الرئيسية / الرئيسية / كلمة الاستاذ الدكتور سيّار الجميل في احتفالية مئوية شيخ المعماريين العراقيين الاستاذ الدكتور محمد مكيّة

كلمة الاستاذ الدكتور سيّار الجميل في احتفالية مئوية شيخ المعماريين العراقيين الاستاذ الدكتور محمد مكيّة

كلمة المؤرخ العراقي الاستاذ الدكتور سيّار الجميل في الاحتفالية التي اقيمت بالعاصمة بغداد لمناسبة مئوية الاستاذ المعمار الكبير الدكتور محمد مكيّة في بغداد يومي الجمعة والسبت 4-5ابريل / نيسان 2014 في بغداد .. وقد القيت هذه الكلمة في الحفل نيابة ..

عزيزي الاستاذ الكبير الدكتور محمد مكّية حفظه الله ومتّعه بالصحة والعافية
ايها الاصدقاء الاعزاء في بغداد وفي كل مكان
تحياتي الكبيرة لكم جميعا وتحية خاصة ازجيها لاستاذنا الكبير محمد مكية
انه يوم كبير ان تجتمعوا ايتها السيدات ايها السادة للاحتفاء بمئوية واحد من رموز العراق وعظمائه في القرن العشرين .. نعم ، احييكم تحية رائعة ، واقف احتراما امام هذا المعمار العراقي الرمز الكبير الذي عاش على امتداد اجيال ثلاثة من العراقيين ، واذ يكمل مئويته ، نتمنى له ان يبقى لنا هذا الرمز بكل حيويته نبراسا ومعلما ورائدا لعراق نريده موحدا .. وليدعني الاستاذ الكبير محمد مكية ان اطلق عليه عن جدارة واستحقاق لقب ” شيخ العراقيين ” .
لقد بنى شيخ العراقيين ، وهو الرمز الرائع تكوينه الاول على مدى ثلاثين سنة اولى من حياته ابان مرحلة ما بين الحربين العظميين على العهد الملكي الزاهر ، فهو من ثماره الطيبة ، ونضج وبدأ فنه المعماري وعمله الاكاديمي مع جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية على مدى ثلاثين سنة اخرى ، بعد ان درس وحصّل على شهاداته في جامعتين بريطانيتين ، وعاد ليشارك في بناء العراق واثراء جمالياته ، وكان عاشقا لعمله وفنه ونظام حياته ، ونجح في ادارته للهندسة المعمارية واشرافه العلمي ومشروعاته المتنوعة ، وتخرّج على يديه ابرز المهندسين من النخبة الذهبية العراقية ، وكتب اجود الدراسات ، ونشر افضل البحوث التي اعتمدت في جامعات عدة في العالم ، وزامل العديد من زملائه الماهرين سواء من العراقيين او من غير العراقيين ، وكان مثالا وقدوة للمئات من طلبته وطالباته .. وغدا علامة فارقة في تاريخ العراق الحضاري ابان زمن يمثل زهرة حداثة العراق ومعاصرته عند منتصف القرن العشرين ..
وفي المرحلة الاخرى ، اي في الثلاثين سنة الاخيرة من القرن الماضي ، اختار ان يكون في لندن ايام الزمن القاسي ، وبقي شعلة في نشاطه وحركته وتفكيره مع محافظته على اسلوب حياته الحضاري ، كي يثري الحياة الفكرية والادبية والعلمية العراقية من خلال غاليري الكوفة الذي اختاره بنفسه وصمم جمالياته واشرف على ادارته ومنح واجهته لمكتبة الساقي في قلب لندن ، فخدم العراقيين والثقافة العراقية خدمة بالغة .. وكنت اتابع اخباره منذ رجوعه الى العراق بعد العام 2003 ، وهو محل اعتزاز وتكريم من لدن كل العراقيين الذين عرفوا منزلته وفضله وابداعاته ..
لقد عرفته منذ زمن طويل ، وانا اتابع انشطته ومجهوداته لخدمة العمارة العراقية وكل الجماليات ، وقرأت عنه الكثير ، خصوصا من خلال علاقاته بالمدارس الهندسية الشهيرة في العالم ، والتي بقي على صلة وثيقة معها ، كي يستزيد من كل جديد سواء في تخصصه ام في تخطيط المدن الذي له علمه الواسع فيه . لقد قضى حياته كلها ، وهو يكتب ويخطط ويرسم بعد ان يتأمل ويفكر ويتخيل عن رؤية .. وعلى العراقيين ان يفخروا بهذا الرمز عملاقا وتاريخا وارشيفا .. ناهيكم عن سجاياه وسمو اخلاقياته التي اتمنى ان يتعلم منها كل من جاء من بعده من الاجيال .. واذا كنت قد التقيت مع استاذنا محمد مكيّة مرة واحدة فقط في لندن ، وانا اكتب عنه كلماتي هذه ، فلقد التقيت ايضا مع زميله وصديقه المعمار الكبير رفعت الجادرجي مرة واحدة ايضا ، ولكن في ابي ظبي وسأكتب عنه كلمتي ان قدّر وطلب مني ذلك في يوم من الايام بحول الله ..
ايها الاصدقاء الاعزاء :
دعوني اتوقف قليلا كي اصف لقائي الوحيد مع هذا الاستاذ الكبير الدكتور محمد مكيّة في لندن عام 2005 ، فلقد دعاني عندما سمع انني كنت استاذا زائرا في كلية سانت انتوني بجامعة اكسفورد ، وطلب مني ان القي محاضرة على نخبة واسعة من المثقفين العراقيين في لندن ، وفي رحاب غاليري الكوفة ، وقد لبيت الدعوة مشكورا ، فكانت مناسبة جميلة ان اتحدث امام عراقيات وعراقيين جاءوا من اماكن مختلفة في امسية 20 ايلول / سبتمبر 2005 ، وجلس الاستاذ الكبير مكيّة في مقدمة الحاضرين يستمع لي وانا اتحدث عن المجتمع العراقي ومشكلاته وضرورات معالجة تناقضاته .. ولا انسى أبدا كلمته في نهاية المحاضرة واشادته بي ووقوفه مع الاستنتاجات التي خرجت بها .. ذلك ان العراقيين قد خرجوا من زمنهم الجميل الذي وصل زهرته ابان الخمسينيات ، وكيف غدا زمنهم كئيبا لما اصابهم من نكبات وكوارث وما حفّ بهم من تناقضات اثر الانقلابات الهوجاء ، وما فعلته بهم سياسات الحكام الجائرة والغبية من العسكريين والاشقياء ، وخصوصا على مستوى محو الجماليات والعبث بالمدن وخلق الرداءات وصناعة التخلف وانسحاق القيم والعادات المدينية الاصلية ..
وبعد تلك المحاضرة ، اخذني الرجل مع بعض الاصدقاء ضيفا على مائدته العامرة في احد المطاعم القريبة ، وكانت سهرة رائعة لا انساها ابدا ، اذ بقيت ساعات في معية الاستاذ مكيّة ، فاقتربت منه بحوار معمق معه ، وقد اكتشفت رقي مداركه ، واتساع افق تفكيره ، وسمو اخلاقياته ، وقوة ارتباطه بعراقيته .. ناهيكم عن ثقافته العريضة .. وقد ادركت سرّ انجذاب الناس اليه سواء كانوا من زملائه او طلبته او من نخب وتخصصات اخرى .. وبدا لي سحر هذا الرجل العراقي القادم من زمن القوة والهيبة ومن تاريخ عريق ومن بيت اصيل ينبض بالحياة .. ووجدته انسانا يعرف كيف يتعامل مع الاخرين ، وكيف يزن الامور ، وكيف يقدّر الاخرين حق قدرهم . وعندما جاء ذكر فيصل الثاني – رحمه الله – في جلستنا ذرف دمعة وقال : كم كان ملكا مثقفا يحترم كل المثقفين والفنانين العراقيين وقد خسره العراق .. تحدثنا عن الفن في العراق وعن رموز العراق في القرن العشرين .. وتحاورنا في ما تبقى لنا من وقت عن مشكلات العراق الاساسية ، وما يمكن عمله في الرؤية الجديدة لصناعة مسارات المستقبل ..
ايتها الاخوات .. ايها الاخوة
دعوني اقول ، بأنني اكتشفت في محمد مكيّة رؤيته الحضارية في بناء مستقبل العراق .. وكم وددت لو تعلّم منه الاخرون الكثير .. فهو خزين تجارب ، وخبير ازمان ، وعاشق وطن ، ومبدع كلمة ، وصاحب موقف ، وحامل امانة ، ومهندس حياة .. وجدته لا يعرف الجهوية ، ولا الانوية ، ولا الطائفية ، ولا يؤمن بخرافة ولا اوهام ولا اخيلة ، وقد ابتعد عن كل الامراض التي ابتلي بها ويا للأسف الشديد الكثير من العراقيين ، فهو من جانب آخر واقعي التفكير ، وايجابي الرؤية ، وواضح الاسلوب ، وصريح العبارة ، وكريم الاخلاق ، ومتوقد الذهنية لا تشغله توافه الامور .. وكم تمنيت من صميم القلب ان يكون هذا الرجل الرمز مثلا يقتدي به كل العراقيين اليوم ، فما احوج مجتمعنا العراقي من اقصاه الى ادناه الى فلسفة محمد مكيّة ورؤيته كي يتعلموا منه رقي الحياة العراقية وقيمها الرائعة واساليبها الجميلة التي كان يتمثلها الاوائل ، وما محمد مكية الا واحدا منهم مع تمنياتنا له من القلب بالصحة والعافية ..
واخيرا ، تحية كبيرة ازجيها لهذا المعلم الكبير شيخ المعماريين العراقيين وصاحب خواطر السنين ويباركه الله في صحته وعافيته وادامه ذخرا لنا .. واشكر كل الاخوة الافاضل الذين يقيمون هذه الاحتفالية الرائعة على شرف هذا الرجل ، واثمن دعوتهم لي للمشاركة معهم .. وكنت اتمنى ان اكون بينكم الان ، ولكن مشاغلي منعتني من السفر الى سيدتنا العزيزة بغداد .. دمتم اهلا للخير والابداع والسلام عليكم ورحمته وبركاته .

كتبت يوم 2 نيسان / ابريل 2014
نشرت في جريدة المدى البغدادية ، العدد ( 3057 ) السنة الحادية عشرة – الاثنين 14 نيسان / ابريل 2014 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
ويعاد نشرها ايضا على صفحات الفيس بوك وتوتير

شاهد أيضاً

نزار قباني والقطة السوداء في قصر الحمراء

  اكتب لكم هذا ” المقال ” وانا في الطائرة التي  عدت فيها عبر الاطلنطي …