الرئيسية / الرئيسية / حوار مع الدكتور سيّار الجميل

حوار مع الدكتور سيّار الجميل


الدكتور سيّار الجميل : من يكون ؟

أستاذ التاريخ الحديث والفكر المعاصر في كندا ، وسفير السلام العالمي عن منظمة السلام العالمي التابعة للأمم المتحدة منذ مارس 2009. ولد في الموصل / العراق عام 1952.. وأكمل دراساته في الجامعات البريطانية ونال دكتوراه الفلسفة في التاريخ الحديث عام 1982 ، وانتخب رئيسا لجمعية الصداقة العربية في اسكتلندا بين 1978 و1980، وعمل استاذا في جامعات عربية وغربية عدة .. شارك في عشرات المؤتمرات الدولية والندوات العلمية في عدد من بلدان العالم . وأدار العديد من وحدات البحوث والدراسات وورشات العمل البحثية والمؤتمرات. وحصل على عدة جوائز دولية وانتخب مستشارا أعلى للمجلس العراقي للثقافة في عمّان بالأردن بتاريخ 16 /5/2007. واختير سفيرا للسلام العالمي في تورنتو عام 2009 . تخّرج على يديه العديد من حملة الماجستير والدكتوراه. وهو عضو مشارك في العديد من المؤسسات الأكاديمية والمراكز العلمية والمنتديات الفكرية والسياسية في العالم . الدكتور سيار الجميل، خبير دولي أيضا في الدراسات الاجتماعية والثقافية للعديد من المنظمات الدولية ، كما اشتغل في ادارة البحوث والدراسات فضلا عن ادارته مركز اكنك في كندا . ويدير اليوم اكثر من مشروع بحثي عربي ودولي .شارك في تحرير عدة موسوعات عربية ودولية . له أكثر من ثلاثين كتابا منشورا وعشرات البحوث المنشورة في العربية والانكليزية، كما شارك في تأليف أكثر من 15 كتابا بالعربية والانكليزية ولغات اخرى . ونشر المئات من المقالات الفكرية والسياسية والنقدية في العديد من الصحف والمجلات العربية والأجنبية.

الحوار
• أولا نرحب بك في مجلة فرح ورغم أن التعريف الذي بدأنا به فقرتنا هذه شمل مختصر لجوانب كثيرة من حياة الدكتور سيار . هذه هي مسيرة الدكتور سيار الجميل العلمية والعملية، إلا أننا نرغب بتعريف موجز عن نفسك من خلالك ..
سيار الجميل : إنها مسيرة نصف قرن من قراءات وكتابات ومحاضرات وحوارات ودراسات ومؤتمرات وملتقيات وامتحانات ولقاءات ومجادلات وسفريات ومنتديات ومشكلات وتحديات وصداقات وزمالات وذكريات ومشاهدات واغترابات وأغنيات وسمفونيات وكونشرتوات .. الخ كلها حصيلة نصف قرن من التجارب العلمية والثقافية معا ومحاولات لمعرفة الحياة .. ولا أستطيع أن افصل الأولى عن الثانية ، بل إحداها تكمل الأخرى .. صحيح أنني امتلك مسيرة علمية متنوعة بين أربع قارات: آسيا وأوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية.. إلا أن مسيرتي الثقافية التي التفت اليها اليوم ، فأجدها غزيرة هي الأخرى بالأخذ والرد .. واحلاها عندما اكون لوحدي عندما احاور الطبيعة وكل جمالياتها .. او التاريخ بكل افقياته وعمودياته .
منذ طفولتي وانا أعشق القراءة والكتابة والرسم والفن والموسيقى وبدأت اخصص زمنا للتأمل والتفكير عندما بدأت اكبر .. ولم أزل اعشق هذه الميادين، وأجيد العمل بها مهنيا ومنهجيا.. لقد تنقلت في دراساتي بين أكثر من بلد، بالرغم من دراستي الحقيقية في بريطانيا، إلا أنني استخدمت مكتبات أوربية عريقة وزرت تركيا والنمسا وألمانيا وفرنسا وايرلندا وبلجيكا وسويسرا واسبانيا والبرتغال وايطاليا .. ولي تجارب علمية رائعة في بعض الجامعات الأوربية.. عملت في ألمانيا الغربية بجامعة “كيل” قرب “هامبورك” وتعلمت الكثير هناك منذ عام 1987، ومارست الحياة الأكاديمية في العالم العربي، فمنذ قرابة ثلاثين سنة وأنا اعمل في السلك الأكاديمي، وقد أعطيت الكثير دون أن آخذ شيئا يذكر الا الذكريات الجميلة ، لكني سعيد أنني خرّجت أجيالا من الطلبة والطالبات في الدراسات الأولية والعليا واغلب طلبتي وطالباتي من النجباء والأوفياء وصنعت من بعضهم اسماء ، إلا القليل ممن أنكر فضلي عليه ولم يعد يذكر أستاذه حتى بسلام !

• وما افضل السنوات في حياتك ؟
سيار الجميل : أفضل السنوات قضيتها بين المغرب والجزائر وتونس وغربي اوروبا إبان الثمانينيات وكانت الحياة تختلف عما هي عليه اليوم.. ولم يزل أصدقائي هناك يراسلونني ولم أزل احتفظ بأخصب الذكريات عن حياتي وتجربتي هناك! لم اعد احتمل الحياة الأكاديمية العربية بكل أنساقها وقيودها الخالية في يومنا هذا من فضائيات جمالية او معرفية حقيقية إلا في بعض الجامعات التي أزورها بين زمن وآخر، ولي فيها ذكريات لا تنسى أبدا! تجربتي الأكاديمية في عالمنا العربي كانت خصبة في عدة جامعات.. لكن تجربتي في بعض بلدان المشرق العربي كانت مقيدة ومحتكرة، وقد حوربت حربا لا هوادة فيها قبل اكثر من عشرين سنة ، ومن قبل أناس لا يريدون من يخالفهم علميا ، فهم طبول فارغة، وليس عندهم لا معرفة ولا منهج ولا لغة ولا أي أسلوب حضاري ولا أي اعتبار أخلاقي ، فضلا عمّن حاربني ولم يزل يحاربني لأسباب فكرية وسياسية .. علما بأن واحدا من كتبي والذي نشرته عام 2000 كان قد جّر عليّ مشاكل لا تعد ولا تحصى.. انه كتاب ( تفكيك هيكل ) الذي تضمن نقدا تاريخيا لإشكاليات ظاهرة كاذبة في الحياة العربية المعاصرة!

• حدثنا لو سمحت عن رأيك في المعرفة العربية اليوم .. وكيف كانت مسيرتك العلمية ؟
سيار الجميل : إن القراءات المتنوعة قد أخذت حيزا طويلا من حياتي، كما أن الكتابات قد تنوعت عندي بين التخصص في التاريخ الحديث والفلسفة والنقد والأدب وعلم الاجتماع .. ولكن ” العلم ” بضاعة خاسرة في عالمنا العربي هذه الايام ، فهو غير محترم، وهو غير منطلق وغير حر وغير مهني .. انه مقنن لا يتمتع بأي قدر من الحريات! المعرفة العربية اليوم مسجونة في أقفاص.. وهي لا تعرف إلا اسمها ولا يعرفها الآخرون! واغلب الجامعات العربية مجرد مدارس ثانوية.. وعليه، فأنا أشفق على مستقبل أجيالنا القادمة لما ستضحى عليه أوضاعهم، وهم يقتاتون على معرفة تقليدية وانشائية وببغاوية او سقيمة ومسجونة.. العملة الرديئة اليوم تطرد العملة الجيدة من سوق ما يسمى بالمعرفة والثقافة العربية! المشكلة أن الناس في مجتمعاتنا لا تقرأ، وان قرأت فلا تعرف ماذا تقرأ.. سوق النشر العربي تسيطر عليه المصالح الذاتية والجاهلة والتافهة والمنفعية والساذجة ، وسوق التعليم أصبح تجارة بعيدة جدا عن قيم المهنة العلمية الحقيقية . مسيرتي العلمية كانت ناجحة وموفقة، ولكن صنعتها بنفسي، فلم يروّج لي احد ولم يشهرني نظام سياسي معين! مسيرتي العلمية حفلت بكل الصعاب، ولكنني نجحت في الاستجابة لكل التحديات .

• فوق انك مؤرخ و استاذ جامعي متمرس ومفكر معروف فاهتمامك بالتراث العربي والفكر العربي والثقافة العربية و بالتحديد الموسيقى و الغناء العربيين ، نحب أن نعرف رأيك ؟
سيار الجميل : نعم انني اعشق القراءة والكتابة ، وافكر في كيفية التقدم والبحث عن اساليب في التغيير نحو الافضل .. تسألينني عن الموسيقى والغناء العربيين .. فأنني من خلال خبرتي ومعرفتي المتواضعة بهما منذ زمن طويل، أكاد اجزم بأن حياتنا العربية باتت عقيمة في كل من هذين الميدانين العظيمين.. فليس هناك موسيقى عربية اليوم، والألحان المبدعة نادرة، ولا تكاد تتناسب والحجم الديموغرافي العربي، وكذلك الغناء ، فكيف بالطرب ( وهو الذي اختص به العرب دون غيرهم من الشعوب )؟ حياتنا اليوم عقيمة جدا في هذين الميدانين أسوة ببقية الميادين الإبداعية والثقافية الأخرى.. أستطيع القول أن ثمة أصوات رائعة موجودة اليوم، وخصوصا في بلدان المغرب العربي وبعض بلدان المشرق العربي، ولكنها تنتظر نصا غنائيا جميلا ، وتبحث عن الحان مبدعة متنوعة، فلا تجدها.. أنني اجزم بأن حياتنا الفنية العربية اليوم تعاني من التيّبس ، وأن الأذواق قد انحرفت عن كل الجماليات التي كانت تألفها الأجيال السابقة. لم تعش المنافسات مهنية فنية صرفة.. دخل الميدان ( حال بقية الميادين الأخرى ) أناس غير مؤهلين وغير موهوبين وغير كفوئين وغير مهنيين .. الآليات الحديثة دمّرت كل الأسماع ! وسائل الإعلام الحديثة خرّبت كل الفنون! هجمة البداوة وهجمة التخلف زحفتا لتأكلان حياتنا المدينية والحضرية العربية أكلا! الاموال لعبت بمستويات الفن العربي وانسحاقه دورا كبيرا . اليوم، لا نجد إبداعا خلاقا إلا ما ندر ولدى نخبة ضيقة جدا.. اليوم حياتنا الفنية العربية صخب فقط..

• بيد أن الوضع الفني عموما لا يروق لك كباحث و مؤرخ ، و لكن هل لنا أن نعرف لمن تسمع اليوم وتتذوقه ؟
سيار الجميل : باستثناء القدماء الذين مضت أجيالهم وهم من العمالقة الموجودين حتى اليوم: ام كلثوم وعبد الوهاب واسمهان وعبد الغني السيد ( من مصر ) وفيروز ووديع الصافي ( من لبنان ) وصباح فخري ( من سوريا )، ونعيمة سميح وعبد الهادي بلخياط ( من المغرب ) ووردة ( من الجزائر ) ويوسف عمر ( من العراق ) .. اما من الجيل الجديد ، فإنني اطرب لكل من جورج وسوف ( من سوريا )، ووائل كفوري ( من لبنان ) وذكرى ولطفي بوشناق وصابر الرباعي ( من تونس )، وفّلة ( من الجزائر ) وكريمة الصقلي وسمية قيصر ( من المغرب ).

• ومن المفضّل عندك من بين كل هؤلاء الجدد ؟ ولماذا ؟
سيار الجميل : السيدة كريمة الصقلي من المغرب بطبيعة الحال، فهي التي تمتلك ناصية الطرب العربي الحقيقي اليوم، وهي الوحيدة التي تهّز مشاعري واغني معها.. وهي الوحيدة التي تمتلك ملكات خامة الطرب واتساع كبير في المساحة الصوتية الطربية وفي أداء أصعب الألحان، وهي الوحيدة اليوم المرتبطة بأصالة الطرب العربي، وهي مجددة حقيقية له ومبدعة في مجالات عدة.، وخصوصا في الغناء الصوفي ورحابه الدافئ .

• أنت لا تهتم فقط للموسيقى العربية وإنما أنت من عشاق الموسيقى العالمية فما علاقتك بها؟
سيار الجميل : هناك اليوم غناء عربي ، ولكن لا وجود لموسيقى عربية .. أنا أرى نفسي محظوظا جدا لأنني عربي وشرقي، ولكنني أتذوق الموسيقى الكلاسيكية العالمية منذ زمن طويل ، وقد حضرت العدد الكبير من حفلات سيمفونية وكونشرتوات اوركسترالية في أشهر القاعات العالمية، وخصوصا في أوروبا وأمريكا الشمالية.. وامتلك منذ ثلاثين سنة أوسع مكتبة موسيقية لأعظم المؤلفين الموسيقيين العظام.. واسمعهم جميعا، ولكنني أميل إلى اوركستراليات أوربية معينة تعزف “فولمونيك” موسيقى كلاسيكيات نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لكل من “السير فون وليامز” و”غوستاف مالر” و”السير ايلكر” و”رحمانوف” و”مندلسون” و”فوجاك” وغيرهم.

• من هو المفضل عندك من بينهم؟ ولماذا ؟
سيار الجميل : طبعا الموسيقار النمساوي “غوستاف مالر” الذي عاش بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وفي سيمفونياته التسع العظيمة، وخصوصا الأولى “تايتانيك” والثانية “ريزريكشن” ( يوم القيامة ).. لماذا؟ لأنني وجدته الوحيد من بين كل المؤلفين الكومبوزرس العظماء ، والذي يمتلك أحاسيس عالية المستوى جدا، وله إبداعاته في الحركات التي الفها، واغلبها اوبرالية .. موسيقاه لا تجعلني أتمتع فقط، بل تجعلني أفكر وأتأمل في عوالم جديدة واسبح محلقا في فضاءات لم يصلها احد غيري إلا من خلال موسيقاه العظيمة.

• مع كل ما أنجزته في حياتك، فما الذي كنت تريد أن تقوم به و تتمناه و لم يحصل بعد و تتمنى أن يتحقق؟
سيار الجميل : لم أنجز شيئا بعد -ـ حسبما اعتقد – إذ أنني لم اقتنع أبدا بأي منجز.. مشروع تكوين العرب الحديث لم يكتمل بعد، إذ سأكمله بتكوين العرب المعاصر.. مشروع نظرية الأجيال التي طبقتها على ثقافاتنا العربية والإسلامية أطمح بتطبيقها على الثقافة البشرية وسلاسل تاريخها منذ القدم حتى اليوم، وسأقدم أفكاري وتوقعاتي إلى الجيل الذي سيختتم حياته مع نهاية القرن الواحد والعشرين.. مشروع ذاكرة مؤرخ أنجزت منه ذكريات شاهد الرؤية بمجلدين نسوة ورجال أولا وزعماء ومثقفون ثانيا وأتطلع لإنجاز مجلد آخر بعنوان حقيبة ذكريات .. لقد جاهدت طويلا من أجل إصدار للعرب موسوعة عامة تخصهم بلغات عالمية.. ولكنني قوبلت بفشل ذريع، إذ لم أجد أي مباركة من أي مؤسسة عربية تعنى بالثقافة والعلوم.. أتمنى أن يتحقق هذا “المشروع” العام في حياتي خدمة دولية وإنسانية لنا في مثل هذا العصر. شرعت بكتابة رواية بالإنكليزية اسمها ( جويا ) وهي تتضمن أحداث درامية وتراجيدية واقعية غاية في القوة عن بطلة وبطل وشهود وأحداث وعناصر.. وآمل أن تغدو فيلما دوليا في المستقبل.. كنت قد نشرت سيناريو تاريخي ” النسر الاحمر صلاح الدين الايوبي ” وكان مؤملا ان يخرجه الفنان الراحل مصطفى العقاد فيلما دوليا ، ولكنه تركنا ورحل رحمه الله والسيناريو رائع جدا – كما ازعم – .

• ماذا عن اعمالك القادمة ؟
سيار الجميل : هناك كتابي النقدي الموسوم : ” على المشرحة : مناقشة وثائقية من اجل الكشف عن حقائق تاريخية ” ، .. فضلا عن كتاب: ” المزامنات العربية : إشكالية التفكير وآليات التغيير” في طبعة عربية ، وكتاب ” ذكريات شاهد الرؤية ( المجلد الاول : ذاكرة مؤرخ : نسوة ورجال ) ، ( المجلد الثاني ذاكرة مؤرخ : زعماء ومثقفون ) ، ( المجلد الثالث : حقيبة ذكريات ) ، وقد نشر مؤخرا كتابي ” جامعة آل البيت في العراق 1924-1930 “، وسينشر كتاب : “جامعة الدول العربية : اشتراطات التغيير في القرن الواحد والعشرين ” ، وكتاب ” الرهانات المستحيلة : العراق وعبد الناصر في التاريخ المعاصر” وكتاب : ” المسيحيون العراقيون ” وكتاب ” التعايش التاريخي : جدلية الجوار والانتماء بين العرب والاتراك ” . كما أن لدي أعمال قيد المراجعة ومنها كتاب : شيخوخة الفكر العربي المعاصر، وكتاب : الرهانات الخاسرة : العراق في الذاكرة العربية، وكتاب : الجاندريون العثمانيون وغيرها.

• وبصدد مشروعاتك الكبيرة ؟
سيار الجميل : لديّ أعمال كثيرة بدأت العمل بها منذ زمن طويل وهي: تكوين العرب المعاصر 1917- 1997، وهناك : المعاني والأشياء : رؤية فلسفية ، وهناك : محاضرات في تاريخ آسيا الحديث والمعاصر، وهناك : بقايا هيكل : مكاشفات نقدية جديدة في إشكاليات محمد حسنين هيكل ..( صدر قبل سنتين على حلقات في القاهرة بمصر). وسادفع للطبع قريبا كتابي ” التعايش التاريخي : جدلية الجوار والانتماء بين العرب والاتراك والايرانيين ” ، وازعم انه فيه اشياء جديدة وممتازة في اعادة فهم مجتمعاتنا في الشرق الاوسط .

• مع كل ما أنجزته في حياتك، فما الذي كنت تريد أن تقوم به و تتمناه ولم يحصل بعد و تتمنى أن يتحقق؟
سيار الجميل : كلما يمضي الزمن ، اعتقد انني لم أنجز شيئا بعد ـ إذ أنني لم اقتنع أبدا بأي منجز..
اليوم ادير مشروعا علميا وتاريخيا في الخليج اتأمل انجازه مع نهاية عام 2013 . انه مشروع دراسة تكوين قطر الحديث في مجال الخليج والجزيرة العربية ، وهو مشروع كبير يحلل التكوينات الأساسية لتاريخ دول الخليج العربي ومجتمعاته ، وتحليل البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية من خلال نظرية السواحل والدواخل .. وسيكون العمل بجزئين اثنين كبيرين اولهما تطور البنية التاريخية في العصر الحديث وثانيهما تطورها في التاريخ المعاصر .. مع استشراف رؤية المستقبل. هناك ايضا موضوعات اساسية اشتغلت عليها ونشرت عنها عدة بحوث واوراق ، وان شاء الله سأقوم بنشر كتاب وثائقي ضخم عن تاريخ السيد جمال الدين الافغاني وفكره.

• هل تحلم بوحدة عربية كما حلمنا بها نحن في مجلة فرح و لو فكريا، فاخترنا لذلك فقرة كتاب بلا حدود؟
سيار الجميل : كنت أحلم بذلك في الماضي.. ولم أزل احلم بأي مشروع يجمع الكتلة أو المنظومة العربية ومن يشاركها الحياة والتاريخ والمصير في سياقات حضارية متمدنة للعمل والتعاون والتضامن والشراكة والتفاعل.. كنت أطالب منذ زمن طويل بمد سكك حديد بين المشرق والمغرب.. وكنت احلم بقناة تلفزيونية عربية تبث بثا موحدا قبل أن تخلق الفضائيات.. الآن وبعد كل ما تحقق من وسائل وأدوات اتصال.. نجد التمزقات والتشظيات أوسع مما نتصور.. إنني اليوم لا أؤمن بالوحدة العربية، بل أؤمن بالشراكة العربية التي لابد أن تبني طريقا نحو مشروع كونفدرالي بين الدول العربية وان يدرك الجيل الجديد مغزى ما أقول.. كانت قد أعلنت وحدات فورية واندماجية وثنائية وثلاثية ورباعية.. وكلها باءت بالفشل، ليس لأن الحكومات العربية لا تقبل بالوحدة فقط ، بل لأن مجتمعاتنا غير منسجمة وتمتلك خصوصياتها التي تتضارب مع بعضها الأخر.. وعليه، فان الخطوات الأولى بنظري، تكمن بإلغاء ما يسمى بجامعة الدول العربية ـ كما اقترحت أكثر من مرة ـ وتأسيس منظمة بديلة ترعى شؤون الشراكة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعيدا عن السياسات المتضاربة.. إنها بداية الطريق، إن استطاع العرب تطويرها بسياسة الخطوة خطوة..

• ما الذي ينقصنا كعرب و هل فعلا ينقصنا شيء ما أم أننا نتوهم النقصان؟
سيار الجميل : نعم ، تنقصنا أشياء كثيرة.. نحن العرب نتوهم العظمة ولا نفكر في ما ينقصنا . إن العكس هو الصحيح. لو كنا أناسا واقعيين لعرفنا مكانتنا الحقيقية بين الأمم الأخرى.. صحيح اننا شاركنا في الماضي في بناء حضارات العالم وارتقائه بانفتاحنا على كل الثقافات في العالم القديم ، ولكننا اليوم غير فاعلين ابدا ! لو كنا نحمل درجة عليا من العقل لنجحنا في نقد أخطائنا ومثالبنا، ولدرسنا تاريخنا بنقد علمي حقيقي ومن خلال قطيعة معرفية .. لو كنا نحمل رؤية متوازنة بين الذات والموضوع، لعرفنا كم ينقصنا من أمور: كم هو منتجنا؟ وحصيلة ساعات العمل؟ كم هي قوة مشاركتنا في الثقافة العالمية؟ كم هو مقدار هدرنا للزمن في توافه الأمور؟ كم هو الكسل ضارب أطنابه في جنبات مجتمعاتنا؟ كم هي مجتمعاتنا مستهلكة وغير منتجة؟ كم أتلفت الأزمان البترولية قسمات من مجتمعاتنا على حساب قسمات أخرى من مجتمعاتنا؟ كم هي الحريات معطوبة في بلداننا؟ كم هو حجم التخلف والأمية ضارب في أعماق مجتمعاتنا وخصوصا بين نسوتنا، أما الجهل فهو يعمي عقول مجتمعنا الذكوري، والفرق كبير بين الجهل والأمية ؟ إننا لا نتوهم النقصان ، بل ولا نشعر اين مكاننا اليوم من هذا العصر .. ولكن ثمة من يشقى بوعيه وهو يرى كم ينقص مجتمعه من مستلزمات وآليات وقيم .. وكم ينعم غير الوعاة ( أي الجهلاء ) بالحياة فهم يأكلون وينامون وينكحون.. ولا عمل لهم إلا قتل الزمن بأي وسيلة كانت! وكما قال المتنبي :
” ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ”
مجتمعاتنا لا تعرف أن تميز بين تقاليد سليمة ورائعة لابد أن نحتفظ بها وبين تقاليد متهرئة وبالية لابد من تجاوزها وتركها.. إن مجتمعاتنا تغص بمشكلات ومعضلات لا أول لها ولا آخر مقارنة بمجتمعات أخرى قد تعمها مشكلات شتى ، ولكن ليس بهذا الحجم المريب الذي تزداد فيه يوما بعد آخر. متى ما تحررت مجتمعاتنا من أوهامها ومن انتماءاتها الطائفية ونزوعاتها الانقسامية ومن الخرافات والافكار المسيطرة عليها.. متى ما بدأت تمشي على الطريق السوي في بناء المستقبل ، فإنها ستغدو في المقدمة .. ومتى يحصل ذلك ؟ ان تخلصت من انقساماتها وتناقضاتها سواء على مستوى القيادات ام النخب ام الفئات وصولا الى الجماهير .. ولكن كيف يحدث ذلك ؟ يحدث من خلال ثورة حقيقية في التربية واعادة التفكير في حياة العصر . لابد من زرع حب القراءة لدى الانسان لدينا .. وليس المهم فقط ان تغرس عنده هذه النزعة ، ولكن الاهم ان يتعلم ماذا يقرأ .. ان وعي الانسان وتفكيره يعد اساس تقدمه .

• ما رأيك في فقرة كتاب بلا حدود و ما هي الكلمة التي يمكن أن توجهها لقراء مجلة فرح؟
سيار الجميل : إنها فرصة رائعة أن تتوفر هذه الفقرة التي اعتقد بأهميتها البالغة.. إن فقرة كّتاب بلا حدود أتصورها محطة سفر ينجذب إليها كل الكتّاب وبلا أية حدود .. متمنيا لها التوفيق والنجاح الدائمين.. إن الكلمة التي ارغب أن اختتم بها هذا الحوار هي مجرد أمنية أعيشها منذ زمن طويل.. ذلك إن كان العرب قد فشلوا في تجاربهم السياسية والإيديولوجية لتوحيد ما تربينا على ترديده ليل نهار ( الوطن العربي ) على امتداد القرن العشرين.. وعليه، فأن كل النخب المثقفة العربية مدعوة لإثراء مشروع ( لا اسميه قوميا )، بل ( ثقافيا عربيا ) يوّحد الأنشطة والجهود، ويسرع بإيصال الكلمة إلى كل الأطراف.. ويرعى الإبداع في أي بقعة عربية، ويعتني باللغة العربية التي قد هزلت مع الأيام .. إننا ما دمنا نعيش سويا ضمن ثقافة عربية واحدة بكل أبعادها ومشاكلها وتنوعاتها ، فما علينا إلا أن نبدأ مشروعا مستقبليا يعتني بالثقافة والمعرفة العربية واخصابهما .. وبذلك نكون قد أدينا الأمانة.. ووضعنا حجر أساس لصناعة تاريخ جديد ..

بورتريه و حوار من انجاز بشرى شاكر ، مجلة فرح ، العدد 55 ، ويعاد نشره على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

نزار قباني والقطة السوداء في قصر الحمراء

  اكتب لكم هذا ” المقال ” وانا في الطائرة التي  عدت فيها عبر الاطلنطي …