الرئيسية / الرئيسية / كتاب بقايا هيكل.. الحلقتان -39- و -40-

كتاب بقايا هيكل.. الحلقتان -39- و -40-

الحلقة 39
العرب بين زعيمين: الباشا والرّيس

قطبان : يتناظران .. يتنافران
دعوني اليوم أحلل ناقدا مسألة غاية في الأهمية، وظاهرة تاريخية تتكرر بين مركزين اثنين يستقطبان تاريخنا في كل المنطقة، بغداد والقاهرة.. وبين زمنين اثنين، أولاهما ليبرالي إصلاحي مدني متدرج التطور، وثانيهما ثوري انقلابي عسكري سريع الأحلام.. بين زعيمين اثنين أحدهما شيخ عسكري وسياسي هرم عركته السياسات والميادين والعلاقات والتجارب وبقائه مع موديلات ما بعد الحرب العالمية الأولي، وثانيهما شاب عسكري متحرر له سحره وجاذبيته وانطلاقته مع موديلات العصر الجديد لما بعد الحرب العالمية الثانية.. أولاهما كان يدعي بنوري باشا السعيد الرئيس المخضرم للحكومات العراقية إبان العهد الملكي.. وثانيهما كان يدعي بالرئيس جمال عبد الناصر الرئيس الجديد للجمهورية المصرية . أولاهما أحب مصر وعشقها كثيرا، ولم يجد مكانا بعد بغداد إلا القاهرة، وثانيهما أحب العراق حبا جمّا، وتأثر بأحداثه وثوراته القومية، واستلهم منها كل خصبه! الفرق الزمني بين الاثنين جيل كامل أي ما يقرب من ثلاثين سنة، وكأن الأول يعد بمثابة الأب بالنسبة لولده..
هنا ، المعادلة ستنشطر إلى شطرين باستقطاب الثاني للجيل الجديد الذي وجد فيه البطل القومي الذي يبحث عنه، وكان الأول يتضاءل دوره ليس عربيا فقط، بل حتى عراقيا، علما بأن الأول بقي يمثل رمزا للحركة العربية في مرحلتها الأولي، ولكن الثاني حصد كل ما كان الجيل الأول قد قدمه علي مدي أكثر من أربعين سنة، بدءا بالعام 1909 وانتهاء بالعام 1952،. الأول وجد نفسه مع العراق الذي أسهم في بنائه السياسي والتنموي وفقد أمنياته التي ضمنها العديد من المشروعات القومية والدولية، ولم ينجح منها إلا مشروع جامعة الدول العربية.. في حين استقطب الثاني كل الآمال القومية ليطرح مشروع الوحدة العربية بعد أن كان مطروحا منذ زمن طويل.. وبقي الثاني يستلهم ما سمي بفكر الثورة العربية، ولكن بأسلوب خطابي، وكان قد برز بعد الحرب العالمية الثانية العديد من الحركات والأحزاب الثورية القومية مثل حزب البعث العربي لمؤسسيه ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، ثم اندمج مع الحزب الاشتراكي العربي لأكرم الحوراني.. وكلهم وقفوا ضد السياسات التي اتبعها الأول في الخمسينيات، مشاركين الريس جمال عبدالناصر طموحاته الكبرى.



الباشا نوري سعيد


نوري باشا السعيد.. من يكون؟

ربما لا يعرفه الجيل الجديد، ولكنه كان أحد أبرز الزعماء السياسيين العرب إبان النصف الأول من القرن العشرين، وهو من قلب بغداد، ولد عام 1889 وقتل عام 1958 . كان ضابطا قديرا للأركان، واشترك في حروب الدولة العثمانية، ثم التحق بجمعية العهد، ليغدو رئيس أركان جيش فيصل إبان ثورة الشريف الحسين بن علي المنطلقة من الحجاز، ووقف إلي جانب فيصل ودخل دمشق معه، ووجد نفسه في بغداد مع تأسيس الدولة العراقية والجيش العراقي، واعتمد عليه الملك فيصل الأول اعتمادا كبيرا.. كما أن الانجليز قد أعجبوا بقدراته السياسية.. وساهم إلي جانب نخبة من العراقيين في تأسيس الدولة وعلي امتداد قرابة أربعين سنة، تنقل في مناصب وزارية خطيرة ورئيسا للوزراء عدة مرات.. كان وفيا للبيت الهاشمي المالك، وكان وراء عقد اتفاقيات مع دول الإقليم، فضلا عن كون الباشا نوري كان وراء عدة مشروعات قومية منها مشروع الهلال الخصيب، ومشروع الأمم المتحدة، ومشروع الاتحاد العربي الكونفدرالي الذي أصبح بعد ذلك مؤسسة قائمة بذاتها اسمها جامعة الدول العربية..
كانت للباشا رؤيته السياسية بالاعتماد على بريطانيا اعتمادا أساسيا، وقد كلفّه ذلك الكثير.. وخصوصا بعد أن سعى ، لكي ينطلق ميثاق بغداد بين العراق وتركيا، وقد دخلته دول الإقليم الكبيرة ثم بريطانيا وأمريكا.. كان نوري السعيد قد قّدم للعراق الكثير، وكان خصما لدودا للشيوعية العالمية ، والعدو الاول والاخير للشيوعيين العراقيين ، وكان من أهم المنجزات التي حصل عليها تتمثّل بـ”حلف بغداد” الذي يقترن باسمه. وبالوقت الذي كان يعتبر نفسه ابو الجيش العراقي بعد مصرع صهره جعفر باشا العسكري ، وكان القائد الملهم لكل ضباط العراق ، فأصبح فجأة العدو رقم 1 بالنسبة للضباط الأحرار الذين قاموا بحركتهم الشهيرة وقلبوا النظام الملكي العراقي إلى نظام جمهوري في يوم دموي عصيب قتل الجيش الملك فيصل الثاني وخاله الامير عبد الاله وكل افراد العائلة المالكة ! وكان الريس عبدالناصر أول المعترفين بتلك الحركة الثورية التي هزّت العالم ، وكان عبد الناصر أول من دافع عن تلك الحركة وابطالها .. واعتبر أي عدوان عليها ، هو عدوان على مصر. وقد انتهى يوم 15 يوليو 1958 نهاية مأساوية بمصرع الباشا العجوز نوري السعيد وسحلت جثته في شوارع بغداد وتمّ تقطيعها إربا إربا، بحيث لم يبق له أي قبر! ومن الملفت للنظر ، ان الصديقة بريطانيا كانت من أولى الدول التي اعترفت بالنظام العسكري الجديد في العراق ، ولحقت بها الولايات المتحدة وبقية دول العالم . لقد أشاد البعض بالباشا نوري السعيد ، وانتقده البعض الآخر منذ خمسين سنة حتى يومنا هذا.. ولكن التاريخ سيبقي شاهدا علي منجزات رجل كان له تأثيره البالغ في بناء العراق الحديث، وكانت له أخطاؤه الكبيرة التي في مقدمتها ثقته الكبرى بالبريطانيين ، وعدم فسحه المجال لجيل جديد يتطلع لحياة جديدة ، وهو يعايش تحولات العالم السياسية ، وخصوصا الايديولوجية والسياسية . فأين محمد حسنين هيكل من هذا وذاك كله؟



الرئيس جمال عبد الناصر


مفاوضات الأحلاف بين نوري السعيد وعبد الناصر

1/ متى استيقظ المغرب العربي؟
حول هذا العنوان نفسه، يقول محمد حسنين هيكل: ” المغرب العربي بدأ يستيقظ، السعودية بدأت تقرب من العمل العربي المشترك حتى وإن كان دافعها مواجهة الهاشميين وكسب مصر صراعهم مع الهاشميين وبعدين هأمشي مع تسلسل الحوادث في ذلك الوقت لأنه في ذلك الوقت كنت بأقول إنه فيه معركة دارت علي قلب وعلي مستقبل وعلي عقل وعلي ضمير العالم العربي وأنا قلت مع الأسف إنه إحنا بعد 55 سنة بنشوف إن إحنا خسرناها، لكنه علي أي حال في ذلك الوقت الآمال كانت مطلقة والآفاق مفتوحة والرؤى تبدو واضحة والهِمم تبدو مستعدة أن تحتشد وراء الرؤي.. ” (نص هيكل ).
المغرب العربي كان مستيقظا دوما يا هيكل، متمنيا عليك أن تقرأ تاريخه الحديث، وخصوصا تطور الفكرة الوطنية في كل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب في ظل التجربة الاستعمارية المريرة فرنسية كانت أم ايطالية أم اسبانية.. لقد كانت المنطقة المغاربية كلها مستيقظة منذ بدايات القرن العشرين، ولقد شهدت ساحات القتال أو ميادين السياسة رجالا أفذاذا ومواطنين قد ترسخت وطنيتهم في كل المعاقل.. شهدت هذه البلدان المغاربية نزعات وأفكارًا سياسية، فضلا عن أحزاب يسارية أو هيئات لعلماء الدين.. فهل كان تاريخ المغرب العربي بطوله وعرضه نائما، كي تأتي أنت لتوقظه، أو يستيقظ علي يديك؟!
2/ مصر بين عهدين
أما السعودية، فقد جعلتها، وكأنها كانت بعيدة عن مسألة العمل العربي المشترك، في حين أن لها أدوارا خطيرة قبل خمسينياتك.. أما قضية صراع الهاشميين مع السعوديين أو بالعكس، فلا أدري لماذا أنت مصّر علي هذه الفرية التي لم يعد لها وجود في الخمسينيات! وهل تعتقد أن السعودية قد كسبت مصر علي العهد الجديد؟ إنني أري العكس تماما، ذلك انها كانت علي أقوي العلاقات مع مصر الملك فاروق ومنذ أيام الملك عبد العزيز.. ولكن العلاقات انتكست انتكاسات مريرة علي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وخصوصا علي عهدي الملكين سعود وفيصل آل السعود وما كان من تشهير وحرب إذاعية شهدناها طوال الخمسينيات والستينيات.

3/ المعركة خاسرة من بدايتها؟
أما بصدد المعركة التي تتحدث عنها والتي بتشوف أنكم خسرتموها! من انتم؟ لماذا تتحدث بصيغة النحن؟ إنها ليست معركتكم وحدكم من وجهة نظري.. إنها معركة كل الشعوب المضطهدة إزاء المشروعات الكبرى التي يخطط لها الكبار.. إنها معركة كل القوي الوطنية والسياسية عربية كانت أم غير عربية ضد الهيمنة والتوسع.. إنها معركة كل الحكومات الوطنية التي ناضلت منذ زمن طويل ضد الاستعمار والطغيان والقهر.. لماذا تتحدث وكأنك قد احتكرت التاريخ لنفسك؟ لماذا تتحدث وكأنك قد ناصفت الزعيم جمال عبدالناصر كل أدواره التاريخية؟

إعادة تقييم وحكم متسرع لهيكل في الباشا نوري السعيد
يستطرد هيكل ليقول: ” تقريباً نصف 1954 . جاء نوري السعيد باشا في مصر يشوف جمال عبدالناصر وأظن ده كان أول لقاء بينهما وأظن ده كان في يونيو وهذا اللقاء كان في الفترة ما بين توقيع اتفاقية الجلاء المرة الأولي اتفاقية إطار المبادئ وما بين التوقيع النهائي وبين المسافة بين الاتفاقيتين بين التوقيعين حوالي أربعة أشهر، في هذه الفترة جاء نوري باشا.. نوري باشا.. نوري السعيد وأنا.. ده واحد من الناس اللي أنا بأعيد تقييمي له.. لدوره من زاوية الحكم المتسرع يمكن وعدم رؤية وجهة النظر الأخرى.. ” (نص هيكل ).
قبل أن استرسل في تفكيك النص. هنا نقطة جدا مهمة من هيكل انه بعبارة واحدة ينسف كل تاريخ الصراع بين جمال عبدالناصر ونوري السعيد.. هنا أجد هيكل يتراجع في مثل هذه العبارة عن تاريخ صراع سياسي كامل بين مصر والعراق إبان الخمسينيات! هنا أجد هيكل يعترف اعترافا واضحا بأنه يعيد تقييمه لزعيم عراقي ساهمت مصر جمال عبدالناصر في تقويض حكمه في العراق عام 1958 لتصفق للتغيير في العراق وتصفق لواحد من الضباط الأحرار العراقيين الذي انتصر في تقويض الملكية ونوري السعيد وتأسيس الحكم الجمهوري، ولكن لم تمض إلا ثلاثة أو أربعة أشهر حتى انقلب الحال، ليبدأ الصراع بين مصر والعراق وعلي عهدين جمهوريين.. ولم ينته الصراع حتى رحيل عبدالناصر . اليوم، يعترف هيكل بأنه كان صاحب حكم متسرع، بل ويعترف بعدم رؤية وجهة النظر الأخرى!!
دعوني اتساءل واقول :
كيف؟ كيف كنتم أصحاب حكم متسرع إزاء سياسة نوري السعيد؟ هل الزمن قد علمكم ذلك ليكون نوري السعيد في العراق أقدر منكم في فهم السياسات الدولية في المنطقة؟ أم هل أن خمسين سنة مضت من تشظيات العراق علي عهوده الجمهورية، أن الباشا نوري السعيد كان أدري منكم في فهم العراق وطبيعة العراق ومركزية ثقل العراق ومخاطر الإقليم عليه..؟ لقد قلتها يا هيكل ومضيت، وهذا من أبرز مثالبك، انك ترمي بعض الأفكار التي تعترف بالأخطاء التي مورست، ولكنك لا توضّح الأسباب ولا تفسّر لماذا؟ انك بهذا الاعتراف قد نسفت فعلا سياسة عبدالناصر من أساسها. فهل يا تري أن كان الرئيس عبدالناصر حيا يرزق، وسمع ما تقول، أو قرأ ما تكتب.. سيربت علي كتفك متجاوبا معك ويعترف انه كان أيضًا صاحب حكم متسرع عن نوري السعيد وأنه لم يدرك وجهة نظر الباشا جيدًا، أم أنه سيبقي يصّر مدافعا عن سياساته التي مارسها في كل المنطقة، وخصوصا إزاء العراق، وبالذات إزاء الباشا نوري السعيد؟؟ ماذا تسمّي ذلك يا هيكل؟ هل هي عودة وعي تاريخي؟ أم هل هي خروج عن منطق مناخات ذلك الزمن الذي شغلتنا فيه الأخيلة وضيعتنا الأوهام؟ إذا كنت قد حسمت أمرك إزاء الباشا نوري السعيد الذي يبدو انك قد غيرّت أحكامك عنه.. معني ذلك أن سياسات عبدالناصر كانت مخطئة وأن سياسات غريمه في العراق كانت علي صواب.. دعونا ننتقل إلي متابعة ما سيحكيه هيكل تباعا..

التبريرات الواهية
يقول هيكل: “نوري باشا جاء وأظنه علي أي حال ما شرحش وجهة نظره بطريقة كافية لأنه ركز علي حكاية إنه هو لا يفهم لماذا أصر جمال عبدالناصر طول فترة المفاوضات مع الإنجليز مباشرة أو الاتصالات مع الأمريكان بالطرق الجانبية أو بالطريقة الدبلوماسية بأي طريقة إنه لا يمكن.. لن يناقش الدفاع عن الشرق الأوسط إلا في إطار أن تنتهي قصة الاحتلال البريطاني كاملةً..” (نص هيكل ) .
هذا تبرير غير مقبول يا هيكل.. هذا تبرير مبني علي الظنون! كيف تظنان نوري باشا لم يشرح وجهة نظره بطريقة كافية حتي تفهمون؟ وطبعا يرّكز علي الحكاية التي ذكرتها، لأنها قلب المشكلة بين السياستين.. ويبدو لي أن زعماء مصر القدماء علي العهد الملكي كانوا يفهمون من يكون الباشا نوري السعيد، وما دوره، وما قيمته في القرن العشرين.. عندما تقرأ مذكراتهم، ستجد ما الذي وجدوه فيه، هم ومعهم كل القادة السوريين والفلسطينيين واللبنانيين. كان الأجدي بك أن تقول إن عبدالناصر والقادة من الضباط الأحرار لم يفهموا ما قاله لهم الباشا نوري السعيد.. علما بأنني اعتقد أن كلا الاثنين يعرف ما سيقوله احدهما للآخر، وكان الحوار بين نظامين مختلفين، وبين عقليتين مختلفتين، وبين استراتيجيتين مختلفتين، وبين جيلين مختلفين.. وتختزل كلها في مصالح متضادة لبلدين اعتبرا عبر التاريخ بطوله من أبرز مراكز الثقل للمنطقة كلها.

هيكل يبني أحكامه على الظنون
يتابع هيكل كلامه قائلا: “.. فجاي نوري باشا ورأيه إنه.. وأنا أظن إن هنا نوري باشا أخطأ في الـ «Approves » في اقترابه من الموضوع لأنه بدأ كما لو كان كلامه جزءا من حملة الضغط في سبيل الإقناع وقبل التوقيع النهائي وبالتالي أظن الزيارة لم تنجح أو علي الأقل كانت عملية استكشاف كانت ضرورية، لكن ما أظنش إنها تركت انطباعات لا كويسة عند جمال عبدالناصر ولا كويسة أيضاً عند نوري باشا خصوصاً إنه كان فيه مسألة غريبة قبلها لافتة للنظر قبلها، إنه في أزمة مارس.. ” (نص هيكل ).
مرة أخرى يبني هيكل أحكامه علي الظن، وهذا خطأ جسيم في تحليل التاريخ، لأن من يبني أحكامه هكذا وبهذا النوع من الكلام فإما يكون ناقص معلومات، أو انه يغالط الحقيقة التي يعرفها جيدا.. واعتقد جازما أن هيكل هنا يجمع النقيضين، فهو ناقص المعلومات، ولا يعرف ولم يكن يعرف شيئا عن نوري السعيد أولا، وهو يعرف الحقيقة التي بدت ظاهرة للعيان منذ تلك اللحظات التاريخية لكل صاحب عقل وحكمة.. ويريد اليوم أن يغالطها، كما غالطها منذ خمسين سنة لتبرير سياسات معينة اعتقد انه لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في الآتي يؤمن بها أبدا!
هل كان الباشا يخشى أحدا؟
يتابع قائلا: ” في وسط أزمة مارس ومصر مشغولة بدأ نوري باشا يتصرف باعتقاد إنه مصر سوف تتلهي في مشاكلها الداخلية ولن يكون لها رأي في أوضاع الإقليم وبالتالي راح هو قابل عدنان مانداريس رئيس وزراء تركيا في شهر أبريل وبأوا يتكلموا في تنظيم الدفاع عن الشرق الأوسط وفي فكر نوري باشا إنه علي أي حال مصر مشغولة بهمومها ولن تكون جاهزة لأي كلام مُجدٍ قبل فترة طويلة… ” (نص هيكل).
لم يكن الباشا نوري السعيد يخشى من مصر أن صنع قرارا في بغداد لا إبان العهد الملكي بمصر ولا في العهد الجمهوري الجديد لها .. كان نوري باشا رجل سياسة من الطراز الأول، ولم يكن يخشى من مصر حتى ينتهز فرصة إنها ملتهية بمشاكلها الداخلية حتى يذهب لمقابلة عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا من أجل تنظيم الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط! هذه مزحة جديدة تضاف إلي كاريكاتيرات محمد حسنين هيكل، وظنونه التي يسوقها علي الناس كحقائق، وهي خيالية ولا يمكن أن نجد لها أي أساس من الصحة..
إن علاقات العراق بتركيا يا هيكل قديمة جدا، وهي دولة كبيرة في الشرق الأوسط، ولها حدود مع العراق.. ومنذ تشكيل الدولة العراقية المعاصرة عام 1921 علي يد الملك فيصل الأول، والعلاقات راسخة مع الجمهورية التركية بزعامة الغازي مصطفى كمال أتاتورك.. ويعد الباشا نوري السعيد محور العلاقات الراسخة بين البلدين، فلا حاجة أن ينتهز الباشا انشغال مصر بهمومها حتى يسنح له المجال أن يخطو خطواته التي شهدناها. لم يعتمد نوري السعيد على معلومات كاذبة يقولها هذا أم ذاك بصدد مصر حتى يبني علي أسسها خططه.. لم يعتمد علي أي كلام حول مصر..
لم يبن قراراته على أحلام للبيع، بل بالعكس كان يعتمد خططا للتنفيذ، ويسرع في تنفيذها إن وجد نفسه واثقا من قوتها.. وسواء كانت مصر مهمومة بدواخلها أم لم تكن، فإنها أبعد ما تكون عن رسم السياسات العراقية التي مورست في العراق منذ تأسيس الكيان العراقي.. حتى بدأت التدخلات المصرية بشأنها في الخمسينيات على عهد الرئيس عبدالناصر.

نشرت على جريدة روز اليوسف المصرية ،العدد 1450 – الخميس – 1 أبريل 2010
، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وأيضا على صفحة تجمع الدكتور سيار الجميل
http://www.facebook.com/group.php?sid=ef680591def239dac31065b4f16482c3&gid=48810538237
ملاحظة : لا يسمح بإعادة النشر تحريريا أو الكترونيا ، إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر .


الحلقة 40
صـراع الأقطــاب

حقيقة نوري باشا إزاء مصر
يقول هيكل: “الزيارة لم تنجح، لكن بعد كده بدا أن الوضع في مصر ثبَّت خطاه ثبَّت مواقعه وقدَّر بيعمل إيه ووصل لاتفاقية أولي مع الإنجليز جاهزة للتوقيع النهائي، الأولي كانت عسكرية بس تمس الجانب العسكري وهو الترتيبات الجلاء والكلام ده كله والتوقيتات فيه وعشان كده مضاها وزير الحربية أنطوني ناتينج مع جمال عبدالناصر، الثانية كانت شاملة أكثر من كده إنه علي الود وعلي الصداقة والتعاون في علاقات طيبة مع إنجلترا وإنه الاحتلال لن يترك أثرا، الكلام السياسي اللي بيغطي الحقائق ودية مضاها أنطوني ناتينج وزير الدولة للشؤون الخارجية، فبدأ إنه هنا فيه المواعيد بتقترب، بدأ إنه فيه أولاَ أشياء تحددت وبعدين بدأ الإنجليز هيطلعوا وبدأ إن فيه المعاد اللي كنت بأقول عليه وبألح عليه باستمرار القادم حيث يقل التهديد وتزيد الإرادة راح جاي في السكة وبالتالي جاء..” (نص هيكل ).
أصحح معلوماتك يا هيكل أن انتوني ناتينغ كان وزير دولة للشؤون الخارجية ولم يكن وزيرا للدفاع وقت ذاك.. إن الوثائق القومية البريطانية تخبرنا، وخصوصا أوراق السير جارلس ارثر مساعد وزير الخارجية البريطاني لشؤون الشرق الاوسط قبل مشكلة السويس عام 1956، بأن لرئيس وزراء العراق نوري السعيد دور أساسي في توقيع اتفاقية عبد الناصر ـ ناتينغ حول جلاء القوات البريطانية، وخصوصا بعد أن حل عبد الناصر في السلطة عام 1954، فكان يوم 19 تشرين الاول / أكتوبر 1954 حين تمّ التوقيع علي المعاهدة من قبل عبدالناصر وناتينغ ولمدة سبع سنوات. وقد كتب جارلس آرثر في أوراقه بأن الباشا نوري السعيد كان يعشق مصر عشقا لا حدود له، ودوما ما يستشهد بمصر ومكانتها في العالم، وكانت تربطه منذ عشرات السنين علاقات خاصة بالزعماء المصريين، ويزور مصر دوما، وقد تزّوج ابنه الوحيد صباح من إحدى النبيلات المصريات، وتسمّت بالسيدة عصمت السعيد.
نعم يا هيكل، السيدة عصمت السعيد زوجة الطيار العراقي الشهير صباح نوري السعيد التي كنت قد التقيت معها في لندن لمرتين في العامين 1984 و1985، وحكت لي بمصريتها الرائعة المشوبة ببعض الكلمات العراقية كم كان الباشا نوري السعيد يعشق مصر والمصريين، وقد كتبت كتابها المعروف: نوري السعيد: رجل الدولة والإنسان.. وكانت قد تحدثت لي، كما أشرت إلي ذلك في أكثر من مكان إلي ما كان من تجاوزات وتدخلات سافرة علي عهد عبد الناصر في الخمسينيات ضد العراق وضد سياسة نوري السعيد.. وكم وددت منك يا هيكل أن تطلع فقط علي ما كتب عن نوري السعيد وفلسفته السياسية وموقفه من مصر قبل أن تنال منه كثيرا طوال خمسين سنة.



الأمير عبد الإله يصغي الى الباشا نوري سعيد

دعوني أحاور الأستاذ هيكل نقطة بعد نقطة حتى لا يضيع علينا ” الموضوع ” أصلا:

1/الأسرة الهاشمية المالكة في العراق
نتابع مع هيكل قوله: “.. الأمير عبد الإله جاء هنا يوم 8 يوليو جاء وقابل جمال عبدالناصر وقال له.. سأله علي الهاشميين وذَكَر رأيه فيهم وأنا حكيت علي ده من قبل لكن الأمير عبد الإله كان هنا عاوز والأسرة المالكة بصفة عامة كانت عاوزة أيضاً تأخذ مصر وتأخذ النظام الجديد في مصر لا ينحاز إلي جانب السعوديين ده في ذهنهم وعلي أي حال مش عايزين سوء تفاهم فيما يبدو بين مصر والعراق وبالتالي فهم جايين.. والأمير عبد الإله الواصي وحتي باسم الأسرة وهو خال الملك فيصل الصغير الشاب الصبي في ذلك الوقت وشقيق الملكة نفيسة والدته وزوجة الملك غازي .. ” (نص هيكل).
نفهم يا هيكل أن الأمير عبد الإله وصل إلي مصر وقابل عبد الناصر.. من قال للآخر؟ من سأل عن الهاشميين؟ من ذكر رأيه فيهم؟ هل عبد الإله أم عبد الناصر؟ إذا كان عبد الاله عاوز أن لا يذهب النظام الجديد في مصر منحازا إلي جانب السعوديين، فما علاقة الأسرة المالكة العراقية كلها بذلك؟ وهل تعتقد أن سوء التفاهم الذي حصل بين العراق ومصر سببه انحياز مصر نحو السعوديين؟ هل تعتقد أن الأمير عبد الإله كان يتكلم باسم ابن أخته الملك فيصل الثاني الذي كان قد تسلم سلطاته الدستورية عام 1952، وهل تعتقد أن الأمير عبدالاله كان من الخفة بمكان أن يطلب من رئيس نظام جديد في مصر لم يمض في السلطة العليا إلا شهورا، وهو ضابط لم يزل بملابسه العسكرية مثل هذا الطلب ؟ وهل هناك أي مصدر موثوق يشير إلي مثل هذه المقابلة بين الزعيمين ؟ أعرف أن عبد الإله خال الملك فيصل الثاني، لكن الأخير لم يبق طفلا صغيرا، فهو لم يكن صبيا كما ذكرت، بل كان شابا في مقتبل العمر ! ولم يكن الأمير عبد الإله شقيقا للملكة نفيسة ، بل كانت الأخيرة هي أمه زوجة الملك علي ملك الحجاز وابن الشريف حسين.. والملكة نفيسة لم تكن والدة فيصل الثاني، وليست زوجة الملك غازي، بل كانت جدة فيصل الثاني وحماة أبيه غازي الأول. أن ابنتها الملكة عاليه هي أخت عبد الإله وأم فيصل الثاني وزوجة غازي.. متمنيا عليك أن لا تخطئ مرة أخري في مثل هكذا معلومات بسيطة.. ولكن ثمة عرفا بين المؤرخين المحترفين.. أن من تزيد أخطاؤه الصغيرة، تتضخم جناياته الكبيرة بحق التاريخ. ولكنك لست مؤرخا يا عم هيكل.

2/الظنون لا تصبح حقائق
يستمر هيكل في صنع حكايا مترجما ظنونه إلي حقائق ليقول عن عبد الاله: “وجاي يقول إنه إحنا لن نسمح بأن يكون العراق متآمرا ضد مصر وأنا إذا أحسست بحاجة هأقول لكم وبالفعل بدأ يبعث في مصر أشياء عن الحاجات اللي كان بيعملها محمود أبوالفتح واللي بيقولها أستاذ محمود أبو الفتح إلي آخره وهنا الأمير كان بيفرق بين ما يخص أمن العراق فيما أظن وبين ما يخص استعداد أطراف في العراق زي النوري باشا إنهم يشتغلوا بشكل ما ضد الأوضاع في مصر وده كان موجود.. يعني كان مطروح في العلاقات مع الأسف الشديد يعني، لكنه هنا عبد الإله حب يعمل خط فاصل، بعدين مشيت الأمور بشكل معين .. “(نص هيكل).
يعني الأمير عبد الاله أصبح بقدرة قادر مخبرا سريا لمصر، في تأكيد هيكل أن الأمير بالفعل بدأ يبعث في مصر أشياء .. إلخ هل كان عبد الاله بهذه الخفة يا هيكل حتى تصنع منه مخبرا سريا لجمال عبد الناصر؟ هل وصل الأمر بالسيد هيكل أن يخلط الأوراق بعضها بالآخر من دون أي حساب لنقد الآخرين وتدقيقاتهم؟ من أين أتيت بهذه المعلومات؟ إنني أطالبك مرة بعد أخري أن تثبت لنا المصدر الذي أخذت مثل هذه المعلومة منه؟ هذا طعن بزعيم عراقي اتفقنا معه نحن العراقيين أم اختلفنا! وكل العراقيين يدركون وأغلبهم كان يكره اسم عبد الاله، إن الرجل كان ثقيلا جدا، وليس مهرجا أو سمسارا أو جاسوسا.. قل أو كما قلتم ووصفتموه بشتى تهم الخيانة والعمالة في صوت العرب، لكنه لم يكن يمّثل أي اتجاه سياسي محدد عدا ذاك الذي ترسمه الدولة العراقية، أو بالمختصر المفيد، ما يقول به الباشا نوري السعيد. فأي خط فاصل؟ أي مطروح في العلاقات؟ أن هيكل يثبت يوما بعد آخر أنه أكبر مخرب لتاريخ العرب المعاصر، وأنه قد جني ولم يزل علي كل حياتنا السياسية بمثل هذه الأكاذيب التي لا أساس لها من الصحة.

3/ مساءلتي السفير عطا عبدالوهاب وجوابه
لما عجزت أن أجد هكذا معلومة كاذبة عن لقاء الأمير عبد الاله بالرئيس جمال عبدالناصر، لجأت الى كتابة رسالة شخصية خاصة إلي الأستاذ السفير عطا عبدالوهاب المقيم في عمّان بالأردن اليوم، وكان قد شغل منصب السكرتير الخاص للأمير عبد الاله في البلاط الملكي العراقي إبان الخمسينيات، وكان الرجل قد كتب ونشر عدة كتب، ومنها كتابه: الأمير عبدالاله : صورة قلمية، بيروت، 2002 . قلت في رسالتي إليه النص التالي:

عزيزي سعادة السفير الأستاذ عطا عبد الوهاب المحترم
تحية صادقة
أتمنى أن تكونوا بصحة وعافية
لدي سؤال عاجل جدا عسي أجد عندكم جوابه راجيا أن تعلمني به علي جناح السرعة مع الشكر والتقدير، وسأثبت مرجع توثيق المعلومة باسمكم. سيدي: من خلال عملي في نقد أحاديث السيد محمد حسنين هيكل علي قناة الجزيرة والتي انشرها تباعا في مصر علي صفحات روزاليوسف الغراء ، ككتاب سينشر في السنة القادمة بعنوان ” بقايا هيكل “.. وقفت عند كذبة او حقيقة لم أجدها في أي مصدر ذلك ان الامير عبد الاله ، قد زار مصر في 8 يوليو 1954 والتقي الرئيس جمال عبد الناصر وحكي له عن الهاشميين وطلب منه ان لا تنحاز مصر مع السعوديين.. وأن عبد الاله سيكون عينا علي مصر وسينقل اليها اخبار المعارضين المصريين للنظام الجديد..
سؤالي عزيزي :
هل هناك صحة لهذه الحكايات ام انها مجرد افتراءات علي عبد الاله ؟ واذا كان عبد الاله يزور مترددا علي مصر دائما ، فهل زار عبد الناصر ، وبأية صفة رسمية ، اذ لم اعرف ان مصر قد وجهت دعوة رسمية للامير عبد الاله . دمتم ذخرا وتحياتي ثانية إلى أستاذنا الكبير عطا ، وإلى كل الأصدقاء. مع الشكر والتقدير.
المخلص
سيار الجميل

أجابني الأستاذ عطا عبدالوهاب بالجواب التالي:

عزيزي الدكتور سيار
تحية طيبة وبعد
أشكركم على رسالتكم الكريمة، وأود الإجابة بالتالي: أؤكد لكم ذلك أنني لم أعلم أبدا عن أي اجتماع حدث بين الأمير عبد الاله وبين عبدالناصر . وأن الأمير عبدالاله كان دائم التردد علي القاهرة في مناسبات عديدة خلال الاربعينيات والخمسينيات، ولضرورات شخصية، ومنها جزء من ترتيبات زفافه بإحدي الأميرات المصريات. أنني امتلك تفاصيل واسعة عن حياة الامير عبدالاله إبان الخمسينيات..

المخلص
عطا عبدالوهاب



قيادة 23 يوليو 1952

تقييم تاريخي للعلاقات المصرية العراقية حتى 1958
1/ الصراع من اجل الاستقطاب
كان كل من العراق ومصر يجد نفسه يستقطب المنطقة كلها منذ الحرب العالمية الثانية، وكان نوري السعيد يري في نفسه وريثا لتاريخ عثماني قديم، ومساهما في تجديد ما اسمي بـ” النهضة العربية”، وأنه هو الأولي بالزعامة القومية من غيره، وأن ليس هناك بيت من البيوتات المالكة العربية قدّم من حروب للتحرر من النير التركي ـ كما كانوا يسمونه ـ ، وأن البيت الهاشمي الذي يقف على رأسه الأمير عبد الاله هو الذي قدّم للعراق اكثر مما كان سيقدّمه غيره ـ علي حد زعم تفكير الباشا نوري السعيد ـ .. بقي هذا ” التفكير ” يلازمه حتى اخر لحظة من حياته مع تغير في التوجهات ليس منذ خروجه من تجربة 1941، بل منذ بدأ يري أن العراق لا يمكنه ان يحيا بلا إستراتيجية الأعماق فمركزه ودواخله بحاجة إلي أطراف، وهذه الأطراف لا توجد كلها في البلدان العربية ، بل أيضا في كل من إيران وتركيا. هنا تكمن تعقيدات العراق الدائمة، إذ لم يدركها العقلاء إلا مؤخرا، عندما رأوا ما حل بالعراق.
2/ ساسة مخضرمون في العراق ازاء ضباط شباب من مصر
كنت أتمنى على هيكل أن يكون نزيها في بحث العلاقة العراقية المصرية، وأن لا يتخذ أو يلتزم وجهة نظر واحدة ـ كما سنرى في معالجتنا حلف بغداد في حلقات قادمة ـ ، بل عليه أن يناقش ويستفيد من وجهات نظر متعددة لمصريين وعراقيين معا. ومن الطبيعي، أن سياسيا مخضرما مثل الباشا نوري أو شخصية مميزّة ممثلة لبيت هاشمي عريق حاكم مثل الأمير عبد الاله سيكون قد كوّن رأيه المضاد للانقلاب الذي جرى بمصر 1952 . نعم ، لقد نظر كل منهما إلى الضباط المصريين الجدد شبابا لا خبرة سياسية او إدارية مدنية لديهم ، خصوصا ان اعمارهم ( باستثناء اللواء محمد نجيب ) كانت تتراوح بين 30 و35 في حين تجاوز الباشا 70 من العمر.
إن الشك في الثورة المصرية لم يقتصر علي كبار المسئولين العراقيين، بل شملت قطاعات واسعة من المثقفين والسياسيين والصحفيين العراقيين ، ليس لكونها قد غيرت طبيعة نظام الحكم من ملكي الى جمهوري ، بل لأن الشكوك دارت حول طبيعة الحدث ومن يختبئ وراءه ! لقد اتهمت في بدايتها كونها انقلابا ذا هوية أمريكية ! وينبغي ان ندرك ، وهذا يعرفه هيكل جيدا ان هناك نوعاً من المنافسة علي الزعامة العربية بين العراق ومصر عهد ذاك ، اذ شهدنا نشوب عدة معارك إعلامية بين الحكومتين العراقية والمصرية بعد 23 يوليو 1952 من خلال الراديو والصحف السياسية اليومية ، وكيف سمي صلاح سالم بـ ” الصاغ الأعمي ” كونه لم يكن ينزع النظارة السوداء من عيونه ! ناهيكم عن ان شيوخ السياسة العراقيين الهرمين نظروا الي مجموعة الضباط العسكريين الصغار نظرة استهانة كونهم غير مؤهلين لقيادة مصر ، وهي اكبر بلد عربي ولها مركزيتها الجغرافية الحديثة .

3/ دار السيد مأمونة .. دار الامير مشؤومة !!
لقد نظر نوري السعيد الي نفسه بعد زوال اقطاب السياسة المصرية القديمة علي عهد فاروق كونه خير من يستطيع ان يقود ليس العرب لوحدهم ، بل كل منطقة الشرق الاوسط نحو المستقبل .. وفاته ان ينظر إلى متغيرات الحياة الجديدة التي كانت تسود في العالم . صحيح انه بدأ ينظر الي المارد الاميركي الجديد كونه سيسد الفراغات في المنطقة .. فكان ان شخص بسياسته العراقية نحو الاميركان ، ولكنه بقي في داخل المنطقة يتّصرف بمنطق الباشا الهرم ، اذ كثيرا ما يعلن انه صاحب الخبرة والتاريخ والتجربة ! ومن دون شك ، كان يعتور زعماء العراق القدماء هواجس شتي من خلال ما حدث في مصر عام 1952، كي يحدث ما يشبه ذلك في العراق .. وكان الامير عبد الاله يتخوف ويتطاير شؤما من ذلك ، اكثر بكثير من الباشا نوري السعيد الذي كان مطمئنا لقادة الجيش العراقي باعتبارهم اولاده جميعا تربوا في مدرسته ، ونهلوا من افكاره .. وكان واثقا من قوة نظام الحكم في العراق لدرجة انه صّرح لأكثر من مرة بأن ” دار السيد مأمونة ” ! ويقصد بها العراق.

طريقان : طريق الباشا وطريق الرّيس
قبل أن أعالج في حلقة قادمة موضوع حلف بغداد ودور الصاغ صلاح سالم ، دعوني اتوقف قليلا عند كتاب الصحفي المخضرم الاستاذ ناصر الدين النشاشيبي وعنوانه ” ماذا جرى في الشرق الأوسط؟” ( بيروت : المكتب التجاري ، 1962) ، والذي يوجز لنا فيه ، تلك الصورة القاتمة التي صُور بها الباشا نوري السعيد، وهي الصورة التي ترسخت في عقول الناس حتي يومنا هذا سواء علي أيدي الشيوعيين وهم الاعداء الألداء له ، او علي ايدي الناصريين والبعثيين والماركسيين التقدميين والحركيين الثوريين .. يقول النشاشيبي: ” فقد كان في وسع نوري أن يعطي العراق كثيراً.. ويعطي العرب كثيراً.. ويعطي الشرق الأوسط كله كثيراً، لو أنه عمل من أجل العرب بقدر ما أراد أن يعمل من أجل بغداد، وعمل من أجل بغداد، بقدر ما عمل من أجل نفسه، وعمل من أجل نفسه بقدر ما أراد أن يعمل من أجل.. بريطانيا!” (ص 67). لقد كتب النشاشيبي ذلك عندما كان يعمل في جريدة اخبار اليوم المصرية، ولكن بعد مضي سنوات ، بدأ يعيد التفكير، منتقدا هيكل نقدا مبرحا علي ما يكتبه ويذيعه ويسوقه .. بل وبدأت اقرأ للنشاشيبي في صحف عدة ، ومنها الشرق الاوسط اللندنية، أن الرجل اخذ ينصف الباشا نوري السعيد، بل وكتب انه كان برفقة الصاغ صلاح سالم في ذهابه الي العراق ليجتمع بالأقطاب العراقيين ، فسمع عن الباشا نفسه بأن الرئيس عبد الناصر هو الذي يلح بطلب الالتقاء بالباشا أولا، وأن الصاغ صلاح سالم همس في اذنه قائلا، وهو يرد علي سؤال عن حلف بغداد، انه يري هذا الحلف افضل بكثير من معاهدة الضمان العربي .. إن موضوع حلف بغداد سيكون محور حلقتنا القادمة .. ويبقي السؤال مطروحا علي هيكل الذي لا نعرف حتى الآن موقفه من تاريخ الباشا نوري السعيد بالرغم من اعترافه انه اعاد النظر في ذلك ، وان وجهة نظره قد غيرها تجاه الباشا .. أسأل : هل فعلاً كان نوري السعيد عميلا لغيره أكثر من خدمة العراق وخدمة قضايا المنطقة ؟ ؟ وهل فعلاً كان نوري السعيد قد هتك شريعة الأمة العربية عندما وجد مصالح العراق تتلاقي أمنيا واقتصاديا مع تركيا وإيران ؟ هل خان الأمة العربية المجيدة عندما استغل موارد العراق لاعمار بلاده ؟ هل كان نوري السعيد فعلاً معادياً ومتآمراً علي العرب وقضيتهم الكبرى في فلسطين ؟ وفي النهاية، هل كان نوري السعيد ديكتاتوراً، ظالماً، باطشاً، غشوماً، كما صورته بروبغندا من جاء بعده من دعاة الديمقراطية والعدل شعاراً كما سئل السؤال نفسه الأخ بسام الخوري في واحدة من مقالاته؟

نشرت على جريدة روز اليوسف المصرية ، العدد 1453 – الاثنين – 5 أبريل 2010 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
وأيضا على صفحة تجمع الدكتور سيار الجميل
http://www.facebook.com/group.php?sid=ef680591def239dac31065b4f16482c3&gid=48810538237
ملاحظة : لا يسمح بإعادة النشر تحريريا أو الكترونيا ، إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر .

شاهد أيضاً

رقصة النصرِ على حلبةٍ مدمرّة

1 هل  نَرقُصُ فَرحاً  بالنَصر  المؤزّر ؟ أم نبارك تحرير  الموصل من الدواعش  الأشرار  ؟ …