الرئيسية / الرئيسية / مقال يحذّر من مصير الموصل نشر في 2 شباط/ فبراير 2008 بعنوان : الموصل في اعناقكم جميعا : مجرد اسئلة موجهة الى المسؤولين الامريكيين والعراقيين

مقال يحذّر من مصير الموصل نشر في 2 شباط/ فبراير 2008 بعنوان : الموصل في اعناقكم جميعا : مجرد اسئلة موجهة الى المسؤولين الامريكيين والعراقيين

قرأت قبل قليل في جريدة الصباح البغدادية الغراء الصادرة في 30 يناير / كانون الثاني 2008 نبأ حملة عسكرية لتطهير مدينة الموصل من الارهاب ، ولا ادري ما الخطط المتخذة لهذه الحملة التي اخشى ان تكّلف الناس ثمنا غاليا من دمائهم الزكية وتشتّتهم وتهّجرهم الى المجهول . انني اذ اكتب خطابي هذا ، فإنني اترجم مئات الرسائل والنداءات التي وصلتني من اهالي الموصل ، مدينة ومحافظة من اجل وضع حد للمأساة القاتلة التي يعيشونها ، وتحسّبا من اي خطط او اخطاء قد ترتكب بحق الابرياء . لقد كانت الموصل ولم تزل ، تعاني من فقدان الامن والاستقرار لأسباب سياسية داخلية وخارجية .. وكلنا يعلم الوضع المتوتر الذي تعيشه الموصل ولواحقها من الاقضية والنواحي .. وكلنا يدرك حالة التعتيم الاعلامي المسيطرة على الاوضاع هناك منذ أمد طويل .. وكلنا يعلم حالة الرعب التي يعيشها سكان المدينة ولواحقها جميعا منذ العام 2004 ومرورا بإصدار الدستور الدائم الذي وّلد المزيد من الاحتقانات التي توقعنا حدوثها وحذرنا منها في حزيران / يونيو 2005 من دون ان يسمعنا أحد .. وكلنا يعلم الخلل الذي حدث في كل فرص الانتخابات السابقة بسبب الارهاب المطبق على المدينة ، فاختل وضع قيادة المدينة والمحافظة بشكل عام ازاء الواقع السكاني .. خصوصا اذا ما علمنا بأن المدينة يقطنها اكثر من مليوني انسان غالبيتهم من العرب ، فهي ثاني مدينة عراقية بعد العاصمة بغداد من الناحية السكانية .. كما اننا نعلم بأن مجتمعها هو موزاييك متنوع من السكان ، فان كانت بغداد قد ابتليت بالانقسامات الطائفية ، وان البصرة الفيحاء قد ابتليت بالصراعات المحلية حول اهميتها الاستراتيجية من خلال شط العرب وتربص ايران بها ، فان الموصل الحدباء قد ابتليت بقوى ارهابية بلورتها الصراعات الاجتماعية وبالتوترات العنصرية والتباينات العرقية وخصوصا بين العرب والاكراد هذه الايام .
واذا كانت اساليب مجالس الصحوة – كما اسميت – قد نجحت في تهدئة الاوضاع قليلا في وسط العراق وغربه ، فان ذلك لم يأت الا من خلال تعاون ابناء المناطق والمدن .. ونحن نعلم بأن كل الحملات العسكرية الظالمة الامريكية والحكومية قد فشلت في تكريس الامن والاستقرار في مناطق عديدة من البلاد . فهل ستنجح مثل هذه الحملة العسكرية على الموصل ؟ لقد عاشت الموصل سلسلة احداث ارهاب مرعبة منذ اربع سنوات منها ما عرفه العالم ومنها ما لم يعرفه احد، والتي قادت الى هجرة الالاف المؤلفة من ابنائها مسلمين ومسيحيين الى المجهول . وكان الانفجار الهائل الذي حدث قبل ايام في منطقة الزنجيلي بالموصل حدثا مرعبا حقا ، ولم يأخذ حتى الان اي ابعاد اعلامية قوية حتى من قبل العراقيين انفسهم ، بل وان هناك مفارقات واسعة في قول الحقيقة ونقل صدقية ما حدث في اسبابه ونتائجه ، فالروايات مختلفة بين ما هو رسمي وما هو شعبي ، وقد سمعنا بأن السيد وزير الدفاع (عبد القادر العبيدي ، استوزر من 6 مارس / آذار 2006 الى 21 ديسمبر/ كانون الاول 2010 ) قد شخّص عدة عوامل واخطاء .. وهنا نسأل: هل من الصواب ان يخفي اي عراقي حقيقة ما حدث لأغراض سياسية ؟ هل من المعقول ان تفجّر عمارة كاملة بطوابقها التي حشيت ببراميل البارود ؟ ومن أتى بهذه المتفجرات ؟ ومن هو المسؤول عن هذا التفجير؟ ان كانت هناك قاعدة من تكفيريين ارهابيين لهم مسؤوليتهم ، فينبغي محاربتهم واجتثاثهم وقطع دابرهم ،ولكن من فجّر المكان على رؤوس الناس ؟ ان من صنع ذلك ينبغي ان يحاسب ويعاقب .اننا لا نقبل ان تكون الموصل حلقة مقايضة ضمن مضاربات ومساومات سياسية بين الكتل والجماعات السياسية ، وان الثمن ابادة وترويعا سيدفعه اهلها غاليا جدا لا قدر الله .
وعليه ، هل كانت العمارة ملاذا للإرهابيين ومن اعضاء القاعدة كما صورها الاعلام الرسمي العراقي ؟ ثم ان كانت كذلك: لماذا فجّرت بهذه الطريقة المرعبة ؟ وان كان القرار قد اتخذ لتفجير العمارة .. فما مسؤولية الجيش والمحافظ ( كان المحافظ هو السيد دريد كشمولة الذي قدم استقالته من منصبه يوم الجمعة 12/10/ 2007 ) وبمعيتهما الامريكان عن ذلك ؟ واذا قلنا الجيش ، فمن مَن يتكون هذا الجيش .. ان السكان يتهمون الجيش بهذا التفجير ، ويقولون انه يتألف من قوات البيشمركة رفقة الامريكان . فما صحة ما يقولون مقارنة بما قاله السيد رئيس الوزراء ؟
اسئلة اخرى لابد من طرحها على بساط البحث عن الحقائق : من يفرض التعتيم الاعلامي على الموصل ؟ من يقتل الصحفيين في الموصل ؟ من له مصلحة في اثارة كل هذا الرعب ؟ وكلنا يتذكر حالة الرعب التي اجتاحت الموصل بسبب التخوف من انهيار سد الموصل قبل ثلاثة اشهر بالضبط .. وأسأل : من قتل مدير شرطة الموصل ( العميد صالح حسن الجبوري ) بعد حادث التفجير بيوم واحد ؟ علما بأنه رفض قبل ذلك الاجتماع بالمجلس المحلي كونه لم يجد فيه عربيا واحدا ـ كما يقول اقرب المقربين اليه ـ ؟ ونسأل : اذا كانت منطقة الزنجيلي من المناطق الفقيرة التي يسكنها فقراء المدينة وهي ساخطة على الوضع سخطا كبيرا ، فهل يعقل ان تفجّر بهذه الطريقة ؟ وهل من العقل ان تزدحم العمارة بمئات البراميل من المتفجّرات ؟ من جلبها ؟ واذا كنتم فعلا تريدون تفجير بناية تدركون كم بها من المتفجرات قدرّها البعض بتأثير قنبلة نووية صغرى ، فلماذا لم تُخرجوا الناس عنوة من البيوت وتبعدوهم عن الكارثة ؟ من يتحمّل هذه المسؤولية باتخاذ القرارات الحمقاء سواء كنتم تقصدونها ام لم تقصدونها ؟
اذا كان السيد المحافظ قد فشل في عدة مهام ادارية في ادارة المحافظة ؟ لماذا لا يحلّ بدله أي اداري آخر ؟ من الذي له مصلحة ببقاء هذا المحافظ على رأس سلطة لم يتمتع بها اصلا ؟ لماذا بقي كل الكادر الاداري من دون اي علاج لأحوال المدينة ؟ وأسأل : من قتل المحافظ السابق ( السيد اسامة يوسف كشمولة قتل يوم 14 / 7 / 2004 ) وهو في طريقه الى بغداد ؟ وما هي نتائج التحقيقات حول ذلك الحدث وغيره من الاحداث ؟ وأسأل ايضا : اين هي منظمات المجتمع المدني في الموصل ؟ في مثل هذه المحنة لابد ان تكون شاخصة لتساعد الناس في مأساتهم التي لا يمكن وصفها ؟ هل يعقل ان تبقى حتى هذه اللحظة وبعد مرور ايام على الحدث ، تحت ركام الانقاض ، اجساد الاطفال والنساء والشيوخ وكل من اطبقت الاسقف والحيطان على رؤوسهم ؟ لماذا بقي الجيش يحاصر المكان من دون ان يسمح للناس رفع جثث الموتى وانقاذ الجرحى ؟ لماذا لم تسعف الناس بسرعة ؟ لماذا كل هذا البطء الذي ذهب ضحيته مئات النازفين والجرحى والمحصورين تحت الانقاض ؟ لماذا هناك اختلاف رسمي وشعبي عن اعداد الضحايا ؟ اذا كان المحافظ ونائبه لا يعرفان ما ستقود اليه هذه الكارثة من تداعيات ، فمن الاجدر ان تجد المدينة افضل منهما لادارة المحافظة ..
ان المأساة اكبر من ان توصف كما اُعلمني العديد من الاصدقاء في داخل العراق وخارجه .. ولكن لم نسمع ابدا الا القليل من الاخبار عنها . انني اسأل: اين النداءات الواجب ان ترفع وتستصرخ من خلالها الضمائر الانسانية ؟ اين اولئك الكتبة من العراقيين الذين يكتبون حسب اجندات سياسية معينة ؟ الم يسمعوا ما يحدث في الموصل ؟ اين اولئك الذين ازدوجت معاييرهم بين عراقيين وعراقيين من نوع آخر؟ اين القنوات الفضائية التي يستوجب ان تنقل الصورة كما هي على الارض ؟ من يمنع كل هذا وذاك من التعريف بحجم الكارثة ؟ اين اولئك الذين انتخبهم الناس في الموصل من الحزب الاسلامي والموصل تغرق في كارثة ؟ ماذا يفعلون في العاصمة الاردنية عمّان وهم ممن وثق بهم الناس فانتخبوهم ؟ اذا كانوا يخافون ، فلماذا لم يستقيلوا من مهامهم ؟ لماذا بقي واحد او اثنان فقط يدافعان عن الموصل في محنتها التاريخية اليوم ؟ وأسأل قيادات كل من جبهة التوافق والقائمة العراقية عّما فعلوه في حل مشكلات الموصل السياسية والامنية بعد ان اعطى اهل الموصل اغلب اصواتهم الى القوتين السياسيتين الاثنتين ؟
وأسأل السيد رئيس الوزراء ( نوري المالكي ) : انك تعرف بأن الموصل تعيش مأساة أمنية منذ العام 2004 وزادتها تعقيدا مأساة سياسية منذ العام 2005 ، فماذا فعلتم لها ؟ هل غدت مشروع صفقة سياسية للأطراف الحاكمة ؟ هل تعتقدون ان الاحتقان الاجتماعي والسياسي لأسباب عرقية كالذي تعيشه المدينة واطرافها هو بسبب وجود القاعدة ؟ فالأخيرة لا علاقة لها بمشكلات قائمة اصلا .. وبالإمكان اجتثاث القاعدة بنفس الوسيلة التي اجتثت فيها من غربي العراق .. ولكن ان كنتم تعتقدون ان ارسال الجيش سيخلص الموصل من المأساة، واتمنى ذلك ، ولكنني اخشى الاحتدام العرقي – الطائفي ونتائجه ! لقد جرّبت الحكومة والجيش الامريكي حظهما في مناطق عراقية اخرى ، ولم ينفع مثل هذا العلاج ، فكيف بالموصل ولواحقها ؟ وللعلم ، فان الموصل ترفض الاحتلال وترفض اية قوة غير محلية تحكمها ..
ان الموصل ولواحقها من اخطر بيئات العراق السياسية بحكم عوامل معقدة وكثيرة ، وهي بحاجة ماسة الى نزع فتيل الصراع العرقي قبل كل شئ وبأساليب وطنية .. وعليه ، فلا حلّ لمشكلة الموصل واطرافها ، الا من خلال ما تسمونه بالصحوة على ايدي ابنائها الحقيقيين . وهنا اسأل : لماذا لم توافق بعض القيادات الكردية على فكرة الصحوة وتطبيقها في الموصل ؟ حاولوا الاجابة على هذا السؤال .. كي نضع كل الامور في نصابها .. قبل ان تتحّول المدينة الى كرة من اللهب ـ لا سمح الله ـ . ان الموصل مدينة ومحافظة لا يمكن ان تستقر الا اذا حّل مجلس المحافظة واعيدت التوازنات من جديد من النواحي السياسية والادارية وعلى اسس واقعية وباشراف دولي ، فضلا عن الاعتماد على الاهالي في تطهير المدينة من الارهاب ، وان يرافقهم جهاز امني وكادر اعلامي ينقل الاحداث الى العالم ، فضلا عن تشكيلات من مجتمع مدني ..
سيبارك اهل الموصل – كما اعتقد – اية خطوات تساعدهم لفرض الامن والاستقرار في مدينتهم ومحافظتهم وعلى اسس وطنية وتشريعية عادلة ، ولكن حذار من استخدام هذه ” الحملة ” العسكرية ضد ابناء الموصل وابناء مدن واقضية وقصبات اخرى .. انني اناشد المسؤولين الامريكيين والعراقيين ان يجدوا اية حلول سياسية ويطبقوا أية معالجات ادارية قبل استخدام الجيش في الشوارع والازقة كي لا يموت الابرياء .. على الحكومة العراقية ان تدرك اين مكامن الارهاب وان تعالج بحزم اخطاء اقترفت رسميا بحق الموصل من قبل قوى عديدة لها مصالح سياسية .. متمنيا من الله ان يجنب الموصل واي شبر من ارض العراق اية كوارث ومآس .. فلقد تعبت الناس وهي تتطلع الى مستقبل آمن ومستقر ومتعايش بعيدا عن كل الصراعات والالام . اننا نهدف من هذا النداء الجانب الانساني لأرواح الناس وممتلكاتهم وحفظ كرامتهم وان الامن يتحقق اذا اعيدت التوازنات من جديد ، وان تتوقف قوات الاحتلال ومن يعاونها عن التفجير والتنكيل بالأبرياء .. والعمل على انهاء الارهاب بكل اشكاله وجماعاته وميليشياته بكل الوسائل الوطنية والاهلية المتاحة
.. متمنيا للعراق كله الامن والاستقرار وان تفتح صفحة جديدة بعد طي كل الصفحات السوداء التي مرت على البلاد .

نشرت في الحوار المتمدن-العدد: 2179 – بتاريخ 2 شباط/ فبراير 2008 .. كما نشرت في صحف ومواقع عديدة . واعيد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل .
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

رسالة عاجلة الى السيد رئيس وزراء العراق المحترم

رسالة عاجلة الى السيد رئيس وزراء العراق المحترم تحية طيبة وبعد كنا وسنبقى نبارك خطوات …