الرئيسية / الرئيسية / سكيروفرينيا الثنائيات العربية صراع التناقضات

سكيروفرينيا الثنائيات العربية صراع التناقضات


تقديم
طلب مني بعض الاصدقاء القدماء الذين التقيت بهم في باريس قبل يومين ان اعيد نشر مقالة لي نشرت في النهار البيروتية وصحف اخرى في العام 2002 .. ولقد استطعت ان اجدها في ارشيف مقالاتي .. ويسرني اعادة نشرها بعد اكثر من 10 سنة على نشرها الاول .. مع التقدير والمحبة لكل من يعتني بكتاباتي .. كتبت ونشرت قائلا :

النص
لا أستطيع أن أتصور عربيا واحدا يفكر بطريقة غير مزدوجة ! ولم استطع أن أتقبل إنسانا عربيا وهو يحمل في نفسه شخصيتين متعارضتين أتم التعارض من دون أن يعلم ، وربما اكثر من شخصيتين اثنتين ! ولم استطع أن اقنع نفسي بأن تناقضات حياتنا الحديثة في مجتمعاتنا هي طبيعية وحديثة فعلا ، لا غبار عليها كما اقتنع بها غيري برضى كامل سواء على علم بتلك التناقضات ام بقبوله لها كونها طبيعية في ذهنه ! ولم استطع أن أتخيل منذ زمن بعيد يعود بي الى اكثر من ثلاثين سنة ، بأن هناك من يمارس لعبة الأضداد حتى اليوم بكل غباء ! جماعات ووحدانا تتفشى عندهم سكيزوفرينيا تفكير من الثنائيات بأعلى درجاتها من التناقضات وبأقصى اضطرابها من التصادمات ، كما بدت واضحة جلية في تضاعيف القرن العشرين .. ولما تزل حتى اليوم وستمتد على طول المدى من القرن الواحد والعشرين ما دام هناك من رضي بمعزوفة راقصة ناشزة وهي نتاج كئيب من الثنائيات الغبية التي عشقتها حتى النخب في مجتمعاتنا – ويا للأسف الشديد – منذ زمن طويل .

نماذج لا حد لها !
ومن اجل تقريب الصورة ورسم ملامحها .. استعير بعض الأمثلة التي كنت قد ذكرتها في كتاب كان قد صدر لي قبل اكثر من 15 سنة عنوانه ـ : ” التحولات العربية : إشكاليات الوعي وتحليل التناقضات وخطاب المستقبل ” وخصوصا عندما عالجت ثنائيات التفكير العربي وتحليل تناقضاته .. قلت هناك تحت عنوان متاهة التناقضات ، بازدواجية التفكير والذات واللاوعي عند الجميع ، والنماذج التالية التي لا حصر لها ، كلها حقيقية كنت قد شهدتها بنفسي وباستطاعة أي إنسان أن يراقبها في أي زمان ومكان عربيين ، اذ قلت : فمن معجب بتراثه وتقاليده أيما إعجاب ولكنه لا ينفك عن متابعة أفلام أجنبية لروايات بوليسية ! ومن مؤمن بقضاياه الوطنية والقومية والنضالية والتقدمية ، ولكنه لا يدخن إلا تبوغ فرجينيا الأمريكية إذ لا يقع السيكار من شفتيه أو من بين إصبعيه! ومن بدوي لا يقرأ ولا يكتب وعندما يخرج من داره يرش عباءته بقنينة عطور فرنسية ! ومن مفتخر بتقاليده الاجتماعية وعاداته المتوارثة في بيته الشرقي وهو لا يستخدم إلا سيارته الأمريكية الفارهة ! وشاعر أو مفكر يتبارى نهارا جهارا في تكريس القيم والمبادئ القومية والدينية ، بل ويتعصّب اليوم لطائفته او مذهبه تعصبا هستيريا ، وفي علب الليل تجده يحتسي الخمور الاسكتلندية ! ورجل دين لا يشيع مواعظه ودعواته وخطبه ضد ” العولمة ” وكل معاني الحداثة الغربية إلا من خلال الكاسيتات وستالايتات الأقمار الصناعية وعلى الانترنيت وشاشات الفضائيات ، ولا يتنقل من بلد إلى آخر إلا في الدرجة الأولى على متن طائرات البوينغ والايرباص ! ومحارب صنديد يعبر خطوط النار نشيده ” الله اكبر ” وهو يقاتل ويجاهد على دبابة سوفييتية الصنع ! وشاب لا يحترم الزمن أبدا وتجده يتسكع في الشوارع وفي معصمه ساعة رولكس السويسرية من الذهب الخالص ! وتاجر مضارب وطفيلي ومحتكر يشتري الإنسان وكل شيء بثروته ولكنه أمي لا يقرأ ولا يكتب وقد زيّن قصره ومكتبه بالكتب التراثية المذهبة ! وكاتب فاشل لا يعرف من الثقافة إلا اسمها ، ولكنه كان وما يزال يثير السخرية عندما يردد كالببغاء مصطلحات : الديالكتيك والصراع الطبقي والعولمة وما بعد الحداثة والتفكيكية والبنيوية ! وطبيب مختص في الجراحة النسائية والتوليد ، ولكنه لم يزل يؤمن بالخرافات والأوهام ويحّرم في بيته جهاز التلفزيون ! وأستاذ جامعي يجلس في مكتبه وقد اعتنى بربطة عنقه الأوربية أمام طالباته وهو يطقطق بمسبحته الملونة وبساكلها الذهبية ! وناشر يعلن إيمانه بالديمقراطية ، ولكنه لا يتقبل الرأي الآخر ، وهو يقّدس الطغاة جراء اعطياتهم وكرمهم له ! وكيميائي عربي مختص يقطن في بريطانيا او شاعر عربي يقيم في فرنسا منذ ثلاثين سنة ولم يزلا يؤمنان بالاوبئة الطائفية والمذهبية ويدافعا عن دكتاتوريات الشرق القاتلة !
أكواخ وصرائف وأطفال حفاة وحمير وأوساخ ومياه آسنة قذرة .. في قلب شوارع عاصمة عربية كبرى تتنافر فيها الأزياء ( الأوربية والعربية ) والألوان المبهرجة والأبنية الحديثة والسيارات الفارهة الحديثة مع أصوات مزاميرها المتداخلة ، ويزداد التنافر حدة وغباء وجنونية عندما يستخدم متخلف جاهل لا يعرف قيم الحياة الحديثة آخر مبتكرات التكنولوجية اليابانية .. وقد توّقف بسيارته الفخمة في أحد الشوارع لينزل امرأة منها كانت إلى جانبه فيشبعها ركلا وضربا أمام الناس على الرصيف ! ربما كانت زوجته .. ربما كانت غيرها .. مراقص وبيوت فيها كل المجون وخلوات الدعارة وبجانبها مساجد تقام فيه الصلوات ! بلاد تجد في المواريث القديمة ضالتها حتى النخاع وتتفاخر بها ، ولكن شوارعها تعج بالعناوين المكتوبة بلغات اجنبية مكسرة مع الدعايات والأسماء الأمريكية ! أناس يقومون الليل في شهر رمضان وهم يصلون التراويح ويتهجدون قياما ويتبتلون قعودا .. وثمة اناسا يسهرون الليالي في الخيم الرمضانية مع الرقص والغناء ولعب الورق والنفخ في الشيشة حتى الصباح .. وعندما يرجع هؤلاء وأولئك إلى بيوتهم يغطون في نوم عميق طوال ساعات النهار كونهم من المتبتلين الصائمين !
قبل أعوام كنت ازور قلب عاصمة عربية عريقة كبرى تضج بالحياة ، فوجدت منظرا لم أنسه أبدا وأنا أعبر أحد جسورها الجميلة وكنت استشهد بذلك المنظر في كل مكان : رجل مسن يركب بثيابه المتسخة حمارا قصيرا اسودا يمشي به لضالته ، وقد افرد صحيفة عربية يومية بين يديه يقرأ فيها بكل نهم ، والحمار كما يبدو يعرف طريقه ! الخ من الأمثلة والشواهد السوسيولوجية العربية الغريبة التي تعكس تناقضات صارخة في النفوس وتشوهات في التفكير والذات واللاوعي الفاعل في الحياة العربية المعاصرة التي عرفتها أجيال القرن العشرين ، وقد ازدادت اليوم عند الجيل الجديد بشكل لا يمكن تخيله أو تصديقه ، اذ يبدو ان الجيل الجديد ولد وترعرع في خضم هذه الثنائيات المضطربة والمتصادمة التي لا يفكّر أبدا في مخاطرها بعد ان الفها الانسان في مجتمعاتنا وشّب عليها .
كثيرا ما يثير السخرية والقرف في آن واحد أن يطل علينا مطرب عربي أو مطربة عربية يغني لنا كل منهما بالعربية أغنية أو قصيدة عن العشق العربي والتأوهات العربية والدلع العربي وقد صوراها بالفيديو كليب في أحراش وبحيرات وغابات أوروبا ! لقد وصل التناقض أعلى مداه هنا ، وكأن العربي هنا الملقي والمتلقي قد فقدا كل أصالتهما وطبيعتهما وجغرافيتهما وقيمهما من خلال تلوث التفكير وطغيان الذهنية المركبة .. فهل سمعنا يوما مغنيا أو مغنية من الغرب يغنيان الاوبرا ، او البوب او يرقصان الروك اندرول في البوادي والمضارب والفلوات العربية ؟ ولم يقتصر امر شوزوفرينية التناقضات على الفنانين والفنانات فقط ، بل انه يطال كل عربي في هذا الوجود ..
دعوني أختتم هذه النماذج الحقيقية بما شهدته قبل أيام في واحد من مراكز التسوق الحديثة ( = المولات ) العربية لا الغربية من منظر يبدو طبيعيا للناس ، ولكنه مفجع للعرب والمسلمين أجمعين وخصوصا أولئك الذين يؤمنون بالتوفيقية التلفيقية بترديد القول بكل غباء ” نأخذ ما يلائمنا ونترك ما لا يلائمنا ” ، اذ جلس رجل مسن قريبا مني ، وكانت سيدة محجبة ومنقبّة قد أخذت موقعها إلى جانبه .. كان شكل الرجل يعلن عن طبيعة فكره من خلال هيئته وزيّه وذقنه ، بدا مكفهر الوجه يسبّح بسبحته وهو طويل اللحية حليق الشارب يعتمر كوفية على رأسه وثوبه قصير والمكان غير مزدحم بالناس .. كل شيء جديد وأمريكي المظهر والدعاية والطابع والاعلان عن جانك فود امريكي .. يتوزع في تلك الصالة المدّورة وآخر ما وصلت إليه أساليب العصر باعتبارها صالة مشتركة تحيط دائريا بها المطاعم من كل الجوانب .. سألت المرأة زوجها : ماذا نأكل ؟ قال لها بعد أن بدأ يعدّد لها : هناك كما ترين ، كنتاكي .. بيتزا هوت .. برغر كنك .. ماكدونالد .. تشيللي .. فرايد تشكن .. صب وي .. الخ أجابته : دعنا نأكل اليوم كنتاكي فقد شبعنا من ماكدونالد .. فأكلا بطريقتهما ولما شبعا من طعامهما الأمريكي والكوكا كولا الامريكي ، تمادت المرأة بعد أن ابتلعت وجبتها من تحت منقبها وأصرت على أن يجلب لها مرطبات من باسكن روبنز كي تتحلى ‍! أجابها : دعيني اذهب للصلاة إذ كان آذان العشاء يعلن في ردهات ذلك المول أمريكي الطابع في مدينة عربية .. وفعلا حضر باسكنز روبنز بعد صلاة العشاء ! كنت أراقب هذا المشهد المضحك المفجع بكل حزن وأسى. وأدع تفكيري يحلل هذه الظواهر النشاز القاتلة في مجتمعاتنا العربية !

تفاقم حدة التناقضات
لقد ازدادت حدة التناقضات اليوم مقارنة بما كانت عليه سلفا .. ثمة تصادمات صاعقة وانشطارات تتوالد في كل لحظة تاريخية وبقدر ما يصطدم العرب بالآخر سيزداد الأمر شوزوفرينية في الثنائيات والعزف على المزدوجات .. وقد تكون الحالات المقرفة غائبة عن الوعي العربي أو الذهنية المركبة .. أو قد يحس بها المرء أو تشعر بها النخبة المفكرة والمثقفة العليا من خلال واقع مزيف ، أو منظر مشوه ، أو ازدواج شخصية ، أو تعامل التقية بوجهين ، أو خطاب منشطر ، أو لغة هجينة ، أو عادات سقيمة ، أو تصرفات مبهمة ، أو قرارات متناقضة ، أو انتماء مركب ، أو هوية مبعثرة ، أو أساليب حياة مختلطة أو أزياء متنافرة أو ثقافة هزيلة او الوان مضحكة غير متناسقة ، أو سلوكيات غير متجانسة .. الخ
بماذا نفّسر ذلك ؟
منذ أن فتح العرب ( وبمعيتهم شعوب العالم الاسلامي ) عيونهم على الحداثة وهم يعزفون معزوفات مضطربة تأخذهم تارة يمينا وتارة أخرى شمالا ! مرة نحو الذرى ومرة نحو المستنقعات ، مرة نحو التنوير وأخرى نحو العتمة والظلام ! إنها باختصار : معزوفات لا تعرف هويتها ولا تدرك سطورها ولا تعي خطوطها .. وبقي التفكير العربي الحديث مؤشكلا والذهن في بنيته مختلطا وتائها ولا يعرف أوله من آخره ! ولا يفهم أصحابه أي طريق يمكنهم أن يسلكوه كأنهم في تيه الصحراء . إنها معزوفة الثنائيات والعيش بين التناقضات ومعاملتها كحالة طبيعية ، فتفاقم أمرها لكي تغدو ظاهرة سالبة يستقطبها التعصب والتطرف والتشنج والصراع بين الفعل ونقيضه مع غياب أي ديالكتيك فاعل بسبب عدم ولادة نقيض النقيض حتى اليوم ، وليس عربيا فحسب ، بل أنها ظاهرة تشترك فيها أغلب المجتمعات الإسلامية اليوم .
صحيح إن العرب والمسلمين قد فتحوا أسماعهم وأبصارهم على مستحدثات العصر منذ قرنين ، ولكن كلما تقدم الزمن بأجيالهم كان الصراع عندهم بين القديم والجديد يشلّ كل قدراتهم على الحركة من اجل التفاعل المبدع مع قيم العصر .. وبقوا على امتداد أجيال يعيشون في إطار ذلك الصراع بين الفعل ونقيضه من دون إي خلق لـ نقيض النقيض والكفّ عن معزوفة الثنائيات القاتلة التي أودت بهم اليوم نحو فجيعة الماضوية بعد أن خدعتهم تواريخهم المنقسمة وسياسات حكوماتهم المضطربة واستنساخات أيديولوجياتهم المستعارة ، ومفاخرات كتّابهم الرخوة .. أتذكر إنني قرأت منذ سنوات طوال كتابا للعقاد عنوانه : ” القديم والجديد ” بعد أن كان غيره قد فتح الباب على مصراعيه أمام تأسيس هذه الظاهرة الثنائية ، ثم بدأت معزوفات نقرأها في الكتب والمجلات ، ثم نسمعها في الخطب والإذاعات أو نشاهدها في المسارح والتلفزيونات .. حتى لاكتها الألسن ردحا من الأزمان في المدارس والمحافل والجامعات والمنتديات والاحزاب على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين .. حتى غدت مسميّات لظاهرة من الثنائيات أو شعارات شوزوفرينية في السياسة والإعلاميات .. واليوم تجتاحنا على الانترنيت اجتياحا مريعا في ظل سلطويات تعيش المأزق نفسه !
إن ظاهرة هذا الصراع بين مختلف الثنائيات العربية ، ليست ابنة اليوم ، بل يمتد عمرها طويلاً منذ انفتاح العرب ثقافياً على أوروبا، وقد كتبت حول ذلك العديد من الكتابات حتى الآن . إنها ظاهرة استشرت خطوطها وألوانها وظلالها على جميع مساحات الكتابة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين ، وتأتي مسميات شتى :” القديم والجديد”، “التراث والمعاصرة” و “الأصولية و التغريب”، و ” الأصالة والتجديد ” و”الموروث والتحديث” .. إلخ وبرغم كثرة من عالج “الظاهرة” من وجهات نظر مختلفة، تاريخية وفلسفية واجتماعية وأدبية ونقدية، ولكن كان كل كاتب أو مفكر عربي، يلتزم جانباً معيناً في معالجاته ونظراته ونقداته وشروحاته، فهناك من يبقى فيلسوفاً منظراً في برجه العاجي ، وهناك من يشارك بأدبه الروائي أو المسرحي، وهناك من يحلل من خلال تخصصه في علم ما.. وقد نزل اليوم الى الساحة رجال الدين بخطبهم واحاديثهم ومواعظهم ليس في اماكنهم المعهودة ، بل انتشروا على شاشات التلفزيون وفي الساحات العامة والشوارع .. ويبقى الرأي عند الأغلبية ينطلق من : أحادية النظرة والفكرة والمذهب والاتجاه، أو المساهمة بابتداع حل باهت لتأسيس وازع توفيقي أو وسطي بغية الحصول على طريق متجانس بين كل من وجهي الظاهرة أو بالأحرى طرفي الصراع بين النقيضين .
إن أغلب من يكتب محللاً في ” التوفيقية ” سيبقى عند السطح من دون التعمق نحو قلب الأزمة او عمق المشكلة ، أو انه يبقى في برجه العاجي لا ينزل إلى واقع الحياة الواقعية برغم معايشته لها، وتحركه على أرضيتها، وتعامله مع ثقافتها وأبنائها، ونتيجة لذلك، فإننا نراه يبتعد عن واقعه ، ويبقى أسير مخيالاته ضمن دائرته التي تربى فيها . وتكمن المشكلة الأساسية في الكيفية التي تربت أجيالنا الحديثة عليها في كل مرافق الحياة. لقد كان للدولة والمجتمع دورهما السالبين في تكوين خطايا لا ترحم وخصوصا في المدارس والجامعات أو في الكتابات والمؤلفات والصحف والمجلات وحتى في ما يقال ويذاع ويشاهد في الراديو والسينما والتلفزيونات واخيرا على الانترنيت .. فمن المضحك مثلا أن يتكلم شيخ يختص في العلوم الدينية بقضايا العولمة ويحلل ويحرم جملة مسائل سياسية واقتصادية واجتماعية معاصرة لا يفقه من جزئياتها شيئا !! ومن سخرية القدر أن يدخل رئيس دولة او رئيس حكومة أنفه في كل صغيرة وكبيرة محتكرا حق إرضاء نفسه فيقفز ذات اليمين وذات الشمال وهو في أقصى درجات التخلف والغباء في قضايا قانونية وتنظيمية وعلمية دقيقة !

وأخيرا : ماذا نستنتج ؟
أقول بأن خطر هذه ” الظاهرة ” في تبلورها سيطول على حساب انقسامات الواقع ، وهشاشة الأرضية الفكرية ، وغرابة الثقافة ، والتراكيب الذهنية ، وهجين الحداثة إزاء النزوعات الماضوية .. الخ وان علاجها لا يتم في يوم وليلة إذ تحتاج مجتمعاتنا قاطبة إلى ” وعي ” من نوع جديد بها ، و ” اعادة تفكير ” من نوع جديد .. ومن ثم إيجاد الوسائل والأدوات التي تخلصّهم منها ، وهي تربوية وسياسية واجتماعية واعلامية بالدرجة الأولى ترسخ فيها المعاني قبل الأشياء .. وأنها بحاجة إلى قرارات عربية شجاعة جدا من اجل الابتعاد عن التراقص على التناقضات ، وزحزحة التفكير في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عن انساقه المترسخة والمركبة والمعقدة التي تقبل كل المزدوجات وتطرب على سماع المعزوفات المضطربة . فمن سيعلن حالة الرفض من اجل التغيير ؟ ومن سيعمل على خلق مكونات تفكير جديد تنتفي منه كل بقايا ورواسب ماضويات القرن العشرين ؟

نشرت في قضايا النهار بجريدة النهار البيروتية ، العدد المؤرخ 25 كانون الثاني / يناير 2002 .
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
ويعاد نشرها على صفحات الدكتور سيار الجميل في الفيس بوك

شاهد أيضاً

حفل استقبال يقيمه الدكتور سيار الجميل للموسيقار نصير شمّة في بيته بكندا

ج رى مساء يوم السبت 11 نوفمبر / تشرين الثاني 2017 ، حفل استقبال اقامه …