الرئيسية / حوارات / جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة العاشرة)

جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة العاشرة)

من اجل فلسفة جدلية في حياتنا المعاصرة
مقدمة :
في الحلقة الرابعة من حوار الاخ الدكتور حبيب معي يطرح اسباب اندفاعه لهذا ” الحوار ” الذي اشاركه كل المفاهيم التي يؤمن بها ، وخصوصا عندما ينجح الحوار ، فهو صادر عن جهتين متكافئتين وقد ابتعد كل منا عن اللغة المبتذلة والجدالية العقيمة ، فبين مصطلح ” الجدل ” وبين مصطلح ” الجدال ” الفرق الكبير بين ايجابية الاول قد يصل بفلسفته الى حالة ديالكتيك ، وبين سلبية الثاني قد يصل بتفاهته الى حال الحضيض . ..
ان النقاش لا يصبح حيويا وجاذبا ان لم تتوفر فيه عناصر مشوقة .. حوار يحترم كل من صاحبيه القراءى الكرام .. لقد تعّرض كل منّا الى على امتداد سنوات طوال الى هجمات بلا مبرر كتبها طفيليون وطارئون .. في حين اثبت البعض الاخر في مقالات منشورة نقده بدحض الحجة بالحجة ، او بتقديم الاهم على المهم ، والترفع عن سفاسف الامور .. لقد اعجبني قول الدكتور حبيب : ” ولكن حين يكون طرف النقاش الآخر مثل الصديق الأستاذ الدكتور سيّار الجميل, فأن النقاش مع أفكاره له معنى وهدف, كما يكون منعشاً ومحفزاً ومغنياً في آن. ومن هنا يأتي اهتمامي بمناقشة الكثير من الأفكار المهمة الواردة في الحلقات الأربع المشار إليها ” .
قيمة جادة حوار عراقي
ربما كنت اكثر قسوة على النفس من الصديق كاظم حبيب وهو يصف لنا طبيعة تعامله مع منتقديه في بداية الحلقة الرابعة .. وربما كنت لا اجادل احدا ابدا من اولئك الذين خاصموني او انتقدوني ليس بسبب اي ترّفع او هروب او تعالي .. ولكن بسبب انعدام وجود أية لغة فكرية او تخصصية مشتركة بيني وبينهم .. ومثلما قال الدكتور حبيب بأن النقاش معي له معنى وهدف ، كما يكون منعشا ومحفزا ومغنيا في آن .. فانني اضيف اليه بأن جادة حوار عراقي ، واي حوار حوار على نفس الشاكلة .. سيكون له طعم ومذاق خاص وله نفعه في مثل هذا الظرف الصعب الذي يمر به العراق ..
ناهيكم عن ايماني واتمنى ان يشاركني الاخ الدكتور كاظم هذه الرؤية : ان يكون هذا ” الصراع ” الفكري النظيف من كل الشوائب .. بين مدرستين فكريتين وبين منهجين واضحين وبين ارادتين مستقلتين وبين فلسفتين عميقتين وبين تخصصين علميين .. الخ طريقا يسلكه الاخرون من ابنائنا واخواننا وطلبتنا .. من اصدقائنا وزملائنا وشركائنا مستقبلا .. فالحوار امتد في آفاق رحبة فكرا وثقافة وسياسة وجغرافية وتاريخا وفلسفة ودينا .. دولة ومجتمعا واقتصادا .. وازدحم بآراء وافكار ومعلومات غاية في الاهمية فضلا عن تقييم بعض المراجع والمواقف والاحكام ..

الاعتراف بالخطأ فضيلة
يكتب الدكتور حبيب قائلا : ” لقد اعتقد الشيوعيون سنوات طويلة, وكنت منهم, وربما بعضهم الكثير لا زال يعتقد بأنه كان أو لا يزال يمتلك الحقيقة كلها والحق كله, وبالتالي فهو الأفضل والأحسن لأنه يمتلك النظرية الأكثر علمية وهو الأكثر نضالية من الآخرين. وكان هذا الموقف خاطئا وتسبب بعواقب مضرة وفادحة. وحين أتحدث عن الشيوعيين لا أقصد الشيوعيين العراقيين وحدهم, بل أغلب شيوعيي وأغلب يساريي العالم ” . واستطرد الدكتور حبيب ان هذا كله ايضا انما ينطبق على من يحمل فكرا قوميا او اسلاميا .. نعم ، انني مع الدكتور حبيب اقول : ان من يدعي امتلاك الحقيقة المطلفة فهو واهم ، ولا يمكنك ان تستمر في حوارك معه اذا سمحت لك نفسك ان تبادله حتى الحديث او تفتح معه باب مناقشة اي موضوع ..
ان منطقتنا ما كانت لها ان تضيع في الخمسين سنة الماضية لولا اولئك الزعماء والقادة والضباط وقادة الاحزاب وغيرهم من الساسة المؤدلجين الذين تاجروا بمصيرنا من خلال شعارات اعتبروها حقائق ثابتة ويا ويل من كان يعترض عليهم .. يا ويل من كان يقول لأي زعيم بأنك خاطئ ، ويا ويل لمن يقول لقائد حزب انت مقامر .. ويا ويل لمن يقول لأي حزبي ( عقائدي ) ـ كما كانوا يسمونه ـ بأنك تجني على نفسك وعلى مجتمعك وعلى اجيالك القادمة .. لقد بقي زعماء وقادة ومفكرون وكتبه يرددون التهمة البائسة لكل معارضيهم انهم عملاء ورجعية .. او تنتقل على افواه الاسلاميين الى مرتدين وكفرة .. وسواء كانت التهمة الاولى او الثانية فمصيرك القتل او السحل او الاعدام او النحر وقطع الرقاب ! لقد ذهب الالاف من الضحايا بهذه التهمة او تلك من قبل اولئك الذين ادعوا امتلاك الحقيقة المطلقة .. ولم يزل هناك حتى يومنا هذا من لم يزل يعزف هذه الاسطوانة التي قادتنا عشرات السنين الى الوراء .

كيف لنا ان نوفر مستلزمات السير نحو الديمقراطية ؟
يقول الدكتور حبيب : ” .. المفروض أن نعمل لتوفير مستلزمات نشوء الديمقراطية في بلداننا الشرقية, والتي هي عملية ثقيلة وطويلة ومعقدة ومليئة بالتضحيات, ولكن في مقدور الغرب بحضارته المعاصرة والعالمية, وبمقدور قوانين العولمة الموضوعية في حالة استيعابها والتعامل الواعي معها, أن تساهم كلها وتساعد في تعجيل المسيرة المنشودة صوب الديمقراطية وأن يقوم الغرب بدعمها وتنشيطها بصورة مباشرة أو غير مباشرة, ولكن ليس بالأساليب والطريقة التي يمارسها بوش في الوقت الحاضر .. ” ( انتهى النص ).
انني لست يائسا تماما من عملية الديمقراطية في مجتمعاتنا ولست من الذين يزرعون اليأس ويبثون حالة العجز في القوى الطموحة للتقدم .. ولكن ثمة اسس لابد ان نعترف بها في دواخلنا قبل ان نلقي بتبعات فشلنا على غيرنا .. صحيح ان التجربة الامريكية في اشاعة الديمقراطية لا يمكن الاطمئنان لها ابدا ، بسبب الصحوة الامريكية المفاجئة للدكتاتورية وعلى الطغيان في الشرق الاوسط ، وكأن امريكا لم تشارك طوال خمسين منذ بعيد الحرب العالمية الثانية في نشر الدكتاتوريات وحبك المؤامرات ومساعدة الانقلابات العسكرية والسكوت على كل الاهوال والتجاوزات التي مرت بالمنطقة هي والدول الكبرى التي تحالفت معها ، او كانت في حرب باردة او ساخنة معها .. دعوني اقول ما عندي وبعد هذا الجدل عن الديمقراطية ومدى نجاحها في مجتمعاتنا التي نعرفها .. دعونا نتأمل معا في الركائز الثلاث :

الركائز الثلاث :
1/ ان التجارب الديمقراطية لا يمكنها ان تولد مباشرة بعد طغيان عقود من الزمن .. بل ان ولادتها لابد ان تكون طبيعية وليست قيصرية ، وتتبلور اثر فترة انتقالية ، نظرا لما يحتاجه كل مجتمع من المجتمعات التي هي بأمس الحاجة الى الديمقراطية ، وهذا امر معروف لدى القاصي والداني ، اذ لا يمكن ابدا الدخول بأي تجربة ديمقراطية والمجتمع غير مهيأ لها ابدا .. هذه الركيزة الاولى وسواء قبلناها ام رفضناها ، فالارادة الحرة لا يمكن شراءها ولا سحبها ولا خداعها ، انها تعبير يترجمه الواقع بافضل صورة او اتعس اشكاله .
2/ اما الركيزة الثانية ، فتتمثل بأن تكون عملية التطبيق للتجربة الديمقراطية مدنية صرفة ضمن دستور مدني وفي مجتمع مدني وعلى ايدي احزاب وقوى مدنية .. ان مجرد اللعب باسم (الديمقراطية) من قبل مؤدلجين دينيين او عقائديين سياسيين او قوميين شوفينيين او احاديين مركزيين .. فسوف لا يكتب النجاح لأي ديمقراطية .. وعليه ، مطلوب تأسيس حالة مدنية بعيدا عن اي مناخ ديني او عقائدي او مذهبي او طائفي .. وهذا ليس بعجز في الديمقراطية نفسها كآليات ومفاهيم وخطوات ، بل العجز في حالات المجتمع السياسي الموبوء بالمطلقات .
3/ اما الركيزة الثالثة ، فلا يمكن لنا ان نلعب بمصائر الشعب باسم ( الديمقراطية) لنطلق ليس الحريات العامة ، بل لنطلق كل الغوغاء من تحت الارض وجعل الانفلات بديلا عن الانغلاق ، ولا المحاصصات بديلا عن المشاركات ، ولا الانقسامات بديلا عن الوحدة الوطنية .. ان الديمقراطية ليست صورة مشوهة للحياة البدائية المشاعية التي تريد ان تجعل من نفسها حياة متقدمة دعاية واعلاما وان الواقع شيئ آخر .. لا يمكنك ان تقول بأن صندوق الانتخابات هو الرمز الحقيقي للديمقراطية ، كما يجري تصنيفه في الخطاب السياسي المعاصر ..فهذا زيف وكذب وافتراء من قبل القادة السياسيين والمفذلكين الاعلاميين .. بل ان تطبيق القانون هو اول اشارات الحياة الديمقراطية .
انني لا اهرب من واقع صعب جدا خلقته سنوات الطغيان واوبئة الماضي لكي الوم امريكا وغير امريكا انها سبب فشل التجربة الديمقراطية ، وكأن لم يكن هناك قوى عراقية او غير عراقية تطالب بالديمقراطية فكرا وسياسية وممارسة قبل الهجمة الامريكية السافرة على منطقة الشرق الاوسط .. وكأن ليس هناك فكر ديمقراطي عربي او غير عربي يناشد المجتمعات والدول بالديمقراطية .. وكأن ليس هناك اي نخبة من اساتذة او مفكرين وكتاب ومختصين دعوا الى التغيير والاصلاح والتحديث وتبديل المناهج واصلاح البنى السياسية والمطالبة بتغيير الاحزاب وانظمتها الداخلية قبل منادة امريكا للديمقراطية في الشرق الاوسط .
مشروع ( الديمقراطية) بين التأهيل والتأجيل
يقول الدكتور حبيب : ” .. أن النضال الديمقراطي لا يريد تغيير الظواهر, بل يعمل من أجل تحقيق تغيير جذري في فكر الإنسان ووعيه وممارساته, تغيير في التقاليد والعادات والثقافات, تغيير في القاعدة والبناء الفوقي, تغيير في علاقات الإنتاج وما ينشأ عنها ويعود إليها, فما نحمله من فكر وما نمارسه في حياتنا اليومية يتناقض تناقضاً حاداً مع أسس ومبادئ الديمقراطية. وبهذا الصدد شخص الأستاذ الجميل بصواب, كما أرى, عمق المشكلة حين قال بأن الديمقراطي شيء والإسلام شيء آخر, مهما حاول البعض من طيبي النفوس تقريب الإسلام من الديمقراطية, فهما على طرفي نقيض. كتب الزميل بصواب وصدق يقول: “علينا أن نعلن لكل مجتمعاتنا بصراحة متناهية أن الدين لا يمكن توظيفه في الديمقراطية .. ولا يمكن للأحزاب الدينية أن تجّرب حظها في المسألة الديمقراطية ! وعلى الإعلام في الدولة الديمقراطية أن يكون مستقلا عن أي سلطة سياسية أو دينية .. وعلى الإنسان في المجتمع أن يكون حرا في خياراته كلها وأفكاره ومبادئه .. فهل هناك ثمة دولة في العالم الإسلامي قاطبة لديها الشجاعة في أن تقول هذا للمجتمع ؟”.
ولكني أختلف معه في ما أشار إليه: “وعليه ، فأن دعوتي دوما إلى مشروع الديمقراطية لابد أن يؤجل إلى حين خلق البيئة المميزة والإنسان الصالح ليحيا في مجتمع ديمقراطي !!” إذ أنه عاد وصحح الموقف وأتفق معه حين كتب يقول: “إنني لا ارفض الديمقراطية أبدا ، ولكن نحن بحاجة إلى زمن للتأهيل على الحريات والفكر الحر وعلى تربية الأجيال الجديدة على مفاهيم جديدة هذا لا يعني تأجيل النضال من أجل إقامة المجتمع المدني والتمتع بالحرية والديمقراطية , بل هو من أجل فهم العلاقة الجدلية بينها أولاً , وسبل خوض الكفاح ثانياً , وافتراض تجليات هذا الفهم في صياغة شعارات المرحلة النضالية ومهماتها الأساسية وخطابها الفكري والسياسي ثالثاً”.
هنا علّي ان أوضح موقفي بكلمات وربما قد استفدت في بنائه من تجارب تاريخية درستها وتعمقت فيها على مدى سنوات طوال ، اقول بأن اوضاع اي بيئة اجتماعية واحوال اي بلد تمر به كوارث ومصائب وفواجع وهو يعيش حالة حرب وفقدان امن وانسحاق ارادة .. الخ فلا يمكن بناء اي تجربة ديمقراطية ناجحة فيه مهما كانت الادعاءات ، وهكذا علمتنا تجارب الشعوب .. فالامر مكفول ومؤجل الى حين استقرار البلاد بفترات مؤقتة .. اما التأهيل ، فغير ذلك ، اذ لا يمكن بناء اي تجربة ديمقراطية من دون تأهيل المجتمع وخلق الوعي يالحريات والديمقراطيات واساليب الحياة الجديدة وقبول الاخر والاستفادة من الاخر .. ومحو الانغلاق . ان اي مجتمع من مجتمعاتنا غير مؤهل للديمقراطية ما دام الناس فيه يفتقدون ابسط انواع الحريات .. ان تجربة بعض البلدان ذات النظم الاسلامية بالديمقراطية ، هي فاشلة بالضرورة لأن الاليات والمفاهيم الديمقراطية تتصادم اصلا مع اي حكم ديني للمجتمع .
كيف نؤهل مجتمعاتنا نحو الديمقراطية ؟
ويختلف معي الدكتور حبيب في قوله : ” أختلف مع الزميل الدكتور الجميل حين يقول: “إن التغيير الاقتصادي وتغيير بنية المجتمع الاقتصادية لا ينفعان أبدا في خلق وعي اجتماعي وتنوير ديني .. المسألة ليست من البساطة بمكان .. إن المجتمعات الديمقراطية اليوم كانت قد مرّت بمخاضات عسيرة من التحولات ، وهي ليست بمجتمعات إسلامية؟”, لسببين هما أولاً إن تغيير البنية الاقتصادية وتغيير البنية الاجتماعية يمكنهما توفير مستلزمات التغيير أولاً, وأن عملية التغيير الاقتصادي والاجتماعي لا بد لها أن تقترن, وليست مسالة ميكانيكية أو عفوية, بعملية واسعة وشاملة للفكر والثقافة والممارسة اليومية وترتبط بحياة دستورية ثانياً. . “.
هنا أسأل : اذا كان الدكتور حبيب يختلف معي حول مسائل تكوين المجتمعات الديمقراطية لسببين انا مدرك لاهميتهما ، ولكن كم يحتاج تغيير البنية من زمن ؟ سواء كانت اقتصادية ام اجتماعية ؟ ما دامت العملية ليست ميكانيكية وهذا ما قصدته ، فاين وجه الخلاف ؟ وعاد الدكتور حبيب ليقول : ” ولهذا فأنا لا أمتلك تصوراً يرى بسرعة بناء الديمقراطية في العراق, لا أفصل بين العمل الاقتصادي والاجتماعي والعمل الفكري والثقافي وتغيير أسلوب التفكير والممارسة لدى الإنسان والمجتمع, بل أرى فيهما عملية واحدة متعددة الجوانب ومتشابكة ومتداخلة ويؤثر بعضها على البعض الآخر بصورة جدلية .. ” .
اما بصدد الديمقراطية وتطبيقها في مجتمعات اسلامية فمما يبدو من كلام الدكتور حبيب انه يرفض اي تجربة ديمقراطية في مجتمعات غارقة بالمطلقات والتواكليات ولا يؤمن بالعمل والتغيير وكل من هذين المبدأين قد نص عليهما الاسلام ، اي العمل والتغيير .. ان الامثلة التي اوردها الدكتور حبيب عن تجارب اسلامية في بعض البلدان العربية والاقليمية هي امثلة حية على تناقض كبير جدا بين تفكيرين وبين عقليتين وبين آليتين وبين وسيلتين .. وعليه ، اما ان نطالب بتأجيل اي مشروع ديمقراطي في بيئة تعج بالتناقضات لأننا نخادع انفسنا ونضحك على انفسنا كما نجني على اجيالنا القادمة .. او نطالب بالتأهيل ، ومعناه عندي : الفصل التام بين ما هو ديني وما هو مدني ، ونعترف ان تجربة العراق مثلا لا يمكنها ان تتقدم في ظل دستور لا هو مدني واضح المعالم ولا هو ديني غارق في الماضي .. انني اعارض اي ازدواجية في التفكير والممارسة .. علينا ان نقف بعيدا عن كل مخلفات الماضي ولكن لكي نتقدم علينا ان لا نقف مهرجين في وسط التناقضات ولا ان نتخندق مع اي طرف ديني او حزب طائفي يتشدق باسم الديمقراطية .. ناهيكم عن خلاصنا من اي تجربة شوفينية ندرك كم ستكون اداة فاضحة لانقسام العراق .. وهذا ما ينطبق ايضا على اي بلد في منطقة الشرق الاوسط .
لمن نوجّه النقد ؟ لمن نوجّه اللوم ؟
يقول الدكتور حبيب : ” لا أمارس النقد ضد المؤسسات الدينية والخطاب السياسي للقوى الإسلامية السياسية حسب, ولا أمارسه ضد الممارسات السياسية اليومية لقوى والأحزاب الإسلامية السياسية حسب, بل أوجه نقدي أيضاً وأساساً إلى الدين ذاته. ولا أوجه نقدي صوب بعض أبرز بنود الدستور وبعض مضامينه الطائفية أو كونها حمالة أوجه, أو قاصرة ومتخلفة, كما في الموقف من المرأة مثلاً, ولا هو ضد المحاصصة الطائفية في المجلس النيابي والحكومة والمحاصصة الطائفية عمودياً وأفقياً في الدولة والمؤسسات وغيرها حسب, بل يتوجه نقدي إلى القوى السياسية العلمانية التي وافقت على كل ذلك, وإلى مجمل العملية السياسية التي هي نتاج الدكتاتورية السابقة وقوى الاحتلال والصراعات غير الحضارية الجارية في العراق وموازين القوى الراهنة ” .
اعتقد انني قد اجبت عن ذلك في حلقة سابقة ، ولكنني اعيد واكرر بأن الدين ليس مؤسسة ولا بحزب ولا بكائن يمكن ان يعطي ويأخذ .. ان الدين يقف الى جانب اديان اخرى في هذا الوجود ، ويمكن الاستفادة من الدين بعد تحييده ، ويمكنه ان يكون من اهم ما يساعد المجتمع في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .. اما من يتخذه وسيلة سياسية واداة احادية للانغلاق فالمسؤولية هنا مضاعفة .. لم يكن الدين مسؤولا عن الطائفية بل المجتمع هو الذي جعل الدين مجالا للانقسام الاجتماعي .. ونقد الدين لذاته لا يمكن ان يزحزح التفكير عما هو عليه ، بل عليك ان تنتقد من يجعل الدين وسيلة للسلطة ووسيلة للقتل ووسيلة لقطع الرقاب ووسيلة لكل الموبقات .. الدين لم يقل بالديمقراطية ، بل قال بالمبايعة والشورى . فلماذا يعتمدون الدين شعارا ويتخذون من الديمقراطية طريقا .. انهم مجموعة معقدة من التناقضات الصعبة . اما القوى العلمانية السياسية فانني اشارك الدكتور حبيب كيف رقصت بعض الاسماء امام الاحزاب الدينية ، بل وغدا بعض العلمانيين مجموعة من الطائفيين المقززين للنفس .
بول بريمر : صنع المأساة ووّلى
يقول الدكتور حبيب : ” حين تخلصنا من الدكتاتور الأهوج صدام حسين, وقعنا في شباك دكتاتور صغير جاء إلينا من الغرب المتحضر ليفرض علينا ما يشاء وما يريد وساهم بذلك في إضعاف القوى الديمقراطية والعلمانية وشجع الطائفية وفرض المحاصصة الطائفية, إنه السيد باول بريمر, الذي تعامل مع العراقيات والعراقيين كما يتعامل السيد مع عبده في القرون الخوالي في الولايات المتحدة الأمريكية. والآن يتهم بوش بريمر بذلك ويرد عليه بريمر ليقول أنا نفذت السياسة التي كان البيت الأبيض يريد تنفيذها في العراق! وكلنا يعرف ما وراء الأكمة! وقد كتبت بهذا الشأن عشرات المقالات خلال الأعوام المنصرمة, ولدي الثقة بسبب حسن إطلاع ودأب الزميل الجميل أنه قد أطلع على بعض ما نشرته بهذا الصدد ” .
واجيب : نعم يا زميلي العزيز ، لقد اطلعت بما فيه الكفاية على ما نشرته وناديت من اجله .. اما بالنسبة لبول بريمر ، فهي تجربة امريكية مأساوية بالنسبة للعراق وهو يخرج مليئا بالجراحات والالام ليس من عهد طغيان ، بل من حرب ضروس سبقتها حروب دامية .. ولا ادري لماذا اختارت الولايات المتحدة الامريكية ومن قبل وزير دفاعها السابق رامسفيلد هذا الشخص كونه مختصا بالامن القومي وادارة الازمات وكونه تلميد كيسنجر في القضايا الامنية .. لقد غابت عنهم اوضاع العراق ، بل لأنهم ارادوا ان يكون العراق هكذا بعد سحقه سحقا .. اختاروه خلال اسبوع واحد ليعطي موافقته كما كتب في مذكراته اثر بحثه الامر مع زوجته ، ليبقى بحدود اسبوعين يعد عدته عن العراق .
ان بول بريمر ما عرف شيئا عن العراق ؟ ولا عرف من اللغة العربية حرفا ؟ وماذا عرف عن مشكلات العراق السياسية المزمنة والجديدة ؟ ماذا عرف عن تاريخ العراق الثقيل والصعب ؟ ماذا قرأ في اسبوعين وهو منشغل في تهيئة طاقم العمل الذي سيمضي معه نحو بلاد الرافدين ؟ الا يوجد في عرض الولايات المتحدة الامريكية وطولها امريكي واحد يدرك اولويات العراق ؟ الم يوجد من يعرف قليلا من العربية ؟ الا توجد اية كفاءات متميزة في ترتيب شؤون العراق ؟ ام انهم ارادوا ان يكون العراق هكذا ؟ وخصوصا في اعتمادهم على عراقيين غير مؤهلين ابدا لقيادة العراق رجالا ونساء .
لقد كانت الستة اشهر الاولى من بعد السقوط مرحلة حرجة وحساسة وخطيرة جدا .. ودوما ما اقارن بين تجربتي امريكا اليوم وبريطانيا في احتلالها العراق مع زمن الحرب العالمية الاولى .. مقارنا كفاءة الطاقم البريطاني وقت ذاك مع هزال الطاقم الامريكي اليوم .. يكفي ان الكولونيل البريطاني لجمن كان يتنكر بشكل بدوي في ازقة المدن ، لينقل صورة حالة العراق قبل ان تغزو بريطانيا العراق بسنوات ! ويكفي ان المس غروترود بيل كانت قد درست العراق وطبيعة العراقيين وعرفت كيف تتعامل معهم ، واندمجت بالمجتمع البغدادي فاسماها البغداديون بـ ” الخاتون ” وماتت ودفنت في ارض العراق .. المهم ، ان نعيد التفكير نحن العراقيين في كل ما جرى للعراق ليس اليوم فقط ، بل منذ خمسين سنة مضت او مئة سنة وّلت لنعترف بحجم الاخطاء المرتكبة ونرسم خطوطا جديدة من اجل مستقبلنا ومصيرنا الذي تصنعه اليوم ارادة اجنبية .
من اجل فلسفة جدلية في حياتنا المعاصرة
بعد هذه الجولات من الحوار الممتع انتهي الى ان كل ما نشرناه يسعى مخلصا لتكوين وتطوير ( فلسفة جدل عراقي ) نحن بأمس الحاجة اليها في حياتنا المعاصرة خصوصا وان الاجيال الجديدة في القرن الواحد والعشرين لابد وان تتغير رؤيتها للحياة وان تبدل من مناهجها في التفكير ، وان تطور نظرتها الى كل من العالم والمستقبل .. وان تعترف بان كل شيئ نسبي في الحياة وان الفلسفة معناها : البحث عن حقائق الاشياء .. وان الوصول الى الحقيقة قد يكون صعبا ومرّا .. وان الحقيقة ذاتها ربما موجودة وهي مختفية ، وربما غير معلومة ، وربما منسية ، وربما جعلها الزمن في سبات لمرحلة تاريخية معينة او لظروف صعبة لا يمكن تخيلها .. وربما لا تظهر للعيان بسبب انحجاب الرؤية ، او بسبب صعوبتها هي نفسها بحيث لا يستطيع المرء ترجمتها حتى وان ادركتها وسائل بحثية ومنهجية عدة ..
ان جادة حوار عراقي بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب ما هي الا محاولة اولى على الطريق الصعب والطويل الذي ينبغي ان نمشي فيه جميعا ، سواء كان في العراق ، او في اي بيئة اخرى من بيئات منطقتنا العربية او الشرق اوسطية .. بمعزل عن مقارباتنا ومباعداتنا ، بل اننا لا يمكن الا ان نتفق على مصداقية المعلومات او خطئها .. ولكن لكل منّا رأيه الذي استطاع ان يخرج به على الناس .. والناس اجناس ربما اتفقت مع هذا وربما اتفقت مع ذاك .. وربما اختلفت عن الاثنين معا . ان الحوار في عمقه وقوته وحيثياته وحججه ومدركاته ومراجعه سيفضي حقا الى صيغة متقدمة من ديالكتيك معين ، يتناوله الاخرون بمنطق الجد لا الهزل ، وبقوة البحث بلا ملل .. خصوصا اذا بقي محافظا على توازنه وبقي مصرا على بلوغ النهاية بالرغم من انني لا اؤمن بأن لأي حالة في الحياة نهاياتها ، فالحياة متجددة ولا يمكنها ان تكون جامدة او متصلبة او متخشبة .. انها مرنة على اشد ما تكون المرونة وهذا هو سر تكوينها وتطورها ، فربما استمر الحوار في ابعاد متباينة لدى غيرنا ممن يعاصرنا وممن يأتي من بعدنا بعد ازمان ليزيد او ينقص فيه .. بالقدر الذي افاد الحياة والاجيال والتاريخ وزاد في المنهج والمعرفة وتفتح الاذهان .. وهذا ما نصبو اليه من اجيال قادمة نتوسم فيها ان تبدأ التغيير الحقيقي نحو الافضل مستفيدة من دوامات الماضي الصعب وبعيدة عن استنساخ التجارب ، فالتغيير والتطور لا يتمان من دون ابداع ومن دون تجديد حقيقيين.
ان هذا ” الحوار ” الذي تقاربنا في بعض اجزائه وتباعدنا في بعضها الاخر .. ربما كنت في بعضه مصيبا وربما كنت في بعضه الاخر على خطأ ، فالانسان لا يمكنه ان يدّ‘عي دائما بأنه صاحب الحقيقة المطلقة او انه صاحب العصمة وينفخ نفسه على الاخرين .. ومثلما هو يرى الاشياء حقيقية على ظهر كّفه ، فغيره يرى حقائق وصور من نوع آخر في باطن كفه وتبقى اليد واحدة . ان العراق ( او اي بلد آخر في الشرق الاوسط والعالم ) , لا يمكنه ان يعيش ابدا حياة احادية وبرؤية احادية ومنهج احادي وحزب احادي ومذهب احادي وفكر احادي .. ولا يمكنه ايضا ان يعيش ثنائيات قاتلة بحيث لا يتقبل هذا ما يريده ذاك .. كما ولا يمكن البقاء في دوامة من التناقضات التي خلقتها ترسبات الماضي وبقايا التاريخ .. ان جادة الحوار هي الطريق الذي يتلاقي فيه الجميع كي يتقبل احدهما الاخر مهما اختلفت بهما اساليب المنهج واختلاف التكوين وعمق الرؤية .. أن كل عراقي ( او ايا كان غيره من ابناء المنطقة ) عليه ان يتقبل غيره ، وينبغي ان يسمع لغيره وللاخر وان يدرك كيف يرد رأيه محتفظا باحترام الرأي الاخر .. ان الانكى مما نجده حتى هذه اللحظة سواء من هذا أو ذاك البقاء بالاصرار على الموقف وعلى الخطأ .. ان من يبادر ليعترف بكل ما له وما عليه سيكون هو الافضل كونه سيأخذ قليلا ليعطي كثيرا من اجل استمرار الحياة ، ومشاركته في تطورها والوصول بها الى ما يفيدها .
واخيرا : ماذا تعلمنا من جادة الحوار اياها ؟
واخيرا ، اقول ، بأن ما طرحته في الحلقات العشر سيعرض على العالم اليوم وغدا ، وسيحكم الناس جميعهم بدءا بالمنهج ومرورا بالتفكير والمضمون وانتهاء بالنتائج والاستنتاجات كم كنت على خطأ وكم كنت على صواب .. انني اعترف ان الطريق صعب وطويل في بناء وترسيخ حالة او اكثر في مجتمع عراقي ( ومجتمعات قريبة منه ) لا يعرف الى حد اليوم الرأي والرأي الاخر .. ولا يدرك ابعاد فضيلة الاعتراف بالخطأ .. ولا عيب في مراجعة النفس واعادة التفكير بالاشياء والتاريخ والمواقف .. ان الاختلاف فعلا لا يفسد للود قضية ان جاء باسلوب غير جارح وهو يقدم نفسه للاخر بهدوء من دون اي خروج عن جادة الحواروالمنطق والاخلاق ..
انني في نهاية المطاف ، احي الاخ الاستاذ الدكتور كاظم حبيب تحية كبيرة وانا مدرك ادراكا عميقا بأن لديه الشيئ الكثير ليقوله ، وانا تواق جدا لسماعه وساسعد به حقا . وسابقى احمل كل ود وومحبة واحترام له واعتز بصداقته واثمن فكره بشكل كبير .. وليعذرني والقارئ الكريم ان صدر مني ما يخالف وينتقد ويتباعد ..
تحية مباركة مني الى كل من يشاركنا هذا ” الحوار ” بكل ابعاده .. وتحية شخصية مني الى الاخ الاستاذ نوري علي محرر موقعي الالكتروني على الويب ، والذي يقوم بنشر اعمال هذا ” الحوار ” ويتابع نشر ردود الافعال على هذا ” الحوار ” ويعلمني بها .. اشكر ايضا كل الصحف والمواقع التي تكرّمت باخذ موافقتها منّي على نشر حلقاته على صفحاتها .. وبانتظار المزيد من لدن الدكتور كاظم حبيب وغيره لفتح آفاق جديدة لخدمة الفكر الحديث والاجيال القادمة .
انتهت
نشرت هذه الحلقة العاشرة والاخيرة لأول مرة في موقع الدكتور سيّار الجميل
www.sayyaraljamil.com
18 يناير / كانون الثاني 2008



جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب.. الحلقة التاسعة
جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة الثامنة)
جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة السابعة)
جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة السادسة)
جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة الخامسة)
جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة الرابعة)
جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب.. الحلقة الثالثة
جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة الثانية)
جادة حوار عراقي.. مقاربات ومباعدات بيني وبين الاستاذ الدكتور كاظم حبيب (الحلقة الأولى)


شاهد أيضاً

ملف: إمكانية حكم دكتاتور عادل للعراق.. حوار عراقي مصري بين الدكتور سيّار الجميل والأستاذ عبد الله كمال على روز اليوسف المصرية

مقدمة كتب الصديق الأستاذ عبد الله كمال عضو مجلس الشورى المصري ورئيس تحرير كل من …