الرئيسية / الرئيسية / وقفة مخجلة ازاء المستقبل !

وقفة مخجلة ازاء المستقبل !

لقد أثارَني جدّاً كتاب جديد قرأته مؤخّراً كتبه المستشرق المعروف برنارد لويس ، الذي عرفت صاحبه جيّدا منذ أكثر من ثلاثين سنة ، وخبرت كتبه وأفكاره التي فيها ما هو خاطئ وفيها ما هو صحيح . كتابه الجديد : ” نهاية التاريخ الحديث في الشرق الأوسط ” The End of Modern History in the Middle East، فيه جملة من آرائه ووجهات نظره المثيرة ، وهو يكشف في كتابه بعد عشر سنوات على احداث سبتمبر 2001، عن نهاية التاريخ الحديث للشرق الأوسط .
فهل صدقت رؤيته ؟
لقد نشر برنارد لويس كتابه الاخير منذ سنتين ، ويدرك صاحبه جيّدا العوامل التاريخيّة التي كانت وراء حراك أيّ تاريخ وسكونيته .. وانّ التاريخَ يتحوّل ويتغيّر ، ويسرع ويبطئ ، ويثقل او يخفّ ، ويجمد وينام ، او يتميّع وينهض .. وحياتنا العربيّة اليوم نامت نومة اهل الكهف وغاصت في اوحال جهالةٍ ، ولؤم معتقدات ، وانغلاق عقول ، ولكنّها لم تستيقظ وتتحفّز حتّى الآن برغم كلّ الصدمات الصعبة التي واجهتها ، كي تصنع جولة جديدة لها من التاريخ .. فليسَ من العقل ان نعلن عن انتهاء عمر التاريخ الحديث للشرق الاوسط ، ولم تكتمل جولته حتى الآن !
إن هناك عشر سنوات بين هجمة سبتمبر وانطلاق ما سمّيَ بالربيع العربي ، حانَ الوقت الآن في أعقاب انتصار تلكَ ” الهجمة ” وإخفاقات ذلك “الربيع ” الى وقفة تأمّل عميقة حيث دخلت الثورات العربيّة في دوامات صعبة وأزقّة صغيرة بعد ان توقّع العالم انها ثورات حقيقيّة تجري منتقلة من مكان عربي الى آخر تحت شعارات التغيير والإصلاح . ونسي ان هناك ما سيأكل الربيع .. وقبل ان نفهم من الذي سعى لإفشال مشروع التغيير العربي ، علينا ان نسأل اسئلة مهمّة ، مثل : أيّ نوع من التغيير ارادهُ الناس ؟ وإلى أيّ مدى يمكنهم فيه ان يكونوا ابناء عصر جديد ؟ وهل كان الإخفاق يلازم خطوات ” شعب ” حمل توابيته وهو يلهج بالثوّرة والربيع ؟ ! هل كان الثائرون يؤمنون بالثوّرة والحداثة والتقدّم كي يكونوا قادرين على إصلاح انظمتهم الشموليّة بعد التصدّي لها او اكتساحها ؟ ومن ذا الذي دخل على الخط ليعمل على ان تنحرف تلك الثورات عن سياقاتها ؟ وجعلها أسوأ حالا مما هي عليه بالفعل في كلّ يوم يمضي ! هل كانَ ذلك حقيقة ، ام انّ القوى السياسيّة كانت رخويّة ومتآكلة ومشبّعة وبالية ومنغلقة لها آليات العصور الوسطى قبل ان تكون طعما سمينا لمن سرق الثورات ، وقد استخدمت كلّ الاجندات المذهبيّة والطائفيّة في مختلف وسائلها وادواتها السياسيّة والإعلاميّة ! وعلينا ان ننبّه ان الانظمة الحاكمة قد كذبت مرارا في عشر سنوات ،إذ وعدت بالإصلاحات دونما الإيمان بها ابدا او البدء بها !
لم تخلص حتى روح الياسمين التونسيّة في ثورتها ممّا اجترّه الآخرون ورقص معه الراقصون بتصدير إرهابيين قتلة بدأ العالم الاسلامي وجالياته في العالم يفقّسهم بالآلاف المؤلّفة، وفجأة تغدو الحياة العربية رهينة بيد منظمّة متوحّشة عاتيّة تقود الجميع في نهاية المطاف الى تأسيس كيان إرهابي في قلب العالم ، وقد انتشر تأثيرها مثل النار في الهشيم في كلّ مكان من العالم ، كلّ ذلك لم يتوّقعه لا العرب ولا العالم ، بالرغم من تلميح البعض بأنّ الإسلاميين قد أثبتوا ان يكونوا صوت الشعب، خصوصاً وانّهم كلّهم لم يعرفوا أيّ معنى للاعتدال او الاعتراف بالرأي الآخر ، وانّ افكارهم ووسائلهم مزيّفة باستخدامها آليات ومؤسّسات معاصرة من اجل السلطة ، ولكن سرعان ما تتنكر تلك القوى لذلك ، وتكشف عن انيابها القاطعة ، لا لكي تبقى على قيد الحياة ، بل لكي تحيل الدنيا الى قبور بلا زهور ، او تبني لها مسالخ بشرية تنضح منها الدماء القانية .
لماذا ؟ أعتقد ان الكلّ كانوا مسؤولين عمّا حدث ؟ كلّ الانظمة السياسيّة العربيّة والشرق أوسطيّة كانت ولم تزل غبيّة في سياساتها وتربوياتها وإعلامياتها وفهمها للحداثة ، ولم تمتلك أيّ ذرّة من الذكاء والحياء في ما ستنتجه في قابل الايام .. لقد بقيَ الجميع في معبد الماضي يهذون ويسبّحون بحمدهِ ، وغدوا ضدّ حياة العصر وعاشوا ازدواجية غير أخلاقية في التفكير والتصرّفات الدوغمائية ، فهم يقاطعون فكر العصر وفلسفاته ومنهجياته الحديثة ، ولكنهم يستخدمون منتجاته وتشيؤاته وتكنولوجياته وثورة معلوماته وطيّاراته وسيّاراته وقنواته وكلّ مقتنياته – كما كتبت ذلك في كتابي ” التحوّلات العربيّة : اشكاليات الوعي وتحليل التناقضات وخطاب المستقبل ( 1997) – !
لقد سحقت كلّ المؤسّسات السياسية منذ أزمنة طوال ، وكانت السلطات الدكتاتورية قد خلقت الأجواء الملائمة لتنظيمات وحركات متمرّدة وعاتية نجحت في اكتساح ليس الدول والانظمة السياسيّة ، بل سحقت المجتمعات ومنظوماتها الاجتماعيّة والثقافيّة والاخلاقيّة ، وهي وحدها المسؤولة امام المستقبل عن كلّ ما جرى على قيد الحياة العربيّة .
لقد غدت متغيّرات العصر عظيمة وفريدة ومختلفة في الموجة الأخيرة من التغيير واستخدام وسائل الإعلام الاجتماعي وثورة المعلومات كآليات لتحفيز الشعور بالإلحاح والروح الأسمى والطلب من أجل التغيير. كما تحركوا في الشارع .. انك من دون أدنى شك ومن الأسهل أن تكون مؤيّدا للثورة في عام 2011 مما كان عليه الحال في إيران عام 1979 أو برلين لعام 1989. ولكنني اقول بأنّ اصوات ارتفعت لأوّل مرة ، وهي دعائيّة وسياسيّة من خلال مرجعيّة دينية في محاولة للقضاء على المسيحيين القدماء في الشرق فضلا عن جريمة قتل المأثورات، وجريمة توجيه التاريخ نحو الماضي بدل تسييره نحو المستقبل .
ماذا نقول لأحفادنا وللسلالات القادمة من بعدنا في قابل الازمنة ؟ ماذا نحدثّها عن حياتنا اليوم ونحن في عصر متقدّم يعيش ثورات انتقاليّة مدهشة في العلوم والمكتشفات ، وستقف الاجيال القادمة لتحاكمنا وتلقي علينا جملة هائلة من الاسئلة المريرة ولا اجوبة مقنعة من قبلنا ، فثمّة محاكمات كاملة عن تاريخنا الذي سيقف في قفص الاتهام وهو يلوذ بالصمت القاتل.. وسيقف المجتمع العراقي – مثلا – برمّته وقفة خجولة غير مستقيمة وهو صامت لا يعرف كيف يدافع عن نفسه وعن انقساماته البليدة وعاداته السقيمة.. وربما سيدافع مؤّرخ المستقبل جيّدا عن العوامل التاريخيّة التي كانت وراء حراك نخبة ضئيلة من ابناء العراق وغيره من الذين ضحّوا بحياتهم او عانوا من المأساة او تشرّدوا في الآفاق .. ولكنّه لن يستطيع ان يدافع عن تاريخ كالح السواد مليء بالانقسامات والتشظّيات ويزدحم بالمتخلّفين والمجرمين واللصوص وميليشيات القتلة والارهابيين وعديمي الضمير ومن قبلهم الجهلة والاغبياء الذين امتلأت قلوبهم بالضغائن والاحقاد..
سيقف العقلاء يتساءلون عن ضياع العقل عند المتشدّدين والمتعصّبين والغلاة وعديمي الاخلاق .. سيفرض الحكماء تساؤلاتهم عن ابرياء وبريئات امسوا بأيدي وحوش يذبحون بدم بارد ، ويسبون نسوة او يبيعوهن كما لو اننا في كهوف العصور الوسطى .. وسيحققّون في التداعيات النفسيّة والآلام المعنويّة التي عانى منها شعب كامل امتدت في وجدانه وضميره كراهيّة مدن ، واحتقار دين ، والحقد على جماعات في مجتمع ممّزق بين سنّة وشيعة.. سيتحقّق من عوامل العنفوان وسيبحث في عوامل الصنعة الهمجيّة المتوارثة ..
إن الحدث التاريخي لا ينتهي فعله في زمنه ، بل ستتوالد عنه مصائب وفجائع تمتّد لعشرات بل مئات السنين .. إن التاريخ سيكتب الكثير عن برك الدم المسفوح في الشوارع وعن نهايات مروّعة للبشر الذي بقي يذبح ويفجّر ويطحن وهو مسلوب الارادة والحرّيات والكرامة .. ان الانسان في المستقبل يدرك ايضا بأنّ التاريخ يتحوّل ويتغيّر ويسرع ويبطئ ويثقل او يخفّ ويجمد وينام او يتميّع وينهض .. وهو يدرك جيدا ان تاريخ الشرق الاوسط بما فيه من قوميّات أساسيّة وأطياف اجتماعية ، وشعوبه التي اصابها نوم طويل وسكون عميق وهي بعقل كسول ، ولكنها لم تزل على قيد الحياة سرعان ما تستيقظ .. فليس من العقل ان نعلن عن انتهاء عمر التاريخ الحديث في دواخل الشرق الأوسط ، ولم يزل البعض يكتم اسراره خوفا ولا يقول ما لديه على رؤوس الاشهاد . ان الحرب ربما تقضي على بنيّة الاشياء ، ولكن ليس على عواملها المحرّكة ومعانيها المؤسّسة ، ونصوصها الدافعة ، فمتى ما تمّ تحييد تلك العوامل سيفتح التاريخ الجديد ابوابه على المستقبل .
باختصار، على جميع الباحثين عن الحقيقة ، وعلى جميع صانعي السيّاسات الجديدة الذين يريدون حقّا ان يفهموا ما يدور في حياتنا من متغيرّات سريعة جدّا ، ان يدركوا حجم السذاجة والجهالة والضحالة التي بقيت مجتمعاتنا السياسيّة وثقافاتنا العقيمة ترفل بها لعقود طويلة من السنين . وان نخب مجتمعاتنا المستنيرة التي كانت تحلم بالتقدّم وثورة الفكر والعلم والفنّ والجمال .. دخلت اليوم حالة الإنعاش والموت البطيء منذ اكثر من ثلاثين سنة ، ولم يزل القتلة الحقيقيون يتوهّمون ان تتحقّق أحلامهم الساذجة المريضة وهم كالذئاب يغطّون في نوم عميق ، ولكن بعين مغمّضة واحدة !

نشرت في صحيفة المدى البغدادية ، العدد(3184) ، يوم الاحد 28 سبتمبر / ايلول 2014 .
http://www.almadapaper.net/ar/ViewPrintedIssue.aspx?PageID=11450&IssueID=577
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وعلى مواقع وصحائف اخرى .

شاهد أيضاً

untitled

الاشجار تحيا .. والبشر تقتله المجانين !

اثارت مقالتي السابقة قبل يومين ” موت أرنب ”  خلجات الكثيرين عن اسلوب  كندا دولة …