الرئيسية / الرئيسية / كتاب بقايا هيكل.. الحلقتان -23- و -24-

كتاب بقايا هيكل.. الحلقتان -23- و -24-

الحلقة 23
مشهد سوريالي للتاريخ

سوء فهم للتاريخ وتشويه متعمد له‮:‬
يتابع هيكل أحاديثه قائلا‮: ‬‮”‬أول حاجة أنا ها أحطها هأسيب علي جنب أن في هذه الفترة وضمن علاقتهم مع الملوك وضمن الكلام بتاع السيد الدوحة القرشية وأمير الأمراء وخاتمة مش عارف إيه ده كله في هذه الفترة أعطوا حاجتين مهمين جدا عملوا اتفاقية سايكس بيكو قسموهم كلهم ممالك صغيرة والحاجة الثانية أعطوا وعد بلفور أعطوا وطن قومي في وسط المنطقة دي كلها لليهود طيب كيف تعاملوا مع القضايا؟ كيف تعاملوا مع قضايانا إحنا كلنا رحنا في الحرب العالمية الأولي وقفنا جنبهم يعني مش جنبهم وقفنا أتحنا كل حاجة لهم والشعوب متصورة شيء والملوك متصورين شيء،‮ ‬الشعوب متصورة أن هم بعد الحرب ها يبقي فيه نوع من الاستقلال وفيه نوع من الوحدة بين هذه الأمة سواء كانت خلافة أم مش خلافة لكن المسائل عائمة ومائعة لكن الإنجليز والفرنساويين في هذه اللحظة عملوا حاجتين،‮ ‬عملوا أولا‮ (‬كلمة‮ ‬غير مفهومة‮) ‬اتفاق البوديه اللي هما بمقتضاه سنة‮ ‬1904‮ ‬قسموا المنطقة بينهم جاءوا علي الشهر اللي فات كانوا بيحتفلوا الدولتين بمرور مائة عام علي الوفاق الودي بين الدولتين لكن علي أي حال الوفاق الودي بين دولتين كي يصطلحوا علينا إحنا وإحنا مش دريانيين عملوا اتفاقية سايكس بيكو فرنسا وإنجلترا قسموا العالم العربي وإحنا مش دريانين أدوا وعد بلفور وإحنا مش دريانين‮.. ” ( نص هيكل ).
‬ طبعا‮ (‬مش دريانين‮) ‬كنا ولا زلنا لا نعرف شيئا مما يدور حول أنفسنا ، ومما سيغدو عليه مستقبلنا‮.. ‬إن مشكلتنا يا هيكل أننا نتصّور أن العرب كانوا في أفضل الأحوال وأزهى العهود وكانت لهم أقوى الإرادات‮.. ‬وجاء الآخرون من إنجليز وفرنسيين وصنعوا بنا كل الأفاعيل‮! ‬ببساطة أسألك يا صاحبي هيكل : لو نصبناك زعيما عربيا في مطلع القرن العشرين،‮ ‬فماذا كنت ستفعل أكثر مما فعله الزعماء العرب وبالرغم من كل إمكاناتهم الضعيفة عهد ذاك،‮ ‬فهل كنت ستحقق أمنيات الأجيال اللاحقة ، وأنت تعيش علي هامش التاريخ؟ ربما ستأخذ العرب ومن يعايشهم الى الوراء لزمن طويل .. كونك لا تؤمن بالأفعال ، بل تؤمن بالثرثرة التي لا تثمر شيئا ! ماذا كنت ستفعل بنا ؟ ربما ستأخذنا إلى دهاليز الحكايات المعتمة ، وتضّيع الأمة كلها ، كما ساهمت في ضياعها اعلاميا عام 1967 ! إنني إذا كنت لا أضبط مسيرتك ، وأنت كاتب تضيع قارئك في تهويماتك وخيالاتك ،‮ ‬فكيف يمكنني أن اطمئن على مصير بلاد كاملة ؟ من المحتم انك ستضيعها في‮ ‬غضون ساعات‮ لا في ستة أيام !! ‬وليس اليوم ببعيد عن الأمس يا هيكل،‮ ‬إذ لو قدّر وكنت واحدا من زعماء العرب عند فاتحة القرن الواحد والعشرين،‮ ‬فما الذي كنت ستفعله إزاء إرادة الاستقطاب العالمي وحاجتك اليومية له في كل ما يتصل بحياتك وظرفك وعلاقاتك ومستقبلك؟
إن العرب وعلى مدى مائة سنة يبكون ويولولون على مؤامرة سايكس بيكو وكيف تمّ تقسيم الأمة العربية ؟ وكذلك هياجهم على وعد بلفور بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين ‮.. ‬من دون أن يفعلوا شيئا لأنفسهم‮.. ‬فالخلل الأكبر مطلوب فضحه يا هيكل ، لا أن نلقي بكل فجائعنا على الآخرين الذين لم يشهدوا المأساة التي جاءت على ايدي زعماء آخرين لا علاقة لهم بهم ‮! ‬إذا افترضنا أن العرب فشلوا على أيام الاحتلال والاستعمار،‮ ‬فلماذا لم ينجحوا مرة واحدة على أيام السيادة والاستقلال؟ ولماذا لم ينتصروا يوما لتحقيق هدف واحد من اهدافهم المصيرية ـ كما كانوا يسمونها ـ على أيام القومية العربية؟ لماذا تلونوا بين جيل وآخر في بحر متلاطم من الأفكار والسياسات والايديولوجيات التي لعبت بعواطفهم وخيالاتهم ، وتركتهم على هامش العصر ؟ ألا تعتقدون معي بأن المشكلة في العرب أنفسهم وفي ذهنياتهم المتنوعة ، وفي انقساماتهم المريعة‮.. ‬وفي حروبهم الإذاعية والتلفزيونية الباردة التي كانت ولم تزل تفصح عن مدى وشراسة أكل أحدهم للآخر‮.. ‬وعن مدى نزق هذا تجاه ذاك كما يجري في أعماق اللاوعي بالرغم من الافاضة في الحب والمشاعر القومية‮ !!‬؟؟



الأمير فيصل  بن الحسين متزعماً للوفد العربي الى إجتماع باريس 1919

التعامل مع قضايانا‮:
يستطرد هيكل معلقا قائلا‮: ‬‮”‬وبعدين تعال بقي نبص في الوثائق ونشوف كيف تعاملوا مع قضايانا؟ أنا الحقيقة يعني بأحس مش بس بأسي بأحس بإهانة أحس لما أشوف مثلا إيه؟ ألاقي هنا فيه أهمية ده فيه اعتقادي أنه ده أوراق لورانس‮.. ‬لورانس ده كان ضابط المخابرات اللي تولي إدارة شئون العالم العربي تقريبا كله بعد الحرب العالمية الأولي فأوراقه‮.. ‬أهم حاجة في أوراقه ماليش دعوة بيقول إيه هو لكن أنا بيهمني جداً‮ ‬تسجيله لمحاضر الجلسات وأوراقه في شرح ما جري أو في رواية ما جري لأنه كان موجود كتب محاضر بيقول إيه؟ بيقول مثلا علي سبيل المثال بيحكي عن اجتماع بين لورين جورج رئيس وزراء إنجلترا المنتصرة مع كليمنسور رئيس فرنسا المنتصرة والاثنين مجتمعين في ظرف مؤتمر الصلح في فرساي في باريس سنة‮ ‬1919‮ ‬كليمنسور بيقول لروين جورج بيقوله إيه؟ عايزين ننتهز الفرصة ونسوي بيننا بدل ما نروح في المؤتمر متخانقين أنت عايز إيه؟ قل لي أنت طلباتك إيه؟ فبيقوله إيه جورج لورين بيقوله العراق وفلسطين هو سأل كليمنسور قول لي أنت عاوز إيه ففرنسا فأخونا رئيس وزراء فرنسا بيقوله أنا عايز الموصل فجورج بيقوله ها تأخذها‮.. ‬بتكلم عن أقاليم في العالم العربي بتكلم عن أوطان وبعدين يقوله إيه عندك حاجة ثانية يقوله آه عايز القدس،‮ ‬ده الإنجليزي بيقول للفرنساوي‮.. ‬الفرنساوي بيسأله أنت عاوز إيه ثاني؟ قاله والله عايز القدس قاله خلاص ها تأخذ القدس،‮ ‬أنا‮.. ” ( نص هيكل ) .‬

حقيقة تعرف تبّص يا هيكل في الوثائق‮.. وماذا اتيت لنا من بضاعة الوثائق التي سئمنا من تكرارك لذكرها ، وكأنك غير مطمئن انت نفسك لما تقوله او تتقول به على الناس ؟ ‬ألا تعتقد بأنك متأخر في شعورك بالإهانة؟ إن كل جيل عربي يشعر بالإهانة ليس من توزيع الأوطان على مائدة مؤتمر فرساي عام‮ ‬1919،‮ ‬بل يشعر بالمرارة والذل وهو يرى ويقرأ من أخذ يشعر بذلك بعد قرابة تسعين سنة‮! ‬بعد تسعين سنة نأتي لنعّزي بعضنا بعضا ونشعر بالإهانة ؟ ان شعرت بالاهانة ، فشعورك لابد أن يطغى على كل من مارس المؤامرات والتجسس والتدخل فيلا شؤون الآخرين باسم القومية العربية .. لا أن تشعر بالاهانة لزمن كان الانهيار يحف بكل أجزاء المنطقة ! إنه قرف من يريد أن يبقى في إطار الماضي باكيا على شيء وفرحا بشيء آخر‮.. ‬إن المنطق يفرض على من يقرأ هكذا أوراقاً‮ ‬أو محاضر لا نعرف من أين أتى بها هيكل فيما إن كان صادقا فيما ذهب إليه‮ ، وأنا اشك في كل ما يقوله ويدعّيه .. إن ‬المنطق يقضي أن نقرأ اليوم تاريخا لا أن نجلس نبكي على الأيام الخالية ‮! ‬هذا إذا افترضنا ما قيل صحيحا،‮ ‬وأعتقد أن الكبار في هذا العالم في أي عصر أو زمن هم الذين يفرضون إرادتهم على الآخرين والعكس ليس صحيحا‮!
‬إن قرابة تسعين سنة مرت على نتائج الحرب العالمية الأولى ، وما زلنا نبكي أوطاننا التي قسمّت بين المنتصرين‮! ‬ولا يعرف صاحبي هيكل لماذا دخلنا الحرب؟ ولماذا لا يدرك بأن العرب لم يدخلوا الحرب بمشيئتهم،‮ اذ لم يكونوا اصحاب قرار ، ‬بل كانت بعض ولاياتهم مرتبطة بالدولة العثمانية التي تشّظت ممتلكاتها،‮ ‬بعد أن دخلت الحرب بالرغم من إرادة المجتمعات التي تضمها،‮ ‬ومنها المجتمعات العربية‮ التي سحقتها الحرب سياسيا واقتصاديا ، وكان الاعدام مصير كل شاب لم يلتحق بالخدمة العسكرية ايام ما عرف بـ سفر برلك .. ‬لكن الأتراك لم يبكوا اليوم أوطانهم وممتلكاتهم،‮ ‬فلقد برز فيهم الغازي مصطفى كمال أتاتورك ليؤسس الجمهورية التركية ويصبح ما مضي من الزمن الماضي في عداد التاريخ‮.. ‬ويبدأ يتعامل مع الغرب من دون بكاء أو ولولة ومن دون أي شعور بالإهانة‮ ! ‬وتعال يا هيكل لأسألك‮ وأحاسبك حسابا عسيرا : ‬هل كان لورنس كاتبا لمحاضر جلسات في مؤتمر الصلح عام‮ ‬1919؟ من اين اتيت بهذه الفرية ؟ إن الذي نعرفه أنه شارك في المؤتمر برفقة الوفد العربي الذي تزعّمه الأمير فيصل بن الحسين،‮ ‬وكان لورنس مترجما له ، وقد ضم الوفد خمس شخصيات عربية لا‮ ‬غبار على تاريخها الوطني والنهضوي ‮. ‬أما لماذا حضر فيصل بن الحسين مؤتمر الصلح؟ ولماذا دعاه اليه المؤتمرون ، ولم يسمح لغيره بدخول قاعة المؤتمر؟ فالجواب يكمن في قدرة فيصل لشرح القضية العربية،‮ ‬وكان يحمل شرعيته التاريخية اذ كان قد انتصاره بيده بعد أن حرر الحجاز والشام من الأتراك ، ودخل دمشق محررا ليؤسس دولته العربية الأولى ‮.. ‬في حين كان الزعيم المصري سعد زغلول قد ذهب إلي باريس للمشاركة في المؤتمر من دون أي دعوة‮ (‬بمعنى أن الرجل كان يؤمن بما للمؤتمر من فائدة‮) ، ‬ولكن لن يسمح له في عرض مشكلته،‮ ‬وأعتقد أن سعد زغلول قد ذهب إلى هناك ، لا لكي يعرض القضية العربية ولا حتى ليتعاطف معها،‮ ‬بل ذهب لعرض قضيته المصرية‮! ‬وهكذا بالنسبة لآخرين‮ من أماكن أخرى .. ‬وأعتقد أن سعد زغلول لم يشعر بالإهانة أبداً،‮ ‬إذ إن عقليته البراجماتية ومهارته السياسية تعلمه بأن الضعفاء لا يمكن أن يفعلوا شيئا من دون أن يدعمهم الأقوياء‮.. ‬ثم إن زغلول كان يدرك الطرق المسدودة التي كانت تحيطه في مصر قبل‮ ‬غيرها‮.. ‬وبقيت معه حتى رحيله‮ ، وهو في منتهى اليأس !

مشهد سوريالي للتاريخ
‬ يختتم هيكل أحاديثه قائلا‮:‬‮ “‬هنا إحنا بنلاقي نفسنا أمام أوضاع أمام حقائق نشأت تاريخيا أمام لمحات من المشهد العام من الصورة في المنطقة أمام مشاهد لا تزال مؤثرة علينا أمام خريطة نحن نظرنا إليها باستمرار بلد‮.. ‬بلد والعالم تعامل معها منطقة بحالها وإحنا تكلمنا فيها ملوك وعروش ولم نتكلم فيها كقضايا ولاقينا أوطاننا علي جيلي أنا لما جاء وأطليت أو أطل‮ ‬غيري آلاف الشباب وقتها في أعقاب‮.. ‬في نهاية الحرب العالمية الثانية لاقينا أمامنا في ضمن الساحة هناك مشهد عالم عربي‮ ‬غريب قوي لا تدري كيف وصلت به الأمور لهذا الشكل إلا أنه عالم نشأ في صراعات هو لا يعلم بها علي خريطة هو لم يقرأها مسجلة في وثائق هو لم يطلع عليها ثم إنها حاكمة في مصائره وفي مقاديره يومها وإلي‮ ‬غد‮ ‬غير منظور،‮ ‬تصبحون على خير‮” ( نص هيكل ).
‬ هذه هي الخاتمة العاطفية المؤثرة التي ينتظرها كل المشاهدين العرب ، وهيكل يعرف من اين تؤكل الاكتاف العربية ، فيقوم بالضرب على الاوتار الحساسة من دون ان يؤمن يوما بما يقول ويدعي ابدا ! وهيكل يربط الحاضر بالماضي ويقول إنه أمام حقائق نشأت تاريخيا‮.. ‬ولكنه لم يمنحنا كل الحقائق وقد اختزل مائة سنة من تاريخنا بحديث لا تخرج منه بأي جديد ، كما نجد ذلك في اعلاه ، وكأن الأجيال الثلاثة كلها ضحية عروش وملوك ولم تكن ضحايا لزعماء آخرين لعبوا أدوارا مماثلة أم مغايرة ولكن من نوع آخر‮.. ‬وكأن كل مصائب القرن العشرين يتحملها ثلاثة ملوك لهم عروشهم التي حمتها بريطانيا من دون أي فهم لكل القضايا التي عاشت وماتت ومن ثم ولدت قضايا أخرى ، ومن ثم ذهبت ووّلت‮.. ‬وكأن المشهد العام من الصورة في المنطقة واحد‮! ‬وكأن اللاعب الأساسي الفاشل لم يكن مذنبا،‮ ‬وكأن الأجيال لم تتبدل أفكارها من زمن لآخر‮.. ؟ ‬وكأن الأوطان لم يضيعها إلا ثلاثة ملوك‮؟ ‬وكأن البطولة والشرف الرفيع لا يحمله إلا زعيم واحد‮.. يطلق عليه بالمارد ؟ وكأن الأمة العربية لم تضيعها الحروب الباردة والخطابات العنترية وكـأن الأمم الأخرى لم تعش مشاهد‮ ‬غريبة أيضا ولم تنشأ في ظل صراعات‮.. ؟؟ ‬وكأن لا خريطة في العالم كله إلا خريطتنا العربية التي استعصت حتى على اصحابها ، فكيف لنا ادانة الاخرين ؟ ‮.. ‬وكأن العرب لم تكن لهم أي نخب ومختصين وخبراء عرفوا أسرارا لم يدركها‮ ‬غيرك يا هيكل‮.. ‬وكأن الوثائق لا تعرفها إلا أنت‮.. ‬وكأن ملايين الناس لابد أن تقرأ الوثائق بطريقة هيكلية حتى تعرف تتحكم في مصائرها‮.. ‬وكأننا نحاكم يا هيكل أمة تفوقت علي‮ ‬غيرها من الأمم بمنتجاتها وإبداعاتها وكل عبقرياتها‮ ، ولكن كل جيل لا ينصف ابدا من سبقه من الاجيال ؟ ان هيكل لا يريد استعاب الحقيقة ، فهو لم يستوعبها في ما مضى من الايام ، فكيف له القدرة اليوم ان يستوعبها ! انه بالقدر الذي تدّعي انك تبصّ في وثائق الملوك الثلاثة ، حاول ان تبّص في وثائق كل المراهقين الذين حكموا البلاد وقادوها الى الخراب ؟ نعم يا هيكل انت تدين كل المؤسسين الاوائل .. ‬وكأن الأمة لم يضيعها المشعوذون والكذابون والمفترون والمتوحشون والجلادون والأحاديون والطامعون والسارقون والمرتشون والمشوهون والفاشلون والفنانون والعتاة والمجرمون وخونة العهود والدجالون والممترون والكسالي والتنابلة والمهووسون‮..
‬ كنت أتمنى أن تطالب بدولة الخلافة الدينية يا هيكل قبل خمسين سنة من اليوم؟ فما الذي سيجري لك؟ كنت أتمنى أن تتعلم أشياء كثيرة من منطق تغيير العالم الذي حصل بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وسقوط الاتحاد السوفيتي وحلفائه‮.. ‬لكنك لم تتعلم أبداً‮ ‬شيئا ذا بال‮.. ‬إنك لم تزل باقياً‮ ‬في عتمتك التي تتكلم منها للعالم المضيء ولا أحد يراك‮! ‬وكأنك لم تغّير من نهجك وقد تجاوزت الثمانين من العمر‮ (‬أطال الله في عمرك‮) ! ‬وكأنك لم تراجع نفسك ولو لمرة واحدة بعد كل هذا الذي أشعلته وتريد استمرار اشتعاله‮ ! ‬والاعتراف بالخطأ فضيلة يا ريت تجربها ولو لمرة واحدة،‮ ‬فما أطيبها من تجربة،‮ ‬وما أروعه من سلوك‮.. ‬وتعلن للملأ اعترافك بما جنيت من أخطاء بحق‮ ‬غيرك وبحق التاريخ‮.. ‬إنني لا أحاكمك سياسيا،‮ ‬فقد حاكمتك في‮ “‬تفكيك هيكل‮” ‬بما يكفي ويكفي حجمك السياسي في حياتنا العربية إبان القرن العشرين،‮ ‬ولكنني أحاسبك اليوم علي ما اقترفته وأنت لم تزل تكتب تاريخا مشوّها من دون إدراك للحقائق،‮ ‬بل تلوك كل ما سمعناه في القرن العشرين‮.. ‬ومن دون أي شعور بالذنب كم من الصواب الاعتراف بأنك لم تعرف قراءة الوثائق إن كنت فعلا قد اطلعّت علي وثائق‮.. ‬فضلا عن كونك لا تلم أبدا بتاريخ العرب الحديث ولا بتاريخ مصر الحديث‮.. ‬ولم تعترف أبدا بأن ثمة مؤرخين عرباً‮ ‬ومصريين هم الذين يحملون مسئوليتهم العلمية وأمانتهم التاريخية تجاه الأجيال خصوصا،‮ ‬أن مصر بالذات قد أنجبت أفضل المؤرخين في النصف الأول من القرن العشرين،‮ ‬ولم يزل فيها البعض من أذكي المؤرخين المنصفين الذين لا يرون رؤيتك وهم يخالفونك حتما في كل هذا الوباء الذي تظهره علي شاشة قناة الجزيرة الفضائية‮.

‬ وأخيراً،‮ ‬عذرا عما بدر علي لساني من خلل في بياني متمنيا للأستاذ محمد حسنين هيكل دوام الصحة والعافية وأن يمتعه بما تبقي له من عمر طويل بحسن الختام،‮ ‬فهل سننتظر منه في يوم من الأيام ورقة اعتذار ليس بحق الزعماء،‮ ‬بل بحق هذه الأمة التي تجّني عليها كثيرا وساهم في زرع الإحباط بنفوس أبنائها وغرس الأحقاد في عقول الناس‮.. ‬كي يعترف ويقول للأجيال الجديدة كم ارتكبت من حماقات بحق تاريخهم ومستقبلهم‮.. ‬فهل سيفعلها هيكل أم سيلوذ كعادته بالصمت الرهيب؟‮ ‬

وأخيراً‮: ‬ماذا تقول وماذا نقول؟
‬ تقول يا هيكل‮: ‬‮”‬لا أزال واقفا أمام المشهد الذي أطل عليه جيلي وأطليت عليه مع جيلي وإن اختلفت مواقع الرؤى بينا،‮ ‬بيننا كما شرحت من رأي الغابة،‮ ‬من رأي الشجرة،‮ ‬من رأي الجيل،‮ ‬من رأي النار،‮ ‬بالنسبة لي في هذا الجيل أو ضمن هذا الجيل كان المشهد الذي لفت نظري هو كما شرحت أول حاجة القوي الأمريكية عن حافة الأفق،‮ ‬الحاجة الثانية كانت الأسر المالكة الثلاث الحاكمة في العالم العربي واللي واحدة علي الخليج وواحدة علي البحر الأبيض المتوسط،‮ ‬اللي هي مصر يعني وواحدة علي الخليج اللي هي السعودية وأخري دولة الهاشميين موجودة في الوسط ما بين بغداد وبين عمّان‮ ” (نص هيكل ).‬
إنني لم أزل أراك واقفا،‮ ‬ولكن ليس أمام المشهد بل تقف من ورائه،‮ ‬ولم تعرف كيف تطّل عليه أبداً‮! ‬ليس لأنك قليل الخبرة أو الحذاقة أو المهارة في الصحافة والإعلام،‮ ‬بل لأنك قصير الرؤية وقريب النظر‮ ‬,, وليست لديك أي ثقافة تاريخية عميقة أبداً‮! ‬انك لا تعرف إلا أن تجد أوراقا أو صفحات تقرأ فيها من دون أن يكون بمقدورك أن تنجح في ربط نسيج الأحداث مع بعضها البعض‮.. ‬كما أنك لا تميز بين البيئات التاريخية التي تختلف فيها جذور كل بيئة عن الأخرى‮!
إنك قد تشبعّت بخطاب سياسي معين تركه الزمن منذ وقت طويل‮.. ‬ولم تزل تحمل رواسب من يحب ومن يكره‮.. ‬إن المؤرخ الحقيقي لا يعرف ذلك أبدا،‮ ‬فما دمت تكتب تاريخا معينا،‮ ‬ولنقل تاريخا عربيا حديثا،‮ ‬فمن بديهيات المنهج أن تعامل كل الأحداث والشخوص والأبطال والمواقع والأفكار معاملة واحدة‮.. ‬وأن تفرق في الاحكام،‮ ‬فأنت هنا ذلك المؤرخ الذي ينبغي أن يلتزم وألا يدخل نفسه طرفا في الموضوع الذي يبحثه‮.. ‬في حين نجد السياسي أو حتى الإعلامي له المزيد من الحركة والمرونة‮.. ‬فهل وعى الأستاذ هيكل الدرس؟‮ ‬

نشرت على جريدة روز اليوسف المصرية العدد 1375 الاثنين – 4 يناير 2010

، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

وأيضا على صفحة تجمع الدكتور سيار الجميل
http://www.facebook.com/group.php?sid=ef680591def239dac31065b4f16482c3&gid=48810538237
ملاحظة : لا يسمح بإعادة النشر تحريريا أو الكترونيا ، إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر .






الحلقة 24
هيكل والفرسان الثلاثة



تصويبات
نقف اليوم على حديث مسهب لهيكل، وهو يتحدث عن فرنسا مقدمًا لموضوعه مفاجأة باسم “الفرسان الثلاثة” التي لا أدري أين وجدها ومن أين اختلقها.. ويقول إنها بالنص: “ظهرت خطة أخرى هي الخطة (The Three Musketeers) الفرسان الثلاثة.. الفرسان الثلاثة هو عنوان قصة مشهورة جدا لألكسندر جوما الكاتب الفرنسي، مهم قوي علي الفرسان الثلاثة اللي كانوا موجودين في الفترة ما بين عصر لويس التاسع عشر ولويس الرابع عشر واللي عملوا أدوار مهمة ومغامرات إلي آخره، لكن ده كان عنوان خطة فيها ما هو أكثر من حرب ودخلت فيها فرنسا وهي موضوعي هذه الليلة بطريقة معقدة وبطريقة تحتاج كثير قوي من التقصي ..” . هنا أسأل هيكل عن مصدر هذا الموضوع بتفاصيله ؟ ولا أدري كيف فات عليه الاسم الصحيح للكاتب الفرنسي الشهير ألكسندر دوماس صاحب تلك الرواية الشهيرة الممتعة التي قرأناها مذ كنا شبابًا.. ولا أعرف ما الذي يقصده بعصر لويس التاسع عشر ولويس الرابع عشر؟ هل خانته ذاكرته أم فقد التمييز؟ هل هناك لويس تاسع عشر ؟
يتحدث هيكل هنا عن فرنسا مبتدئًا بالفوضى التي يقول إنها: “عمت منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي بالتحديد وفي هذه المراحل أو المرحلة من خطط الفوضى الخلاقة أو غير الخلاقة..” ( نص هيكل ) والرجل متأثر بمصطلح الفوضى الخلاقة الذي أشاعت استعماله اليوم كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية علي عهد بوش الابن .. والمسألة لا تعدو أكثر من مشروعات وخطط تريد القوى الكبرى تطبيقها ليس على الشرق الأوسط ، بل علي كل المجالات الحيوية في العالم! انك تتحدث عن مرحلة نصف قرن مضى ، فما علاقة الفوضى الخلاقة بموضوعك ؟ ان المصطلح قد ولد متأخرا ، فما علاقته بالفرنسيين والانجليز به منذ أكثر من خمسين سنة ؟
تقول يا هيكل : ” في وسط هذه الفوضى التي عمت منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي بالتحديد وفي هذه المراحل أو المرحلة من خطط الفوضى الخلاقة أو غير الخلاقة من أول راديو بتاعة الإنجليز لغاية سوزانا بتاعة الإسرائيليين لغاية ألفا بتاعة الأمريكان لغاية أوميجا، ظهرت خطة أخرى هي الخطة (The Three Musketeers ) الفرسان الثلاثة.. الفرسان الثلاثة … واللي عملوا أدوار مهمة ومغامرات إلى آخره لكن ده كان عنوان خطة فيها ما هو أكثر من حرب ودخلت فيها فرنسا وهي موضوعي هذه الليلة بطريقة معقدة وبطريقة تحتاج كثير قوي من التقصي لأن فرنسا هنا قضية مهمة جدًا سواء بالنسبة لنا في مصر أو بالنسبة في رؤيتنا لفرنسا ” ( نص هيكل ) .
هنا اطالب السيد هيكل ان يعلن لنا عن اكثر من مصدر ومرجع يخص هذا ” الخطة ” بالتفصيل ، وهل كانت الخطة فرنسية ، مقارنة بالخطط الاخرى الذي ذكرها ؟ ومن وقف على رأس الخطة ؟ ومن كان وراء رسمها ؟ ان القارئ يطالب هيكل ان يوضح له المصادر الوثائقية التي استند اليها في تحليل هكذا خطط .. ونود منه ان يوضّح لنا من قام بتحليل هكذا موضوعات من كتّاب ومؤرخين من غير العرب ؟

تصويب مسألة تاريخية
يتكلم هيكل عن جذور العلاقة المصرية- الفرنسية علي زمن حملة نابليون فيقول: “فرنسا تعتقد أن لها في مصر مكانة خاصة لكن فرنسا التي تعتبر أن لها مكانة خاصة فوجئت بأنه مصر بعد كده اللي هي بدأت فيها اختراقها إلي الشرق إلي المشرق العربي ونزلت بقواتها في حملة نابليون وجدت أن نابليون قعد ثلاثة سنين ونصف ولا حاجة ومشي نابليون ثم إذا بمصر تنتقل تدريجيا سواء بطريق الديون أو بطريق الغزو إلي حوزة الإمبراطورية البريطانية اللي هي عدوها اللدود..” (انتهي النص).
هنا ، وجب علي أن أتوقف من أجل كشف حقيقة أو تصحيح معلومة أو محاولة لإعادة الكاتب إلي الرشد، وأقول إن فرنسا تعتبر أن مصر لها مكانة خاصة عندها، ولكن ثمة أماكن في العالم أهم من مصر عند الفرنسيين.. ويبدو أن مصر لها مكانة كبيرة في الذاكرة الأوروبية الغربية، وأن مكانتها عند الإنجليز لا تقل أبدًا عن الفرنسيين.. إذ يكفي أن نتتبع اهتمامات الإنجليز بأفريقيا ونهر النيل علي امتداد القرن التاسع عشر أكثر من اهتمامات فرنسا وقتذاك.. إذ راحت فرنسا بعد فشل حملة نابليون لتكرس نفسها وتمتد علي مساحة أوروبا وتؤسس لها إمبراطورية من دون أن تفكر باسترداد مصر ثانية .. فضلاً عن أن معاهدة قد وقعت بين فرنسا والدولة العثمانية بعد مفاوضات طويلة وقعت عليها الدولتان باسم معاهدة العريش في يناير 1800 التي كان من أبرز بنودها جلاء الفرنسيين عن مصر بصورة كاملة.. ودخلت بريطانيا علي الخط وبدأ الجلاء سنة 1800 (عن كتابي تكوين العرب الحديث ، ص 262).
تقول يا هيكل إن نابليون قعد ثلاث سنين ونصف.. وهذا كلام غير صحيح أبدًا، ولا يمكن قبوله من قبل المؤرخين، فإذا كان بونابرت قد استولي علي جزيرة مالطة في 9 يونيو 1798 ودخل الإسكندرية في 1 يوليو 1798 واستسلمت القاهرة في 21 يوليو 1798.. فإن مجموع زمن بونابرت في مصر سنة واحدة وكام يوم، فلقد ضرب حصاره علي عكا في مارس 1799 وحاصرها لثلاثة أشهر، ولما فشل الحصار رجع خائبًا في يوليو 1799.. وأوكل مهمة الحملة لنائبه كليبر ومضي إلي فرنسا دون أن يرجع إلي مصر مرة أخري! أما الحملة، فلقد غادرت بعد توقيع معاهدة العريش مباشرة.. كنت أتمني علي هيكل أن يكون دقيقًا في تأريخ حدث عام، وهو يتحدث عن تاريخ أهم الأحداث التي مرت بمصر والملايين تسمعه.. ماذا نقول لأبنائنا الذين يسمعوننا، ونحن لا نضبط زمن أهم حدث مرت به مصر في العصر الحديث؟ صحيح أن الإنسان يخطئ، ولكن إذا زادت أخطاؤه، فإن عليه أن يراجع نفسه قليلاً، ولكن ما يحرج المرء فعلاً، أن يبقي ساكتًا، من دون أي تصويب أو اعتذار عن السقطات.

حقيقة العلاقات البريطانية- الفرنسية
يقول هيكل: “في ناس ما بيتصورش مرات بننسي إحنا التاريخ نتصور أن فرنسا وإنجلترا أصدقاء لكن واقع الأمر إن جوة في جوة عدوات طويلة لأنه لمائة سنة هذين البلدين تحاربا في كل مكان في العالم في شرق آسيا علي الهند الصينية وعلي حول الهند الصينية معارك طاحنة في أوروبا معارك طاحنة في أمريكا معارك طاحنة فبين الاثنين علاقات تحت التوافق الودي الظاهر في بين الاثنين..” ( نص هيكل ).
هنا يجعلني هيكل أتوقف أيضا لأصحح الأخطاء التي يرتكبها، ذلك أن العداوة بين الطرفين لم تكن لمائة سنة فقط، بل ترجع لمئات السنين، ولا أدري أين تحاربا في شرق آسيا علي الهند الصينية؟ وهل هناك حروب فقط بين الطرفين أم كانت هناك تحالفات بينهما حتي نفهم أن تحالف بريطانيا وفرنسا عام 1956 لم يأت من فراغ؟ دعوني أولا أتوقف عند الحروب المهمة بين الفرنسيين والبريطانيين في التاريخ منذ العصور الوسطي:
الاحتلال النورماندي عام 1066، الحروب بين الملكين هنري الثاني انجلترا وفيليب الثاني فرنسا، وصراع ستيفن وماتيلدا، وحرب سانت ساردوس 1242، وحرب المائة سنة 1337- 1453، والحروب الإيطالية 1511- 1559، حرب معاهدة كامبري المقدسة 1508- 1516، حرب الحلف الأعظم 1679- 1688، حرب الملك وليم 1689- 1697، حرب الإرث الإسباني 1702- 1713، حرب الإرث النمساوي 1740- 1748، حروب السنوات السبع 1756 -1763، حرب الثورة الأمريكية 1775- 1783، حروب الثورة الفرنسية والحروب النابليونية 1792- 1815 .. إلخ.
أما الحروب التي تحالفت كل من انجلترا وفرنسا فيها علي مدي التاريخ، فيمكنني اختزالها بالآتي حتي يدرك المرء أن كلام هيكل منقوص وبحاجة إلي إعادة نظر، وليس العدوان الثلاثي هو أول حرب تتحالف فيها فرنسا مع الانجليز.. دعنا نري صفحات التاريخ وكل من الاثنين علي تحالف في حروب ضد الآخرين في العالم:
الحروب الصليبية، أجزاء من الحروب الإيطالية 1511- 1559، حرب الثمانين عاما 1568- 1648، حرب الفروند وتضم الحرب الأهلية الفرنسية والحرب الفرنسية- الإسبانية 1648- 1653، حرب الانجلو إسبانية 1654- 1659، حرب التحالف الرباعي 1718- 1720، حرب القرم 1854- 1856، عصيان البوكسر في الصين 1900 – 1901، الحرب العالمية الأولي 1914 – 1918، الحرب العالمية الثانية 1939 – 1945، الحرب الكورية 1950 – 1953، أزمة السويس والعدوان الثلاثي 1956، حرب الخليج الأولي 1991، حرب أفغانستان 2002 وحتي الآن.

أضحوكة التفاح: قضية تاريخية
كنت- ولم أزل- أتمني ليس علي هيكل وحده، بل علي كل من سلك طريقته ألا ينحاز تمامًا، ليلوي الحقائق التاريخية من أجل تسويق ما يؤمن به، أو ما يفكر فيه.. ويكفي يا هيكل وأنت في مقدمة العارفين أن فرنسا وبريطانيا اشتركتا في حربين عالميتين إبان القرن العشرين.. فهل هذا يفسر ما ستأتي إلي ذكره الآن.. دعونا نقرأ ماذا يقول هيكل وهو يفسر العلاقات الدولية بين أكبر دولتين استعماريتين في التاريخ.. يقول عن الانجليز والفرنسيين: “في عقد غائرة كثير جدا تمتد إلي حاجات بعض المرات أنا لا أستطيع أن أفهمها أنا لا أكاد أذكر أمام صديق إنجليزي أي شيء عن التفاح الفرنسي إلا والناس يزعلوا جدا ويفتكروا إن التفاح الإنجليزي أحسن قوي من الفرنسي وأنا فاكر ليلة بحالها مع سيدة ليدي هاملتون وهي زوجة صديقي دنيس هاملتون رئيس مجلس إدارة التايمز لفترة طويلة ليلة كلها خناق تقريبا يعني علي التفاح الفرنسي أحسن ولا التفاح الإنجليزي أحسن وأنا مرات كنت بناكف ليدي هاملتون أوليف..”.
أسألك بالله، هل يمكن لعاقل يقرأ التاريخ من أوسع آفاقه وهو يرى حجم الصراعات والتحالفات علي المصالح الكبري والصغري من خلال طعم تفاحة ؟ .. ومن هذا الذي يبقى فاتحاه فمه وهو معجب بك ، وقد انساق إلي روايتك عن التفاح؟ هل مشكلة بريطانيا مع فرنسا علي التفاح أيهما أحسن؟ وهل ثمة حاجة لكي تشرح لنا أن ليلة بحالها وأنت تتخانق مع سيدة ليدي هاملتون وتعرفها لنا بأنها زوجة صديقك دنيس هاملتون.. وأنتما تتخانقان علي التفاح؟ طبعا أنت يعجبك التفاح الفرنسي وتدافع عنه وهي يعجبها تفاح انجليزي.. يا سلام! كل هذه القصة، وليلة بحالها، وخناق ومصالحة حتى تعلمنا بأن لك علاقة قوية مع ليدي هاملتون ، وحتى تعلمنا ان هناك عقدًا غائرة كثيرة جدا.. وسواء فهمتها او لم تفهمها، إنشاللا ما فهمت.. هناك من يفهمها يا عزيزي! هناك من يدركها يا هيكل خصوصا أولئك الذين يكرسون لياليهم بحالها في دراسة التاريخ وتموجاته بين الدول وسياساتها.. وليس أولئك الذين يجادلون الليدي هاملتون عن طعم التفاح ! ثم تعال يا هيكل: لماذا لا تقل لها لا تفاحكم ولا تفاح الفرنجة فيه طعم ونكهة.. تعالي يا مسهرتني تذوقي تفاح لبنان، وشوفي كم هو حلو وأحمر، بل كنت أتمني عليك أن تغني لها أغنية المطربة صباح التي تعدد فيها كل الفواكه العربية من تفاح لبناني ومنجة مصرية وبلح عراقي ومشمش شامي يخزي العين .. سوف لن أنسي قضية التفاح الكاريكاتيرية أبدا يا هيكل وسأذكرك بها دوما.. فلقد تمتعت بها تماما ، وجذبتني الى عالم التفاح ، ونسيت عما ماذا كنت تتكلم ..
ولكن دعني أقول شيئًا مهمًا.. إن من يرد كتابة مذكراته الشخصية والخاصة، فليكتب فيها ما يشاء ، إذ لا يمكنه أن يفرضها فرضًا على الآخرين، أما من يلقِ موضوعًا مهمًا في تاريخ العلاقات الدولية سواء كان في محاضرة عامة أو محاضرة أكاديمية أو حديثا في برنامج تليفزيوني، فليكن حريصًا على ألا يدخل نفسه أبدا في “الموضوع” لا بشكل جدي ولا بشكل كاريكاتيري.. ولم أجد أحدًا في أي مكان محترم، يشرك نفسه في الموضوع، وكأنه جزء منه.. لقد زاد هيكل وتمادى كثيرًا في مثل هذه المسألة ومسائل أخرى .. وسنجده دوما كما وجدناه منذ سنين، ما إن يتحدث قليلاً حتى ينط ليشرك نفسه في الموضوع، وكأنه مشارك في صنعه! لقد علمنا أساتذتنا القدماء أثناء إلقاء محاضرتنا أو في إبداء أحاديثنا أن نفصل الذات عن الموضوع نهائيا.. وإذا كانت هناك مزحة أو طرفة أو تعليق معين.. فثمة فترة استراحة يمكن للأستاذ أن يحادث بها طلبته أو زملاءه عنها.

السياسة غير الأركيولوجيا
دعونا نرجع لنكمل المشهد مع هيكل وهو يصف هوي فرنسا بمصر، وغرام الاليت (كما يسميها هيكل أي النخبة بالأوروبي) المصري بفرنسا.. يقول: “فرنسا تعتقد أن لها في مصر قواعد..”.. من أين جاء هيكل بهذا الاعتقاد الفرنسي؟ فرنسا طوال القرنين التاسع عشر والعشرين منشغلة بمستعمراتها (الأفريقية خصوصا) في العالم .. أتقصد قواعد فكرية؟ ولماذا لا؟ ولكن كل العالم كان ينظر إلي عالمين غريبين جدا اكتشفتهما البعثات الاركيولوجية الآثارية طوال القرن التاسع عشر، مصر والعراق، فالأولي اكتشفوا فيها عالمًا كلاسيكيا مغمورًا وفتحت طلاسم التاريخ الأسطوري بعد فك شفرة حجر رشيد، والثانية اكتشفوا فيها عالمًا كلاسيكيا مغمورًا وفتحت طلاسم التاريخ الأسطوري بعد فك شفرة الحروف المسمارية.. ولكن علينا أن نفرّق بين ذاكرتين في دراسة التفكير الأوروبي الغربي.. ذاكرة علمية وثقافية تبقي ممتدة في أيام السلم وأيام الصراع مهما حدث من افتراقات.. وذاكرة سياسية ورسمية تشكلها المصالح ورؤية أصحاب القرار.. بدليل أن الآثار القديمة العظيمة لكل من مصر والعراق يحتويهما متحفان أولهما في قلب لندن هو المتحف البريطاني وثانيهما في قلب باريس هو متحف اللوفر.. وفي قاعات الاثنين تجد أحد ملوك الفراعنة محنطًا، وتجد مسلة الملك حمورابي العراقي واقفة.. تجد عظمة كل من الحضارتين القديمتين.. ولكن هذا كله لا يمنع صاحب القرار في كل من لندن وباريس أن يشارك في صناعة حرب 1956 إزاء مصر، أو حرب 1991 إزاء العراق..

الإليت المصري : تصّنع في غير محله
لماذا هذا المصطلح الذي يعرفه البعض وتتجاهله أغلب الناس؟ لماذا تزّوق كلامك دوما بالفاظ انجليزية او فرنسية .. من اين يدرك هذا المستمع العربي الكريم ما الذي تقصده ، وانت تستخدم هكذا مصطلحات اجنبية ؟ انك تستخدمها حتى يقال إن هيكل عندما يتكلم بالاليت ولم يستخدم كلمة (النخبة) فهو متفوق؟ فمن يمتلك هنا عقدة خواجة يا هيكل؟ بل مجموعة عقد من الخواجات الذين يظهرون في احاديث وكتابات الرجل باشكال متعددة ، فهم اصدقاء من رؤساء ووزراء ورؤساء تحرير صحف .. ويمتد الى زوجاتهم ايضا ! ان من السهل والوضوح ، ان تستخدم عبارات عربية مبسّطة في توصيف الاشياء ، وما دام هناك مصطلح ” النخبة ” في العربية ، فلماذا هذا التصنّع ؟ ولماذا هذا التكلّف ؟ ولماذا هذا الشعور الهزيل بالنقص ؟ انه شعور ليس بالضد من اولئك الاجانب الخواجات .. بقدر ما هو شعور بالنقص والفضيحة من هؤلاء الذين يمثلون الفكر والقلم في حياتنا العربية .

دعونا ننتقل لمعالجة قضية أخرى
المهم نقف الآن علي نص جديد.. واسمحوا لي أن أقول إن كل هذه النصوص هي مقدمات متهالكة من صنع الرجل كي يبدأ بها، إذ لديه ما سيعتمد عليه من الآخرين في أساسيات الموضوع.. تلك الأساسيات التي يكون قد أخذها من كتاب هذا أو كتاب لذاك.. يقول: “نفتكر أن رفاعة رافع الطهطاوي من أول رفاعة رافع الطهطاوي أو الواقع من قبل كده كمان من أول بعثات العلماء اللي جاءت مع نابليون ثم رفاعة رافع الطهطاوي فرنسا ثقافيا لها دور مهم جدا صداقة الخديو إسماعيل مع لوي فيليب الإمبراطور لوي فيليب وزوجته الإمبراطورة أوجنيه كانت مسألة مهمة جدا جيل الرواد اللي إحنا تعلمنا منهم اللي جيلنا تعلم منهم حد زي طه حسين وتوفيق الحكيم ولطفي السيد ومحمود عزمي كلهم من خريجي السوربون أو من جامعات فرنسا بشكل أو آخر وكلهم عندهم هوس بفرنسا شوقي شاعرنا الكبير عنده قصيدة مهولة في باريس ماهياش من أحسن قصائده لكن في اعتقادي أنها لأنه اعتبر أن باريس التي كانت علي وشك الوقوع في أسر الألمان في الحرب العالمية الأولي وأعلنت مدينة مفتوحة لتجنبها ويلات الحرب شوقي عمل عليها قصيدة باكية اعتبرها ست حلوة يكلمها يقول لها: جهد الصبابة ما أكابد فيك لو كان ما قد ذقته يكفيكِ… إلخ” ( نص هيكل ) .

ترّقبوا بقية الحلقات

نشرت على جريدة روز اليوسف المصرية ، العدد 1377 الاربعاء – 6 يناير 2010
، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

وأيضا على صفحة تجمع الدكتور سيار الجميل
http://www.facebook.com/group.php?sid=ef680591def239dac31065b4f16482c3&gid=48810538237
ملاحظة : لا يسمح بإعادة النشر تحريريا أو الكترونيا ، إلا بترخيص خطي من المؤلف والناشر .

شاهد أيضاً

حفل استقبال يقيمه الدكتور سيار الجميل للموسيقار نصير شمّة في بيته بكندا

ج رى مساء يوم السبت 11 نوفمبر / تشرين الثاني 2017 ، حفل استقبال اقامه …