون اسمه ؟ ليس لأنه رسم مشروعا عربيا حضاريا يمثله باعتزاز العديد من الرجال الأقوياء في بغداد منذ تأسيسها كعاصمة للعالم الاسلامي عام 762 م ، ولم يقتصر الامر في وقوفه ضد أي نفوذ فارسي مقيت يضارعه من اجل التهام بغداد عاصمة العالم الاسلامي منذئذ ممثلا ذلك النفوذ بالوزراء البرامكة الذين اعتمد عليهم ولكنهم اتهموا بانهم كونوا لهم طابورا خامسا في قلب العاصمة بغداد ، وقد رفضت غيرة هارون طلب وزيره جعفر البرمكي ان يتزوج بأخته العباسة ، فكان ان اعدم جعفرا وسحق البرامكة سحقا ! ولكن اكبر خطأ ارتكبه هارون الرشيد ، – وهو لم يعترف بذلك ابدا – وعدّ خطأ جسيما قيامه باضطهاد الامام الشيعي الاكبر موسى الكاظم ( ابن الامام جعفر الصادق) وقولهم بتسميمه ، وذلك نظرا لمعارضة الامام الكاظم نظام هارون الرشيد السياسي معارضة سياسية ساخنة على امتداد سنوات طوال. وبالرغم من نفي الرشيد التهمة ، الا انه كان قد سجل بتلك الحادثة المشؤومة ذكرى مؤلمة لتاريخ انقسامي يمثله الامام الكاظم في ضريح ديني رائع يقع في شمال بغداد وسميت المنطقة باسمه . وبقي رمزا على مدى قرون وتم التركيز على الصراع لمواجهات ساخنة ومكبوتة بين الطائفتين السنيّة والشيعيّة ، في حين بقي ضريح هارون في طوس بايران حاليا حيث توفي ودفن هناك ، ولكن بقي اسمه رمزا للعصر الذهبي الذي اقترن به في بغداد سيدة البلاد كما غدت على عهده ، والتي تغنى باسمه الشعراء والادباء والفنانين والمؤرخين والبلدانيين .
ان ما سجله جوستين ماروزي من تواريخ رائعة عن بغداد التي لم تزل على قيد الحياة ، كعاصمة عربية اسلامية عاشت تناقضات خفية طورا وعلنية اطوارا اخرى ممثلة تماما للفروق الدقيقة في قصة تاريخية تعتبر سفرا خيرا لقوة تلك التناقضات التاريخية مرورا بهولاكو ومأساة بغداد على ايدي جيوشه وابادته لكل من وقف ضده والانتقام من السنّة على حساب الشيعة .. مرورا بسيرة ذاتية للطاغية المسلم التتري تيمورلنك . وتبرز التناقضات المحتدمة بأجلى صورها بين الشيعة والسنة وانقلابية مدينة السلام الى مدينة تسبح بالدماء واستمرار القمع المخيف لهذا الطرف او ذاك سواء على ازمنة العباسيين او المغول او التتار او الترك او الفرس او العثمانيين او البريطانيين او العراقيين الملكيين او الرؤساء الجمهوريين الذين اختتم زمنهم صدام حسين وانتهاءً بالحكم الحالي الذي ثبّته الأميركيون بصيغته الطائفية المثيرة للنزاعات والصراعات الدموية من خلال احزاب دينية طائفية في عملية سياسية فاشلة سحقت العراقيين وقسمتهم واثارت ردود فعل عميقة الجروح باسم الديمقراطية التي لا تؤمن بها تلك الاحزاب الدينية ابدا ، ولكن استخدمتها سلما لنظام حكم بدائي غير مدني افشل الدولة ومزق المجتمع وعبث بالموارد وانهك البلاد والعباد .
إن مأساة بغداد على يد هولاكو الذي دخلها اثر خيانات البعض من ابناء الطابور الخامس هي مأساة تاريخية حقيقية بكل معنى الكلمة .. ففي العام 1258م / 656 هـ ، كتب القائد المغولي هولاكو للخليفة المستعصم بالله يطالبه بالاستسلام ، وقد خدع ذلك الخليفة من قبل وزيره بالتسليم من اجل انقاذ بغداد واهلها ، ولكن لينفذ هولاكو وعيده وتهديده بتدمير بغداد تدميرا ساحقا ماحقا ومنفذا ابشع جرائمه . وفي مواجهة التحدي وخيانة مفضوحة من الداخل ، أحرقت القصور والمساجد، والكليات، والأسواق والمكتبات ونحر أهل العلم والادب وهم من العلماء والاعيان والرجال الاباة كما تنحر الخراف”. وكانت الحصيلة النهائية للقتلى في تلك المذبحة 200,000 قتيل ..
وبعد اقل من 150 سنة ، استعادت بغداد حاضرتها وقوتها وازدهرت ثانية اذ استجابت للتحديات استجابة تاريخية رائعة ، ولكنها فقدت مركزيتها للعالم الاسلامي ، اذ كان العثمانيون يحاولون انشاء مركزية امبراطورية لهم .. وعند مطلع القرن الخامس عشر ، دخل الزعيم التتري تيمورلنك بغداد عام 1401 ، وعبث ببغداد عبثا مزعجا ونالت بغداد من قسوته وشراهته لشرب الدم . وكما كانت قد بنيت عدة أبراج تتألف في الاصل من عشرات آلاف الرؤوس المقطوعة لأهل السنة عند غزو هولاكو ، كذلك حدث الامر نفسه على يد تيمورلنك الذي كان شيعيا . ولكن هذا الاخير ، انتحرت دولته بعد سنوات لتغدو بغداد مدينة خاملة ازاء القسطنطينية / استانبول التي فتحها السلطان محمد الفاتح عام 1453ليجعلها عاصمة له ، وغدا العثمانيون اسيادا للعالم الاسلامي قبل ان تبدأ عند بدايات القرن السادس عشر حياة الدولة الصفوية بقيادة الشاه اسماعيل الصفوي ودخوله العراق عام 1501 وبدأ الصراع العثماني – الايراني للاستحواذ على كل من العراق وقوقاسيا . وعليه ، فقد كانت بغداد قد عانت على مدى مائة سنة من غزوتين مفجعتين في تاريخها الدموي : تيمورلنك التتري عام 1401 والشاه اسماعيل الصفوي 1501 !
ولقد حرر السلطان العثماني سليمان القانوني بغداد – كما يذكر مازوري – من حكم الشاه اسماعيل الصفوي عام 1534 م، وبقيت تعيش اقل من مئة سنة عندما غزاها الشاه عباس الثاني عام 1623م وبقيت تحت النفوذ الصفوي حتى العام م1640م عندما استعادها السلطان مراد الرابع .. وتعرضت بغداد والموصل الى غزوات ايرانية عديدة ابان القرن الثامن عشر كان اشرسها حصار الموصل من قبل نادرشاه عام 1743م والذي فشل فشلا مهينا عند اسوارها . وعليه ، فان الايرانيين ما زالوا يذكرون هزيمتهم النكراء امام اسوار الموصل التي دافع عنها اهلها دفاعا مستميتا وانتصروا انتصارا عجيبا ليحفظوا كل العراق من امتدادات ايران زمنا طويلا . ان هذا ” التاريخ ” الذي كتبه المؤرخ مازوري نقلا عن قافلة من المؤرخين العراقيين وغير العراقيين ربما لا يعترف به كل العراقيين ، فهناك منهم من يرفضه رفضا تاما ، كونه يتعاطف مع ايران او يتعاطف مع مذهبه ليؤمن بأن لتاريخ العراق وجه آخر !
ولقد زار بغداد العشرات من الرحالة والاثاريين الاركيولوجيين والمستكشفين الاوربيين ابان القرن التاسع عشر ، وازداد ثقلها الجيوستراتيجي ابان النصف الثاني منه عندما حكمها الوزير مدحت باشا لاقل من ثلاث سنوات ، واجرى جملة اصلاحات عليها وامتد نفوذها نحو اعماق الخليج العربي .. كما شهدت بغداد اعترافا كونها عاصمة للعراق منذ عهد السلطان سليمان القانوني 1520- 1566 م وطبقت على العراق جملة من قوانين التنظيمات العثمانية وخصوصا ما يتعلق بالأراضي والطابو والتسوية والادارات والمياه والاوقاف .. ولقد عانت بغداد واخواتها المدن العراقية الرئيسية من الحرب العالمية الاولى 1914- 1918 اذ سيق شباب العراق الى ساحات حرب سفر برلك .. واحتلها البريطانيون عام 1917 بقيادة الجنرال مود ، اذ كان العراق يتعرض للاحتلال البريطاني وبعد بغداد ، سقطت الموصل بيد الانكليز بعد ساعات من اعلان هدنة مدروس في اكتوبر / تشرين الاول 1918 ، واصبحت بغداد عاصمة بيد الانكليز الذين وجدوا صعوبة بالغة في حكمهم العراق اثر انتفاضات وثورات نشبت عام 1920 ، فتأسس النظام الملكي العراقي عام 1921 وعهد بالقيادة الى الضباط العراقيين الشريفيين الذين وقف على رأسهم مؤسس العراق المعاصر الملك فيصل الاول ..

نشرت في جريدة المدى ، بغداد 20 مايس / ايار 2015 .

الحلقة 3 : البناء الحديث والتقهقر المعاصر
بدأ العراق الملكي علمانياً متخذاً من مدينة بغداد القديمة عاصمة جديدة للعراق الذي برز للوجود المعاصر مملكة كان الإنكليز وراء تشكيل الدولة الممتدة حدودها من زاخو شمالاً حتى الفاو جنوباً ، إذ اتّحدت الولايات العراقية العثمانية الثلاث : الموصل وبغداد والبصرة في دولة واحدة ضمن الحدود الإدارية القديمة ، وكان العراقيون اجتماعياً قد انصهروا على امتداد قرون طوال في مجتمع بدت ملامحه واضحة ضمن جغرافيته الثقافية ، وكان المثقفون في المجتمع العراقي قد احتفلوا بولادة هذا ” الكيان ” الملكي للجغرافية القديمة لبلاد ما بين النهرين ، وظهر تاريخياً أنّ العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية كانت قوية في عموم العراق وارتباط كلّ العراق بمركزية بغداد التي كان لها دورها في قلب العراق لتوحيد المجتمع العراقي ..
وقد حظي العراق بمؤسس تاريخي اسمه الملك فيصل الأول ( حكم 1921- 1933 )الذي بدا من خلال حكمه للعراق إبّان عشرينيات القرن العشرين وزياراته المتوالية لكلّ بقاع العراق ومدنه والالتقاء بكلّ عناصره السكانية ورجالات أديانه ومذاهبه وقومياته ، فكان أن كوّن معرفة معمّقة للمجتمع العراقي ، وقام بترجمة الروح الوطنية التي كان يتميز بها كل العراقيين الى جعلها نزعة اساسية في تكوين العراق المعاصر .. ويعتبر هذا من اعظم منجزات فيصل التاريخية ، وكان ان جعل بغداد مركز استقطاب سياسي وثقافي واقتصادي ، وخصها باهتمام من نوع خاص ، وبدا للعراقيين انه كان يعرف تاريخها معرفة ممتازة ، وكان يشيد في خطاباته بها وبمناطقها العريقة ومعابدها وجوامعها وعتباتها المقدسة وكنائسها .. انه يترجم ايضا ارادته باستعادة مجدها العتيق الذي كان زاهيا قبل مئات السنين عندما كانت بغداد صاحبة مركزية عالمية حضارية في قلب العالم .. ولعل من منجزاته المهمة حرصه على فرض الامن والنظام لدى كل العراقيين بعد ان كان الامن مفقودا والنظام غير موجود ، ولأول مرة ينكفئ نشاط قطّاع الطرق وتفرض السلطة قوتها على بغداد والمدن والبلدات العراقية . وامتثل المجتمع لكل من السلطة والقرارات وفرض النظام ، ونشطت الحركات الوطنية وانطلقت التجمعات السياسية واصبحت هناك بلورة لهويّة عراقية واحترام لرموز عراقية ومناهج تعليم قوية وذابت النعرات لدى الجيل الجديد ..
ولكن بالرغم من قوة الاغطية السياسية ، الا ان الطائفية – كما يبدو – كانت باقية ملتهبة تحت الرماد ، ولكن بألبسة وعباءات سياسية وأيديولوجية متنوعة . لقد كان فيصل الاول حكيما في علاقته بالمجتمع العراقي الذي خبره وعرفه اكثر من أي زعيم آخر في القرن العشرين ، كما توضح خطواته التاريخية ، ولكنه رحل قبل ان يكمل مشروعه .. وكنت اتمنى ان يكون العراق اكثر علمنة من تركيا المجاورة له ، اذ ان العراق كان ولم يزل بحاجة الى تجربة أتاتورك ولكنها مضاعفة ليس لقطع علاقة المجتمع العراقي بالدين ، ولكن للحد من تمسك المجتمع العراقي بالتناقضات الطائفية والآفات المذهبية وجعله منسجما مع ذاته اولا ووطنه ثانيا !
إن تقدما كبيرا حظيت به بغداد إبان النصف الاول من القرن العشرين ، فتوسعت في امتدادات باتجاهات مختلفة ، وحوفظ على الابنية الآثارية القديمة وتطورت مكتباتها ومتحفها الوطني وفتحت شوارع عديدة فيها ، وأنيرت مع الزمن وتأسست جملة من المدارس ودور التعليم وتأسست اول جامعة في بغداد وسميت بجامعة آل البيت التي عاشت قرابة سبع سنوات ، وكانت قد هدمت اسوار بغداد القديمة ، وتطور شريان بغداد الذي يمثله شارع الرشيد الذي تدفق بحيوية ونشاط .. اذ كثرت فيه الاسواق والبنوك وانتشرت دور السينما والملاهي وتأسست الحدائق وكثرت جسور بغداد .. وعندما عاشت بغداد في عقد الخمسينيات ، بدت عاصمة جميلة نظيفة كان كل عراقي يحلم بزيارتها وينزل في فنادقها ويتمتع بمشاهدها والجلوس في مطاعمها ويتنزه عند ضفاف دجلة او يتمشى في شوارعها الساحرة .. ويشم روائح زهورها واشجارها .. وينعم نظره الى عمارة بيوتاتها الجميلة . كانت مدينة آمنة تسهر الى ساعات متأخرة من الليل وهكذا وجدنا الحالة الامنية متوفرة في كل مدن العراق مع وجود سلطات من الشرطة لفرض الامن وتنظيم المرور وناس يخدمون شوارعها وحدائقها .. لتنظيفها كل يوم مع رشها بالماء كل مساء ..
مع كل هذا وذاك ، كانت بغداد تلتهب سياسيا من قبل احزاب الجيل الصاعد ضد نظام الحكم الملكي الذي لم يقف طويلا عند مسائل ثقافية وسياسية جوهرية بتبدل الزمن لدى الجيل الجديد ، ولم يدرك حجم تأثير الحرب الباردة والثقافات الجديدة ، بل وتبدل العالم كله اثر الحرب العالمية الثانية .. ولم يتنبه الى تصاعد القوى الشعبية ومطالب العراقيين السياسية وموجة الايديولوجيات الجديدة التي أسماها بالوافدة ، ولكنه اهتم بمشروعات استراتيجية وتحالفات اقليمية ودولية .. كما استمر نظام الحكم على نهج سياسي متحالف مع الغرب الذي اعتبره الجيل الجديد يتناقض مع حركات التحرر من الاستعمار كما كان رائجا وقت ذاك .. ولم يتنبه الى حجم الهجمة الاعلامية المضادة الكاسحة التي كانت تؤججها اذاعة صوت العرب من القاهرة ضد بغداد ..
لقد مرّ العراق بأهم مرحلة تاريخية من تكوينه المعاصر ببناء جيل مستنير ومبدع على العهد الملكي ، ولكنه تغير تغييرا جذريا يوم 14 تموز / يوليو 1958 ليبدأ النظام الجمهوري بتعاقب حكام ومسؤولين عراقيين عسكريين يتّبعون سياسات شعبوية ، ومن ثم تسلم الحكم فيه البعثيون ليتمزق العراق شعبويا من خلال شعارات وسياسة اججّت المجتمع العراقي ، ولم تعد الكفاءة والجدارة مهمة لتبوُّء الرجل المناسب في المكان المناسب .. وتسلّط عليه صدام حسين الذي ازدحم عهده بالحروب والمآسي وخصوصا حرب إيران 1980 – 1988 ، وغزو الكويت 1990 ، وحرب الخليج الثانية 1991 ، والحصار القاسي على العراقيين 1990- 2003 واشتعال الحرب الثالثة 2003 حتى ازيح النظام بغزو امريكي دام ثلاثة اسابيع فقط وفرض الاحتلال .. ليبدأ العراق مرحلة تناقضات تاريخية جديدة وهو يعاني اليوم اشد المآسي والمعاناة التاريخية جراء اتباع عملية سياسية كسيحة ودستور ملئ بالتناقضات ومحاصصات حزبية وطائفية وانقسامات سياسية واختراقات اقليمية واجندة اميركية وصراعات اهلية وثقافات شعبوية سلبية .. وحكام جدد لا يعرفون فن الحكم ولا ادارة الازمات وليس لهم معرفة حقيقية بالعراق واهله .. واغلبهم يقدمون النزعة السياسية والمذهبية والعصبية على الروح الوطنية ! فليس من العقل بمكان ان تضيع المليارات من الدولارات ووضع العاصمة بغداد والمدن العراقية لم تزل في حالة تعيسة . وتغّيب عدة نخب ذكية وقوية عن ممارسة دورها في نهضة العراق ، بل وتضطهد القوى المدنية الفاعلة في المجتمع العراقي اليوم على حساب هيمنة طبقة طفيلية تتخذ الدين والعمامات واللحى شعارات لها وهي تتكون من احزاب طائفية وميليشيات ترتبط باجهزة خارجية ..
إن الفرق التاريخي بين رجال العهد الملكي في العراق عن زعماء العهود الجمهورية .. ان الاوائل من الملكيين لم ينزلوا من ابراجهم العاجية او النخبوية ولكنهم ارادوا ان يرتفع الشعب اليهم ، فكان ان انفصل الشعب عنهم .. في حين اتبع الاواخر من الجمهوريين سياسات شعبوية لإرضاء العراقيين ، وهي سياسات متناقضة اذ نزل الحكام الى مستويات التفكير الشعبوي .. وبدت السياسات صبيانية والقرارات مستعجلة والموارد مبددة والمناهج متخلفة ، واثيرت النعرات والتفرقة .. فتمزق العراق !
إن كليشيهات التاريخ لا تعيد نفسها ، ولكن قد تتكرر المتشابهات منها مرات ومرات على امتداد الازمنة .. ما تمّ وما حصل في مدينة بغداد من انتقالات بين الجماليات العالية كأفضل مكان عبقري لهذه المدينة يسجل قوة متميزة مقارنة بغيرها من الأماكن على وجه الأرض .. ثم تدّمر بانتكاسات وازمنة من الكآبة والمرارات بدخولها في دورات دموية ساخنة بلا هوادة بحيث تسجّل حضورا مأساويا لها ولكل مدن العراق الاخرى ، اذ تمرّ في نفق لا مفر منه فترتخي وتذهب قوتها وتذبل جمالياتها مع انهيار حياتها الثقافية وعبثية اهلها الذين يتعرضون لمواجهات مع الموت ويكونوا جزءا من مشروع الصراعات وإراقة الدماء. ربما لا أحد قد أعرب عن هذه الازدواجية في التاريخ البغدادي الذي شمل كل العراق ، وهو يعيش اليوم مأساة تاريخية سوداء بانتقال الصراع الى دواخل المجتمع الذي مزقته الطائفية بعد ان عاش مرحلة تأججت فيها حمى الأعراق والاستبداد اعقبت مرحلة انقسامات سياسية وأيديولوجية وحزبية .. إنّ أصعب ما يواجهه العراق كثرة المتعصبين لهذا الطرف أو ذاك ، وخصوصاً أولئك الذين لا يعرفون إلا التعصّب الأعمى لطوائفهم أو أطيافهم أو أحزابهم أو عقائدهم أو أيديولوجياتهم السقيمة .. لقد كانت الرحلة مع كتاب جوستن مازوري عن بغداد السلام وبغداد الدم ، ممتعة ومفيدة ولها محطات رائعة يمكننا من خلالها مقارنة ما فات من تاريخ المدينة الى يجري فيها اليوم .. والتأمل في ما سيأتي في قابل الايام .
واخيرا ، إن العراق بحاجة الى مجتمع عاقل ومتوازن ويفكر في المستقبل لا في الماضي وان تديره نخبة نظيفة من المستنيرين المتمدنين .. ان العراقيين ينبغي عليهم الخروج من هذه الدوامة التاريخية المريرة التي بقيت مستمرة معهم قرونا طوالاً ، وهي دوامة منغصة وقاتلة كونها ستبقى مندفعة ومشتعلة في النفوس والضمائر .. مع ولادة ثارات وأحقاد وهي تدخلهم وتخرجهم من دوائر عنف الى ساحات عنف مضاد .. ان التاريخ المتناقض هنا سيضرّنا ولا ينفعنا ، وسيبقى عائقا امام التقدم دوما .. اننا لو بقينا وراء انقسامات التاريخ ، فسوف يضيع مستقبلنا تماما .. وللعلم ، فإن التاريخ الوسيط لو كان باقيا يعيش في اذهان الأوروبيين أو الآسيويين لبقي العالم حتى اليوم يعيش حياة العصور الوسطى ، وربما انتقلنا الى الحياة البدائية .. فمن يخرج من العراقيين من هذا الكابوس ليبدأ حياة جديدة؟ من ينقلنا من بدائيات التاريخ إلى حياة العصر ؟

نشرت في المدى ، العدد ( 3366) يوم السبت 23 /05/ 2015 .

شاهد أيضاً

نزار قباني والقطة السوداء في قصر الحمراء

  اكتب لكم هذا ” المقال ” وانا في الطائرة التي  عدت فيها عبر الاطلنطي …