الرئيسية / الرئيسية / الحاجة الى مشروع نهضوي متمدن

الحاجة الى مشروع نهضوي متمدن

 ينقسم الرأي العام العربي بين مؤيد للمتغيرات الحاصلة عربيا وبين معارض لها، وكل من الطرفين له أجندته السياسية أو الفكرية أو الطائفية أو المصلحية.. دعوني أقول إنها ليست مجرد ثورات سياسية ضد أنظمة حكم، أو ضد حكام جائرين فاسدين فقط، بل إنها تحولات تاريخية لها ثقلها الكبير.. إنها ليست مجرد ثورة جياع، أو تمرد ساسة، أو تظاهر في شوارع وميادين.. وليست مجرد حركة خلايا حزبية دينية أو سياسية أو طائفية.. بل هي استجابات حقيقية لتحديات عارمة، فرضت نفسها على مجتمعاتنا منذ 30 سنة مضت.
لقد وجدت أن بدايات كل قرن في تاريخنا الحديث، تلد جملة أحداث كبرى مريرة وخطيرة، تتحرك بسرعة من أجل خلق بدائل جديدة لكل المجتمعات.. ولكن يصيبها النجاح مرة ويعتريها الإخفاق مرات! إن التحولات التاريخية لا تخلق من فراغ أبدا، ولكن هناك عناصر معينة تخلقها لإيجاد بدائل جديدة يتطلبها جيل جديد، قد يتخضرم بين قرنين ويؤهله الزمن كي يخطو خطوات متباينة.
ولقد اتضح من خلال مقارنات تاريخية، أن مخاض التحولات صعب جدا، وكثيرا ما تنتكس الأجيال انتكاسات مريرة، كونها غير قادرة على خلق البدائل التاريخية، أو بفعل مصيرها الذي يغدو رهين غياب مشروع، أو هيمنة خارجية، أو فوضى داخلية، أو وقوع الفعل الحضاري تحت سطوة النزوع السياسي أو الطائفي أو الايديولوجي..إن من يقرأ بدايات كل قرن في التاريخ الحديث ويقارن بينها، سيجد مفارقات عجيبة في تطور التكوين التاريخي أو نكوصه في مجتمعاتنا قاطبة، وأن ثمة ربطا جغرافيا وثيقا بين هذا الطرف أو ذاك، بين هذا البر أو ذاك النهر والبحر..
من يقرأ بدايات القرن السادس عشر، سيجد كيف تغيرت الخارطة السياسية العربية، في ظل سقوط ممالك ودول وسلالات وتكوين تاريخ من نوع جديد.. فسيجد أن القوى البرتغالية الخارجية بدأت من خلال البحر حركاتها وامتداداتها، وأن تكوينات تاريخية انبثقت في خضمٍّ صعب عاشه العرب في دخولهم المجال العثماني، وكان الصراع على أشده بين العثمانيين والصفويين..
ثم عاشوا مخاضا تاريخيا من نوع آخر في بدايات القرن السابع عشر والذي اعتبرته، في كتابي “تكوين العرب الحديث”، أقسى مرحلة تاريخية عاشتها المجتمعات العربية قاطبة، ولم يجدوا أية فرصة مناسبة للنهوض من أحوالهم بسبب ثقل الهيمنة الصعبة في دواخلهم وتخومهم، بل حتى في جوف مدنهم ودواخلهم وموانئهم..
وفي بدايات القرن الثامن عشر انتقلوا في تحولات بطيئة جدا، إلى تأسيس تكويناتهم المحلية وتبلور حياتهم الإقليمية الجديدة التي تطورت على امتداد أكثر من قرن كامل، ولكن في ظل حكومات لا مركزية في إطار الوجود العثماني!وانطلقوا في بدايات القرن التاسع عشر جراء أسباب خارجية وعوامل داخلية، لتأسيس حياة جديدة، تارة باسم الاصلاحات التي اسموها بالتنظيمات الخيرية وتارة باسم حملة بونابرت وتارة باسم دولة محمد علي باشا ، ولكنهم واجهوا الاستعمار وعانوا من القهر والظلم وجور المعاهدات، سواء مع البريطانيين أو الفرنسيين.. إن الانطلاقة النهضوية لم تكمل شوطها، بل سحبتها الهيمنة الأوروبية لتفنيها. وانطلقت عند بدايات القرن العشرين الاحداث التاريخية التي كانت تتمنى تحقيق اهداف نبيلة ، ولكن مجتمعاتنا انتكست جراء تقسيمها وتأسيس دول وتنصيب سلطات وخلق حدود وضياع فلسطين .. الخ
لقد دخلت مجتمعاتنا تاريخا منقسما ، وانها عاشت مخاضات صعبة جدا، ولم تستفد من الدروس التاريخية ، بل ترسخت الانقسامات السياسية، وتفاعلت الصراعات الطبقية، مع حالات عنف إيديولوجي.. ولدت افكار ، ونضجت ابداعات ، وكبرت احلام ، ولكن فسدت السياسات ، وزادت الفوضى ، وهزمت جيوش ، وسرقت اوطان مع انقلابات عسكرية افضت الى ولادة دكتاتوريات وفساد انظمة وتوريث جمهوريات وولدت نزوعات طائفية بزحف التخلف ، وتوظيف اديان ، واشعال مذاهب .. كلها انتجت احداث اليوم في بدايات القرن الواحد والعشرين .. ان احداث اليوم تأمل حياة تاريخية جديدة ، ولكن مخاض الواقع يصعب اجتيازه بحكم هول التناقضات ليس السياسية ، بل الاجتماعية والاعلامية التي تشهد تشظيات خطيرة تودي الى التهلكة . نعم ، كلها أنتجت أحداث اليوم في بدايات القرن الواحد والعشرين.. وهي متغيرات تاريخية لابد من الاستجابة لتحدياتها ، ولا يمكن الوقوف ضدها ابدا .
إن أحداث اليوم تأمل حياة تاريخية جديدة، وان الناس بحاجة ماسة الى حلم ورؤية ومشروع ، ولكن مخاض الواقع يصعب اجتيازه بحكم هول التناقضات، فمجتمعاتنا العربية اليوم تعيش صراعا تاريخيا مريرا، بين مطرقة ضرورات هذا العصر ومستحدثاته الجديدة (وضمنها أجندة العالم الخارجية) من طرف، وبين سندان النزعات الماضوية التي كانت ولم تزل تخالف تماما كل عناصر التقدم وسنن التاريخ .
إن متغيرات اليوم تاريخية صرفة بتداول الظواهر، وقد انبثقت من رحم مجتمعاتنا العربية بالضرورة التاريخية، وهي لا تخلو من تدخلات سياسية إقليمية وكنت قد توقعت حدوثها قبل سنوات دولية.وسواء نجحت أم أخفقت، فكل ظاهرة تحمل عناصر ضعفها وقوتها معا، ولكن علينا أن ندرك أنها “ظاهرة” ينبغي أن تكون نهضوية مدنية، وهي بحاجة إلى مشروعات وطنية، وبدائل واقعية، ومستلزمات حديثة. فلا يمكن بناء التاريخ بعناصر قديمة من صنع الماضي .
إن الأجيال الثلاثة التي عاشت القرن العشرين، قد بدأت منطلقة نهضويا ووطنيا، ولكنها ترهلت وهرمت كثيرا، ومتغيراتنا اليوم ستختفي أو تتآكل مع الزمن إن لم تسع لخلق بدائل جديدة تتفق والعصر الحديث.وأعتقد أن الأجيال الثلاثة التي ستعيش هذا القرن، ستشهد مراحل من صراع التناقضات والمستويات وخصوصا في النصف الأول منه، فضلا عن قلة حيلتها لفهم التحديات الجديدة التي ستفرض نفسها على مجتمعاتنا، التي لم تزل غير قادرة على صنع خارطة طريق لنفسها إن بقيت بلا أي مشروع نهضوي حقيقي.
وعليه، لا بد أن تدرك الأجيال الجديدة والقادمة، كيف تفكر في استحداث مفاهيم بديلة وآليات جديدة، لفهم الواقع المضني ومحاولة إيجاد علاجات لأمراضه المستعصية.

نشرت في البيان الامارتية ، 5 ايلول / سبتمبر 2012، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وتنشر على صفحة تجمع المؤرخ الدكتور سيار الجميل / الفيس بوك

شاهد أيضاً

رسالة عاجلة الى السيد رئيس وزراء العراق المحترم

رسالة عاجلة الى السيد رئيس وزراء العراق المحترم تحية طيبة وبعد كنا وسنبقى نبارك خطوات …