الرئيسية / الرئيسية / لا العقل يقبل ولا التاريخ يستجيب

لا العقل يقبل ولا التاريخ يستجيب

 لماذا وصل حال منظومة دول مجلس التعاون الخليجي اليوم إلى هذا المآل الصعب؟ لماذا تفاقمت الأزمة السياسية إلى هذا الحدّ؟ لا يمكن للعقل أن يقبل سبباً مفتعلاً قد حدث كي تشتعل المشكلة إعلامياً وبطريقة غير مسبوقة. عاشت المنظومة الخليجية متماسكةً منذ أكثر من 35 سنة، على أيدي زعماء خليجيين رحلوا، وكانوا يتمتعون بالحكمة وبُعد النظر والرؤية الثاقبة للمصالح الخليجية المشتركة، وقد تفكّكت هذه المنظومة اليوم.

كان في الوسع معالجة أي خلل داخل المنظومة بالحوار السياسي، وعلى مستوى عال من المسؤولية التاريخية والوعي بالأولويات التي يتوجّب أن يتمتع بها الزعماء أنفسهم، لا إشعال فتيل معركةٍ باردة تُستخدم فيها كلّ الوسائل الإعلامية وبأسوأ الأساليب، من دون معرفة تاريخ المنطقة التي لها مجالها الحيوي وأهميتها في العالم. ومن الغريب أن يتم فرض أجندات صارمة، وكأننا في ميدان حربٍ اندلعت فجأة، بقطع العلاقات الدبلوماسية وغلق الحدود والمنافذ البرية والبحرية، وكأن لا نظام داخليا يحكم هذه “المنظومة” التي كنا نستشهد بنجاحها عربياً في جامعاتنا ومؤسساتنا الفكرية والأكاديمية والإعلامية.

وعليه، لا يمكن المضي في تفاقم حالة العداء على أسس خاطئة، وكأن ليس لكلّ دولة سيادتها ودستورها وكيانها وطبيعة سياساتها ونهجها ومصالحها. ولا يمكن أن تغدو الأزمة مشكلةً أو معضلة تصل إلى حد الفتنة، وبهذه الطريقة التي لم يألفها الخليجيون في بلدانهم المستقرة، إذ كان الزعماء الآباء يحرصون على مبادئهم وقيمهم، والحفاظ على تضامنياتهم التي مكّنتهم من الاستجابة للتحدّيات التي مرّت على بلدانهم. وعليه، لا يمكن للزعماء الخليجيين الجدد أن

يُشعلوا حرباً باردة كهذه، وحملة شرسة كهذه، مهما كانت الأسباب والدواعي، وكأن السياسة القطرية قد اكتُشفت لأول مرة، وكأن دولة قطر كائن غريب نزل من السماء لا يعرفه أحد، ولم يتعاون معه أحد، وكأن بعضا منهم لا يتدخّل في شؤون الآخرين! وكأن قطر لم تتمتع بسياساتها المستقلة منذ أكثر من قرن. إنهم يدركون جيدا أن قطر كانت ولم تزل لها شخصيتها السياسية والتاريخية منذ تأسيسها على يد مؤسسها الزعيم الكبير الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني (توفي 1913). وعليه، لا يمكن أبداً كيل الاتهامات لقطر، وكأن الآخرين من الملائكة، ولا يمكن تبديل المبادئ بأهواء سيكولوجية وشخصية، وبعض الحجج التي لا تستقيم ومنطق الجغرافيا والتاريخ.

هذه “المقالة” مجرّد “رسالة” أوجهها إلى الزعماء الخليجيين الذين عليهم إدراك طبيعة مجتمعاتهم ونسيجها الممتد في شرقي الجزيرة العربية بين البصرة ومسقط. أطرح بعض الأسئلة، كي تتم الإجابة عليها وإيجاد حلّ سريع للأزمة التي تبدو مخجلة بحق الجميع. الأهم وحدة الصف الخليجي العربي، وقوفاً ضدّ التحديات التي تواجهنا جميعاً، والتي تباينت طبيعتها اليوم. الحكمة مطلوبة مع بُعد النظر من أجل احتواء الأزمة، وخشية من تداعيات شقّ الصف ومخاطره، ولا يمكن أن تقبلها الناس أبداً. وأن الحلول تستمد طرقها وأساليبها بالحكمة والعقل والحوار السياسي، لا التشدّق الإعلامي، وحرب الفضائيات والإعلاميات غير الأخلاقية، إذ وصلت درجة الإسفاف إلى إذاعة أغنيات سخيفة في مصر.

أولاً: كلّ من درس التاريخ الحديث للكيانات الخليجية يجد اختلافاتٍ في بنى الأنظمة وطبيعتها، فلكلّ نظام دوره واستقلاليته السياسية. وعُرفت قطر، بالذات، بسياستها المستقلة عن أية سياسات أخرى، وكما يخدم مصالحها، وبما لا يضرّ بمصالح الأشقاء، خصوصاً أنها لم تتبنَ أية أيديولوجيا أو سياسات مغلقة، وأنها لم تكن تبعاً لأحد في الخليج العربي. هذه باختصار فلسفتها السياسية منذ تأسيسها على يد مؤسسها الشيخ قاسم آل ثاني الذي اعتمد عدة مبادئ، كانت ركائز تاريخية حقيقية لها منذ قرابة 150 سنة. فهل كان ذلك مجهولاً لدى الذين يقودون سيناريو الصراع الحالي؟

ثانياً: تميّز تكوين قطر الحديث عن غيره من التواريخ الخليجية الأخرى بعلاقاته بالدولة العثمانية. وبقيت قطر بعيدةً عن هيمنة البريطانيين حتى الحرب العالمية الأولى، وإصرار الشيخ المؤسس على البقاء وحده من دون أن تفرض أية وصاية على قطر، وخاض حروبا ومعارك بطولية إزاء الطامعين الذين تحدّوا قطر وفشلوا. ولعل أهم معركةٍ يعتز بها القطريون بانتصارهم فيها هي معركة الوجبة 1893 التي تأسست على تداعياتها مبادئ قطر الوطنية. فهل يمكن للقطريين مخالفة مبادئهم الأولى التي جعلتهم كيانا له شرعيته أمام العالم؟

ثالثاً: بقدر ما تدخّل الآخرون في شؤون قطر السياسية، فإن قطر لم تتدخّل في شؤونهم سياسياً، بل كانت دولةً منفتحة على العالم، وهي لم تتبنَ أية سياسات مضادة لمصالح الآخرين، ولكنها، وبحكم انفتاحها وليبراليتها، كانت تتقبّل كل الآراء والتيارات والاتجاهات، من دون أن تفرض أية أجندات خاصة بها، أو أي مذهبٍ سياسيّ، تسوّقه هنا أو هناك. وهذا المبدأ عرفه وخبَره شيوخ الخليج العربي وزعماؤه السابقون، فلماذا يتنكّر له بعض زعمائه الجدد؟ وإذا كانت قطر قد تدخلت في شؤونهم، كما يزعمون، فلماذا سكتوا هذا الزمن الطويل، لكي يشعلوا النار ضدّها اليوم؟

رابعاً: لم ترتكب قطر جرماً عندما استقبلت على أراضيها بعض السياسيين واللاجئين والمعارضين من هذا البلد أو ذاك، إنقاذاً لهم، أو حفاظاً عليهم، أو كرماً بهم، وهي لم تُقصِر أمر ضيافتها على جماعةٍ دون أخرى، فقد استقبلت قوميين وبعثيين وإسلاميين وليبراليين وراديكاليين، سوريين كانوا أم فلسطينيين أم عراقيين أم مصريين أم ليبيين أم توانسة ويمنيين وسعوديين.. إلخ. فهل في ذلك أي عيب؟ لست مع “الإخوان المسلمين”، ولا مع فكرهم ولا مع مبادئهم، ولكنني أتساءل: ألم ترحّب السعودية على أراضيها بالمصريين منهم في عهد الملك فيصل إبان الستينيات؟ ألم يرحب الشيخ زايد آل نهيان بالإخوان المسلمين السوريين في الإمارات بعد مجزرة حماة إبان السبعينيات؟ فهل اعترضت قطر على تلك السياسات؟ هل قامت الدنيا ولم تقعد كما يجري اليوم ضدّ قطر؟ وأسأل: هل كانت سياسة قطر إخوانية أم ناصرية أم صدامية أم بعثية؟ ألم تضيّف على أراضيها عائلة الرئيس العراقي السابق؟ ألم تستضف قناة الجزيرة، عدوَ “الإخوان” محمد حسنين هيكل على شاشتها سنوات؟

خامساً: إذا كانت قد وقفت مع الفلسطينيين في محنتهم التاريخية، ورحبت بحركة حماس وغيرها، فهل ارتكبت جرماً في التعامل مع الفلسطينيين الذين كانوا وما زالوا يعانون من بطش الإسرائيليين وهيمنتهم وأذاهم؟ لماذا تنكرون على قطر سياساتها، فهل كانت سياساتها مناوئةً لأماني العرب وقضاياهم المصيرية؟ وإذا كنتم قد عرفتم سياسات قطر منذ زمن بعيد، فلماذا سكتم في الماضي؟ ولماذا اختلقتم خلافاً حاداً، وأثرْتم اليوم فجأة هياجاً لا معنى له؟ هل اعترضت عليكم وأنتم تمنحون المليارات إلى الآخرين، والعرب أولى بالاستثمارات من غيرهم؟

سادساً: إذا كان الخلاف الجديد الذي اختلقتموه ضد قطر سياسياً أساساً، فلماذا حاصرتم قطر اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وأنتم تدركون طبيعة النسيج الاجتماعي في شرقي الجزيرة العربية؟ لماذا كان تصويب الهدف نحو النسيج الاجتماعي، والتسبب في متاعب لآلاف من الناس، فما ذنبهم عندما تغلق الحدود والمطارات والسفارات في وجوههم فجأة؟ لماذا حرصتم على إحداث هذا الشرخ العميق في المجتمعات الخليجية؟ وما علاقة الناس كي تتضرّر بهذه القرارات المجحفة؟ تآلفت تلك المجتمعات على امتداد 300 سنة، ومنحت الشرعية لشيوخها الكبار الذين أسسوا مشيخاتهم، من خلال أسرهم الحاكمة في كيانات سياسية، واعتمدوا مبدأ “التضامنيات”، كما أسماه الصديق الراحل خلدون النقيب، وبقي “المبدأ” ساري المفعول ضد التحدّيات الخارجية البرية والبحرية، فلماذا ضُرب بهذا “المبدأ” عرض الحائط، لتشن هذه الحملة من دون أية فرصة للحوار والتفاوض؟ وأعتقد أن قطر قد تحلّت بالمرونة العليا في مواقف تاريخية عدة، منها قبولها بقرار محكمة العدل الدولية عندما صدر لصالح البحرين في مشكلة جزر حوار التي تثبت الوثائق أحقية قطر التاريخية والجغرافية فيها. أهيب بدول مجلس التعاون أن تجتمع لإيجاد حلول منطقية، وبالسرعة الممكنة، مع الحفاظ على سيادة قطر واستقلالية قرارها السياسي، حتى يقبل العقل ويستجيب التاريخ.

نشرت في العربي الجديد اللندنية ، 7 تموز / يوليو 2017 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

http://sayyaraljamil.com/

 

 

شاهد أيضاً

مرة أخرى .. محاضرة لي تتعرّض للاستلاب !!!

لا يضيرني أبداً ان أخذ أحدهم من كتبي أو مقالاتي شيئاً ، ولكن شريطة ان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *