الرئيسية / الرئيسية / هل ينزلق العراق نحو حرب أهلية ؟

هل ينزلق العراق نحو حرب أهلية ؟

هل ينزلق العراق نحو حرب أهليّة ؟
( مقالة نشرت في 14 سبتمبر / ايلول 2006 )

أعيد نشرها ثانية للمأساة التي يعيشها العراقيون منذ عشر سنوات
وتداعياتها على المنطقة .. دعوة للتأمل

انه بالرغم من الأوضاع المخيفة والمأساوية المحزنة التي يعيشها العراقيون، ولكن ملامحها بدأت ترسم صورة مرعبة وغاية في التعقيد بعد ان لفّ العراق العنف الشديد مع شلال دماء العراقيين بشكل مخيف.. أليس هذا دليلاً واضحاً على ان العراق يعيش حربا أهلية؟ ويبدو لي ان الصورة واضحة في دواخل العراق، ولكنها ضبابية شديدة من الخارج. وتسير الحالة العراقية من سيئ إلى أسوأ خصوصا إذا آلت الأوضاع إلى نتائج خطيرة تمتد من دون شك إلى الدول المجاورة في منطقة الشرق الأوسط كله!
يرى بعض الكّتاب ان العراق يعيش حرباً أهلية على غرار تلك الحرب المأساوية التي عاشها اللبنانيون من دون إدراك الفوارق الجغرافية والتاريخية والاجتماعية بين البلدين، كما وأنني أجد هناك من يسعى لإشعال الحرب الداخلية في العراق كي يجني من نتائجها الثمار له وحده.
ان العراق لم يعرف الانقسامات الاجتماعية كالتي عرفها لبنان تاريخيا، ربما كانت هناك افتراقات طائفية وعرقية في العراق اليوم، وتجد الناس ما زالوا يتزاوجون وينسجون تكويناتهم، ولكن ما يحدث اليوم من انقسامات سياسية حادة ستتحّول مع الزمن إلى صراعات طائفية ربما تتمخض عن مخاطر لا يمكن التكهن بها.. ولكنها سوف لا تقتصر على العراق وحده، بل لتمتد إلى كل المنطقة.
لم يكن المجتمع العراقي مفككا أو ممزقا أو متصارعا في يوم من الأيام، وإذا كان قد عاش صراعات سياسية وحزبية وايديولوجية في القرن العشرين، لكننا لم نجده غارقا في انقساماته الطائفية.

وبالرغم مما يدّعيه البعض من تفجير حرب أهلية عراقية، وبالرغم من كل الانحسارات والتخندقات التي كرستها الأحزاب والتكتلات الدينية العراقية وميليشياتها اليوم، فان المجتمع لم يزل متداخلا في طوائفه وبيئاته وكل ثقافاته.. وعليه، أقول بأن الحرب الأهلية بحاجة إلى تبلور عوامل داخلية تحتدم فيها قوى الصراع في الداخل وهذا ما لم يتوفر حتى الآن بسبب طغيان العوامل الخارجية على كل الداخل العراقي مسببة جملة من الاحتقانات والتشظيات.
نعم، ان ثقافة الانقسام الاجتماعي قد تبلورت مؤخرا في العراق، وخصوصا بعد سقوط النظام السابق وبداية عهد التماهي اثر الاحتلال الذي كان ولم يزل يمضي في طريق خاطئ من خلال معلومات خاطئة عن المجتمع العراقي وبيئاته، ويسوقها باعتبارها حقائق ثابتة. هنا، وبعد مضي ثلاث سنوات على التغيير الجذري في العراق، يواجه العراقيون حمامات دم طائفية بشعة وأهوال موت مجاني، وتبرز أمام كل العالم حلقات مفقودة لا يعرف أساسا من يقوم فعلا بهكذا أفعال شنيعة من اجل اذكاء حرب أهلية.
وعلينا ان نكون أذكياء جدا في التعرف على من له مصلحة حقيقية وراء اشعالها من اجل انقسام العراق.. علينا ان نبحث عن ثمة علاقة شائكة وشديدة التداخل فيما بين الأوراق العراقية الإقليمية والدولية اليوم.. فلكل من هذه الأطراف عدة أجندة متصادمة أو متلاقية لها أهداف معينة. كما ان هناك لغة شديدة الضراوة يستخدمها العراقيون في ما بينهم بعد ان ابتعدوا عن نزعتهم الوطنية من دون ان يجتمعوا منذ ثلاث سنوات في مؤتمر وطني حقيقي يحددوا من خلاله مصيرهم وأهدافهم الوطنية من خلال الاتفاق على مبادئ لا يمكنهم ان يحيدوا عنها!
ان التلويح بالحرب الأهلية قد سمعنا به منذ وقت طويل، ليس من قبل العراقيين، بل وكأن ثمة اجندة غير عراقية تدفع لحدوث مثل هذه الحرب الأهلية التي لا اعتقد انها ستشتعل، فما حدث ويحدث من تفاقم لمشكلات سياسية مؤثرة في طبيعة المجتمع العراقي وترسيخ للانقسامات بهدف التوّصل إلى انقسام العراق.
واعتقد ان اغلب العراقيين قد انتبهوا إلى سيرورة ما يحدث من عمليات صعبة أفرغت البلاد من الأمن والنظام، فأصبحت العملية السياسية هشة لا تقوى على الحياة.. وكم كان من الصواب ان يمرّ العراق بمرحلة انتقالية حقيقية من اجل بناء أسس دولة جديدة والخروج من تاريخ مأساوي عانى منه كل العراقيين. ان مفاتيح المستقبل كانت ولم تزل بأيدي العراقيين الذين يتوجّب عليهم ان لا ينقلوا الانقسام السياسي الطائفي إلى المجتمع، وان يستوعبوا من يعبث بمقدراتهم ليس السياسية فحسب. بل الاجتماعية اذ لا يمكن ان يبقى العراق مخترقا من أطراف عدة تعمل على إذكاء الحرب الأهلية التي يصعب اشتعالها، فالمجتمع العراقي برغم كل انقساماته وتشظياته اليوم، فهو نسيج من الروابط والمصاهرات والعلاقات والتعايشات في كل بقعة من أرضه.

ان التلويح بمثل هذه «الحرب الأهلية» يأتي من زعماء وكّتاب ومثقفين عرب وأجانب لا يعرفون مثل ذلك «النسيج» الذي يرفض حتى يومنا هذا ان يسحق برغم كل ما يدفعه العراقيون من اثمان.. واذا كان هناك من ينادي بالانقسام الجغرافي من العراقيين من اجل الخروج من هذا المأزق التاريخي، فهو اما مجّند لهذه الغاية أو ان الموجعات الطائفية قد سحقته، وينبغي ان يعى بأن الحرب الأهلية ستذيبه حتما ان مشى في درب الانقسام!
وأخيرا أقول: ان ما يجري في العراق يعد أقسى أنواع العنف الديني والتناحر الطائفي والسياسي والاجتماعي، وهذا ما يجعلنا نناشد كل العراقيين ان يتلاحموا قبل ان تستمر هذه الأوضاع من سيئ إلى أسوأ لسنوات أخرى وتكون قفلتها الحرب الأهلية التي ستأكل الأخضر واليابس في المنطقة كلها لا سمح الله.

نشرت في موقع الدكتور سيار الجميل في 14 /9/ 2006
www.sayyaraljamil.com
واعاد نشرها موقع الحوار المتمدن-العدد: 1676 في 17 /9/ 2006
ومواقع اخرى .


شاهد أيضاً

عالميون من مدينة الموصل

عالميون  من مدينة الموصل  .. كما  ورد  موقعنا  ، وهو  يحمل  ستة اسماء  ، هي …