الرئيسية / الرئيسية / كتاب حقيبة ذكريات الحلقة 4 : رجال صناعات الموصل في القرن العشرين

كتاب حقيبة ذكريات الحلقة 4 : رجال صناعات الموصل في القرن العشرين

حقيبة ذكريات
الحلقة 4 : رجال صناعات الموصل في القرن العشرين
سيّار الجميل

مقدمة :
ورث مجتمع الموصل عن ماضيه المزدهر بالمهن والصناعات الحرفية ارثا تاريخيا مجيدا ، وثمة سلالات واصناف من الصناعيين المهنيين الذين ماتت صناعاتهم في تضاعيف ونهايات القرن التاسع عشر جراء الاوضاع السياسية والتحولات الاقتصادية ، وأرى بعد مائة سنة من تلك الايام في القرن العشرين، تموت الصناعات، ويتشتت رجال الاعمال من الموصل عند نهايات القرن العشرين جراء السياسات الغبية والفاشلة وتأثير الحصار والحروب والاحتلال ..لقد خبرت على مدى حياتي تطورالصناعات النسيجية والغذائية والتحويلية والخدمية في الموصل وضواحيها، وكان للقطاع الخاص دوره في التنمية الاقتصادية للعراق، في حين كان للقطاع العام دوره في اختيار الموصل استراتيجيا لصناعة الانسجة والسكر والاسمنت كونها تتمتع ببيئة ثرية جدا من الناحيتين الزراعية والحيوانية كما تدل على ذلك فلسفة مجلس الاعمار الرائعة في تطور العراق الاقتصادي ابان خمسينيات القرن العشرين.

الوعي بالمنتوجات الوطنية
دعوني أتوقف في حقيبة ذكرياتي على بعض من عرفت وخبرت من اسماء شخصيات موصلية خدمت التنمية الصناعية في الموصل،او نقلتها من خلال فروعها او مساهماتها في بغداد ومدن عراقية اخرى، فضلا عن اشاعة الوعي الصناعي من قبل رجال نضويين براغماتيين ومعرفة حطام خرجت به الموصل اثر الحرب العالمية الاولى امثال : علي الجميل وحمدي جلميران وخير الدين العمري وغيرهم. وقد دعا الاستاذ علي الجميل في جريدته “صدى الجمهور” عام 1927 الى ” حماية الانتاج الوطني”و “حماية المعمولات الداخلية “و “حاجتنا الى الصناعة “.. الخ وكانت مدرسة الصنائع في الموصل قد اغلقت ابوابها، ومن ثم تحوّلت ببنائها العثماني القديم الى اشهر وأهم مدرسة متوسطة في الموصل اسميت بمتوسطة المثنى للبنين(والتي درست فيها لثلاث سنوات 1965- 1967 ولي وقفة مطولة عندها لاحقا )، وقد هدمت بنايتها الجميلة منذ سنوات طوال ويا للاسف الشديد ..

صورة علي الجميل

كبار رجالات الصناعة في الموصل
دعوني اتوقف عند بعض الرجال الصناعيين الموصليين الذين خدموا الموصل والعراق عموما في انشطتهم الرائعة ، وطورّا التنمية الصناعية في المجتمع وساعدوا في توظيف وعمل المئات من العوائل ، فضلا عن توظيف رؤوس الاموال من خلال شركاتهم المساهمة :

التأسيس : من مصطفى الصابونجي الى نجيب الجادر وانتهاء بـ هيثم الدباغ
لقد اهتم نجيب الجادر بالصناعة النسيجية فبنى معملا في الجانب الايسر الذي بقي يعمل لزمن طويل وكان يشرف عليه عبد الوهاب الجادر ، وكانت لآل الجادر مدبغة شهيرة اشرف عليها محمد علي السلمان اشهر خبير في الصناعات الدباغية ودرس في المانيا ، وآلت المدبغة في ملكيتها لاحقا الى الحاج هيثم الدباغ الذي اشتهر بمصنع محلج اقطان الشمال .. وكان هناك مصطفى الصابونجي الذي سعى لتوليد الطاقة الكهربائية منذ ثلاثينيات القرن العشرين في الموصل ، وكان له معمل ثلج ومعمل حلج اقطان والسمنت في بادروش .

.

صورة مصطفى الصابونجي

صورة محمد نجيب الجادر

دور الحاج يونس واولاده
وقد عمل في الصناعة أيضا كل من : هاشم ومحمد علي واحمد اولاد الحاج يونس اذ بنوا مصنعا للنسيج واشتهر بصنع العباءات والعقالات واليشماغ واهتم كل من الحاج هاشم واحمد بصناعات حلج الاقطان وصنع ورق الكاربون والطابوق الجيري والصناعات الخدمية وشاركوا ايضا بسمعتهم واموالهم في الدباغة الموصلية مع تأسيس شركات عدة كما قال الاخ المؤرخ ابراهيم العلاف في

 

حديثه التلفزيوني عنهم مؤخرا ..

صورة احمد الحاج يونس

 

محمد الكاتب مصنع الالبان و 14 معملا لآل بوغوص
وانبرى محمد الكاتب ببناء مصنع للالبان( اعتقد في منطقة الرشيدية)، وكان متميزا في انتاجه الراقي وتغليفه وتنوع منتجاته اليومية التي تصل الى البيوت صباح كل يوم بسياراتها الخاصة .. وكان ليوسف بوغوص ( وهو أرمني موصلي) دوره بتأسيس شركة الاخوان منذ العام 1948 لتعبيد الطرق في العراق، ثم شاركه كل من ولديه بوغوص ونبيل ليغدو لهم 14 معملا منها : مصنع الشرق للاصباغ ، ومعمل سياجات الكونكريت وبي آر سي ، ومعمل نسيج الستائر، ومعمل صنع الفلين الابيض ،وامتد عملهم الى بغداد ومدن اخرى .. واخيرا كلها نهبت وسرقت !

خدوري خدوري ومحمد حديد
وهناك كثير من رجال الصناعة الموصليين قد اسسوا لهم صناعات في بغداد وغيرها ومنهم كل من خدوري خدوري ومحمد حديد ( وزير مالية عبد الكريم قاسم ) ،اذ قاما بتأسيس شركة بذور القطن وشركة الزيوت النباتية في بغداد ، وقد نجحت نجاحا كبيرا في تأمين الدهون والزيوت النباتية الممتازة للعراقيين كافة ، ناهيكم عن مستحضرات اخرى من الزيوت كالصابون وغيره ،وكانت صناعات فاخرة جدا ، وكان كل من الرجلين يمتلك عقلية صناعية من الطراز الاول .

صورة محمد حديد

دور عبد القادر العبيدي
انتقل الى دور عبد القادر العبيدي الذي اثرى الحياة الاقتصادية للموصل ، وخصوصا في تأسيسه شركة الموصل للتعبئة والتعليب وهي شركة مساهمة لها فروعها في بغداد ومدن اخرى، وقد اشتهر منها معمل انتاج مرطب ( مشن ) الذي جلب من كاليفورنيا خصيصا ، ومن ثم قامت الشركة بانتاج كي كولا ، كما كانت للعبيدي حصته الكبيرة في مدينة الالعاب التي افتتحت لآول مرة ببغداد ، وكانت الاولى في الشرق الاوسط ، وبعد اختفاء الرجل بطريقة غامضة عام 1969ولا يعرف عنه حتى اليوم شيئا ، وقد ادار ولده قصي اعمال ابيه ..

صورة عبد القادر العبيدي

عبد القادر السيد محمود وحميد حديد وآخرون
ونجح كل من عبد القادر السيد محمود وحميد حديد في جلب افضل المصانع لانتاج جواريب النايلون والحرير والقطن التي اشتهرت بتميزها وجودتها العالمية ..كما اشتهرت معامل صناعات نسيج التريكو ، وانتشرت في اماكن عدة من الموصل ، وكان من ابرزها مصنع كل من حميد وعبد الله شنشل. ولا ننسى معمل تريكو الشمال ( نسيت اسم صاحبه ) في شارع الغزلاني الذي كان يؤمن الحاجة الى خيوط الصوف الملونة الرائعة التي تستخدمها سيدات الموصل في اوقات فراغهن بنسج البلوفرات . وهناك ايضا دور ضياء الحاج اسماعيل في صناعة التريكو ..

آخرون اشتهروا بصناعاتهم
واشتهرت جملة صناعات محلية في الموصل كانت تزود المجتمع العراقي كله بمنتجاتها الممتازة، منها معمل العرق فوق تلول كوينجوق( نسيت اسم صاحبه )، ومعمل النبيذ لهايكارد أوذنيان( ارمني )، ومعمل سالم الدهان الخاص بانتاج السقوف الكاذبة ، ومعمل بيت معمار باشي للموطة والنستلات، ومحلج مجيد داود الصواف للقطن، ومعمل عبد الغني وصالح العبادي للحصران، ومعمل ميسر العطار لورق الكلينكس، ومعمل النسيج لكل من ابراهيم وادريس السمان، ومعمل العجة الذي اداره حسن العمري، ومصنع الفانون لطالب العثمان وكان كل من اديب فرجو وشقيقه قد نجحا في صناعة المرطبات الحديثة من خلال شركة بسكولاته التي انشأها في بغداد .. وهناك زهير طاقة وخدماته المتنوعة وغيرهم كثير .
ان هناك صناعات اخرى لا تعد ولا تحصى وهي صناعات صغيرة منها قديمة مثل صناعة الجص ، او جديدة مثل البلوك والمواد البنائية الاخرى مثل صناعة الكاشي وهناك صناعة المبرّدات والموبيليات والسجاد وطحن الحبوب والاغلفة وصناعة الكتب وصناعة المداجن والبذور وصناعة البراغي والتورنات وصنع كراسي النايلون والتبوغ ومصانع الخياطة ومصانع الحلويات وانواع الاطعمه والاغذية وخصوصا الراشي وزيت الزيتون والمربيات ..

المعوقات السلطوية وسياسات الدولة الفاشلة
وقف ضد تطور تلك الصناعات وتنميتها كل من احداث 1959 المأساوية في الموصل اولا ، ثم قانون التأميم الذي صدر عام 1964 ثانيا اذ قضى على شركات وصناعات كبيرة بدعوى الاشتراكية على خطى مصر عبد الناصر، وكانت ضربة قاسية ضد اعمال البرجوازية النشيطة في المجتمع، وثالثا تفاقم المشاكل السياسية التي ولدت بعد العام 1968 بالاضرابات العمالية وتدخلات الحكومة بشؤون القطاع الخاص وتقييد الاستيراد، والغاء النقابات، فاختفت شركات ، وفشلت مصانع، وانتقلت معارض وشخصيات صناعية وتجارية الى بغداد اضطهدت او هاجرت من العراق الى المجهول خوفا من بطش السلطة ، ورابعا ، آقات الحروب والحصار والايام الصعبة ولقد بقيت بعض الصناعات مستمرة حتى دمرت لما بعد 2003 ، خامسا ، وسحق ما تبقى بسبب بطش داعش 2014 – 2017 ، وانتهت اثر سحق الموصل سنة 2017 .
وقبل ان اختتم هذه ” الحلقة ” لابد ان أشيد بكل الصناعيين العراقيين في القرن العشرين الذين خدموا التنمية وابدعوا في المنتوجات الوطنية ضد المستوردات بالعملة الصعبة ، ولكنهم حوربوا حربا شعواء من قبل المجتمع والدولة في عهودها الجمهورية وسياساتها الفاشلة .. فهل يمكننا ان نتعلم الدروس والعبر في بناء المستقبل ؟

تنشر يوم 11 حزيران / يونيو 2020 على الموقع الرسمي للدكتور سيار الجميل
http://sayyaraljamil.com/

شاهد أيضاً

رموز وأشباح الحلقة 42 : برقيات وشفرات أميركية أرسلت من بغداد طوال يومي 14-15 تموز / يوليو 1958 لماذا لم يتمّ رفع السرّية عنها بعد مرور اكثر من ستين سنة على الحدث ؟

رموز واشباح الحلقة 42 : برقيات وشفرات أميركية أرسلت من بغداد طوال يومي 14-15 تموز …