الرئيسية / الرئيسية / ضآلة المعرفة وتشويه التاريخ  لدى أدونيس

ضآلة المعرفة وتشويه التاريخ  لدى أدونيس

مقدمة :

وقع  سمعي  صدفة  على  ” فيديو ” يتضمن حواراً  تلفزيونياً  مع  ادونيس[1]   الشاعر  والكاتب  السوري  المعروف  الذي  كتبتُ  عنه  فصلة  منذ  سنين  في  كتابي  ” نسوة ورجال : ذكريات شاهد  الرؤية ”  ، وادونيس  اسم اسطوري فينيقي مستعار  اختاره  صاحبه  لنفسه بدل اسمه العربي الحقيقي  (علي أحمد سعيد إسبر ) .  ولد عام 1930 في قرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في سوريا ، وكان قد غادر  سوريا  نحو  لبنان منذ شبابه المبكر  ثم استقر  في فرنسا  حتى  اليوم .  والحقيقة ، انني  لم  استغرب  من حديثهِ  الذي  كشف  فيه  اليوم  عن نفسه  تماماً  بعد ان  أخفى  أوراقه الحقيقية  تحت  عباءات شتّى  طوال  حياته .. لم  استغرب  لما قاله  ، لأنني ادرك ادراكاً عميقاً ، ومنذ  سنين ان الرجل  تتحكّم بواطنه في  عقله  ، وقد  ترسخّت فيه بقايا  ترسبّات  ثقافته المحلية الشعبوية والانغلاق  عليها  بالرغم  من ادعائه التحرر  والحداثة  والتقدم  ، وانه يجهل  تماماً  الرؤية الواضحة الى  تاريخنا  العربي  والاسلامي  بموضوعية ، وبانت  عارية  دوافعه  ضد  تراثنا  العربي كله  ، فاستخفافه  بتاريخنا  واعجابه  منقطع النظير  بتاريخ اوروبا  دليل  على  كونه  منقطع تماماً  عن انتمائه العربي  ، وان انحرافاته  تدّل  دلالات  فاضحة عن  انكاره جذوره الحضارية ، ناهيكم عن  عقدة  النقص  التي  تربّى  عليها في بيئته المغلقة وتربيته الباطنية  والتي  يبرزها  في  كتاباته  واحاديثه بأساليب  غير  مباشرة ، فينطلي كلامه  على  الكثير  من الناس الذين  لم  يعرفوه معرفة  معمقّة   . وكلامه  هذا  ليس  غريباً  عني  ، فقد  كنت  قد  سمعت  عن  ندمائهِ  من بني  جلدته  منذ  أكثر  من  35  سنة ما  يشابهه  ،  اذ كانوا  يتداولونه سراً  في ما بينهم ، ولكنهم اليوم  خرجوا  من  أوكارهم ليكونوا  اكثر  توحشاً  وضراوة ، واكثر  صراحة  وشعوبية  لبثّ  كراهيتهم  وأحقادهم  علناً  من دون أيّ  رقيب ، ولا  أي ناقد  أو حسيب  ، وفي زمن  تباح  للشعوبيين  والطائفيين والانقساميين  أفكارهم  الشريرة ، وصدق من قال  بأنّ  أوطاننا  مهدّدة  من  دواخلها  ..

تفكيك  خطاب أدونيس وتشريحه  ونقده

ان  من  يسمعه  لا  يستنكر  بعض أحكامه  ، بل  يحاكمه  على  مواقفه  التي  يحدّد  بعضها  جهله التام  بالموضوع الذي  يتحدث  فيه  واستخفافه  به  أساساً   ،  أو  التي  يكشف  بعضها الاخر  جهالته  بالتاريخ  ، اذ  أنه  لم  يقرأ  التاريخ مطلقاً  كما  يبدو  ، ولم  يكن  في يوم من الايام  مؤرخاً ، فهو  يعدّ  نفسه  شاعراً ،  ويصنّف  نفسه  (مفكراً ) وهي  كلمة توصيف مكابر  للذات ، وقد غدت  اليوم  مبتذلة  على أشد ما  يكون  الابتذال في الثقافة  العربية ، وفي  الفضائيات  الاعلامية .. أو  انه  يتعمّد  ذلك  لغرض  في نفسه ، أو  غايات  دفينة  ازاء  ثقافة عربية يكرهها  كرهاً  ويمقتها  مقتاً  شديداً ، وحسناً  أنه  ظل  شاعراً  يكتب  طلاسمه والغازه ، او  كاتباً  يكتب  انشائيات  قوّية مليئة بالالتباسات والمفاهيم  والتعابير المستعارة  التي يخدع الناس  بها بعد ان  يأخذ  من هذا  مفاهيمه  ، أو  من ذاك  أفكاره واتعابه .  دعوني  أتوّقف  عند  بعض  أقواله بالنص  لنخضعها  للنقد  بعد  تفكيكها ،  وتوضيح  مقاصده  منها  :

اولا :  يقول :  ” الدولة الاسلامية الاولى بدوية  تأسست على  العصبية  القبلية ”  .

هنا  يقرن  أدونيس القبيلة  بالبداوة  ، وهذا  خطل  في التاريخ  ، وخطأ  كبير  في  سوسيولوجية حياة الامم  ، فالبداوة  مصطلح  له  معناه  ، وليس  شرطا  ان  تكون  القبيلة  رهناً تحتكرها البداوة ،  فالمجتمع  في مكة والمدينة كان حضرياً  مدينياً ، ولكنه  يتكون من قبائل  متوطنة منذ القدم  في  مكان  هي مكة  ، ذلك ان  قبيلة قريش  متوطنة  في  مدينة  مكة  ، ولم  تكن  بدوية  رحالة تنتقل  في  البوادي  من مكان الى آخر ، علما  بأننا  نتحدث  عن  زمن  كان  جزءاً من  حقبة  عبودية لا  يمكننا  ان  نسحبها  منه الى  زمننا  لندينها   .. وان  كانت الدولة الاسلامية  قد تأسست  على  العصبية  القبلية  بزعامة  قريش ، فان بريطانيا  يحكمها آل  ستيوارت منذ  القرن الثاني عشر الميلادي حتى  يومنا  هذا  وكذلك  بالنسبة  الى  كل دول العصور الوسطى والامبراطوريات القديمة في الشرق والغرب  كآل رومانوف  وآل  بوربون  وآل  هابسبورك  وغيرهم   .

وكان  حال الدولة العربية  هكذا منذ  نشأتها ، وانتقلت  من الراشدين  الى الامويين الى  العباسيين  ، فما بالك  ان  تأسست على  سلالة آل البيت وحدهم  كما  يطالب  بذلك  شيعتهم  منذ مئات السنين ؟؟   اتريد  سحب  العصور  الوسطى  الوسيطة  الى  عصرنا  هذا  لتحاسب  الدولة الاسلامية الاولى  على  مقاييس اليوم  يا  ادونيس ؟  اذا  كان  هذا ما يدور  في  ذهنك  ،  فاسمح لي ان اعلمك باننا  نعلم  طلبتنا في اقسام التاريخ ،  ومنذ  بدايات  قراءتهم  للتاريخ ان  يذهبوا  بعقولهم ومشاعرهم الى  الماضي ليتعايشوا معه ،  لا  ان  يسحبوا الماضي  الى معاصرتنا  لمحاكمته  !   ولماذا  اقتصرت على  الدولة الاسلامية الاولى  فقط ،  ولم  تذكر  الدول التي  كانت تعاصرها  عصرذاك ، او الدول  التي  اعقبتها ؟  وما  طبيعة  كل دولة من تلك الدول  ؟  ثم  لماذا  الدولة  العربية  وحدها ، ونحن  نعرف  ان  تاريخنا  ازدحم  بتواريخ  دول  شتى  وكلها  دول  سلالية  سواء  كانت  عند  ملوك وامراء  الهند والملايو  ، او  شاهات  ايران  ، او  خانات المغول  والتتار  ، او  سلاطين الترك  والآفار  وغيرهم  في المغرب  وافريقيا  .. وقد  وصفها كارل ماركس  وغيرها  من  دول  الشرق  بدول  الاستبداد  الشرقي حسب  النمط الاسيوي  للانتاج [2]  .

القبائل والأمم

لقد رافقت نقاشات كبيرة الجهود لتحديد القبائل وتوصيفها. ويدرك العلماء الاختلافات بين القبائل السابقة للولاية والقبائل المعاصرة ؛ هناك أيضا جدل عام حول التطور الثقافي والاستعمار. في الخيال الشعبي ، تعكس القبائل طريقة للحياة تسبقها ، وهي طبيعية أكثر من تلك الموجودة في الدول الحديثة. القبائل أيضا امتياز في العلاقات الاجتماعية الأساسية والواجهة بوضوح ، متجانسة ، ضيقة ، ومستقرة. القبائل هي منظمة بين العائلات (بما في ذلك العشائر والأنساب) ، والتي تولد أساسًا اجتماعيًا وأيديولوجيًا للتضامن يكون محدودًا بشكل ما أكثر من “المجموعة العرقية” أو “الأمة”. وقد تحدى البحث الأنثروبولوجي والعرقي جميع هذه المفاهيم ،  كما  يقول  مورتن  فرايد  وبول  جيمس  وجريجوري  ناكي  وغيرهم [3]  .

ثانيا :  يقول أدونيس : ” لم تتوقف الحرب  العربية  العربية  ابدا  .. في  تاريخنا  كله ”

هكذا  ،بالمطلق  يا  ادونيس  في تاريخنا  كلّه ؟  أية  حروب  عربية  عربية  تقصد  ؟  كذلك  تفقد  السيطرة  على  نفسك ، وانت  في غمرة  عاطفتك المشبوبة المضادة للعرب  لتوزع  عليهم  أحكامك  التي   لا  وزن  لها  ، كونها  لا تستند  الى  حقائق  تاريخية ولا الى اية  حيثيات موضوعية !  ولماذا  الحروب  الاهلية  العربية  ، وكأنها  من طبائع  تاريخنا  وحده  دون  المقارنة مع تواريخ  أمم  اخرى  شهدت  هي الاخرى  صراعات  دموية  وحروباً اهلية  ، بل  وشهدت  أقسى  الاحداث  بدءا  بنزاعات  قبلية ، وصراعات دينية ، وانتهاء  بحروب اهلية  ..  السؤال المهم الذي  يفرض  نفسه  على  شخص  مثل ادونيس  عاش  مغيباً  تماماً  عن  تاريخ  العرب  بتحقيباته  الكلاسيكية  والوسيطة  والحديثة  يتمثل  بـ :  لماذا  هذا  التأكيد على  المثالب والسلبيات  ، وكأن العرب  لم  يتعايشوا ،  ولم  يتحالفوا مع بعضهم الاخر  ،  ولم  يتوّحدوا  يوما  أبداً لا  بين  انفسهم  ولا  بينهم  وبين الاخرين ؟  وكأنهم  لم  يكونوا  يداً  واحدة  في  قلب  الازمات الحادة  والتحديات الصعبة ؟  وان  كانت  ثمة  صراعات سياسية وانشقاقات ايديولوجية  ، فلماذا  تنسى  الانسجام  الاجتماعي  والتماسك الثقافي  الذي  حكم  المدن العربية  بكل أطيافها  الدينية والقومية على  امتداد اكثر من الف سنة ؟  تمنيت ان تقرأ  وتتأمل  قليلاً  كتب  المؤرخ المستشرق الفرنسي اندريه ريموند André Raymond في الذي  كتبه عن المدن العربية  على  امتداد العصور الحديثة [4] . وكيف  توهجت الحياة  فيها  ، وكيف  عاش الناس  فيها مقارنة  بمدن  اوروبا  ابان العصور الوسطى  ؟  وقارن  صراعات  العرب السياسية  بصراعات  الاخرين  وغيرهم من الامم  ، ستجد  ما عاناه  الجرمان  والوندال والفرنجة والساكسون والرومان والبيزنطيين  والساسانيين  وغيرهم  من  الصراعات الداخلية  ابان العصور  الوسطى  الاولى  والوسيطة والمتأخرة  ؟ وستجد  بما لا يقبل  مجالا  للشك  انك  تقوم  بتشويه  تاريخنا  عن  قصد  ، وان  حجم الانحرافات في ارائك  كبير  جدا  ، لم  يقم  به  حتى الاعداء .

ثالثا :  يقول :  ” لم نستطع  أن  نبني  مجتمعا  مدنيا واحدا  على  مدى  14  قرنا ” .

ما تعريفك  للمجتمع  المدني  يا ادونيس  ؟  هذا  مصطلح  جديد  ولد  في  القرن العشرين ، فما  علاقته  بما مضى  لـ   14  من القرون ؟   المجتمع المدني هو “مجموع المنظمات والمؤسسات غير الحكومية التي تظهر مصالح المواطنين وإرادتهم”. يشمل المجتمع المدني الأسرة والمجال الخاص ، ويشار إلى “القطاع الثالث” في المجتمع ، المتميز عن الحكومة والأعمال. من قبل مؤلفين آخرين ، يستخدم “المجتمع المدني” بمعنى 1) مجموع المنظمات والمؤسسات غير الحكومية التي تعبر عن مصالح وإرادة المواطنين أو 2) الأفراد والمنظمات في مجتمع مستقل عن الحكومة.  في بعض الأحيان يتم استخدام مصطلح المجتمع المدني بمعنى أكثر عمومية “عناصر مثل حرية التعبير ، والقضاء المستقل [5]، وما إلى ذلك ، التي تشكل مجتمعا ديمقراطيا” (Collins English Dictionary ) لا سيما في المناقشات بين المفكرين في أوروبا الشرقية والوسطى ، ينظر المجتمع المدني أيضا كمفهوم للقيم المدنية. أحد الممثلين المعروفين على نطاق واسع لهذا المفهوم هو المنشق البولندي السابق آدم ميتشنيك  [6].

شهدت العصور الوسطى تغييرات كبيرة في المواضيع التي ناقشها الفلاسفة السياسيون. بسبب الترتيبات السياسية الفريدة للإقطاع ، ولقد اختفى مفهوم المجتمع المدني الكلاسيكي عمليا من النقاش السائد. بدلاً من ذلك ، سيطر الحديث عن مشاكل الحرب العادلة ، وهو انشغال قد يستمر حتى نهاية عصر النهضة.   ومجيئ  توماس  هوبس   وجون  لوك  وجان جاك روسو  وصولا  الى  امانوئيل  كانت  وهيغل  وماركس  وانتهاء  بدولة  (الولفير = دولة الرفاهية )  .  وأسألك  :  ماذا  فعلت  القوانين  ، واين كان  المجتمع المدني  ابان القرن العشرين  عندما  اندلعت  اقسى  حربين  عالميتين في التاريخ  ، وذبح الملايين  من البشر  في قلب اوروبا  ؟

رابعا :  يقول أدونيس  ” بقيت  مجتمعاتنا  تراكمات قبلية وانتماءات  طائفية  .. والتوفيق والتلفيق  بين جماعات  مختلفة جذريا  بعضها  عن  بعض  ” .

لا  ليست كل مجتمعاتنا  لها  ما  وصفت ، اذ  يزداد  ذلك  التنوع من التناقضات في  كلّ  من  سوريا  والعراق  ، واذا  كانت التراكمات القبلية  تنتشر  في  بعض اجزاء الجزيرة العربية  ، فان الانتماءات الطائفية  تتفاقم  في  كل من  لبنان وسوريا والعراق  نظرا  لازدحام الطوائف  الدينية  والمذهبية  والباطنية  فيها  منذ العصور الوسطى وما  عاشته مجتمعاتنا  من مشكلات وتناقضات  ، وهي  فعلا  جماعات  مختلف  بعضها عن الاخر   في بحر  من  الاغلبيات  ..   لقد  عشت  سنوات  من حياتي  في  بلدان عربية  عديدة  سواء  في المشرق  ام  المغرب العربيين  ، فلم  اشهد اية  تراكمات  قبلية ،  او انتماءات طائفية  في  مصر  او  تونس  او  المغرب  او الجزائر  .. ولكن  تحولت  مجتمعاتنا  في ثقافاتها من  مجتمعات مدينية الى  مجتمعات  مختلطة  تطغى  على  بعضها الثقافات الريفية والشعبوية المتخلفة  ..  وحتى  مجتمعاتنا  العربية  لم  تعرف  الانتماءات الطائفية  الا  في  الاربعين  سنة  الاخيرة  وبالذات بعد متغيرات العام 1979 [7] ، اذ  كانت النزعات الوطنية  هي المسيطرة في مجتمعات اغلب  بلداننا  العربية  ، وكانت  مجتمعات  الجزيرة العربية  تسودها المشيخات القبلية ، والتي  تحولت  اليوم الى  كيانات  سياسية مشيخية  تتركز  عند  السواحل  كون الدواخل  اكثرها  لا  يصلح  لنمو  المجتمعات  نظرا  لطبيعتها الصحراوية .

خامسا : يقول ادونيس  ” ثقافة  التسامح  ثقافة قروسطية  .. الغزو والفتوحات والتسامح  عنصري  والمساواة اقرار  في مجتمع  يحكمه القانون ” .

ليس  هناك  ثقافة  تسامح  بل  هناك نزعة  مسامحة تستخدم اجتماعيا من اجل ترسيخ  ثقافة  تعايش ، والفرق  بين  اللفظين  كبير  جدا  ، وحتى  ان  غلبت  في  بعض  مجتمعاتنا  كلمة  “التسامح ” ،  فهو  يعبر  عن  واقع  مجتمع  متسامح  ، ولولا  ذاك  لما  تعايش  الناس  في  المدن  والارياف في قسمات اوطاننا مع  بعضهم الاخر  باستثناء  من  يريد  العزلة  او  فرض العزلة  على نفسه  ، فكل اليهود  الشرقيين  في مجتمعاتنا  عاشوا  في  بعض مدننا  واريافنا  ، ولكن  في  محلات او حواري  خاصة  بهم  على  غرار  ما  عاشوا  عليه في اوربا  متمثلا  ذلك  في  ” غيتات ( مجموع : غيت ) ” او  كما  يطلق  عليها  بـ  Shtetl  ، اذ  كانت  لهم  غيتاتهم  المنفصلة [8] .. وعاش  اليزيدية  لوحدهم  في شمال العراق  منعزلين ومتسامحين عن  المجتمعات المتنوعة ، بالرغم من  مشكلاتهم  الداخلية  في ما بينهم وخصوصاً  في  الجبال اتقاء  التصادم   ، اسوة  بالعلويين  النصيرية  في سوريا وجنوبي  تركيا ، اذ  بقوا  مئات السنين  قد فرضوا على انفسهم  العزلة  في جبلة  وضواحيها  جنوب اللاذقية مثلا  وانت  منهم  يا ادونيس  ، وهم  يخفون  كل  شيئ  يخصهم عن العالم، ولكنهم  خرجوا الى  الحياة ، وانخرطوا  في  الحياة  السياسية والاجتماعية  من دون ان  تسحقهم الغزوات والفتوحات  .. والتاريخ لا  يحدثنا ابدا  عن  غزوات قام  بها  اهل الشام واهل حلب  انفسهم  ضد  النصيرية  العلويين  أو  غيرهم  ، الا  ان  كانت  هناك  قوى  اجنبية  مهيمنة  على الاوطان ، ويكتشف  المجتمع  من  يتواطئ  معها  ، او  اكتشف الناس  طوابير  خامسة  كي  تتحالف مع الاعداء  ضدّ  اهلها  عبر  التاريخ !

وعليه ، فكيف  يمكن  اعتبار  التسامح  ثقافة قروسطية ؟  وكيف يكون  التسامح  عنصري ؟  واذا  كان القانون  رديف  الدولة  الحديثة  ،  فهل  خليت  تواريخنا  من  تجارب  مساواة  وعدل يا ادونيس ؟  ما  ركائز  الاخلاقيات العربية  التي  عبّر  عنها  بـ  ” مكارم الاخلاق ”  ؟ وما  منظومة  القيم  العربية  التي  عاشت  عليها  مجتمعاتنا  ازمنة  طوالاً ؟   لماذا  تغيّب  عن  قصد  يا  ادونيس  كلّ الايجابيات  كالاباء  والغيرة  والعفة  واغاثة الملهوف  والكرم  والنخوة  والمروءة  وغيرها  من  النزعات السايكلوجية الرائعة التي  لا  تجدها  لدى  تواريخ  مجتمعات أمم  اخرى  ؟؟  اذا  غابت  مثل  هذه النزعات اليوم نتيجة  سوء  انظمة  الحكم وانعكاساتها على  الانظمة الاجتماعية العربية  مع سياسات تربوياتها الفاسدة  في مثل هذه الازمنة  ، فهل  معنى  ذلك  ان  مجتمعاتنا  لم  تعرف  روح الانفتاح  ..  ؟  كيف  عاملت  مجتمعاتنا  كل الذين  نزحوا  اليها ، واستوطنوا  بلداننا  مثل  الاتراك  واليونان والفرس والطليان والارمن  والبلوش  والجركس  والشيشان وحتى بقايا  الصليبيين والتتار  والهنود وغيرهم ؟

سادسا :     يقول ادونيس  : ” الثورة  اتسخت  اذ يقوم  بها  متطرفون متفسخون اكثر  من المسؤولين”

انت  تدرك  جيدا يا  ادونيس ان  الثورات  يقوم  بها الاحرار  .. وان  الثورات العربية  التي  انفجرت  نهاية 2010  كانت في  بدايات  الامر  سلمية  ومدنية  لاناس  اغلبهم من الشباب التائه ،  او  الجائع ، او  العاطل .. طالبوا  بتحسين  أحوالهم المعيشية واصلاح  انظمتهم السياسية والاقتصادية  والقضاء  على  الفساد ، ولكنها  ثورات  استلبت  من قبل  جماعات  وانظمة سياسية دينية  وطائفية  ، واصبحت  سلعة  تباع  وتشرى  من  قبل  سلطات  ودول حاكمة  عربية  وغير  عربية ، اقليمية  وأجنبية .. في  زمن  يتصارع  فيها  الاسلام  السياسي  مع  بعضه  بعضاً  .. وكانت مجتمعاتنا  ضحايا  ذلك  الصراع  .. ابحث  عن  المتطرفين  المتفسخين  ستجدهم  في  كل  مكان ، وعند  كلّ  ملّة  ولدى  كلّ  نظام  سياسي  جائر  ..  وكنت آمل  ان  تكون  اكبر  من  ذلك  في  توصيف  الثورات  وقبرها  من  قبل  كلّ الاطراف  المشاركة والممولة والاجنبية  والداخلية والخارجية   .

سابعا: يقول أدونيس ” نحن الان  في  مرحلة انقراض  نحن  بحيرة  تجف  مليئة  بالاسماك الذي ياكل  بعضه  بعضا

من  يكون  هذا  ” النحن ”  ؟  يا  ادونيس  تصورت  انك  اكبر  عقلاّ وارجح  فهماّ  من  طرح هذا  التوصيف في الانقراض  ..  من  يكون  في مرحلة  الانقراض  ؟  ومن  قصدت  بوصفك  نحن  بحيرة  تجفّ  ..  ؟؟  وعندما  تجفّ البحيرة  ستجد  كلّ الاسماك  ميتة  ..  ولكن  البحيرة  لن  تجف  ابداً  ..  مرت  مجتمعاتنا ( العربية  بالذات )  بتواريخ  صعبة  جداً  وجابهت  تحدّيات  كبرى  استجابت  لها في ازمنة  متعددة  ، ولم  تستسلم  ابداً  ..  مجتمعات  عربية  واجهت الاغريق والحيثيين  والرومان  والساسانيين والوندال  والبرابرة والقوط  والمغول من قبل  جنكيزخان  وهولاكو  ، وتتار  تيمورلنك  ، والصليبيين لمئات السنين ، ثم  المستعمرين  الاوربيين  المتنوعين  من  هولنديين  وبرتغاليين  وفرنسيين  وبريطانيين  وطليان  واسبان  وغيرهم ناهيكم  عن  تأسيس  كيان اسرائيل  في  قلب  فلسطين  وصولاً  الى  الامريكان والروس  دون ان  تنقرض  مجتمعاتنا  ..  انها  مجتمعات  حية  تمرّ  اليوم  في  ازمنة  صعبة ، وتتلبسها  انقسامات  دينية  ومذهبية  وطائفية وهي بحاجة الى علاجات  وخطط  واصلاحات  ..  وتتعرّض  بعض  مدننا  للانسحاقات  المدمّرة  من قبل  انظمة سياسية  جائرة  ، ولكنها  لن  تموت  ابداً  ولن  تنقرض  . ربما  ستنقرض  بعض الاقليات  السكانية  في سوريا  والعراق  مثلا  بسبب  الابادة  المنظمة  والهجرة  والنزوح ،  ولكن  سترجع الحياة  يوماً  ..  ويقول  الحكماء  : ”  الحياة تستمر طالما هي مستمرة انفعالاتنا، وبدونها تصبح الحياة غبارًا فحسب ”  .

ثامنا  : يقول ادونيس  :  ”  الخروج من هذا السياق التاريخي  القطيعة  مع الماضي ، والخروج الى القانون  لا القبيلة ولا الدين  ولا  الطائفة ولا العشيرة ..  ”  .

لقد  فضّ  ادونيس  المشكلة  التاريخية  بعدد من الكلمات  مقترحاً  الخروج من هذا  السياق  التاريخي مستخدماً  القطيعة  مع الماضي، ولا ادري هل  قرأ  مفهوم  القطيعة الايبستمولوجية  لدى  المفكرين والنقاد  الفرنسيين  ،  ام  لا  ؟  لقد  ادرك  معناها  كلّ من  الاساتذة  عبد الله  العروي  ومحمد عابد الجابري  ومحمد اركون  بتأثرهم  من دون  استخدام  المطلقات  في  توظيف “القطيعة ” ،  بل  فهم  الماضي  بأشكال  نسبية ،  وليدرك  ادونيس  ومن هم على  شاكلته وما اكثرهم اليوم  ، بأنّ  مجتمعات  الدنيا  كلها  لم  تخرج من سياقاتها  التاريخية  ، بل  نجحت  في  تجديد  أساليبها في الحياة  ، وليس  هناك  أيّة  أمة  من الامم  تتنكر  لماضيها  ، فكلّها تعتز  بتواريخها ، وهي  تتعلم منها  ، وهي  تميّز  بين  ايجابيات  التاريخ  وسلبياته  ..  تواريخنا  يا  ادونيس  ليست  بهذا السوء  الذي  تتحدّث  به  بعصبية  نابعة  من كراهيتك  لها ، كما  يبدو  ذلك  من  حديثك المتحامل ، وهي  صفة  لا  يتمتع بها العلماء   ..

لقد  وقف  المئات  من  المؤرخين  والمستشرقين  وقفات  علمية  رائعة  ازاء  تواريخنا  العربية  والاسلامية،  ووصفوا  صفحات  منها  بالمجد  والعظمة والخلود ، ويكفي  ان  ازدهار  حضارتنا في التاريخ الوسيط ،  والتي  اشترك  فيها الجميع ، وساهمت  في صناعتها  كلّ  الاديان وكل الاعراق ، وكل الملل اذ  استخدم  الجميع في بيئاتنا الثقافة  العربية ، وأغنيت المعرفة  بالمزيد من المنجزات العظمى.. كانت هي حلقة  الوصل  بين الحضارات  القديمة  والحضارة  المعاصرة  ، فلن  تنشأ النهضة  الاوربية  الحديثة الا  من خلال  المدارس  العلمية  العربية  الاسلامية ، واشير  عليك  بقراءة  ما  كتبه  ونشره  غوستاف لوبون[9] وجورج سارتون [10]وارنولد توينبي[11] وزيغريد  هونكة[12] وهاملتون كيب[13] ورينولد نيكلسون [14]وروبرت منتران [15] واندريه ميكال [16]وجاك  بيرك [17]  وكليفورد بوزوورث[18] وغيرهم   .

تاسعا  يقول أدونيس : ”  الاسلام  رسالة  ماتت  مع  محمد  واصبحت  ايديولوجية ..  وتحويل الاسلام  الى  سلاح  والى ايديولوجية ..  اربعة خلقاء  مؤسسين  ماتوا  قتلا  ويجب ان نتذكر  ماذا حدث  للامويين  وماذا فعلوا  ،  وماذا حدث للعباسيين  وماذا فعلوا  .. ”  ..

اي  اسلام  تقصد  يا  ادونيس  ؟  اي اسلام  تريد  ؟  اذا  كان الاسلام السياسي والمذهبي والطائفي  المعاصر  قد  انتهك  حياتنا العربية  ومزّق  شمل  مجتمعاتنا العربية  والاسلامية  ، فان  ديانة الاسلام لم  تنزل  لاغراض سياسية ، بل عقيدية أسوة بالديانات الاخرى  ، ولم  تعرف  تلك الديانة عند ولادتها المذاهب  والطوائف  والملل والفرق  عند  مجيئها  ،  كما  لم  يعرف  السيد المسيح  وحواريه  الانقسامات بين الاريوسيين  والاثنوسيين التي  حدثت لاحقا  ، ولم  تعرف  المسيحية الاولى  الصراعات الدموية  التي  عاشتها  الديانة  المسيحية وخصوصا  بين الكاثوليكية  والارثودكسية ابان العصور  الوسطى .. مع  بقاء  الهراطقة والمذابح الدينية  . كم  كنت  اظنك يا ادونيس ، أنك  قارئ  جيد  للتاريخ  ، ولكن  خاب  ظني  فيك ،   فما علاقة  الاسلام  كدين  وعقيدة  في  بداياته  بمصرع  الخلفاء  الاربعة  المؤسسين وتباين  سياساتهم  في الدولة الناشئة ؟  وهذا  ينسحب  على  الامويين ( في  الشام والاندلس معا )  والعباسيين  في بغداد ، مع  حكم  استمر  لاكثر من ستمائة  سنة  ، وينبغي ان تدرك ان  ليس  هناك  حكومات  مثالية وامبراطوريات ملائكية  ابان العصور الوسطى  ، ولكن  ما كانت  للعرب ان تقوم قائمة  لولا  انجازاتهم التاريخية ،  وسواء  اعتبرتها  سلبية كارثية  واعتبرها  غيرك  ايجابية وحضارية  ، فينبغي عليك  ان  تميز  وتفرّق بين  التاريخين السياسي  والحضاري  لأية  أمة  ، وما  حصيلة  تلك المنجزات الكبرى  وتأثيرها في تاريخ العالم  ..  واذا  كانت  الغزوات  والفتوحات  التي  تصفها  بالدموية  قد  اوصلت العرب الى  اسبانيا  وفرنسا غربا  ، فان  التجارة  والرحلة  والمعرفة والقيم الاخلاقية  قد  اوصلت العرب مع رسالة  الاسلام الى  اعماق آسيا الوسطى  وجنوب شرق آسيا  ..  واذا كان الامويون قد حكموا  دمشق  91  سنة  ، فان  الامويين  في الاندلس  حكموا لاكثر من 275 سنة ، وحكم العباسيون لأكثر من 500 سنة  ، وشهد  العالم عصرذاك تطورا  عظيما  في  المعرفة  الجغرافية والبلدانية والفلك  والارصاد  والرياضيات  والطب والجراحة  والعمارة  والكيمياء  وعلم  الجبر   والاداب  والفنون والموسيقى  من خلال الثقافة  العربية  القديمة  ناهيك عن  علوم اللغة  وغيرها .. واعلم  ان  لولا  ذلك التاريخ  الحضاري  المتّصف  بانفتاحه وانسجامه  ومرونته  لانقرضت العربية  كما  انقرضت رصيفاتها  الاخرى .

وبالرغم  من  تموجات التاريخ السياسي  لدى  العرب والمسلمين ومثالب  بعض  عهوده  ، فقد  انجب  العديد  من الرجال العظماء من  العمالقة البناة المسلمين الذين  صادفوا  امامهم  تحديات  قاهرة  ، ومؤامرات  بشعة ،  وتحالفات  صعبة  واتهموا  باشنع التهم  .  ويكفي  ان  اذكرك  ان ابا  جعفر المنصور  بني  بغداد  التي  غدت قبلة العالم  الوسيط  ، وان المستنصر بالله بني  الجامعة  المستنصرية ، وان  عبد الرحمن الناصر  بنى  قرطبة العظيمة  ،  وان القاهرة المدينة الرائعة  والازهر  الشريف اقترنا باسم  المعز  الفاطمي ..  وغيرهم  مقارنة  بالغزاة  الذين  دمروا  كياناتنا ، ومزقوا  مجتمعاتنا ، وفرقوا  شملنا ،  فلا  احد  ينسى ما الذي  فعله  هولاكو  ببغداد  ، وما الذي فعله  تيمورلنك  عندما  احرق  دمشق  كلها بعد تدميره مدنا اخرى  ،  وما الذي  فعله  الصليبيون من اجرام  ليس  ضد المسلمين حسب ، بل حرب الكاثوليك اللاتين  ضد السيكولاريين الشرقيين كالارثودكس  والاقباط وغيرهم من الذين اسموهم بالهراطقة ..

واعود  لاذكرك يا ادونيس  بأن الاسلام  لم  يمت  كرسالة مع  محمد – كما  تقول –  ، اذ  بقي  ” رسالة ” قابلة  لأن تكون  رسالة انسانية  وحضارية  للبشر كلهم في الدنيا  ، او ان تكون رسالة  سياسية او ايديولوجية لفئة  محدودة من الناس عاشوا وماتوا من اجل السلطة  . واعتقد ان ليس  هناك  في الاسلام  بحد  ذاته  كديانة اية  مشكلة  بقدر  ما  تتواجد  المشكلة  لدى  المتطرفين المتعصبين الاصوليين باتجاهه او  بالاتجاه  المضاد له  من الاعداء المتعصبين  اللائكيين المنحرفين ضده  .

عاشرا   : يقول أدونيس  ”  وكيف اتت الدولة العثمانية ؟  400 سنة  حكمت العالم العربي  ..  400 سنة كان العرب  صحراء  .. دولة  لا  قيمة  لها  على الاطلاق  ابدا ,  ما لها  قيمة !  مين تركيا  ؟ مين الدولة العثمانية ؟  دولة لا تعرف الا  العنف  والارهاب  والقتل  .. ”  .

لا  يا  ادونيس  ، ما عهدتك  بهذه  المستوى من فقر  المعرفة  ، وانت تطلق الاحكام  التاريخية  التي  يخشى  كبار  المؤرخين  من اطلاقها ، او  يتنازلون عن عشر  معشار  نحو  هذا المستنقع ، ويصعب عليهم ان  يكونوا بمثل هذا المستوى الضحل  من التفكير  ..  كنت اتمنى  عليك  ان  تقرأ  تاريخ الدول  المقارن  ، وتقف  قليلا  عند  تاريخ  هذه الدولة  التي  وصفتها بأن لا قيمة  لها  لتجد  نفسك  من الضآلة والاستخفاف  . وكم اتمنى  ان  يقرأ  المرء  قبل  ان  يطلق  مثل هذه الاحكام  لعشرات  او مئات المؤرخين  القدماء  والمحدثين  . انني اتأمل فقط كم  صرف  العشرات والمئات  من المؤرخين والباحثين والمستشرقين ازمانهم وجهودهم واتعابهم واسفارهم وهم من  بلدان عدة في العالم  لدراسة  تواريخ  ومواريث  هذه الدولة  العثمانية ( التي وصفها  ادونيس  بان لا  قيمة لها )   ..

وكم هي  الموضوعية  مهمة  في  درس التاريخ  ، وكم  هي النسبية  مطلوبة  في تقويم  الاحداث  والدول والمجتمعات .. من التفاهة  ان  يأتي  احدهم  وهو  لا  يعرف  شيئا  عن  بنية  تاريخية قديمة دامت  اكثر  من  ستة  قرون  ليقول  بأنها  لا قيمة  لها  ..  لست مدافعا  عن  تاريخ هذه الدولة  او  تلك ، ولكن  لا  يمكنني قبول  مثل  هذه  التهريجات الاعلامية المقصودة التي  تزيّف الحقائق التاريخية ، وتوهم الناس  بالمثاليات والمخيالات المثيرة  للاحقاد ..  ربما  كانت  الدولة  العثمانية  لا  تعرف الا  العنف  والارهاب  والقتل ، ولكن  اسألك  هل  كانت   كل  الدول الكبرى  في التاريخ مسالمة وقانونية  ومثالية وانسانية  في سياساتها ؟؟   ، ان الدولة العثمانية  عرفت  كيف  تدافع  عن  الارض  والوجود  ازاء  الامتدادات الصليبية في البحار   .. صحيح انها  سحقت  البيزنطيين ، وهيمنت على  الكنيسة الشرقية  في القسطنطينية عام 1453 ،  ولكن الكنيسة  الغربية  في روما بقيت  تتفّرج على  مأساة  الارثودكس وهي  تشمت بها  !  وكانت للدولة  العثمانية  نظمها  وقوانينها  وقدرتها ومؤسساتها  في حماية  الشرق الاوسط  كله  من  توغل  البرتغاليين  والهولنديين  في البحار  الشرقية  ..  لم  يكن  لا  العرب  ولا  الارمن  ولا  الكرد  ولا  القبط  ولا  الامازيغ  ولا  غيرهم  في  صحراء يا ادونيس  ..  كانت  للمدن العربية  وغير العربية حياتها الاقتصادية وتقاليدها الاجتماعية  ونظمها التعليمية  وثقافتها  العربية  ومدارسها  ،  واذا  كانت  مجتمعاتنا  العربية  قد  غرقت  بالطرق الصوفية  والتقاليد البالية  ،  فلم  تكن  بقية  المجتمعات الشرقية  بأحسن  حالا  منها ،  وكم  تمنيت  على  ادونيس  واضرابه  قراءة  طبيعة الحكومات المحلية  التي  نشأت  ابان القرن الثامن عشر  ، وليقف  على  اوضاع دمشق  عصرذاك – مثلا –   ليرى  حجم  ما  كان  فيها  من تطورات اقتصادية  .. ومن قبلها  مدن  فلسطين الساحلية المتطورة  ابان القرن السابع عشر  ،  وما  شهدته  مصر  من تطورات كبرى ابان التاسع  عشر  ..  قد  نخالف  سياسات  محلية  اتبعت  من قبل العثمانيين  ازاء  المتمردين  في  العراق  او بلاد الشام  او  اليمن  ،  مع استخدام  القسوة وسوء الادارة  ولكن  ما  ينفعنا  هو  المحصلة  التاريخية  ..  وعلى  ادونيس  واضرابه ان  يفصل  بين  الاوضاع التي  كانت  سائدة  قبل  1909 ، والحالة  التي  فرضتها سياسة الاتحاديين  ليس على  العرب  وحدهم  بل  على  الاغريق  والبلغار  والارمن  وغيرهم  مما  قاد الى  الثورات  والانفصال  .  قرن كامل  مضى  وقد  تربى  المجتمع العربي على  اوهام  وشعارات ومثاليات كالتي  يرفعها أدونيس ، حتى  قّيض للعرب  العديد من المؤرخين العرب  الموضوعيين  الذين  تعبوا  من اجل  كشف  حقائق  تاريخية ، وفهموا  الحقبة  العثمانية فهما  علميا  انت  من ابعد الناس  عن  فهمها  او  حتى  الاقتناع بها  ، لأنك  تربيت  على  اسس خاطئة  .  واليوم  اسألك  عن  مجتمعاتنا  العربية  وقد  تحررت من الهيمنة العثمانية  منذ  اكثر من مائة  سنة ..  كيف  تصفها  وقد  نالت استقلالاتها  واستعادت كرامتها  ؟  هل  ان  الطغاة  والمستبدين العرب الذين  استباحوا  مجتمعاتنا  ، وسحقوا  مدننا ، واهلكوا الحرث والنسل بعد ان فسدوا في الارض ..  كانوا  من نسل آل عثمان ؟

استخلاص  توصيات

واخيرا ، اود ان  أنبه  ادونيس الى  بعض  الملاحظات  التاريخية  التي  ينبغي  التفكير  فيها  طويلا  قبل ان  يقحم  نفسه  في  مجال  يفتقر  فيه الى  الخبرة  والمعرفة :

1/  لا  يمكنك  ابدا  ان توغل  في  تصوير  تاريخنا بهذه البشاعة  كونك  فاقد الانتماء  اليه  ، وتسعى  الى  ان  يفقد  كل الآخرين  انتماءهم اليه  ،  فمن لا  تاريخ له  لا جلد  له  ، اذ لا يمكنه ابدا  ان  يستعير  جلد غيره  ليتلبسه  . وانا  ادري ان  هناك  من يصفق  لك  كونك  تشبع  ما  يريده  ، ولكن  مشاكستك غير  معرفية ، وهي لا  تنفع  المعرفة  ، وهي تسئ  لك  ولا  تنفعك  ابدا .

2/  اتمنى  عليك ان لا تعمم فهمك الخاطئ للقطيعة  التاريخية او المعرفية  لتجعلها  قطيعة مع الماضي ، او كراهية  للتاريخ  ، فلم  يقل  ذلك  غيرك  من الذين نادوا  بالقطيعة  ، اذ  انهم  آمنوا  بأن  لا معرفة ايبستمولوجية  للامور  الا  من خلال  فهمها  وادراك  قيمتها  في  ازمنتها نفسها  ، واسلوب القطيعة  المعرفية عنها ، وراجع غاستون باشلار   Gaston Bachelard  في ذلك[19] .

3/  لا  يمكنك  ابدا  ان  تقف  عند  المثالب  والسلبيات  التي  حدثت  في تاريخنا السياسي  لتعممها  على  كل التاريخ السياسي  الذي  شهد  تطورات  واسعة  في  عهود  ومراحل تاريخية  متنوعة في التشريعات  والنظم  والقوانين والشرائع   على ايدي  خلفاء  وزعماء  وسلاطين  ، وما  حدث من تطورات  في المدن  والزراعة  والري  والمدارس  والجامعات  والعلوم والمكتبات  والنظم الزراعية  والاصناف  الصناعية  الحرفية  والتجارة  .. الخ  هو  كثير  جدا

4/  ونسيت او تناسيت يا ادونيس  ما  فعله  الاخرون  بمنطقتنا  من خلال  حروبهم وغزواتهم  لماذا  لاتذكرها ابدا ؟  ماذا  فعل الصليبيون بمنطقتنا ؟  ومن تحالف معهم ؟  ماذا  فعل  المغول  والتتار  بمدننا  ومجتمعاتنا  ومدارسنا ؟ ومن  تعاون معهم  ؟   ماذا  فعل فرسان القديس  يوحنا  بشواطئنا  العربية ، ومن  خان  وطنه  وتجسس على اهله  ؟  ماذا  فعل  الاسبان  الكاثوليك  باهل الاندلس عربا  ويهودا  وامازيغا ومحاكم التفتيش خير  دليل  على  بشاعة تاريخهم  ؟  ماذا فعل البرتغاليون  في  بحارنا  العربية ؟  ماذا  فعل  الفرنسيون والبريطانيون  باوطاننا التي  قسمّوها ؟  ماذا  فعل الصهاينة  باهلنا في فلسطين  على  امتداد القرن العشرين ؟  وماذا  فعل الاميركان والروس عند  فاتحة  القرن الحادي والعشرين  بمنطقتنا العربية  اليوم ؟

5/ كن منصفا  با ادونيس  ، واعلم  ان  الانسان  يبقى  يتعّلم  كلما  مر  به الزمن ، واحنت  ظهره   كل السنين  ، وان  تدرك  ان  المؤرخ  لا  يمكنه  ان  يكون  الا  مع  الموضوعية  حتى  وان  كانت له مواقف  ايديولوجية   او طائفية  او  مذهبية  من تواريخ  معينة  .. وان  يكون منهجيا  بحيث  يدرك ان  التاريخ  ليس  مجرد وجهات  نظر  ، بل  هو  معلومات لا تقبل  التزييف  او  التشويه جراء  ايديولوجيات خفية  وباطنية  قد  يحملها  البعض في اعماقه   .

6/  ان التعصب  للشيئ  هو  نفسه  مقايسة  ان كان ضد  الشيئ  ، فان  كان  هناك  متعصب  لدين  معين  ويغالي  في  التطرف والتعصب الاعمى له  فهو  مثل  اي  متعصب  ضد  ذلك الدين  ويغالي  في  مقته له  وكراهيته له  .  وهكذا  بالنسبة  لمن  يتعصب  لتاريخ  دولة  معينة  او  لبطل  معين  في التاريخ او  عقيدة  او  مذهب  فهو  يساوي  كل من  يغالي  في  الضد  من  كل  ذلك  . وعليه  ادعوك  ان تكون متسامحا  مع  نفسك  اولا  ، وتبعد  نفسك  عن الغلو والتعصب  ثانيا  ،  وان  تكون  موضوعيا  ومتوازنا  في تقديرك  الامور ثالثا ..  وان  تكون هادئا  وتمتلك  نسبية  في التقدير  ، وان تخفف من  اطلاق  الاحكام الارتجالية  رابعا ..  وان  تكون  واقعيا  بعيدا عن  اللائكية  والتعصب  للاضداد  خامسا  ، وان  تعيش  في  زمنك  دون ان  تسقط  افكارك  وارائك  وبعض المفاهيم الحديثة  على  الماضي  ،  وان  تعيش  التاريخ  لا  ان تسحبه  اليك  كي  تدينه  على  هواك  سادسا .

 تنشر  على  موقع الدكتور سيار  الجميل 

http://sayyaraljamil.com/

ونشر  النص  بلا هوامش  في  صحيفة  قريش  /  لندن  يوم 10 /4/ 2018

الهوامش والملاحظات

[1]  حوار  ادونيس    على الرابط التالي :

[2]   انظر  :

Wittfogel، Karl ، Oriental Despotism; A Comparative Dtudy of Total Power، ) Yale University Press, 1957), pp. 56-9.

[3] حول هذا ” الموضوع  ”  ،  راجع  المراجع التالية  :

Fried, Morton H. The Notion of Tribe. Cummings Publishing Company, 1975.

Helm, June, ed., 1968. Essays on the Problem of Tribe, Proceedings, American Ethnological Society, 1967 (Seattle: University of Washington Press).

James, Paul (2006). Globalism, Nationalism, Tribalism: Bringing Theory Back In. London: Sage Publications.

James, Paul (2001). “Relating Global Tensions: Modern Tribalism and Postmodern Nationalism”. Communal/Plural. 9 (1).

Nagy, Gregory, Greek Mythology and Poetics, Cornell University Press, 1990. In chapter 12, beginning on p. 276, Professor Nagy explores the meaning of the word origin and social context of a tribe in ancient Greece and beyond.

Sutton, Imre, Indian Land Tenure: Bibliographical Essays and a Guide to the Literature (NY: Clearwater, 1975): tribe—pp. 101–02, 180–2, 186–7, 191–3.

Renfrew, Colin, and Paul G. Bahn. Archaeology: Theories, Methods and Practice. New York: Thames and Hudson, 2008.

[4]André Raymond,    The great cities in the sixteenth to eighteenth centuries: An introduction. New York University Press, 1984.  See also,  André Raymond,  Arab cities in the Ottoman period: Cairo, Syria and the Maghreb. Ashgate Variorum, 2002.

[5]Alagappa, Muthiah. Civil Society and Political Change in Asia. Stanford: Stanford University Press, 2004.

Colletti, Lucio. ‘Introduction’, in Karl Marx, Early Writings, Pelican, 1975, pp. 7–56.

Edwards, Michael. Civil Society. Cambridge, England: Polity Press, 2004..

Draper, Hal. Karl Marx’s Theory of Revolution (Volume 1: State and Bureaucracy, Volume 2: The Politics of Social Classes). New York: Monthly Review Press, 1977 & 1986.

Ehrenberg, John. Civil Society: The Critical History of an Idea. New York: New York University Press, 1999.

Ginsborg, Paul. Italy and Its Discontents: Family, Civil Society, State (2003)

[6] “Civil Society”. Collins English Dictionary – Complete and Unabridged 11th Edition. Retrieved 2 August 2012 from CollinsDictionary.com website:

[7]   سيار الجميل  ،  تحولات الازمنة  :  رؤية  عربية  للتحقيب التاريخي ، ط1 (  بيروت :  المؤسسة  العربية  للدراسات والنشر ،  2017 ) ، ص 265.

[8] Petrovsky-Shtern, Yohanan . The Golden Age Shtetl: A New History of Jewish Life in East Europe. ( Princeton, NJ: Princeton University Press. 2014).   Cf. Shandler, Jeffrey (2014). Shtetl: A Vernacular Intellectual History.  (New Brunswick,  NJ: Rutgers University Press, 2014). .

[9]  راجع :  غوستاف  لوبون ، حضارة العرب  ، نقله الى  العربية  : عادل زعيتر  ( مصر : مطبعة  عيسى البابي الحلبي  ، 1969 ) .

[10] George Sarton , Introduction to the History of Science (I. From Homer to Omar Khayyam, 1927 — II. From Rabbi Ben Ezra to Roger Bacon, pt. 1-2, 1931. — III. Science and learning in the fourteenth-century, pt. 1–2, ( Baltimore: Williams & Wilkins, 1947-48).

[11] Toynbee, Arnold J. A Study of History abridged edition by D. C. Somervell, 2 vols, (  Oxford University Press  , 1947); pp. 356-9.

[12]    زيغريد هونكه ،  شمس العرب  تسطع على  الغرب  : اثر الحضارة العربية  في اوربه ، نقله عن الالمانية :  فاروق بيضون  وكمال دسوقي  ، راجعه  ووضع حواشيه :  مارون عيسى الخوري ، ط 8  ( بيروت : دار الجيل & دار الافاق الجديدة ،  1993) .

[13]  Hamilton Alexander Rosskeen Gibb,  Studies on the Civilization of Islam , ( Princeton U. Press. 1982) ,  See also  his book  in two vols, Islamic Society and the West with Harold Bowen (vol. 1 1950, vol. 2 1957).

[14] Reynold Alleyne Nicholson, A Literary History of the Arabs (C. Scribner’s sons, 1907).

[15]Robert Mantran,   L’Empire Ottoman du XVIe au XVIIIe siècle : administration, économie, société ) Londres : Variorum reprints , 1984).

[16] André Miquel, La géographie humaine du monde musulman jusqu’au milieu du 11e siècle, vol.3: ( Le milieu naturel., 1980).

[17] Jacques Berque, Mémoires des deux rives. Paris, Seuil, 1989

[18] Clifford Edmund Bosworth,  The Islamic Dynasties: A Chronological and Genealogical Manual (Edinburgh University Press, 1980).

[19] Dominique Lecourt, L’épistémologie historique de Gaston Bachelard (1969). (Vrin, Paris, 11e édition . augmentée, 2002 .

شاهد أيضاً

توليب .. زهرة الحب والجمال

يوم امس كنت ارتاد كالعادة ليك سايد بارك عند منتدى مدينة اوكفيل الكندية .. كان …

2 تعليقان

  1. الناصر دريد

    انا اتفق معكم دكتور بالكامل في رفض ظاهرتين تبرزان بوضوح في لقاء ادونيس ، الاولى وهي ظاهرة محاكمة احداث التاريخ بمقاييس العصر الحالية ، وهو اسلوب قاد الى ادانات مستمرة واحادية للاسف الشديد لتاريخنا لاسيما الفترة الاسلامية منه والظاهرة الثانية هي ظاهرة جلد الذات والمرتبطة بالظاهرة الاولى ، اذ اصبح فريق منّا مولعين بادانة تاريخنا وكل ماحصل فيه وجرى بمنظار واحد ودون امتلاك معيار محايد وموضوعي لدراسة التاريخ ، ولكنني استاذنا العزيز اعتقد ان النزعتين هما انعكاس واضح او فلنقل رد فعل واضح لظاهرتين لطالما سادت حياتنا ثقافيا وسياسيا وهما الاحتفاء المبالغ به واحيانا للاسف الكاذب لحوادث تاريخنا وكأن هذا التاريخ عبارة عن سجل الامجاد والانتصارات والمفاخر فقط ولايحتوي حوادث للفشل والاخفاق والعنف والجرائم وهذا بالطبع حديث لايعني قامة اكاديمية مثلكم تعرف معنى واهمية البحث العلمي وحياديته المفترضة لكنها ظاهرة يجب التطرق لها وموجودة بل ومنتشرة للاسف الشديد ، والظاهرة الثانية هي ظاهرة تبني الانظمة الشرق اوسطية التوتالية او الراغبة في التدكتر لهذا التاريخ الموهوم ( تاريخ الامجاد الخالي من المثالب ) كنوع من الدعاية السياسية والدرع الحامي التبريري لجرائم هذه الانظمة ولاتكاد تخلو تجربة شرق اوسطية من هذه الاّفة بالتغني بامجاد البابليين والاشوريين ثم الراشدين والامويين والعباسيين واخيرا العثمانيين وكلها لاغراض سياسية بحتة وغير مشروعة للاسف الشديد …. ان المشكلة الاساسية كما اراها استاذنا الفاضل بين مؤيدي تاريخ الامجاد ومؤيدي تاريخ المثالب تكمن في عملية تسييس التاريخ المؤسفة وتحويل هذا العلم الى مطية جاهزة وحاضرة لمختلف الدعاوى والايديولوجيات من تلك الايديولوجيات التاريخانية الممثلة بالبعث والاسلامويين وغيرهم الى دعاة التغريب وكره الذات والغاء الهوية .. الخ ، لذلك ربما نحن بحاجة فعلا والدعوة الى ازالة كل اّثار التسييس والاغراض الشخصية والايديولوجية من علم التاريخ ، وكما يدعو العلمانيون الى فصل الدين عن السياسة ، ربما حري بالمؤرخين الغيورين على اختصاصهم الدعوة الى فصل التاريخ عن السياسة والادلجة ….. مع جزيل الاحترام والتقدير

    • د. سيار الجميل

      شكرا جزيلا عزيزي الاخ الناصر على تعليقك القيم .. انا معك في تحليل الظاهرتين السقيمتين ومع النتيجة التي خرجت بها مع خالص التقدير .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *