الرئيسية / الرئيسية / العراق 1958 في الوثائق البريطانية الحلقة الثانية : نوري باشا السعيد

العراق 1958 في الوثائق البريطانية الحلقة الثانية : نوري باشا السعيد


والان انني ارى كوارث مقبلة في الافق البعيد ، فهي ان حلت عن طريق اليأس ..
فلابد ان يتجدد سعيرها الملتهب على ايدي شيوعيين او ارهابيين في المستقبل القريب ،
ويقيني ان اخمادها حين ذاك لن يكون هينا بأي حال من الاحوال ”
نوري السعيد

2/ نوري باشا : دعونا نكتشفه من جديد !!
2/1 مقدمة
عندما قتل نوري السعيد رئيس الوزراء الاسبق في العراق عام 1958 كنت صبيا لم اتجاوز الست سنوات من العمر ، ولكن علقت في ذهني صورة ذلك الرجل ، واسع العينين عريض الجبهة والمنكبين ، كثّ الحاجبين ، سريع الحركة ، جهوري الصوت ، قوي الذاكرة مع مسبحة لا تفارق يده .. وعندما كبرت ، حدثوني عنه طويلا وعن ملاطفته لي ايام طفولتي في قصر الضيافة بالموصل اذ كانت تربطه بجدّي الاستاذ الراحل علي الجميل 1889- 1928 م معرفة وثيقة منذ ايام الحركة العربية قبيل الحرب العالمية الاولى وفي اثنائها ، والمشهور عن نوري باشا انه يصبح طفلا مع الاطفال يلاعبهم ويتحدث حديثهم ويتصرف مثلهم .. ويقال انه كان يداعبني بشتيمة ماكرة ، فأردّ عليه بأقسى منها فيريدون اسكاتي بتأنيبي فيردعهم ليسمع مني المزيد من الشتائم بلغة الاطفال وسذاجتهم !! لقد قرأت وسمعت عنه وعن سيرته وعن تاريخه الكثير ، وتقصّيت جملة كبيرة من الوثائق والاعمال ، وكلما يمضي زمن اتعلم شيئا جديدا ، وبالرغم من اختلاف موقف العراقيين منه لم يزل قائما حتى يومنا هذا ، فان اغلب العراقيين يعترفون بأن الرجل قد سجل تاريخا مثقلا بالأحداث والوقائع والمواقف والمشروعات .. وانه كان وراء منجزات عدة ضمن مشروعات عراقية وعربية واقليمية ، الا انه في الوقت نفسه قد اتهم باتهامات شتى ناهيكم عن وقوعه بأخطاء تاريخية وخطايا عدة ما كان لها ان تكون . وسنقف في هذه ” الدراسة ” على جوانب من تاريخه عند نهاياته ، ونتحرى عن مواقفه قبل نهايته الدرامية عام 1958.
نعم ، ستعتني هذه ” الدراسة ” بالكشف عن معلومات وثائق تاريخية جديدة تنحصر ضمن المرحلة الاخيرة من حكم نوري السعيد وسياساته وافكاره ومحاولة تحليلها ، واعتقد انها ستضيف نتائج تاريخية واستنتاجات معرفية لما كان قد قدمه غيري من المؤرخين العراقيين المعاصرين الذين اهتموا بشخصية نوري السعيد وتاريخه بالاعتماد على الوثائق المتنوعة ، واذكر منهم كل من المؤرخين والزملاء : مجيد خدوري وخيري العمري وجعفر خياط وكمال مظهر ونجدة فتحي صفوت وفاروق العمر ولطفي فرج وجعفر حميدي ومحمد مظفر الادهمي وابراهيم خليل العلاف ومؤيد الونداوي وعبد الوهاب القصاب وعبد الرزاق النصيري وسامي القيسي وعلاء جاسم وغانم الحفو وسعاد رؤوف وليلى الامير وغيرهم .. فضلا عن مؤرخين غربيين من ابرزهم : لونكريك وغالمان وبيروود وايلي خدوري وحنا بطاطو وجارلس تريب وغيرهم .
من هو نوري السعيد ؟
انه الزعيم العراقي الشهير نوري باشا السعيد الذي اقترن اسمه بالعهد الملكي باعتباره من ابرز مؤسسي العراق المعاصر .. ولد ببغداد في 1986 ودرس في مدارسها وتخرج في مدرستها الحربية وفي مدرسة الاركان باستانبول ، ثم عمل ضابطا عثمانيا ثم تمرد ونفي .. ومن هناك التحق بالثورة العربية في الحجاز عام 1916 ونّصب قائد اركان الحرب رفقة الامير فيصل بن الحسين قائد الحملة .. ثم عمل معه في الحكومة الفيصلية بدمشق ، والتحق بفيصل الذي نّصب ملكا على عرش العراق .. وعمل الى جانب نسيبه وصهره الفريق اركان حرب جعفر العسكري في تأسيس الجيش العراقي ، ثم شارك في الحكومة العراقية وزيرا ورئيسا للوزراء لعدة مرات .. ويعتبر مهندس السياسة العراقية على امتداد العهد الملكي مستلهما اياها من مدرسة فيصل الاول ، وكان السيد نوري السعيد وراء عقد العديد من المواثيق والمعاهدات والاحلاف .. كما ويعد مؤسسا حقيقيا لعدة مشروعات عربية وقومية واقليمية في منطقة الشرق الاوسط . كان حليفا قويا للإنكليز في المنطقة كلها.. وكان رئيسا لوزراء الاتحاد الهاشمي عندما كانت نهايته البشعة على ايدي الشعب العراقي في شوارع بغداد يوم 15 تموز / يوليو 1958 . ولقد وصفه وزير خارجية العراق برهان الدين باش اعيان في مذكراته بقوله : ” كانت قدرات نوري السعيد الذهنية وشخصيته البارزة تلفتان النظر اكثر فاكثر ، عند كل مناسبة التقي فيها به واتعامل معه حيث اجده شعلة من الدهاء ومصدرا لطاقة عقلية وتفكير ديناميكي ومرونة سريعة في التفاعل مع الاحداث وايجاد الحلول الواقعية لها . لقد كان الشيخ برهان معجبا بنضج التفكير لدى نوري والمامه بأسرار السياسة الدولية ، وبعقليته العملية ، وبعد نظره ، وفهمه لشخصيات الرجال وسبره لأغوار تفكيرهم ونواياهم ، اضافة لما لمسه فيه من طول الباع في السياسة الداخلية والخارجية وفي الحروب ، وكل ما يتفرع عنها ” (1) .
2/2 نوري باشا : ظاهرة عربية غير عادية
ها قد مرت اكثر من خمسة عقود من الزمن الصعب على مصرع اشهر زعيم عراقي عرفه تاريخ العرب الحديث .. ولم ينقطع ذكره ابدا عن لسان العراقيين عموما برغم كراهية اغلبيتهم له ، ولكن ثمة اشياء في الرجل تجذبهم اليه لأسباب لا يعرفونها ! ولقد قدر اغلب المؤرخين والساسة الموضوعيين بأن نوري السعيد ظاهرة عربية ان لم تكن دولية ، وانه الرجل الوحيد الذي يقترن اسمه ببناء العراق المعاصر ، اذ شهد على امتداد خمسين سنة من حياته ولادة العراق دولة ومؤسسات .. مجتمعا واحزاب وزعامات . وبقدر ما ورث نوري باشا من تقاليد عتيقة للعثمانيين المستنيرين ، فقد كان ينزع للتحديث والاصلاحيين .. كان يؤمن بالقومية العربية ، ولكن من خلال تطبيقات واقعية وليست مثاليه – كما يقول المؤرخ مجيد خدوري – (2) ـ . كان نوري باشا واحدا من رجالات الرعيل الاول الذين ساهموا في تأسيس النظام السياسي في المشرق العربي برمته (3) ، كما تكشف عنه الوثائق التاريخية يوما بعد آخر .. وكان الرجل وراء عدة مشروعات استراتيجية منها ما نجح ومنها ما فشل ، وكان من ابرزها : مشروع الاتحاد العربي الذي سمي في ما بعد بـ ” الجامعة العربية ” ، ومنها : ” كتابه الازرق ” الذي يعلن فيه عن مستقبل وحدة الهلال الخصيب لكلّ من العراق وبلاد الشام ! كان نوري السعيد يعلن عن مدى حاجة العرب للغرب في تحديث حياتهم المتنوعة والتخلص من ثقافتهم الموروثة .
لقد قام نوري السعيد ابان الحرب العالمية الثانية بطرح مبادرة ، وخصوصا اثر بعد انتصار الحلفاء في معركة العلمين بمصر مع نهاية العام 1942م ، وقام بارسال مذكرة الى الحكومة البريطانية في 15 فبراير/ شباط 1943م تضمنت مشروعه الذي تبنى فيه قيام اتحاد كونفدرالي عربي يؤمن العرب فيه موضوع استقلالهم ووحدتهم . واقترح رأيه في ان تصدر الأمم المتحدة عندما تضع الحرب اوزارها إعلاناً يقول بتوحيد كل من سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن، فيما عرف في الادبيات السياسية العربية باسم سوريا الكبرى، ويطرح ” المشروع ” ايضا قيام اتحاد كونفدرالي موسع يوحد على الفور كل من سوريا والعراق وينظم من يرغب الالتحاق به من البلاد العربية الأخرى، ويتأسس مجلس لهذا ” الاتحاد ” كي يكون مسؤولاً عن شؤون الدفاع، والعلاقات الخارجية، والنقد والجمارك، وتضمن مشروع نوري السعيد ايضا منح اليهود شكلاً من أشكال الحكم الذاتي تحت إشراف الدولة السورية الكبرى، وأن يمنح موارنة لبنان نظاما خاصا مثل الذي تمتعوا به في ظل الحكم العثماني .
لقد جوبه مشروع نوري السعيد بمعارضة كل من مصر والسعودية بشكل خاص اما بريطانيا ، فقد اجابت على لسان وزير خارجيتها انتوني ايدن يوم 24 شباط / فبراير 1943م بأن بريطانيا تبارك قيام اتحاد عربي على ان ينال مباركة الرأي العام العربي الامر الذي حرك جهود كل العراق ومصر في لقاءات مشتركة اشترك في مداولاتها نوري السعيد ودافع عن مشروعه دفاعا مستميتا ، ولكن الحكومة المصرية ممثلة بمصطفى التحاس ورجالات مصر قاموا بتبديل مشروع الاتحاد الكونفدرالي الى مشروع انشاء جامعة الدول العربية ، فرضخ نوري السعيد لهذا البديل (4)
وكان صديقا للإنكليز ولكن يعاملهم كالند للند ، وكانت صداقته هي النقطة الضعيفة في سياسته الداخلية والخارجية للعراق ، وخصوصا عندما تولى الوزارة مرات عديدة ، وساهم في تأسيس مواثيق ومعاهدات واحلاف .. وكانت له ادواره الاساسية فيها ، فاعتبرته الاغلبية من الناس عميلا وخائنا ومأجورا وخصوصا كما جاء في بيانات اليساريين الراديكاليين من الثوريين والانقلابيين والقوميين والاسلاميين العرب والعراقيين . لقد كان العراقيون وما زالوا يكرهون اسمه ويمقتون ذكره ، ولكنني وجدت اليوم البعض من خصومه واندائه يترحمون عليه !! صحيح انهم يقولون بأن الباشا لم يكن متكلما بارعا متضلعا ولا زعيما كاريزميا ساطعا .. الا ان له فلسفته النوعية في الحكم وقدرته الفائقة في التعامل مع الاحداث ومع الاخرين وانه قد تميز بدهائه السياسي الذي ابقاه سنوات طويلة مهيمنا على السياسة العراقية ، كما ونجح في عقد اكبر تحالفين دوليين اقليميين: ميثاق سعد آباد وميثاق بغداد .. الخ
2/3 كشف جديد من اجل الحقيقة
لما كنت اشتغل اليوم على تأليف كتابين اولاهما عن ” تكوين العراق المعاصر 1921- 2003 ” و “تكوين العرب المعاصر 1909-2009 ” ، فقد انكشفت امامي معلومات وثائقية مهمة جدا ، وخصوصا عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، ومدى علاقة كلّ من الانكليز والامريكان بالمنطقة العربية .. ومنها وثائق سرية للغاية تحتوي على معلومات تاريخية نادرة لا تقيم بأي ثمن ستكشف عن جملة من المتغيرات التي يمكنها ان تزيح ليس الغشاوة التي غطت عيون العرب لأكثر من خمسين سنة ، بل انها ستعمل على تأسيس وعي من نوع آخر ، واعادة التفكير التاريخي بتواريخنا ورجالاتنا وزعمائنا ومنهم : نوري السعيد . هذا الرجل الذي يعتبر محور الشرق الاوسط برمته في عقود الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات ابان القرن العشرين ، وصولا الى مصرعه عام 1958. انه مؤسس النظام السياسي العربي الذي اراده منحازا الى الغرب باعتبار ان بأيدي الغرب مفاتيح الشرق الاوسط والمنطقة العربية برمتها ، وسيكون هو نفسه ضحية لذلك الغرب .
2/4 لقد جنت عليه اخطاؤه !
ان المؤرخ مهما كان منحازا لابد ان يعمل على ان يكون حياديا .. وعليه ، فان تقييم نوري باشا السعيد لابد ان يتم في ضوء الوثائق التاريخية التي تقول اغلبها بأن الرجل كان محورا مهما في كل السياسات ، وان كلا من القادة العرب والانكليز كانوا يستشيرونه.. وان هذا السعيد لا تفوته شاردة ولا واردة في اساليب ما يحدث من المعلنات والمخفيات .. كان عدوا لدودا للشيوعية العالمية وللشيوعيين العراقيين الذين لم يكرهوا زعيما مثله حتى اليوم .. وانه لم يسمع الا نفسه في اغلب الاحيان ، لأنه كان يعتقد انه اب للجميع ، وان كل المؤسسات لابد ان تكون في رعايته . وعليه ، لم يعط نوري السعيد اية فرصة لأبناء الجيل الجديد كي يستمع اليهم فقط .. كما ان اهتمامه بالمشروعات الاستراتيجية الكبرى قد جعلته يخسر كثيرا على مستوى ما كان يحتاجه المجتمع العراقي من المكتسبات الصغرى واليومية والمعيشية .. برغم ايمانه بأن البلد آمن ومستقر وان نتائج مشروعات مجلس الاعمار في العراق ستعم خيراتها بعد حين ! ومن اخطائه ايضا ، انه جعل نفسه في فم المدفع عندما تقدم غيره من الزعماء العرب الذين كانت لهم جميعا علاقاتهم مع الانكليز والغرب .. لكنه حمل وزرهم جميعا فدفع الثمن كبيرا جدا من اجلهم سواء اولئك الذين عاصروه في ايام حكمه ، او الذين جاءوا للحكم من بعده ! واخطأ نوري ايضا في عقد ميثاق بغداد الذي عرف في ما بعد بـ ” حلف بغداد ” وخصوصا في توقيته .. كونه غدا لعنة عربية عليه – ـ على حد تعبير المؤرخ حنا بطاطو – (5) ولقد اثبتت الايام صحة ما ارتكبه من خطأ في عقد ما اسماه بـ ” ميثاق بغداد ” ، اذ وجد بأن نظرية فيصل الاول في عقد اتفاقيات مع ما يحيط العراق من جيران اقوياء سيعمل على تقوية العراق لا اضعافه (6)، وان العراق بحاجة الى الامن الاقليمي قبل اي امر آخر ليكون بلدا مستقرا يمكنه ان يتفرغ لمشروع التغيير والتحديث والاعمار .
2/5 نوري السعيد واسرائيل
اما من هذه الناحية ، فتدل الوثائق التاريخية الخاصة بتأسيس اسرائيل ان نوري السعيد بقي يناضل طوال حياته من اجل ان لا يقوم أي كيان صهيوني في المنطقة العربية ، ولكنه خذل جدا من قبل قيادات وزعامات عربية اخرى .. وهنا ادعو كل زملائي المؤرخين الذين يمكنهم ان يكونوا موضوعيين وحياديين بعيدا عن حب الرجل والتعاطف معه او مقته وكراهيته العمياء ان يعيدوا قراءة تاريخه على ضوء الوثائق التاريخية المتاحة وجميع مواقفه (7) . كان نوري السعيد يؤمن بمقولة كان يرددها امام الغربيين : ” اذا كان مترنيخ يقول : اذا عطست فرنسا اصيبت اوروبا بزكام ، فانا اقول على غرار ما قال : اذا عطس العراق اصيب العرب بزكام ” ! واتمنى من اخواننا المثقفين والساسة العرب ايضا ان يرجعوا الى ما كتبه حاييم وايزمن Chaim Weizmann 1874- 1952 وهو اول رئيس لدولة اسرائيل في كتابه : ” التجربة والخطأ ” المطبوع في لندن عام 1950(8) ،
اذ قال وايزمان فيه وهو يحدد موقفه من الزعماء العرب ، قال : ” لم يكن الاقناع سهلا ميسورا ، ولكنني كنت اجتهد ان اسايرهم على قدر الامكان واروي لهم ما تحملناه من اعتداء وتعسف من بعض البلاد المعادية ، وابين لهم وجهة نظرنا اثناء الاجتماعات والمؤتمرات المتعددة التي جمعتنا . كنت اثناء ذلك اشعر بشيء من التجاوب واللين عند بعض الشخصيات العربية .. وعدد ممن اتيحت لي فرصة لمقابلتهم ، ولكن الشخص الصلب والعنيد الوحيد الذي لم استطع اقناعه بأي حال من الاحوال بقبول فكرة تأسيس دولة اسرائيلية فهو المسمى نوري باشا السعيد ، ولكنني شخصيا اعتقد ان سبب عناده وتصلبه يرجع الى رغبته في ايجاد منفذ للعراق الى البحر المتوسط عن طريق تأسيس دولة سورية الكبرى تضم العراق وسورية والاردن وفلسطين ، ثم تحديد بعض المناطق فيها لإسكان اليهود مع تحديد هجرتهم .. ” (9).
ولقد قمت بمراجعات معمقة في وثائق تلك المرحلة ، فهالني ايضا موقف الباشا من اسرائيل وعدم قدرته في عمل أي شيىء من الناحية السياسية ، لأن العراق لم يكن في مواجهة حدودية وحقيقية مع اسرائيل . صحيح ان نوري كان مصرا على مشروعه الذي دعا فيه الى توحيد الهلال الخصيب ، الا انه لم يكن الا قوة فاعلة في تأسيس جامعة الدول العربية ، وقد اراده مشروعا اتحاديا كونفدراليا يجمع البلدان العربية قاطبة فيه ، في حين جعل المصريون مشروعه مجرد جامعة للدول العربية (10) ..
ولما رآه وقد غدا منظمة عربية ، دعا الى تأسيس دولة الهلال الخصيب بين سوريا الطبيعية والعراق كاملا .. ودعونا نتأمل متسائلين : ماذا كان عليه وضع المشرق العربي اذا ما توحد الهلال الخصيب كتلة جغرافية موحدة لها استراتيجيتها الاقليمية والدولية تكملها وحدة اقليمية لشبه الجزيرة العربية ؟؟ واين ستكون اسرائيل وقت ذاك ؟

3/ النهاية البشعة
3/1 الوصية الاخيرة لنوري السعيد : حالة من بعد النظر والتنبؤات
اقف الان قليلا عند حالة من بعد النظر لدى هذا الزعيم الذي سواء اختلفنا ام اتفقنا معه ، فان التاريخ سيكشف لاحقا من خلال مقارنة الحالات والعلل والاستنتاجات عن قيمة أي زعيم عربي من زعماء القرن العشرين .. لقد قرأت في مجلة ” لايف Life ” الاميركية الصادرة في 28 يوليو / تموز 1958 ، أي بعد اقل من اسبوعين على مصرع نوري باشا السعيد ، اذا جاء فيها ما يشبه الوصية الاخيرة له ، وهو آخر تصريح له قبل نهايته المأساوية التي لا يمكن تخيلها .. دعونا نتأمل في قوله : ” انني كعربي وبرغم صداقتي للعالم الحر ، اقول جهرا : ان طاقتي في التحمل بلغت نهايتها ، فلقد طفح الكيل كثيرا جراء سياسات الغرب معنا . ويشاركني في مشاعري كل المسؤولين العرب في العالم . لقد سبق ان نبهناكم ونصحناكم مرارا بضرورة انصافنا وحل قضيتنا قبل ان يستفحل الامر ، ولكنكم تجاهلتمونا ، فحّلت في المنطقة عدة مشاكل وخطوب .. والان انني ارى كوارث مقبلة في الافق البعيد ، فهي ان حلت عن طريق اليأس .. فلابد ان يتجدد سعيرها الملتهب على ايدي شيوعيين او ارهابيين في المستقبل القريب ، ويقيني ان اخمادها حين ذاك لن يكون هينا بأي حال من الاحوال ” (11) .
ولقد جاء في مقالته وهو ينتقد سياسة الرئيس جمال عبد الناصر قائلا :
لقد عجز عبد الناصر عن ان يتفهم بوعي “ان الغرب لا يضمن للعرب ترف الحياد”. ان هذه المنطقة مهمة وبشكل قاطع وحاسم للغرب ، وانها مدمرة الى درجة ارتكاب حماقات .
ويبدو لنا ان عبد الناصر قد اهمل حقائق واقعية وعسكرية بالرغم من تربيته العسكرية. وتتضمن تلك “الواقعية” التي آمن بها نوري السعيد واراد العمل بها الفكرة التي حارب من اجلها ان السوفييت عاجزون في الدفاع عن العرب اذا اصبح العرب اعداء للغرب . وعلى هذا الاساس ، فان الرجل كان يرى بأن حرب السويس هو الثمن المتوقع الذي يدفعه العرب جراء سياسة عبد الناصر . لقد كان السوفييت قد اعلنوا انهم سيدخلون الى جانب مصر في حين بقيت الولايات المتحدة في موقف ثابت وهي تراقب وتفكر حول ما يمكن عمله بتطبيق سياستها في الشرق الاوسط . وقد اثار الاعلان السوفيتي مع ذلك ردود فعل اميركية تجسدت بانذار الرئيس الاميركي آيزنهاور لموسكو ومطالبتها الابتعاد عن المنطقة وقامت الولايات المتحدة الامريكية عقب ذلك باتخاذ خطوات قوية وسريعة لتعزيز موقعها ضد اصدقاء الاتحاد السوفيتي في الشرق الاوسط !
ولقد ادعى عبد الناصر بان التهديد الاميركي الاخير كان موجها ضده ، وبانه غدا ضحية الاعتداء الاجنبي الصارخ ، غير أن ذلك الادعاء كما رآه نوري السعيد كان ادعاء لا اساس له من الصحة . لقد لخص نوري السعيد وجهة نظر السياسة الاميركية ونتائج الانذار الاميركي بالنقاط الاتية:
اولا : لم يعد امام العرب أي خيار الا الوقوف الى جانب الولايات المتحدة خشية تعاظم النفوذ السوفيتي ، وهذا ما جعل قضية الصراع العربي الاسرائيلي يحتل مرتبة ثانوية.
ثانيا : ميل الغرب الى تفضيل اسرائيل في المواضيع التي تكتسب صفة الاستعجال والبت في الامر ، ولم تعد نكترث بمواضيعنا التي نطرحها .
ثالثا : ان نجاح الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي قد ساعد على خلق حالة من الرضا والسكوت عن الموضوعات المتعلقة بالمسألة الاسرائيلية.
هكذا ، يبدو لنا الان ونتيجة لما تقدم ايضاحه ، ان الولايات المتحدة اخذت تعيد الى الاذهان طرح المواضيع المكررة والمألوفة التي توجزها في : “ان اسرائيل لاتزال موضوعا مربكا وقلقا وحساسا ومعقدا . وان المشكلة الفلسطينية تحتل المرتبة الثانية في سلم الاولويات اذا ما قورنت بالخطر الماثل الواضح الذي تمثله الشيوعية لذا وطبقا لرأي الولايات المتحدة ، لابد من ترك موضوع القضية الفلسطينية وتفاصيلها جانبا. فضاعت على العرب جهودهم على مدى عقود طوال من السنين !
لقد كان نوري السعيد متوهما جدا في واقعيته ، ذلك ان الواقع العربي كان قد تغير كثيرا ، عما كان في زمن ما بين الحربين العظميين ، وما جرى من تطورات ايديولوجية في الخمسينيات كان قد تباين عما كان في الاربعينيات .. فكيف فات ذلك عليه ؟ لقد كان نوري السعيد يعتقد اعتقادا راسخا بأن الجماهير تؤمن بمخاطر اسرائيل قبل ان كانت تفكر في مخاطر الشيوعية ، فكان ان فات عليه ذلك ! واذا كان قد رأى العكس ، فانه كان متوهما وعلى اشد ما يكون الوهم ! واعتقد انه كان يؤمن بأن الحق الفلسطيني سيأتي من خلال محاربة الشيوعية اولا ، وان العرب سيحققون اهدافهم من خلال الاعتماد على الغرب في بناء نهضتهم وتحديث مؤسساتهم والارتقاء بمجتمعاتهم ثانيا ، وقد اخطأ في الاثنين معا ايضا .
وثمة خطيئة اخرى جناها بحق تاريخه القومي انه انساق الى ان يكون جزءا من الحرب الباردة بين المعسكرين الشرق والغرب ، او بالاحرى بين الشيوعية والرأسمالية ، او بين الولايات المتحدة وحلفائها وبين الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية . ان محاربته للشيوعية بالطريقة التي ادار فيها ازمته مع العراقيين قد جعلته خصما لدودا لهم مهما كان لديه من تواريخ وخدمات ومجهودات ، خصوصا وان صراعه قد تعددت اطرافه ضد اليسار والاحزاب القومية والثورية والانقلابية ، وهذا ما جعل مشروعه في ميثاق بغداد والذي سمي بـ ” حلف بغداد ” عام 1956 بالرغم من اهميته للعراق مستقبلا ، فقد جاء في خضم المد القومي واليساري وذروة ما وصله جمال عبد الناصر ابان الخمسينيات ، فكان ان انقلب المشروع ضده ! فضلا عن هذا وذاك ،
اننا نقرأ في مقالته التي نشرها في مجلة لايف الامريكية التي كتبها قبل رحيله ونشرت بعد مصرعه انه كان يعيش احباطا بالغ القوة من الغرب ، وكانت مشاعره قد اضطربت ازاء تعامل الغربيين مع القضايا العربية ، وقالها بصراحة : ” ان الغرب قد تخلى عنّا بشكل سافر ” ، ولكن يبدو ان الرجل قد فات زمنه بعد ان كان يستشيره الغرب ، بدا هذا الغرب ينذره بعد ان كان هو الذي ينذرهم من كوارث وهزات .. فاذا كان ينذرهم من صناعتهم لجمال عبد الناصر بطلا بضربهم له عام 1956 ، فقد انذرهم بما سيحدث لاحقا ، ” فمن المحتمل ان يكون هناك ثمة انقلاب شيوعي في المرة القادمة”. وكان قد اختتم حديثه قائلا : “اني اتكلم هنا كعربي وكصديق للغرب واعلن استيائي وانزعاجي . ويشاركني المسؤولون العرب الشعور نفسه من ان تدخل الولايات المتحدة في الشرق الاوسط لا يعني عمليا اكثر من قيامها بإيقاف حدة التوتر في منطقة الاضطرابات – اي ان عملها شبيه بعمل قوات الامم المتحدة لحفظ السلام – وعليه فقد لا يكون الانفجار التالي او القادم سهلا في اخماده او اطفائه ” (12).
ان تحليلنا لهذا ” النص” سيكون مهما جدا ، لأن ما حدث بعد ذلك يعلمنا ان ما خشي من حدوثه نوري السعيد قد تحقق .. وان كل ما حصل كان بسبب الغرب نفسه الذي لم يسمع ابدا للزعماء العرب ( الواقعيين ) سواء كانوا من اصدقائه او من خصومه … وعلينا ان نتأمل في قول شهير آخر له عندما قال في خطابه التاريخي الذي اذاعه في شهر ديسمبر 1956 ، انه : ” يحق لرجل الدولة الامين ان يغامر بحياته ومركزه وبكل ما يملك اذا اراد ذلك .. ولكن لا يجوز له قط ان يجازف بمقدرات او كيان الامة التي يرعاها ” .
3/2 النهاية البشعة
كانت نهاية الرجل في غمرة احداث الثورة ايام 14-16 تموز/ يوليو 1958 ببغداد نهاية حزينة لا تليق به ابدا وبتاريخه مهما كانت سيئاته ، اذ لم يكن الوحيد الذي كان صديقا ( او : عميلا ) للغرب وللإنكليز والامريكان .. لقد دفع الثمن باهضا اذ سحل جسده في شوارع بغداد الملتهبة وقطعت اوصاله وسحقت عجلات السيارات عظامه وهشمت اوصاله واحرقت اشلائه .. ليبدأ عهد جديد في تاريخ العراق والامة العربية المجيدة .. وهو تاريخ تتقاطع مرحلته بين قوتين مهيمنتين في العالم الذي انتقل الى ايدي الامريكان (13).

4/السفير الاميركي هولدمار غولمان 1899- 1980
كان السفير الاميركي هولدمار غولمان ( 1899- 1980 ) في العراق (14) ، شاهدا حيا على الإطاحة بالنظام الملكي، ولا ندري حتى هذه اللحظة مدى علمه بالتحركات العسكرية العراقية وهو يعيش في قلب بغداد ، فهل كان يجهل ما يجري على الارض في تلك اللحظة التاريخية ؟؟ هل كان يغطّ في نوم عميق ؟ لقد كان مراقبا – كما يبدو – لتلك اللحظات الخطيرة من الحدث فجر 14 تموز / يوليو 1958 ، وقد شهدنا انه قدّم صورة سياسية وليست دبلوماسية عن طريقة أميركا في التعامل الدولي مع عراق نوري السعيد ويشيد به كثيرا كونه رجل العراق و”وديمقراطيته” التي يعلق عليها بأن لم يكتب لها النضج ابدا ، كما وكتب كتابا بعد الحدث عنوانه ” العراق ابان حكم نوري السعيد ” (15). ويبدو انه كان يخصّ نوري بصداقة من نوع خاص ، اذ سجل في كتابه عنه جملة انطباعات تجاوزت حدود البروتوكول الدبلوماسي ، وعرض مزيدا من مشاهد الحياة السياسية التي شهدها في بغداد، كما كتب الكثير من خصوصيات نوري السعيد واسلوب حياته الممزوجة بالجد والمرح وحتى ولعه بالحياة الشعبية العراقية وعشقه لحديقة بيته المطلة على دجلة. ويشيد كثيرا بـ “لباقة” نوري وروعة مزاجه الذي يتقبل الامور بظرف كبير مازجا اياها بالسياسة وذكائه في ارسال رسائله الشفوية لما يريد ان يقوله للأخرين . ففي احد الايام ، كان السفير غولمان يدعو لرئيس الحكومة بالشفاء من رشح او زكام ، فالتفت اليه نوري قائلا : اخلط امنياتك الشخصية بقليل من المدفعية الأميركية التي يحتاجها جيشنا العراقي .
ان غولمان يبين مدى كراهيته وعدائيته لما حدث ووقع في بغداد فجر يوم 14 تموز / يوليو 1958 ، ويصف الاحداث بقسوة بالغة ، ويبدو انه لم يتوقع ابدا حدوث تلك الهزّة التاريخية ولم يقدّر ابعادها ، ان كان لديه علم بها ، او ان الدوائر الاميركية لم تخبره بها ! ؟ اذ انه ينتقد العهد الملكي في العراق ، ويقسو عليه بشكل خاص وسجل اطباعاته النقدية في وصفه لكيفية تنظيم الانتخابات المتتالية واجراءاتها بسرعة أحيانا ، فضلا عن اتهامه القصر الملكي بحياكة المؤامرات ، وعارض مواقف نوري السعيد من معارضيه ..
ويبدو للمؤرخ ان غولمان لم يقل كل ما عنده في كتابه عن نوري السعيد بالرغم من براعته في وصف اوضاع المنطقة التي كانت طرفا ضمن ظروف الحرب الباردة بين الشرق والغرب ! وكيف وجد العراق نفسه في قلب مخاض صعب ، وهو يبحث عن طريق يخلصه من المأزق وسط الحالة الشائكة ، وعلى الرغم من قلة ذكره في الوثائق البريطانية التي بين ايدينا ، ولكن الاهم من كل هذا وذاك ان غولمان قدّم توضيحات مهمة للصراع الاميركي البريطاني في قلب بغداد، حتى يصل متسائلا : هل خذلنا نوري السعيد حليفنا القوي في المنطقة؟ وهذا سؤال خطير ينبغي على الاجيال القادمة البحث عن اجوبة تاريخية له .. وبالرغم من عدم افصاح غولمان عن اية اسرار وايمانه بصلاحية العراق للاستمرار حتى تلك اللحظة ، ولكن ربما كان الصراع البريطاني الاميركي وراء اقتلاع النظام الملكي في العراق من جذوره !
ان متابعة تاريخية مهمة ودقيقة لما سجله السفير الاميركي غولمان بعد الحدث بسنوات ، وقوله بان وزارة خارجيته كانت تقول ان العراق مؤثر جدا في المنطقة من الناحية الاستراتيجية ، له معنى كبير جدا ،وما سجله ضد حكومة نوري بالقول ان علاقات تلك الحكومة مع شعبها ومع جيرانها تنطوي على مشاكل كبيرة ! له معاني اخرى عديدة (16) ..
ويضيف غولمان موضحا الرؤية القومية لنوري السعيد (خصوصا وهو يتحدث عن رؤيته للوحدة العربية) والتي لخصّها بمقارنة نوري باشا قائلا ان الامبراطورية البريطانية لم تؤسس تاريخيا على الأعمال السلبية بل كانت قد اسست على مثل وقيم إيجابية، وان الحياة الحرة والفكر الحر والمؤسسات الحرة والتعاون الحر .. كل تلك الاشياء الحرة تمنحها طاقة حياة عظيمة القوة، وتدفع بها دوما نحو الامام وعلى أسس كهذه من حرية العمل وروح التعاون، تشكل اتحاد حقيقي من شعوب مختلفة وأقطار عديدة .. وكل ذلك لا يعتمد على الكميات بل على النوعيات ، ولا يؤسس على الماديات والإحصائيات بقدر اعتماده على القيم والمثل العليا والمبادئ النبيلة الراسخة، التي غرست في قلب الإنسان وضميره ووجدانه .
ان الفرصة التاريخية لو منحت للشعوب العربية أن تؤسس تعاوناً حراً كهذا فيما بينها، فثقوا بأنكم ستجدون العرب مستعدين للتعامل بمودة وكرم وثقة مع جميع اليهود الذين يعيشون فيما بينهم وبين ظهرانيهم ، سواء في فلسطين أو في بقعة أخري، ولكن الاشتراطات والضمانات لا يمكن أن تكون ابدا مجرد نصوص ميتة، خشية أن تغدو رسالة ميتة، كما حدث لكثير من شروط الأقليات في الدساتير الأوروبية ابان السنوات العشرين الماضية”. (17)
ويعلق غولمان بما سجله قائلا بأن نوري قد مثّل دوراً شخصياً في تحقيق اتحاد عربي قبيل رحيله المأساوي ، ولكنه لم يكن اتحاداً عراقياً سورياً كما تخيل حدوثه في كتابه الأزرق، بل اتحاداً عراقياً أردنياً، ولد بصياغة سريعة ليوازن وحدة مصر وسوريا التي سبقته(18). ان اية وثائق بريطانية كالتي بين ايدينا لا يمكن ان تقرأ بمعزل عما سجله السفير الاميركي غولمان باعتباره واحدا من قطبين اساسيين يساهمان في ادارة المشهد السياسي بقلب بغداد .

رابعا : الرئيس جمال عبد الناصر :
مشروع الوحدة العربية ازاء مشروع الاتحاد العربي الهاشمي
1/ تبادل برقيات التهنئة وصوت العرب
جاء في كتيب نشرته مديرية الدعاية العامة ببغداد عام 1958 نص رسالة تهنئة ارسلها الرئيس جمال عبد الناصر الى الملك فيصل الثاني ملك العراق (19) ، وكانت برقية طويلة زاخرة بالتهاني العريضة والآمال القومية وقد كتبت بعاطفة ساخنة وتعبير عن محبة راسخة وكلمات مفعمة بالتقدير والاحترام ، وقد نشر رد الملك فيصل الثاني على برقية عبد الناصر بجواب مطول ايضا وبمشاعر عربية فياضة واحترام واعتزاز كبيرين . ان كلا من البرقتين المطولتين لا يمكنهما ان يعبران عن حقيقة ما يخفي كل نظام من النظامين السياسيين تجاه احدهما الاخر من احقاد ومن ضغائن ومن كراهية وخصومة سياسية بين اكبر دولتين عربيتين ، اشتركتا معا في التعبير عما يريده الفرقاء في الحرب الباردة عهد ذاك !!
دعونا نتأمل قليلا في نص البرقية التي ارسلها الرئيس جمال عبد الناصر للملك فيصل الثاني :
” حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني ملك العراق – بغداد
ان الاتحاد العربي الذي وحّد اليوم ما بين العراق والاردن هو خطوة مباركة تتطلع اليها الامة العربية كلها بأمل كبير باعتبارها اتجاها يستمد قوته من اعماق الضمير العربي ، واننا واثقون تمام الثقة ان الاتحاد العربي سوف يكون قوة لكل العرب على كل اعداء العرب . ان الايام التي تعيشها الامة العربية الان ايام خالدة مجيدة ، وما من شك ان الاحداث التي عاشتها امتنا في الفترة الاخيرة تبشّر بأن فجر الوحدة الذي اشرق على كل الافاق العربية هو مطلع بازغ جديد للامة العربية المناضلة ، وان القومية العربية ستفخر وتعتز بالخطوة التي اتخذتموها في عمّان اليوم ، واثقة انها تقرب منا يوم الوحدة العظمى . وما من شك ان شباب جلالتكم وايمانكم وصادق اخلاصكم سوف تكون من القوى الدافعة في سبيل تحقيق حلم العرب الكبير ، واني ابعث لجلالتكم تهانيّ ، اتمنى من صميم قلبي أن يوفقكم الله ويسدد خطاكم وأن يبارك شعبكم العظيم ” جمال عبد الناصر .
ان من كان يستمع ليل نهار الى اذاعة صوت العرب من القاهرة ودار الاذاعة العراقية في بغداد سوف لم يصدق ابدا ما تضمنته مثل برقيات التهنئة تلك ، وكان سيخرج بنتيجة مفادها ان القادة العرب لم يكونوا صرحاء فيما بينهم ، بل كان يكذب احدهم على الاخر ، ولم يكونوا عقلاء ابدا في تصرفاتهم وانفعالاتهم .. لقد كانت هناك حرب اذاعية ساخنة بين الطرفين تستخدم فيها كل الالفاظ المشينة وكل التعابير السيئة والشتائم المقذعة وكل الاوصاف البليدة وكل الاغاني الساخرة . وبطبيعة الحال ، كان عبد الناصر يمثل القومية العربية بريادته لها بعد ان اصبح للهاشميين سجل سيئ في الذاكرة العربية .. وان عبد الناصر منذ العام 1956 غدا بطلا قوميا وكان يستقطب الشارع العربي من اقصاه الى اقصاه ، بل واعتبر العدو رقم واحد بالنسبة لبريطانيا وفرنسا واسرائيل (20) .. ان هذا الرصيد هو الذي جعل عبد الناصر يصبح سيدا لكل العرب ، وكان العرب قد منحوه حق التدخل سياسيا واعلاميا في شأن اي بلد عربي ، كي يضمن خطاباته الطويلة فقرات واسعة وهو ينتقل بكلامه من مكان الى آخر . لقد خدمته الوسائل الاعلامية كثيرا في حين لم يعتن العراق بآليات الدعاية والاعلام .. كانت الملايين تسمع الى خطب عبد الناصر ، وقد ناصرته كل التيارات التحررية والاستقلالية والقومية واليسارية .. فكان ان خطّ حدّا سافرا بين معسكرين اثنين اولاهما معه وثانيهما ضده في حين بقي العراق لا يعتني بهذا الجانب ، بل وحتى خصوم عبد الناصر لم يستطع العراق كسبهم الى جانبه .. وبقدر ما هزم الهاشميون تاريخيا باعتبارهم حلفاء للغرب ، فلقد انتصر عبد الناصر باعتباره البطل الذي سيحرر فلسطين ويمحق اسرائيل من الوجود !

2/ صراع عبد الناصر مع العراق
لقد عمل عبد الناصر ليل نهار على اسقاط الاتحاد الهاشمي .. وقد انتصر في صراعه ضده ، اذ لم تمض الا بضعة اشهر حتى سقط بعد انقلاب عسكري دموي في العراق قاده ضباط عسكريون ولحقت به ثورة شعبية يوم 14 تموز / يوليو 1958 ، ليكون عبد الناصر اول المباركين للحدث ، بل واعلن للعالم وهو على متن طائرته بين موسكو وبراغ : ” ان اي اعتداء على العراق الجمهوري يعد اعتداء سافرا ضد الجمهورية العربية المتحدة ” ! ثم عاد بعد ساعات الى دمشق ، وقبل ان تهبط به الطائرة في مطارها ، ابرق للقيادة العراقية الجديدة مباركا ومهنئا انتصار الضباط الاحرار العراقيين ما فعلوه فجر 14 تموز / يوليو 1958 ، وكانت تلك القيادة مجتمعة بحضور الامين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي ميشيل عفلق الذي وصل من دمشق الى بغداد وابرق الى عبد الناصر ان تنزل طائرته في مطار بغداد ، ولكن اجابه بالاعتذار ، فكان ان ذهب بعد يومين او ثلاثة ايام وفد عراقي برئاسة العقيد الركن عبد السلام عارف الرجل الثاني في قيادة الحدث الى دمشق ، فاستقبله عبد الناصر استقبالا كبيرا وخرج الجمع الى الجماهير المحتشدة في قلب دمشق لإلقاء الكلمات التاريخية .. ولم تمض الا قرابة ثلاثة شهور حتى بدأت العلاقات العراقية المصرية تسوء شيئا فشيئا ، وعادت الحرب الباردة بين الطرفين على اقسى ما يكون، سواء في الصحف والمجلات او الاذاعات ومحكمة المهداوي التي تأسست في بغداد لمحاكمة رجال النظام الملكي السابق الذي سمي بـ ” العهد المباد ” وخصوصا ما كان يذاع من شتائم وشناعات عبر اذاعتي صوت العرب وهنا بغداد ، ليستفحل الصراع الدعائي الاعلامي السياسي الى درجة السخونة واشتعال الشرارة بين الطرفين ممثلا ذلك في الاحداث المأساوية التي عاشتها الموصل في شهر آذار / مارس 1959 وحتى نهاية حكم عبد الكريم قاسم عام 1963 وانقسام الموصل الى معسكرين اثنين متصارعين اولاهما قومي بعثي يمثله جمال عبد الناصر ، وثانيهما قاسمي شيوعي يمثله عبد الكريم قاسم ، وكان حدثا تاريخيا مريرا سفكت فيه الدماء وسحلت الناس بالحبال في الشوارع واقيمت مهرجانات الموت والنهب والسلب ، ثم بدأت سلسلة الاغتيالات السياسية والتصفيات الاجتماعية لمرحلة زمنية دامت طوال عهد عبد الكريم قاسم 1958- 1963 (21).

3/التموج والتبدل
السؤال الان : ما موقع عبد الناصر في مثل هذه ” الوثائق ” المهمة ؟ وخصوصا موقف عبد الناصر من الاتحاد العربي وموقف الجمهورية العربية المتحدة من تحركات العراق ، وبالأخص ازاء الكويت ؟
إن ما يعنينا بالذات هو مغزى التموج والتبدل في العلاقات الثنائية العلنية والخفية على عهد جمال عبد الناصر . لقد مرت العلاقات الثنائية بأزمات ساخنة بين البلدين في العهدين العراقيين الملكي والجمهوري ، فلقد راهن الرئيس عبد الناصر على سقوط النظام الملكي في العراق منذ تسلمّه السلطة وليس بعد العام 1956 كما تثبت الوثائق التي كشفت قبل سنوات ، وكانت هناك حرب باردة سياسية وإعلامية ونجح عبد الناصر في رهانه على أمل أن يقوم نظام حكم عراقي ناصري منسجم مع طموحاته القومية .. ونجح انقلاب عسكري ولحقت به ثورة شعبية يوم 14 تموز / يوليو 1958 ببغداد بقيادة كل من الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام عارف .
وكان يوما عصيبا اثار العالم كله على اخبار العراق اذ جرى تصفية العائلة المالكة بكاملها اذ قتل الملك الشاب فيصل الثاني وجرى سحل كل من الامير عبد الاله ولي العهد ونوري السعيد رئيس الوزراء ورجالات آخرين ومثل بهم وبأجسادهم ابشع تمثيل .. ولم نسمع من مصر أية أدانة او استنكار لما حل بخصوم عبد الناصر الملكيين أبدا ، بل جرى العكس اذ هللت اذاعة صوت العرب وكبرت وشمتت بهم شماتة لا ترحم ، وأذكر اننا كنا نستمع اليها والى التعليقات الصارخة والملتهبة ونستمع الى الاناشيد والاغاني الوطنية التي جرى تأليفها وتأديتها خصيصا للثورة العراقية من قبل ابرز الفنانين المصريين .. سمعنا ام كلثوم تغني قصيدة ” بغداد يا قلعة الاسود ” ، وفائدة كامل تغني : ” يا شعب العراق .. ” وتصدح المجموعة بنشيد ” الله اكبر فوق كيد المعتدي ” ، ونشيد ” يا ويل عدو الدار من ثورة الاحرار .. ” ! وبقي بعض العراقيين من انصار النظام الملكي وخصوصا من تبقى من العائلة المالكة وايضا بعض بقايا مؤيدي نوري السعيد يعتبون عتبا شديدا على الفنانة الكبيرة ام كلثوم على عدم وفائها ابدا لذلك النظام الملكي العراقي الذي كرمها ومنحها اول وسام عراقي ( وسام الرافدين ) واصدر قانونا خاصا بها كونها امرأة ، وكيف كانت العائلة المالكة تكرمها وكيف كان نوري السعيد يحترمها ويذهب بنفسه الى حفلاتها كي يسمعها .. وكيف جازتهم بعد ذبحهم ؟
وكان الرئيس جمال عبد الناصر اول المعترفين بالنظام العسكري الجديد الذي اعلن العراق جمهورية شعبية ، ولكن الشيىء بالشيىء يذكر ، ذلك ان الرئيس عبد الناصر كان قد ارسل للملك فيصل الثاني برقية تهنئة طويلة جدا يبارك له من صميم قلبه قيام الاتحاد الهاشمي بين العراق والاردن قبل عدة اشهر فقط من حدوث الانقلاب في 14 تموز/ يوليو 1958 ، وأجابه ملك العراق ببرقية جوابية مطولة ايضا يشكره فيها على عواطفه . كل ذلك حدث والعلاقات بين الطرفين لم تكن متوترة حسب ، بل كانت ساخنة ومحتدمة .. هكذا ، بدأت حياة العراق التاريخية الجديدة على عهد جمهوري جديد كسب ولاء الملايين من ابناء الشعب العراقي الذين تأملوا فيه خيرا بأن يحقق ما كانوا ينتظرونه منذ زمن بعيد .. ولكنه ويا للأسف لم يتحقق حتى اليوم !

4/ رهان مصر وعهد الثورة العراقية :
بعد ساعات قلائل من الحدث التاريخي المزلزل في العراق ، وصل من مصر وفد مصري عالي المستوى ، ولقد حكى لنا عبد المجيد فريد قصة ذهابه الى العراق بعد ساعات من احداث الصباح الدامي في 14 تموز / يوليو 1958 ، اذ وصل بعد 12 ساعة برا مع جهاز لاسلكي واخذ موقعه في وزارة الدفاع العراقية .. وكنت اتمنى منه ان يجيب على تساؤلاتي الدامغة التي طرحتها عليه منذ عام 2000 في كتابي ” تفكيك هيكل ” بصدد دوره في ارسال طائرة مصرية محملة بالوثائق السرية الخطيرة لحلف بغداد الى عبد الناصر ؟ واين مصير تلك الوثائق اليوم بعد ان وصلت مصر وغاص عبد الناصر فيها مكتشفا اسرار الحلف ـ كما ادعى ذلك كله محمد حسنين هيكل ـ ؟؟ وفي الأيام الأولى للانقلاب الدموي العراقي في 14 يوليو 1958 تّعرف جمال عبد الناصر على عبد السلام عارف أحد زعيمي الانقلاب منذ اجتمعا في دمشق اذ وصل وفد الثوار العراقيين الى دمشق برئاسة عارف وتوثقت العلاقة بين عبد الناصر وعارف في العلن كصديقين شخصيين ، يحفظ كل منهما الود للآخر ، ولكن بدا بكل وضوح بأن أحدهما لم يكن يثق بالآخر أبدا ، ويقال ان عبد الناصر استخف بعارف منذ اللقاء الاول ! ومضت الايام والعلاقات بين القاهرة وبغداد مثل العسل .. ولكن بعد اقل من ثلاثة اشهر ، اختلف زعيما الانقلاب العراقي عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف اختلافا أوصلهما إلى حالة الصراع نتيجة ما سمي بمؤامرة عبد الناصر على قاسم ، فاقصي عبد السلام عن السلطة وحوكم وتقرر إعدامه ولكن لم ينفذ الحكم به فبقي مسجونا .. حتى اطيح بالزعيم قاسم ، فجيىء به رئيسا للجمهورية العراقية ، وهو اول رئيس جمهورية في تاريخ العراق ومنحوه رتبة المشير الركن .
نعم، كانت العلاقات بين مصر والعراق قد ساءت بعد مضي اشهر معدودة علي الانقلاب الثوري العراقي العام 1958 وبدأت حرب إعلامية وسياسية بين الطرفين وكانت إذاعة صوت العرب قوة إعلامية جامحة ومؤثرة جدا وقت ذاك في عموم المنطقة، وراهن عبد الناصر مرة أخري علي سقوط نظام قاسم وفشل في رهانه من خلال دعمه حركة انقلابية فاشلة قام بها العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في مدينة الموصل شهر اذار (مارس) 1959 وكان قد مّدها جمال عبد الناصر بواسطة عبد الحميد السراج بإذاعة خاصة من سوريا التي كانت تسمي بالإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة التي يتزعمها عبد الناصر وكان نتيجة تلك الحركة من العصيان وتمرد القطعات والصراع الدموي بين الشيوعيين والقوميين أن استبيحت مدينة الموصل وعاشت احلك أيامها السود، اذ سحل الناس في الشوارع وعلقوا علي اعمدة الكهرباء ودام السلب والنهب اياما.
ومر عهد الزعيم عبد الكريم قاسم والعلاقات سيئة جدا بين الطرفين ولما حدث انقلاب عسكري دموي آخر في العراق يوم 8 شباط (فبراير) 1963 أطيح فيه بحكم الزعيم عبد الكريم قاسم، وكان الانقلاب بعثيا هذه المرة واشد قسوة ودموية من الانقلاب الاول واعدم فيه عبد الكريم قاسم وجماعته ليأتي شريكه في الانقلاب الاول العقيد الركن عبد السلام عارف وينصب اول رئيس للجمهورية من دون اية انتخابات دستورية او برلمانية او عامة ، ويمنح نفسه رتبة مشير ركن . وكان عبد الناصر يراهن علي حدوث أي انقلاب علي أمل ليس لعودة العلاقات بين الطرفين إلي مجاريها، بل لكي تكون بغداد منسجمة جدا مع سياسة الرجل العربية خصوصا.. وتؤكد الوثائق السياسية المصرية التي درسناها وأشرنا اليها في كتابي الموسوم (تفكيك هيكل) بأن عبد الناصر احبط إحباطا شديدا نتيجة مجيء البعثيين للسلطة في العراق العام 1963 وعدم تسلم الناصريين لها وكان الصراع مشتدا بين البعثيين من طرف وبين الفئات القومية الأخرى كالناصريين والحركيين (22).
نعم تنبؤنا الرسائل التي كتبها جمال عبد الناصر بخط يده إلي المشير عبد الحكيم عامر، وكان الأخير في رحلة طويلة بأن أمله قد خاب من مجيء البعثيين إلي السلطة في العراق واعدامهم المئات من الشيوعيين العراقيين، وبرغم تنصيبهم عبد السلام عارف رئيسا للجمهورية العراقية من دون أي انتخابات تشريعية، ولأول مرة يتسلم ضابط عراقي مقاليد الرئاسة الجمهورية من دون اية انتخابات ليغدو ذلك عرفا سياسيا في العراق وعلي الأسلوب نفسه الذي جري في مصر بعد العام 1952. فلقد غدا اللواء محمد نجيب رئيسا والبكباشي عبد الناصر نائبا ووزير الداخلية والصاغ صلاح سالم للخارجية والصاغ عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة ! وانتهى البيان المصري الذي صدر في يونيو 1953 بان الحكومة انتقالية الى حين يقول الشعب كلمته في انتخابات تشريعية بعد ان بدأ بإزالة شرعية حكم اسرة محمد علي باشا .. ومنذ اكثر من خمسين سنة اي منذ العام 1953 لم ينتخب الشعب المصري رئيسه انتخابا تشريعيا (23) .

خامسا :السير مايكل رايت سفير بريطانيا في العراق 1955- 1958
1/ مايكل رايت : من يكون ؟

مايكل روبرت رايت، GCMG CMO، ولد 3 ديسمبر 1901 هو الابن الاصغر لإميلي Merriel Chermside مابيل والسير روبرت صموئيل رايت من حديقة هيدلي، Liphook، هامبشاير، انجلترا والسابقين، وتلقى تعليمه في وينشستر وكلية باليول بجامعة اوكسفورد (24). ان الحاجة التاريخية تتطلب التوغل بعمق شديد في شخصية مايكل رايت والكشف عن دوره ومراسلاته الخاصة جدا ، فقد كان من اذكى الدبلوماسيين البريطانيين في القرن العشرين ، ولا يعقل ان يتزامن وجوده في بغداد التي يحدث فيها اهم حدث تاريخي في تاريخ العراق في القرن العشرين ولا يمكن ان يفاجئ بالحدث كما فوجئ به الاخرون .. وتوضّح مواقفه السياسية ومراسلاته الدبلوماسية بأنه كان يراقب الوضع على افضل ما تكون المراقبة ، بل ويسجل معلوماته التي يرسلها الى وزارة الخارجية البريطانية ، كما انه كان يدرك جيدا حالة القوة الدافعة للجماهير التي زحفت الى مبنى السفارة وتحطيمها تمثال الملك فيصل الاول وتمثال الجنرال مود في قلب بغداد صبيحة الرابع عشر من تموز / يوليو 1958 لقد وصف مسؤولون في السفارة البريطانية ببغداد بأنها “ثورة شعبية” تقوم على هياج “المشاعر المكبوتة التي امتزجت بها كل من الكراهية والإحباط، ويتغذى على العاطفة القومية غير منتهية، والعداء للحكومة التي بدت استبدادية، مع استياء شديد لأوضاع الهيمنة الغربية، والاشمئزاز واسع النطاق من الفقر والانسحاق لفئات من المحرومين غير مرتاح”.
قبل ثلاثة أشهر من الثورة ، قال السير مايكل رايت، السفير البريطاني في بغداد، لوزير الخارجية سلوين لويد أن “الوضع الدستوري في العراق يشبه جدا ما كانت عليه المملكة المتحدة ايام جورج الثالث .. وهذه مقارنة تاريخية مهمة تعكس لنا كيف كان السير مايكل رايت يفكر في نهايات العهد الملكي في العراق ، خصوصا اذا ما علمنا ان جورج الثالث ملك بريطانيا 1760- 1820قد تطورت الامور في غير صالحه في النهاية بعد ان قاوم امتداد نابليون بونابرت وحملاته حتى اصابه الصرع ولم يعد قادرا على مزاولة حكمه ! انها رسالة ذكية جدا تعلن عن استعداد لتشييع النظام الملكي في العراق الى مثواه الاخير كونه لم يعد يقوى على الحياة ، من وجهة نظر البريطانيين ، وافتراق مصالحهم معه ! تدنّت شعبيته لصالح عبد الناصر ولم يعد يستوعب معارضيه مع بقاء الثروة والسلطة في ايدي ملاك الاراضي وشيوخ العشائر ..
ويجد القارئ مدى قوة وتأثير السير مايكل رايت في الوثائق البريطانية وفاعليته السياسية والمعلوماتية على امتداد ستة اشهر من قيام الثورة العراقية . واعتقد ان ثمة معلومات خاصة وشفرات متبادلة لم يكشف عنها حتى الان بين السير مايكل رايت وطاقمه في بغداد وبين الحكومة البريطانية .. اذا استطاع احد الوصول اليها في يوم من الايام ، فسيكشف عن اسرار خطيرة لثورة 14 تموز / يوليو 1958 . فضلا عن ان الموقفين البريطاني والامريكي يكاد يكون متطابقا في الرؤية والهدف ازاء كل من مصر والعراق ، ولكن تبلور كل ذلك بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، بحيث ما نعتبره عداء لهذا ينقلب الى مصالح مع ذاك ، وما نعتبره صداقة تجاه ذاك ينقلب بين ليلة وضحاها الى تغيير جذري عند هذا ، علما بأن كلا من البريطانيين والاميركان كانا في خندق واحد في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية علنا في الخمسينيات بعد ان كان الاتحاد السوفييتي حليفا معهما في الاربعينيات ضد هتلر المانيا النازية وموسليني ايطاليا الفاشية ايام الحرب العالمية الثانية ..
وكان الاتحاد السوفييتي اول المعترفين دوليا بقيام دولة اسرائيل في قلب العالم العربي ، ومن ثم تطورت العلاقات الجيوبولتيكية بين الولايات المتحدة واسرائيل بعد ان كانت فرنسا حليفا قويا لإسرائيل واكبر المزودين لها بالسلاح حتى العام 1967 .
تخبرنا الوثائق البريطانية ( وهي البرقيات التي ارسلت الى خارجية البريطانية من العراق صبيحة ١٤ تموز. يوليو ١٩٥٨ ويوم ١٥ منه ) ان السير مايكل رايت قد اختفى من السفارة مع زوجته بذهابهما الى فندق بغداد ، ولم تصدر منه أية برقية حتى مساء اليوم الثاني. وتقول آخر البرقيات بانه كان غير متأثر أبدا بالحدث ، ولم تبد عليه اية حالة انزعاج علما بان احد موظفي سفارته قد قتل بطريق الخطأ. ولكن ماذا كانت ردود فعله وهي في الحقيقة ردود فعل بريطانيا خصوصا عندما نعلم بان للبريطانيين حتى فجر ١٤ تموز قاعدتين عسكريتين قديمتين أولاهما في الحبانية القريبة من بغداد والثانية في الشعيبة القريبة من البصرة وعندما نقارن بين مواقف بريطانيا من انقلاب بكر صدقي عام ١٩٣٦ ومن احداث حركة رشيد عالي الكيلاني عام ١٩٤١ وإصرارهم على اعدام العقداء الاربعة رفقة يونس السبعاوي وهم اقطاب تلك الحركة ، وملاحقة الكيلاني وكيف كان موقفهم ازاء مجريات الاحداث الملتهبة في ١٤ – 16 تموز/ يوليو ببغداد ؟؟ (25)
سنجد ان رصيد نوري السعيد والنظام الملكي العراقي قد انتهى لديهم تماماً. وان المرحلة التاريخية البريطانية قد انتهت لصالح الولايات المتحدة الامريكية فضلا عن اجتياح عبد الناصر وقوته السياسية والاعلامية كل الشارع العربي ، وايضا سهولة التعامل مع رجل عسكري جاء مباشرة من الثكنة العسكرية لحكم العراق بديلا عن نخبة سياسية متمرسة في الحكم وصعبة جداً في التعامل (26) . ويمكننا ان نطلع من خلال هذه الوثائق على رسالة مطولة كتبها السير مايكل رايت ، وهي تتضمن شرحاً وتحليلاً مفصلاً عن اثر إقامة الجمهورية العربية المتحدة على مستقبل النظام السياسي في العراق . إضافة لما تضمنته من مقترحات عن كيفية مساعدة بريطانيا للعراق في مواجهة المستقبل. وتخبرنا الوثائق بأن السير مايكل رايت ينصح حكومته بتجنب تشجيع الاعتقاد بأن القوى الغربية قد رتبت قيام الاتحاد بين العراق والأردن وعلى الضد من الجمهورية العربية المتحدة. ويحدد الخطوات التي على حكومته أن تتخذها بهذا الشأن.
ان السياسي العراقي الوحيد الذي دافع عنه الغرب بشكل سافر هو الدكتور فاضل الجمالي ، وقد هددت بريطانيا واميركا عبدالكريم قاسم ان اقدم على اعدام فاضل الجمالي ، فكان ان طلب قاسم اللقاء بالدكتور فاضل الجمالي ( رئيس وزراء ووزير خارجية ابان العهد الملكي ) في مكتبه بوزارة الدفاع قرب الفجر وقد جاء الحرس بالجمالي منقولا من سجن رقم 1 ، فاستقبله استقبالا حسنا وبقي معه لمدة ثلاث ساعات حدثه فيها عن طبيعة العلاقات العراقية مع كل من بريطانيا واميركا .
حدثني المرحوم الدكتور فاضل الجمالي احد رؤساء الوزارات العراقيين السابقين ابان العهد الملكي ) اثناء لقائي معه في بيته بضاحية المرسى في العاصمة التونسية 5 اكتوبر 1985 بحضور زوجته مسز سارة باول جمالي عن تفاصيل لقائه مع الزعيم عبد الكريم قاسم في مكتبه بوزارة الدفاع بعد ان اخذ الجمالي على حين غفلة من سجن رقم واحد ، ليلتقي هناك قاسم وجرى البحث في قضايا تاريخية وسياسية اخرى. كان اللقاء مع الزعيم قاسم في الرابعة فجرا ودام ثلاث ساعات وابدى قاسم احترامه للجمالي وسأله عن السياسة الخارجية العراقية وعن بعض اسرار حلف بغداد .. قال الجمالي وجدته لا يفقه في القضايا السياسية شيئا ، ولكنه يعيش نشوة الانتصار الذي حققه ، وتعجبت كيف سيدير هذا الضابط شؤون العراق وبمثل هذه العقلية المضطربة .. وفي تلك الليلة اصدر اوامره بإطلاق سراحي رهن الاقامة الجبرية وبقيت في داري حتى قدمت طلبا للاستشفاء خارج العراق فوافق الزعيم وغادرت رفقة سارة الى بيروت التي بقيت فيها ردحا من الزمن ، حتى استدعاني الرئيس الحبيب بورقيبة ومنحني حق الاقامة والضيافة في تونس مع توفير بيت وسيارة وسائق وخادمة .. وعندما زار الدكتور الجمالي الجزائر على عهد الشاذلي بن جديد عام 1985 ، استقبل استقبالا رسميا وشعبيا اعترافا بدوره وجميل صنعه للقضية الجزائرية عراقيا في الامم المتحدة ابان الخمسينيات . (27) .

الهوامش
(1) انظر : احمد برهان الدين باش أعيان ، برهان الدين باش أعيان : حياته وعصره 1915- 1975 ط1 ( لندن : دار الساقي ، 2012 ) ، ص 394 . وراجع ايضا : عصمت السعيد ، نوري السعيد : رجل الدولة والانسان ، ط1 ( لندن : دار الساقي للطباعة والنشر ، 1992) .
(2) راجع : مجيد خدوري ، عرب معاصرون : أدوار القادة في السياسة ، ط1 ( بيروت : الدار المتحدة للنشر ، 1973) ، ص 36-89.
(3) عبد الرزاق أحمد النصيري، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1932، (بغداد: مكتبة اليقظة العربية، 1988) ، ص9. وانظر متابعا : سعاد رؤوف شير محمد ، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1945 ، مراجعة : كمال مظهر احمد ، ط1 ( بيروت : الدار العربية للموسوعات ، 1988 ) . وانظر ايضا : جعفر حميدي ، التطورات والاتجاهات السياسية الداخلية في العراق من 1953 إلى 1958 ، (بغداد، 1980) .
(4) نقلا عن وثيقة تاريخية من وثائق وزارة البحرية البريطانية
Memorandum on the Arab Unity by the Naval Intelligence Department June 4,1943.
(5) راجع :
Cf. Hanna Batato , The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraqi Old Landed and Commercial Classes and of its Communists, Ba thists and Free officers ( Princeton & New Jersy, l978),
(6) انظر :
Christopher Bromhead Birdwood Birdwood (baron), Nuri as-Said: a study in Arab leadership (London: Cassell, 1959), p. 56.
(7) انظر : مؤيد الونداوي ، الاتحاد الهاشمي في الوثائق البريطانية ، تقديم : سيار الجميل ، ط1 ( بيروت & الدوحة : المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ، 2013 ) ، ص 500 .
(8)قارن :
Chaim Weizmann (1949). Trial and Error: The Autobiography of Chaim Weizmann. Jewish Publication Society of America
(9)نفسه
(10) ملحق الف ياء ، الزمان اللندنية ، العدد 1260، الاثنين 15 تموز/ يوليو 2002.
(11) راجع مجلة لايف الاميركية التي علقت على مقال نوري السعيد بعد مصرعه باسبوعين قائلة :
“Interesting article written by Nuri Es Said (Iraqi Premier) about “The Western World just before he was killed for his beliefs “ . Cf. Life Magazine July 28, 1958
وينبغي تصويب التاريخ الذي ذكره المؤرخ سامي القيسي ، قائلا : ” قبل خمسة ايام من قيام ثورة 14 تموز 1958 وبالتحديد في 9 تموز كتب نوري السعيد مقالا الى مجلة (لايف العالمية life international) التي تصدر في الولايات المتحدة . وفي يوم 18 آب 1958 نشرت المجلة المذكورة حديث نوري السعيد المشار اليه بعنوان “الوصية الاخيرة لرئيس وزراء العراق: نوري السعيد يتنبأ بانفجار كارثة جديدة”.
سامي القيسي ، ” الحديث الأخير لنوري السعيد .. تحليلات ثعلب السياسة العراقية” جريدة المدى ، بغداد ، 10/ 1/ 2010
(12) Cf. Life Magazine July 28, 1958
(13) كتب لي السيد عبدالرزاق عبدالله الدليمي رسالة في 26-03-2010 يعلق فيها على مقالتي عن نوري السعيد قائلا : ” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة ، وبعد
شكرا جزيلا على مدونتك التي تخص المرحوم نوري باشا السعيد، فقد كان عمري خلال الانقلاب الدموي خمسة سنوات، الذي اطاح بالنظام الملكي وكان المقصود ازاحة الباشا، الذي هدد بريطانيا بضم الكويت الى الاتحاد الهاشمي، الذي كان من المزمع تأسيسه.. وتم اجابته بان الجواب سيأتي اليه يوم 14/7/1958 ، وفعلا وصلت الاجابة ولكن بطريقة دموية! واتذكر حادثة لاتزال حيه في ذاكرتي الى اليوم، اذ تم مهاجمة شخص في منطقة راغبة خاتون ، واشير اليه بانه صباح ابن الباشا ، وتم ضربه الى حد الموت ، ولم يكتف هولاء الرعاع ، بل تم سكب النفط فوقه لحرقه ، ونهض من اثر النار التي اضرمت فيه ، وهجم على الناس لانقاذه ، وتم رميه بالطابوق ، واصبح المكان اشبه بالقبر، وبدأت تخرج رائحة اللحم الذي شوته النار، واصابني الفزع واسرع والدي بإعادتي الى البيت ، وانا في حالة رعب شديد.. وعندما وصلت الى مرحلة الشباب سألت والدي عن تلك الحادثة التي احترق بها ذلك الرجل ، فقال كان المقصود صباح ، الا انه تبين فيما بعد ، موظف اردني يعمل في السفارة الاردنية في بغداد ، والسبب لوجود تشابه بينهما ، وقدمت حكومة الانقلاب دية لعائلته ، اما المرحوم نوري باشا ، فقد تم سحله بالسيارة، حتى وصلت الى منطقة الكسرة، والشهود في تلك المنطقة، شاهدوه بدون اقدام ، تمزقت اطرافه نتيجة السحل !! هذا ما أتذكره من ذلك الانقلاب الدموي.
(14) انظر :
Waldemar J. Gallman , Iraq under General Nuri: My Recollection of Nuri Al-Said, 1954-1958, (Johns Hopkins University Press, Baltimore, 1964).
(15) راجع :
Waldemar J Gallman ( 1899- 1980 ) Ambassador Extraordinary and Plenipotentiary (Iraq) . Appointed: July 2, 1954 . Presentation of Credentials: November 3, 1954. Cf. Charles Tripp, A History of Iraq, ( Cambridge: Cambridge University Press, 2002 )pp. 67-98.
(16) راجع :
Commissioned as Ambassador Extraordinary and Plenipotentiary to the Arab Union, Jul 10, 1958, but did not take oath of office under that appointment, the Arab Union having been dissolved; continued to serve as Ambassador Extraordinary and Plenipotentiary to Iraq.
(17) Waldemar J Gallman, op. cit.
(18) Ibid.
(19) Ibid.
(20) Ibid.
(21) الاتحاد الهاشمي ، بغداد : مديرية الدعاية العامة ، 1958) ، ص 7-9 .
(22) انظر :
Elie Kedourie, Politics in the Middle East( Oxford: Oxford University Press 1997), pp. 59-67. See also, Liora Lukutz, Iraq: The Search for National Identity, ( Routledge Publishing, 1995), pp. 256. .
(23) لقد عالجت في كتابي تفاصيل العلاقات المصرية – العراقية ، انظر : سيار الجميل ، تفكيك هيكل : مكاشفات نقدية في اشكاليات محمد حسنين هيكل ، ط1 ( بيروت & عمّان & لندن : الاهلية للنشر والتوزيع ، 2000 ) .
(24) انظر التفاصيل : ولد مايكل روبرت رايت في 3 كانون الاول ديسمبر 1901 وتلقى علومه في جامعة اكسفورد
Michael Robert Wright, G.C.M.G. CMO, Born December 3, 1901 is the younger son of Merriel Mabel Emily Chermside and Sir Robert Samuel Wright of Headley Park, Liphook, Hampshire, England and the former , Educated at Winchester and Balliol College, Oxford. Details in Who is who in Britain; ( London, 1975), p. 455.
(25) راجع :
Roger Lewis, and Roger Owen, (eds); A Revolutionary Year: The Middle East in 1958 ( London: I.B. Tauris 2002).
(26) بقيت علاقة السفير البريطاني السير مايكل رايت قوية بالزعيم عبد الكريم قاسم . ان من المؤكد جدا زياراته المتكررة له في مكتبه بوزارة الدفاع ، ولكن هل ثبتت مصداقية ما نشره محمد حسنين هيكل من مقالات ( بصراحة ) . انظر مثلا مقاله : “يا سيادة الزعيم الاوحد ” ، الاهرام ، 31 /1/ 1959 .
(27) حدثني المرحوم الدكتور فاضل الجمالي اثناء لقائي معه في بيته بضاحية المرسى في العاصمة التونسية 5 اكتوبر 1985 بحضور زوجته مسز سارة باول جمالي عن تفاصيل لقائه مع الزعيم عبد الكريم قاسم في مكتبه بوزارة الدفاع .

انتهت الحلقة الثانية وسيليها الحلقة الثالثة فترقبوها
تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

منظومة بشعة تأكل العراق

ليس ثمّة ما يماثل ثقافة الفساد التي تعمّ العراق في أي مكان من هذا الوجود …