الرئيسية / الرئيسية / العرب والقرن الافريقي جدلية الجوار والانتماء

العرب والقرن الافريقي جدلية الجوار والانتماء

نّظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، مؤتمر “العرب والقرن الأفريقي: جدلية الجوار والانتماء” بين 27- 29 نوفمبر 2011، شاركت فيه، إلى جانب مديره العام د. عزمي بشارة، نخبة من المتخصصين بشأن القرن الأفريقي، حيث قدم المؤتمر معرفة جديدة للثقافة العربية، وبحث مقاربات أكثر بشأن جدليات الجوار والانتماء. ولم يقتصر في التعريف فقط على الإرث التاريخي الذي جمعنا، بل عالج أهمية هذه المنطقة اليوم من منظور استراتيجي سياسي واقتصادي وأمني، وكان علينا أن نعرّف المجال الحيوي للمنطقة، وجغرافيته وأين حدوده ومكامن حيويته؟ أين مشكلات الجزر المتنازع عليها في خليج عدن والبحر الأحمر؟ ولماذا التنازع على هذه الجزر؟ وما أهمية القرن الأفريقي بالنسبة إلى العرب؟
إن حدود القرن الأفريقي، بدءًا من شمال إريتريا ونزولاً في محور نحو جنوب السودان وإثيوبيا، وصولا إلى جنوب كينيا، تشّكل مثلثاً يدخل ضمن إطار البحر الأحمر وخليج عدن، وكيف يتصل بالعالم من خلال المحيط الهندي. وعليه أقول: لن تكفي قراءة ابن بطوطة وابن حوقل وغيرهما لمعرفة ما سجّل من إرث عربي رائع، ولكن علينا اليوم معرفة كيف نواجه التحديات في العلاقات بين الطرفين، وكيف نبني معرفة جيوسياسية، كي ننتقل لدراسة المفاهيم السياسية للمنطقة جواراً وانتماء، وكيف نحددها من خلال رؤيتنا للمصالح العربية، لحاضرنا ولأجيالنا المقبلة.
كيف نجعلها تتخلص من ترسبّات القرن العشرين؟ وكيف نغرس مبدأ التعددية وحسن التعايش؟ هنا تبدو لي ضرورة فهم التحديات، سواء كانت داخلية أو خارجية، والتحديات الداخلية أهم بكثير، لأن الخارجي يتوغل من ضمن تناقضات الداخل دوماً، إذ يصعب اختراق منطقة متماسكة، أما إن كانت هشة، كدول أو مجتمعات، فإنه يسهل اختراقها. لقد حفلت بدايات القرن الواحد والعشرين بمتغيرات تاريخية جدية. تصوّروا أنه قبل عام من هذا اليوم، لم يكن أحد يتخيّل أن أنظمة عربية قمعية ستتساقط واحداً تلو الآخر، في غضون أيام وأسابيع أو أشهر معدودات!
هنا أسأل: ما مدى رؤيتنا لمستقبل المنطقة؟ نحن نحترم تاريخنا الرائع الذي تركه لنا الأسلاف، الذين تفاعلوا وتزاوجوا وكتبوا عن سكان إفريقيا، لكن اليوم نحن في زمن آخر، وعلينا أن نتساءل: لماذا يهتم العالم بالقرن الأفريقي اليوم؟ وكيف اهتم به المستعمرون الأوروبيون؟ وما سرّ اهتمام دول معينة بهذه المنطقة؟ لماذا هذا الاهتمام من قبل الاستقطاب الأميركي؟ ولماذا تخترقها إسرائيل؟ وما دور إيران فيها مقارنة بالدور العربي؟
علينا أن نفكر قبل أن نطلق المصطلحات، هل لدينا أمن قومي عربي ومصالح مشتركة، ليس فقط مع القرن الأفريقي، بل ومع مناطق أخرى تجاورنا؟ وما سر هشاشة “دولنا” في الـ30 سنة الماضية؟ وما سرّ تفكك المجتمعات العربية وانقساماتها إزاء التفتت الذي يضرب القرن الأفريقي بين صراعات قبلية وفئوية وصراع مدن؟ ما الفارق بين الدول المنفتحة على البحر وتلك المنغلقة، وما تأثير ذلك؟ كيف ستحيا دولة كجنوب السودان وهي دولة مغلقة؟

هذا سؤال للمستقبل، وعن قابليتها للحياة تساءل المؤتمر: هل كان انفصال جنوب السودان حتمياً؟ وقد شهدنا أجوبة مختلفة، لكن هل توغلنا في العمق لمعالجة الأسباب الداخلية وغياب الآخر في الاذهان، بل وتهميشه واحتقاره؟ كيف نعالج الأزمات الثقافية في مثل هذا الزمن؟ نحن تربينا في مناخ قومي تحرري قبل 50 سنة، لكن تغيرات اليوم مختلفة، وحالنا تغير عن 50 سنة سابقة. القرن الأفريقي كما أراه، يعاني من أزمات ثقافية متعددة، وقد خرج المؤتمر بحصيلة مهمة جداً، إذ ضرب بعض المؤتمرين على الأوتار الحساسة والتي نحتاج إلى دراستها من جديد.
والسؤال الأهم؛ ما التحديات التي تواجه السودان في الثلاثين سنة المقبلة، وخصوصاً بعد انفصال الجنوب؟ وهل سيكون هنالك مسلسل انفصالات، ليس فقط في السودان الشمالي، بل وفي منطقة القرن الأفريقي عموماً؟ الصومال كما ترونه هو قلب القرن الأفريقي، بمساحته الشاسعة وتنوعه القبلي، فكيف سيكون مصير هذا البلد؟ ما رؤيتنا للأجيال الجديدة في خضم هذا المخاض الذي وجدنا أنفسنا عليه منذ ثمانينات القرن العشرين؟ أجيال جديدة تنشأ في ظل الانسحاقات، والانهيارات الكاملة، والمجاعات، والتهتكات السياسية، والصراعات القبلية والتشظيات الاجتماعية، وانعدام الأمن.. علينا أن نفكر في مستقبل أجيالنا وعصب حياتهم، في السودان ومصر، وعلينا أن نضع تصوراً لمشكلة مياه النيل بمنتهى الدقة والحكمة، بعيداً عن المناخات السياسية والنزعات المختلفة، علينا أن نضع تصوراً دقيقاً لحجم التدخل الأميركي في ظل الاستقطاب، وأين تكمن المصالح؟ وماهية التدخلات الإسرائيلية والإيرانية في القرن الأفريقي وانعكاساتها ضد العرب؟.
علينا أن نصل إلى رؤية عربية لمسائل جدلية الجوار والانتماء، والصراع والتعايش من الناحية الاستراتيجية، كيف نفهم طبيعة ما يجري على الأرض وما يخطط بالنسبة إلى البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وفوهتها في السويس، لكي تكتمل عندنا الصورة عن واقع القرن الأفريقي.إننا بحاجة ماسة إلى رؤية عربية للقرن الأفريقي، جواراً وانتماء، وبناء للمستقبل، بأساليب جديدة تتفق مع روح هذا العصر، وأهم شيء؛ كيف سيكون تفكير الجيل المقبل الطموح الذي يرى العالم يتغير، وهو يرى جموده وانعدام التعايش فيه؟ جيل يرى غيره ينال حقوقه، أما هو فيضطهد ويقتل! لا بد من تفكير مغاير وتربية وإعلام من نوع جديد ومعالجات دقيقة للمشكلات، وخصوصاً في القرن الأفريقي الذي يغط في الفقر والحروب والمجاعات. نحن بحاجة إلى استراتيجية جديدة لمعرفة جدلية الجوار والانتماء، والتأسيس عليها مستقبلًا، لفهم هذه المنطقة الحيوية بشكل أكبر لمعرفة مصالحنا المشتركة.
نشرت في البيان الاماراتية ، 6 ديسمبر / كانون الاول 2011 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

شاهد أيضاً

untitled

الاشجار تحيا .. والبشر تقتله المجانين !

اثارت مقالتي السابقة قبل يومين ” موت أرنب ”  خلجات الكثيرين عن اسلوب  كندا دولة …