الرئيسية / الرئيسية / في العراق .. ابادة للاثنيات الاصيلة

في العراق .. ابادة للاثنيات الاصيلة

 ” فلنهرب إلى أن يموت طالبو نفس شعبنا المسيحي”..
هذا ما قاله رئيس أساقفة السريان الأرثوذكس في المملكة المتحدة المطران أثناسيوس توما داود في مقابلة مع قناة “سي.إن.إن”، داعياً أبناء طائفته في العراق إلى مغادرة الوطن بعدما تعرّض لهم تنظيم “الدولة الإسلاميّة” (داعش). وبرّر أسباب هذا النداء، باتهام المسيحيّين بالكفر والعمالة للغرب، مشيراً أيضاً إلى تصريح سابق لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وصف فيه المسيحيّين في العراق بـ”الجالية”. وشدّد أثناسيوس توما على أن “الحياة أقوى من الموت”، وقد بدا متأثراً بما يتعرّض له المسيحيّون العُزّل من تفجير كنائسهم وبيوتهم وقتل شبابهم وتفخيخ سياراتهم وخطف أبنائهم وإرغام نسائهم على ارتداء الحجاب وتقييد شعائرهم وحريّتهم وتهديدهم يوماً بعد يوم، لحملهم على ترك العراق تحت طائلة القتل. وتابع أنه في كل يوم “تخسر المسيحيّة أبناءً لها، والحكومة غارقة ومتواطئة لا تهمّها إلا السلطة والسيطرة على ثروات الوطن”. وهذه “الحال مستمرّة منذ أكثر من سبع سنوات، والمسيحيّون ينزفون”. وما يسترعي الانتباه هنا، هو وصف المسيحيّين بـ”الجالية”، على الرغم من أن حضارة السومريّين والآشوريّين والبابليّين لا تخفى على أحد. فهذه الشعوب كانت قد سكنت بلاد ما بين النهرَين منذ الألف الثالث قبل الميلاد. وما من أمّة -قديماً أو حديثاً- يمكن تتبّع أثرها في أعماق التاريخ أكثر من الأمّة الآشوريّة. أما اللغة، فراسخة في أعماق حضارة ما قبل الطوفان وقد استخدمها الأنبياء.
يستحيل إنكار تعايش الثقافتَين الإسلاميّة والمسيحيّة في العراق، وتعاونهما في مجالات العلوم والآداب ويستحيل إنكار تعايش الثقافتَين الإسلاميّة والمسيحيّة في العراق، وتعاونهما في مجالات العلوم والآداب. ففي الوقت الذي كان العلماء والاختصاصيّون المسلمون العراقيّون ينشطون في إسطنبول، كانت أديرة الموصل تنشر العلم في المنطقة وبقيّة الولايات.
وقد كشف المؤرّخ والكاتب العراقي سيار الجميل، عن سجّلات مهمّة لمراسلات أدبيّة كانت بين أدباء عراقيّين ولبنانيّين في القرن التاسع عشر. وقد اتضّح من خلالها أن العراق عرف المطابع قبل زمن طويل على أيدي المسيحيّين العراقيّين، الذين أسّسوا مدارس تعلّم فيها المسلمون والمسيحيّون. ويكفي بروز المطران العلامة إقليمس يوسف داود (1890 – 1925)، الذي كان بحراً في اللّغة العربيّة واللغات الأخرى، وقد ألّف 85 كتاباً في مختلف العلوم.

طمس للتاريخ
ولا يبالغ الجميل عندما يقول إنّ العراق هو الموطن الحقيقي للمسيحيّة الشرقيّة وإن مدينة الموصل هي مركز لاهوت الشرق على الإطلاق. ولم تقتصر محاولات طمس تاريخ الوجود المسيحي في العراق على المالكي وحده. فعدد كبير من الكتّاب أنكروا بقاء أحفاد للسومريّين والآشوريّين أحياءً لغاية اليوم، ولم يتوانوا عن القول إنهم اندثروا عن وجه الأرض. ولأن كلّ حضارة مهدّدة بالطمس إن لم تدافع عن وجودها، طمح الأشوريّون إلى إحياء كيان خاص بهم، وطالبوا بحكم ذاتي في العراق خلال الحرب العالميّة الأولى. وعدتهم بريطانيا بتحقيق حلمهم إن هم تحالفوا معها، إلاّ أنها خدعتهم وتخلّت عنهم. وهو ما أدى إلى قتل العديد منهم على أيدي الأتراك والأكراد، وترحيلهم إلى همدان. وكما يبدو، يعيد التاريخ نفسه بأدوات وتفاصيل مختلفة. فيُقتل المسيحيّون بحسب ما يبدو على أيدي تنظيم “داعش” لأهداف اقتصاديّة وسياسيّة متستّرة بالدين، تماماً كما كانت الحروب الصليبيّة تستغلّ شعار الصليب لتغزو الشرق تحت غطاء دينيّ. ولعلّ أبرز دليل على ذلك، خيانة بريطانيا للمسيحيّين الآشوريّين وتركهم يواجهون الموت، في وقت لاحق. ربّما لأنّهم ينتمون إلى ثقافة مختلفة أو لكونهم شرقيّين، ببساطة.
ردود الفعل الأوروبيّة “الفاترة” تجاه ما يجري للمسيحيّين في العراق، دليل على أنّ أوروبا لم تكترث قط بمسيحيّي الشرق الأوسط وما يحدث في الوقت الراهن من ردود فعل “فاترة” من قِبل معظم الدول الأوروبيّة تجاه ما يجري للمسيحيّين في العراق، لهو دليل على أنّ أوروبا لم تكترث قط بمسيحيّي الشرق الأوسط. واليوم يرفع “داعش” شعارات دينيّة، فيحلّل ويحرّم كما يحلو له باسم الإسلام. مَن المستفيد؟ ومَن دعم نشوء هذه الحركات المتطرّفة؟ ومَن سهّل دخولها إلى العراق؟
يجيب الأستاذ الجامعي سولي أوزيل المتخصّص في العلاقات الدوليّة في جامعة “قادرهاز” في إسطنبول، أنّه لا يمكن فصل ما يجري في الموصل عن أحداث سورية والسياسة الخارجيّة لتركيا تجاه هذه الأخيرة. كذلك يلوم كثيرون حكومة تركيا لتسهيلها صعود الحركات المتطرّفة في سورية. ويعتبر الباحث التركي في “مؤسسة كارنيجي للسلام” في بروكسل سنان أوغلو، أن صمت تركيا يعني أنها ترى في أكراد العراق الشّركاء الذين يمكن الاعتماد عليهم. واللافت في هذا المجال هو فتح العديد من دول أوروبا حدودها أمام الأقليات الآشوريّة والترحيب بها على أراضيها بدلاً من الدفاع عن وجودها في أرضها. وهو ما يثير الشكوك والتساؤلات حول تقسيم جديد للمنطقة وإمكانيّة قيام دولة للأكراد في العراق، بعد إبادة الوجود الآشوري فيه.

نشرت في العربي الجديد ، لندن 2 أغسطس / آب 2014.

شاهد أيضاً

untitled

الاشجار تحيا .. والبشر تقتله المجانين !

اثارت مقالتي السابقة قبل يومين ” موت أرنب ”  خلجات الكثيرين عن اسلوب  كندا دولة …