الرئيسية / الرئيسية / رموز وأشباح الحلقة 41 : ثورة العشرين وتناقضات الذاكرة التاريخية العراقية

رموز وأشباح الحلقة 41 : ثورة العشرين وتناقضات الذاكرة التاريخية العراقية

رموز وأشباح
الحلقة 41 : ثورة العشرين وتناقضات الذاكرة التاريخية العراقية
أ.د. سيّار الجميل

1/ مقدمة
لعل اهم ما يميز ثورة العشرين في العراق ضد الوجود البريطاني بسبب حدوثها قبل مائة سنة 1920 ، والتي سميت باسم ” العشرين ” واطلقت عليها صفات ـ ” الكبرى ” و ” العظمى ” و ” الوطنية ” و ” القومية ” و ” التحررية ” و ” العراقية ” و ” الاستقلالية ” و ” الدينية ” و ” العشائرية ” و ” الانتفاضة ” و ” التمرد ” .. الخ وتلك تسمياتها التي استوحاها العراقيون منذ 1920، ولكنها باختصار ” ثورة ” ذات ابعاد وطنية متباينة الاهداف ، وقد ازدادت اهميتها عند العراقيين بسبب تنازعهم على تملكها واحتكارها ، فكل طرف يسحبها نحوه ليفخر بالمشاركة فيها،او يصّر على ان يكون هو الأجدى بها وصاحبها الحقيقي وينفي مشاركة الاخرين فيها ، وهي” ثورة ” وجدت العديد من يقوم بسرد احداثها ووقائعها بمطولات من المسردات والمفاخرات والادبيات والشعارات والبطولات، ولكنها لم تجد حتى اليوم من يقوم بكتابة تاريخها بمنهجيات موضوعية غير ذاتية ولا انحيازات فيها، ولا يحملها أكثر مما كانت عليه ، كما لم تجد حتى اليوم من يقدم رؤية تاريخية لعوامل قيامها وعللها واسبابها، وتحليل مضامينها وتفسير نتائجها وتقديم استنتاجات لها بصدد ما افرزته بين الهزيمة والانتصار ..

2/ اسئلة دامغة
لقد كثرت – كما يلمح ذلك أي مؤرخ جاد يأبى المحاباة – تناقضات الكتابة فيها ، وازدحمت تناقضات ذاكرتها التاريخية على مدى مئة سنة مضت ، وظهرت لها تفاسير متنوعة ، واذا كانت هذه الثورة وطنية كبرى باشتراك اغلب العراقيين فيها سواء في الارياف ام المدن ، فلماذا تم التركيز على جهويات معينة ، او بيئات جغرافية معينة دون اخرى ؟ ولماذا اختلف العراقيون على تاريخ انطلاقتها ، فثمة من يقول انها انطلقت في شهر مايس/ آيار 1920 معتبرا ما سبقها من احداث عدّها بداية لها ، وثمة من يقول انها انطلقت في حزيران/ يونيو 1920! ولماذا تنازع العراقيون في توصيفها كونها “ثورة أفندية” في مدينة بغداد العاصمة ؟ او كونها ” ثورة فلاحين ” في ريف معدم؟ أو كونها ” ثورة شيوخ عشائر ” بتنوعاتهم في المجتمع ؟ او كونها ” ثورة مذهبية ” لأنها انطلقت باسم مرجعية دينية ؟ ولماذا كثر التزوير وتحريف بعض الاسماء وتغييب بعض الاحداث التاريخية ؟ لماذا اتهم النظام الملكي في العراق انه حصد منجزات الثورة لنفسه ،ويعتبرونه فاقد المشروعية كونه (صناعة بريطانية) ؟ لماذا الصقت التهم بالضباط العراقيين الشريفيين، انهم كانوا ضد الثورة العراقية ،او انهم لم يشاركوا بها اصلا ؟ ما هوية هذه ” الثورة ” ؟ والسؤال الأهم : هل كانت ثورة وطنية ام عشائرية ؟ اكانت ثورة دينية ام قومية ام طبقية قام بها المسحوقون من العمال والفلاحين ؟ هل قام بها المثقفون ( وهم نخبة مدينية قليلة جدا في المجتمع )ام قامت بها العشائر في الريف؟ هل قاد الثورة رجال دين ام شيوخ عشائر ؟ لماذا اختلفت الذاكرة التاريخية للعراقيين اختلافا مريرا لكي تغدو مسرحا لصراع اجتماعي مرير وسياسي طويل بين المؤرخين او حتى لدى النخب المثقفة ام فئات العامة من الناس ؟

3/ ثورة العشرين لا يمكن احتكارها !
السؤال الآخر : ان كانت هذه “الثورة ” قد حفلت بكل التناقضات ، فكيف تكون هي المؤسسة للذاكرة الوطنية العراقية ؟ وهل هي مجرد كعكة تاريخية يتقاسمها هذا وذاك، خصوصا بعد ان غدت على ايدي الاجيال والعهود السياسية محاصصة بينهم ، او الاستحواذ من هذا العهد والتنكر لها من العهد الاخر ؟ سنجد الذاكرة العراقية هنا منقسمة بين محاصصيها وساحة لتصفية حساباتهم ، اي التمتع بنظام الحصص بمعناه القريب من مفهوم “Power Sharing” سواء كان من خلال الاستلاب او اسلوب المحاصصة قد اتى على يد مؤرخ عادي ، او زعيم عشيرة ، او رجل دين ، أو ضابط عسكري ، أو مثقف مدني ، او موظف حكومي ، او باحث (اكاديمي ) يستمد رواياته من المقاهي او كاتب صحفي .. الخ وعليه ، فالذاكرة التاريخية العراقية ينبغي ان تكون وطنية بحتة لا يمكن ان يحتكرها اي طيف اجتماعي ولا اي نزوع او عهد سياسي .. ويبدو واضحا اضطراب الرؤية العراقية اليها جراء التنازع على ملكيتها ، واخطاء في تقييمها في المدارس والجامعات العراقية على امتداد مئة سنة .

4/ القضايا الأساسية : أزمنة الفوضى الفكرية
يعود تأريخ الثورة العراقية الكبرى 1920 إلى مائة عام مضت ، حيث سعى الكتاب والمؤرخون العراقيون إلى الكتابة عنها خلال العهود التي مرت بالعراق ابان القرن العشرين ، ولكنهم لم يقدموا اجابات شافية عن الأسئلة المتعلقة بأصول الثورة وفهم طبيعتها وما معناها التاريخي،وما آثارها .. الخ .
بعد مئة سنة على الحدث ، نجد عديدا من المؤرخين العراقيين كانوا وما زالوا يقولون إن مجال تلك الثورة العراقية كان قويا باشتراك اغلب العراقيين في صنع الحدث ، ولكن اغلب من كتب تاريخا للثورة ، كان في حالة فوضى فكرية ، اذ تتنازع هذا وذاك نزعات ونعرات شتى . بدءا بما قدمه النموذج القديم ، وبعضهم اشترك في الاحداث ، او النموذج الذي عاش في العهد الملكي الذي اعتبروه نتاجا للثورة ورجالاتها الذين اصروا على ان يكون فيصل الاول ملكا على عرش العراق، او النماذج التي تمخضت عنها عهود الجمهوريات العسكرية والحزبية : اذ لم يهتم بها الزعيم عبد الكريم قاسم الذي عدّ ثورة 14 تموز / يوليو 1958 هي الثورة الوحيدة الخالدة ، وجاء المشير عبد السلام عارف ليجعل نفسه وريث ثورة العشرين لأن خاله الشيخ ضاري المحمود كان مفجّرا حقيقيا لها كما نشر ! وجاء المهيب احمد حسن البكر ليجعل انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 عروس الثورات ! وجاء الرئيس صدام حسين ليجعل نفسه امتدادا لثورة العشرين ( القومية التحررية ) وانتاج فلم سينمائي عنها ، ولم تخلص ” الثورة ” حتى من توصيفات راديكالية وطبقية واسقاطات صفة التحررية والتقدمية على حدث تاريخي كان اهله ينادون بالاستقلال .

5/ هل من رؤية عراقية موحدّة للحدث ؟
وعليه ، فثمة من كان قوميا في تفسير الحدث ، وثمة من كان عشائريا او دينيا او جهويا .. أو النموذج الذي يركز على الصراع الطبقي ، فضلا عن معالجات اكاديمية قليلة ومبتسرة حتى اليوم، لكن لم نجد حتى الان رؤية تاريخية عراقية موحدة للحدث واسع النطاق. وبالرغم من ظهور بعض الاعمال الوثائقية المؤرشفة والموثقة على يد بعض المؤرخين العراقيين الجدد اليوم ، الا ان المؤرخين وكتبة المذكرات العراقيين على امتداد مئة سنة مضت قد تنوعت نزوعاتهم اذ تشبعت اعمالهم وكتاباتهم بالعواطف الطائفية او التجريحات الشخصية او التوصيفات الكيدية او استعراض عضلات الذات على حساب تسقيط ادوار الاخرين او تشويه سمعتهم او اسلوب الحذف – كما أسماه أحد التوثيقيين – .. ناهيكم عن التباين الواسع في تقييم موقف كل من المرجعين الكبيرين :السيد كاظم اليزدي والسيد محمد تقي الشيرازي !! وللاسف الشديد ، أن يجد المرء نفسه امام مؤرخ (اكاديمي) طائفي النزعة، او امام شيخ عشيرة متعاون مع البريطانيين بشكل مفضوح ثم يكتب مذكراته لاحقا ليجعل من نفسه احد أبطال الثورة ، وآخر ينفي مشاركة أساسية لأحد السادة الشيوخ العراقيين ، بحيث تثبت الوثائق لاحقا ان الرجل كان ملجأ للوطنيين وقد انطلق الحدث من قصره ! وماذا اذا علمنا ان شيوخ عشائر ورجال دين كبار قبضوا الليرات الذهبية من البريطانيين ، ثم غدوا لاحقا ابطالا لثورة العشرين !؟؟

6/ واخيرا : هل يتعلم العراقيون الموضوعية بعيدا عن انوية الذات ؟
إن استعادة العراق لأهله يضع ثورة 1920 ضد الاحتلال البريطاني في ضوء رؤية جديدة وموحدة والتي صنعتها ثورة العراقيين ، وتجمع اغلب الوثائق على دور الاصلاء العراقيين المرتبطين بارضهم لا بمصالحهم ، ودور المثقفين الحقيقيين وبعض الضباط المهنيين ، ودور الفئات الاجتماعية الكادحة من الفلاحين ابناء العشائر العربية المتنوعة بين يونيو ونوفمبر من ذلك العام. السؤال المهم : هل أن الإدارة البريطانية والحكومات العراقية المتعاقبة صاغت معظم روايات الثورة ؟ في دراسة الحالة العراقية الحديثة ، ثمة مجادلات غير علمية بصدد الثورة التي صنعها كل العراقيين ، ولكنها بدأت تنسحب تفسيراتها حسب العهود التاريخية التي مرت بالعراق ، بل وحسب البيئات الجغرافية المتنوعة. واقسى ما يمكن ان يجده الباحث تلك التهتكات الطائفية التي مورست بلا عقلانية ابدا عند العراقيين ، والتي تأججت بشكل مفضوح بعد العام 1979 . لنجد اليوم وعلى عهد سياسي مهترئ جاء بعد 2003 تجاهل لهذه ” الثورة ” استخفافا بالذاكرة التاريخية العراقية . وكنت أتمنى مخلصا من العراقيين الاحتفاء بهذا ” الحدث ” رسميا وشعبيا والتعلّم منه كجزء مهم من ذاكرتهم التاريخية الخصبة ولمناسبة مرور 100 سنة بالضبط عليه .

تنشر يوم الثلاثاء 30 حزيران / يونيو 2020 على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل
http://sayyaraljamil.com/

شاهد أيضاً

مصالح العراق العليا والاملاءات الأميركية

مصالح العراق العليا والاملاءات الأميركية أ.د. سيّار الجميل ظاهرة جديدة : املاءات بعنوان حوار ها …