الرئيسية / الرئيسية / العراق .. المصير المجهول !

العراق .. المصير المجهول !

مقدمة

يمر العراق اليوم في حالة صعبة منتقلا من حالة صعبة الى حالات اصعب مع غيبوبة الدولة وحالة الفوضى السياسية التي تعمّ كل المؤسسات وبعثرة السلطات والركود الاقتصادي الذي سيأخذ سفينة البلاد الى المجهول ، مع تشرذم جغرافية العراق السياسية واستمرار  اليأس الذي يعمّ كل العراقيين جراء السياسات التي اتبعت منذ احتلال العراق عام 2003 وحتى يومنا هذا ، وبدا العراق قارب من المطاط في بحر متلاطم الامواج لا يعرف متى تلتهمه اية عاصفة .. مع وجود طبقة سياسية مسيطرة على دفة الحكم واستحواذها على السلطات وتنفيذ قرارات لا تشترك في صنعها ، بل تأتيها من وراء الحدود  او من كواليس سفارتين متنفذتين في بغداد اولاهما السفارة الامريكية وثانيتهما السفارة الايرانية  .. وعليه ، فان سيادة العراق مثلومة ، ولا يمكن التعويل ابدا على الهيئة العراقية الحاكمة ، كونها لا تستطيع ابدا صنع قراراتها بنفسها !

توصيف نظام الحكم

لقد مر العراق بمراحل زمنية قاسية عبر 13 عاما من حياته المعاصرة وخصوصا بعد مأزق الاحتلال الامريكي ، وقادت نتائج السياسات الغبية التي اتبعت الى العبث بالوحدة الوطنية واستخدام مفاهيم لا تصلح ابدا في العراق الذي كان ولم يزل بحاجة الى ” اعادة بناء لما تم تدميره وسحقه ” – كما اقترحت الولايات المتحدة ذلك –  ، بل ان المجتمع العراقي كان بحاجة ماسة الى مرحلة نقاهة تاريخية يستعيد فيها انسجامه الوطني ويعيد الثقة بنفسه مع تعزيز مبدأ المصالحة بين ابنائه بدل السياسات البلهاء التي قادت بتسرع وغبار الى المزيد من الانقسامات وفتح الحدود امام الغرباء وتنصيب من لم يكن مؤهلا ابدا لقيادة البلاد واجراء انتخابات مزيف ومزورة  اتبعت فيها المحاصصات الدينية والطائفية  والمناطقية كما وفرضت القوى الحزبية الدينية الطائفية نفسها بعد ان اطلق الامريكان يدها في السيطرة على مؤسسات البلاد ، ودخلت ايران ميدان العراق دخول المنتصرين بعد تاريخ طويل من الصراع مع ايران .. وباسم الفيدرالية التي كرسها الدستور الجديد ، انفصل الاكراد في ادارة اقليمهم كردستان العراق ليمارسوا قوتهم الحقيقية عليه من دون اية دور مركزي او لا مركزي ، مع جيشهم  وماليتهم وسياستهم  المستقلة عن بغداد  مع ارتباطهم الرمزي  كحق مكتسب  ، فالحالة استثناء ايضا مقارنة بما نجده في الانظمة الفيدرالية في العالم ..

على امتداد ثمان سنوات عجاف ، حكم نوري المالكي العراق حكما طائفيا بليدا وغبيا ، لم يراع هو او من معه في السلطة المصالح الوطنية العراقية ابدا ، وغرق العراق بالفساد في كل مناحيه السياسية والادارية والاقتصادية والمؤسساتية وبددت اموال العراق الكبرى التي وصلت الى حدود الالف مليار دولار  من تصدير النفط بالسرقات والكومنشات والتبذير المتعمد والرشاوى والاختلاسات في ابشع الجرائم التي مورست من قبل المتنفذين والمسؤولين وعلى رأسهم الشلة الحاكمة من الاحزاب الدينية والطائفية ، بل واسندت مناصب عليا ووزارات وادارات ومؤسسات عسكرية وسفارات الى اناس جهلة لا يفقهون شيئا ولا تجارب لهم  فاساءوا كثيرا للعراق والعراقيين .. ولعل اكبر جريمة اقترفها المالكي ، انه اوعز لقواته باعتباره قائدا عاما للقوات المسلحة بالانسحاب من الموصل ، وجعلها تسقط بايدي منظمة داعش التي اسست ما يسمى بالدولة الاسلامية في العراق والشام  ، ومن ثم تمددها خلال ايام نحو كل من اربيل وبغداد !  وعندما سقط المالكي واتى محله العبادى رئيسا للحكومة ، لم يتغير شيئ يذكر  ، وكان الاخير قد وعد الشعب العراقي بالاصلاح والقضاء على الفساد وتحرير  ما اغتصبته داعش .. ولقد تواصل الفساد في عهد العبادي ايضا ، وكثرت المليشيات الطائفية وتشكلّت مراكز قوى سياسية وطائفية ترتبط بايران ارتباطا جذريا ، ولا مسؤولية حكومية عراقية عليها .. منذ سنوات طوال ، يقدّم كل من المالكي والعبادي وعودهما بتشكيل لجان تحقيقية في كثير من القضايا الحيوية والخطيرة ، ولم تعلن اية نتائج على العالم ..

طبيعة نظام الحكم في العراق

دعوني احدد طبيعة نظام الحكم الحالي في العراق والذي لم يستقم مع الحد الادنى لوجود ” دولة ” ، فما هو معلن انما يندرج في اطار ” دولة مزيفة ” او ” سلطة كاذبة ” يمثلهما نظام حكم مهترئ  :

اولا : تناقضات النظام السياسي

يكاد يكون هذا ” النظام الحاكم ” نظاما سياسيا غريبا ولا مثيل له في اي مكان من العالم ، فهو يجمع تناقضات لا حصر لها ، وهو  نظام سياسي يستند اصوليا الى دستور  ، ولكن ضربت بنود هذا الدستور عرض الحائط لعدة مرات بالرغم من كون الدستور يتضمن جملة من البنود غير الوطنية باعتماد المكونات بديلا عن الوحدة الوطنية .. وهو نظام محاصصي اعتمد على توزيع المسؤوليات على اناس اعتبرهم ارقاما في جداول محاصصية ، او بيادقا ينتمون الى هذا الحزب او هذه الكتلة . وعليه ، فلقد تقلّد المسؤولية اناس لا شخصية لها ولا خبرات عملية ولا  تواريخ سياسية ولا ثقافة عامة . ان النظام السياسي في العراق يزداد اهتراؤه يوما بعد اخر  ، ويبرر بعض المصفقين له بأن لا بديل يمكن ان يكون مكانه من الناحية الواقعية .  وما دام النظام يسيّره تحالف من احزاب طائفية ، فان طبيعة النظام ستكون طائفية بالضرورة ، فما يقرر ويطبخ باطنيا شيئ وما يعلن ويطبق شيئ آخر  .. ولقد اتهم هذا النظام بعد ان حكم اكثر من عشر سنوات بالكذب والمراوغة والرعونة واللا اخلاقية في التعامل مع الناس .. وما دام يقف على رأسه مجموعة من المتخلفين ، فان نظامهم متخلف جدا ولا يمكنه ان يكون على مستوى من اللياقة والاعتبار  .. واذا تولدت قناعة لدى العراقيين بأن نظامهم السياسي الحاكم غير محترم ابدا ، فان العالم كله بدأ يسخر من هؤلاء الحكام وكلهم قد اتهموا باخطر الفضائح  واشنع التهم . ولما كانت حكومة العبادي الحالية وما سبقها من حكومتين وقف على رأسيهما المالكي قد اتهمت بجرائم مالية واخلاقية وامنية .. فاتنها حكومات كانت ولم تزل تغض الطرف عن كل تلك الجرائم والجنايات البشعة .. ان نظام الحكم في العراق فاقد للشرعية قانونيا وسياسيا كونه لم يضبط امن البلاد ابدا ، ولم يراع اموال العباد ، وانه لم يدافع عن مخاطر تعرض لها كل العراقيين ، وهو لم يلتزم بالدستور بل خرق لأكثر من مرة .. كما ان البرلمان قد افتقد الشرعية مرارا  ، وخصوصا بعد ان اقتحم من قبل المتظاهرين وعندما صوّت على تغيير  رئاسته . ولا  يعرف كل العراقيين ما مهمة رئيس الجمهورية وهو يرى جملة خروقات قد حلّت بالسلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ؟؟ ان نظام الحكم الحالي في العراق هو  منجز  بشع من منجزات الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 .

ثانيا : الديمقراطية المزيفة

يدّعي هؤلاء الذين يحكمون العراق بأنهم وصلوا السلطة بواسطة الانتخابات التشريعية ، وقد توضّح على السنة عدد من النواب والمسؤولين العراقيين ان انتخابات قد زوّرت ضمن عدة طرق ، وان اغلب المسؤولين قد نصّبوا في مواقع وهم غير مؤهلين لها !  كما لعبت القوى المسيطرة لعبتها باسم الديمقراطية بوصول هؤلاء نوابا في مجلس النواب الذي فقد شرعيته فضلا عن تقاسم المناصب والمغانم وشراء مناصب كبعض الوزارات بملايين الدولارات ، وهذا ما جرى لتنصيب محافظين وسفراء .. وكل ذلك باسم الديمقراطية التي روجّت لها اميركا ، وكأن هذه الظاهرة تباع وتشرى في سوق النخاسة   .. لقد دخل العراق هذه التجربة بعد زوال حكم المؤسسات المدنية والبرلمان عام 1958 ، وبعد حكم عسكريتاري ودكتاتوري واحادي دام اكثر من خمسين سنة !   واعتقد ان المعممين الذين كان لهم نصيب الاسد في نظام الحكم بعد 2003 لا يؤمنون بالديمقراطية ابدا ، ولكنهم لعبوا على العراقيين وعواطفهم الدينية ليمارسوا لعبة الديمقراطية المزيفة ضمن ما اتاحه لهم هذا الدستور الكسيح الذي بشّر بالانقسام  والطائفية وتمزق المجتمع . ان التجارب الديمقراطية الحقيقية في كل العالم لا تقوم بها احزاب طائفية ، بل تنبثق عن مؤسسات مدنية وضمن قانون للاحزاب السياسية ، وحتى ان كانت تلك الاحزاب ذات مسحة دينية روحية  او  اثنية قومية ، فهي تفتقد بشاعات الطائفية والانقسام ..  ان الديمقراطية المزيفة في العراق قد اتاحت الفرص لطائفة واحدة تحكم مقاليد الامور في البلاد وقبضت على اغلب المناصب ، واتاحت الفرصة لايران ان تتدخل في شؤون العراق تدخلا سافرا وعلنيا  في تنصيب المسؤولين او  العبث بشؤون الامن  او التدخل في شؤون العراق الداخلي ..

ثالثا : فقدان الامن الداخلي

يعيش العراق منذ العام 2003 مأزقا لا يحسد عليه من الناحية الامنية ، اذ كان ولم يزل مخترقا من قبل جماعات ارهابية ومجموعات مسلحة وميليشيات طائفية وقوى منحازة ومرتزقة يعيثون فسادا في كل شبر من العراق بلا اي رادع .. وعليه ، لم تهدأ التفجيرات ولا عمليات خطف الناس ولا القتل ولا زرع العبوات الناسفة ولا استخدام الكواتم من الاسلحة .. وقد ذهب ضحية جملة العمليات الارهابية والمضادة والاجرامية الاف مؤلفة من العراقيين نسوة ورجالا ، اطفالا وشيوخا  !  كما اشتركت  بعض الفرق المسلحة بعمليات اجرامية وهي تعود الى وزارة الداخلية ، وقد اكتظت السجون السرية والعلنية بالمعتقلين والمعتقلات سنوات طوال ومورست ضدهم شتى صنوف التعذيب الجسدي والنفسي .. وقد انتهك الامن الداخلي يوميا في بغداد العاصمة وبعض المدن الاساسية العراقية الاخرى  كالموصل والبصرة وغيرهما .  لقد بدا واضحا لكل المراقبين ان المسؤولين عن الامن والنظام في البلاد غير مؤهلين ابدا لمثل هذه المهمة سواء في وزارة الداخلية ام المؤسسات شبه الرسمية

رابعا : تأجج النزعة الطائفية المتعصبّة :

واضحة هي الانقسامات السياسية التي طالت المجتمع من خلال المحاصصات الطائفية والاثنية والتي اطلق عليها منذ العام 2005 بـ  ” التوافقية ” ، وبدا الصراع على السلطة يأخذ له ابعاد دموية واسعة النطاق من خلال فرض القوة لكل طرف او جهة .. واذا كان الشيعة قد نجحوا في انبثاق تحالفهم الشيعي باسم ” التحالف الوطني ” ، فان السنّة في العراق بقوا متفرقين لا جامع يجمعهم ولا مرجعية تضمهم ، وقد شارك الاسلاميون السنة في العملية السياسية ، وقد تداولوا بعض المناصب والمسؤوليات الثانوية التي لا علاقة لها بصنع القرار  وتسيير شؤون البلاد ! واذا كان هناك ثمة انقسامات في التحالف الشيعي الذي يضم احزابا وكتلا ، فانها انقسامات على المصالح والنفوذ ، وليست انقسامات جوهرية على المبادئ التي آمنوا بها قبل استلامهم السلطة في العراق . وعليه ، فلا يمكننا ان نجد اية ادانات حقيقية من قبل السلطات ضد كل الفاسدين منهم ، ولم نجد اية لجان تحقيقية مع المتهمين منهم بالفساد ! ولم نجد اية محاكمات ولا اية عقوبات صدرت بحق من اخطأ منهم ! ولم نجد اية احكام قاسية صدرت ضد كل المجرمين والقادة العسكريين الهاربين الفارين منهم !  كما ان هناك بعض المسؤولين منهم من ثبتت ضده فضائح دولية لعمليات ضد القانون ، وهذا البعض ما زال في السلطة حتى هذه اللحظة !  ولم ينفع التصعيد الذي مارسه السيد مقتدى الصدر وهو احد كبار  رجال التحالف الشيعي ، كونه يتراجع في اللحظة الحرجة ، بل وبدا لبعض المراقبين انه كان يتواطئ مع بعض حلفائه ، لكي تمر الصفق الخادعة على الناس الذين كانوا ومازالوا متضررين من طبيعة هذا النظام الفاسد.   صحيح ان رجل الدين الشيعي السيد مقتدى الصدر  قاد بنفسه العديد من المحتجين ، وهم من أنصاره  ومضى في قيادته اوسع المظاهرات والاعتصامات ، ولكن دعوته اقتصرت على إجراء مجرد إصلاحات من قبل رئيس الحكومة ، ولم يدع ابدا لتبديل النظام السياسي والغاء هذه العملية السياسية او الغاء هذا الدستور العقيم  . وعليه ، فلا يمكن تسمية ما حدث انها ثورة ، بل مجرد احتجاجات لا نفع فيها .   ان نشوب اية ثورة حقيقية يهدف اساسا الى تغيير نظام الحكم  . وعليه ، فان كل ما سمعه شعب العراق عن التغيير وعن الثورة ، فهو مجرد هراء لا يستقيم ابدا ووجود مثل هذه المنظومة البائسة .

خامسا : داعش السنّية ازاء المليشيات الشيعية  : لعبة القط والفار  بادارة ايرانية

لم تكن داعش غريبة على العراقيين ، فهي نتاج سياسات متوحشة ، وهي واحدة من ثمار  الاحتلال الامريكي ، وهي سليلة منظمات ارهابية سبقتها في الميدان ، واشهرها جماعات الزرقاوي المنبثقة عن منظمة القاعدة .. ناهيكم عن جماعات دينية اخرى متطرفة قامت بتغذيتها عدة دول مجاورة للعراق ، واشهرها تلك التي كانت تنطلق من الاراضي السورية بعلم الحكومة السورية ضد العراق وتفجير العراقيين .. داعش وليدة ذلك المخاض الصعب الذي عاشه العراق بين 2003 – 2005  واحتدام الطائفية في ذروة اعلامياتها بما كان تصرح به الاحزاب الشيعية .. انها حصيلة ردود الفعل التي كانت تبحث لها عن ممولين ومدربين ومسلحين وعتاد وعبوات ناسفة .. لقد بقيت مناطق معينة ومهمة من العراق واقعة بين كفي كماشة ، فمدينة الموصل التي سقطت بيد داعش عام 2014  عاشت اقسى سنوات تاريخها منذ العام 2005  وجراء اجواء الارهاب وتداعياته وهيمنة  القوى الخفية المضادة ، فان الوية عسكرية موالية للنظام السياسي والطائفي كانت لها هيمنتها المعلنة ، فعاش الناس بين نارين اثنين حتى انسحب الجيش فجأة من امام داعش لتسقط الموصل كلها بايدي داعش والتي ستمتد نحو مناطق سنية واسعة وتسيطر عليها من العراق .. لقد كان من ابرز النتائج التي اثمرتها هذه الحركة  ولادة عدد كبير من المليشيات الشيعية تحت مسميات عدة وقد انبثقت لما سمي بـ ” الحشد الشعبي ” وقد وقف على رأسه عدد من القيادات التي تعلن بين حين وآخر ولاءها  لايران .. وقد اثبتت الاحداث على امتداد سنتين 2014 – 2016 ان الالاف من العراقيين الابرياء والمدنيين قد ذهبوا ضحايا الصراع بين الطرفين ، بل وتشرّدت الاف اخرى من الناس مع معاناة الاف المهجرين والنازحين واقسى ما يواجهونه هي الاساليب الطائفية الفجّة ، والخلط بين الابرياء والمتهمين مع سيل اعلامي جارف له مشاركته في الصراع .  ان الصراع على الارض بين داعش وكل من الجيش والمليشيات يتم بمعاونة من قوات الجو الامريكية في ضرب مقرات ومحطات داعش  .. كما تشترك قوات الحرس الثوري الايراني بقيادة قاسم سليماني في عمليات محددة ، وان لقاسم سليماني نفوذ كبير  في العراق حسب الذي يقوله المسؤولون العراقيون .

سادسا : صناعة الفوضى في العراق

نجحت الولايات المتحدة الامريكية في مشروعها الذي اطلقته قبل سنوات بزرع الفوضى الخلاقة في الشرق الاوسط ، ولقد كان العراق مفتتحا لمشروعها مذ قامت باحتلاله عام 2003 بعد احتلالها افغانستان عام 2002 . انه مشروع حمل تدمير العراق سياسيا وحضاريا ، وادخاله في مأزق خطير لم يستطع حتى يومنا هذا الخروج منه بعد ان كان قد عاش حروب الخليج المأساوية سواء في حربه مع ايران لثمان سنوات عجاف 1980 – 1988 ، او في غزوه الكويت عام 1990 وعملية عاصفة الصحراء بسحق بنيته التحتية عام 1991 ، ومن ثم فرض الحصار الاقتصادي عليه قرابة عشر سنوات وضربه عام 1998  ومرورا بالعام 2003 الذي تمّ فيها احتلاله وتدميره وسحق مجتمعه وسرق آثاره وحرق مكتباته وانهاء ذاكرته .. والاخطر  الحرب ضد اي مشروع وطني يحافظ على وحدة البلاد وحدودها ، وقامت بتنصيب طبقة سياسية جاهلة عبثت بمصير العراق وزرعت الانقسامات وشرّعت دستورا ماكرا وخبيثا يقضي بالفدرلة ، وسنت اعرافا لم يعرفها العراق سابقا ممثلة بالمحاصصات وحل الجيش العراقي وكل المؤسسات الامنية فاهتز الامن الداخلي وهبت جماعات ارهابية وعصابات عابثة لتفتك بالناس وامنهم .. وفشلت الاحزاب الحاكمة في حكم البلاد كونها احزاب دينية طائفية فخلقت اعلاناتها وتصريحاتها ردود فعل عاتية تجاهها ، وهي تعلن كاذبة تأييدها للديمقراطية باسم التوافقية .. وزاد استشراء الفساد في كل مرافق الدولة واصناف المجتمع بشكل لا يصدق ، وبددت مليارات الدولارات من خلال السرقات والرشاوى والكومشنات والعقود الوهمية ورواتب تصرف لاسماء وهمية .. لقد استفحل الفساد على عهدي نوري المالكي الذي يطالب اغلب العراقيين بمحاكمته على كل ما اقترفه بحق الشعب .. وجاء من بعده حيدر العبادي الذي لا يختلف عن سابقه شيئا  . لقد عاش العراق حربا اهلية ولم يزل ، بل وان مدنا عراقية كاملة تقع بين مطرقة داعش من طرف وبين سندان مليشيات الحشد الشعبي من طرف آخر  . ان تدمير ذخائر العراق وآثاره التاريخية ورموز حضاراته القديمة وثقافاته العريقة قد بدأت مع ايام الاحتلال البغيض عام 2003  ، ثم جرت محاولات لتحطيم  رموز بغداد ومنحوتاتها في الساحات الرئيسية .. وصولا الى ما تفعله داعش اليوم بآثار الموصل العريقة وسحق الذاكرة الحضارية لها ، والحكومة العراقية لا تعرف حتى التنديد بما يجري في العراق .

سابعا : التظاهرات والاعتصامات

لم تنفع الاحتجاجات والاعتصامات والتظاهرات التي مارسها العراقيون وما زالوا ، فلقد اتهم المتظاهرون في الرمادي والموصل والبصرة قبل سنوات من قبل نوري المالكي ، ولم يكتف بغض النظر  عما يجري بل قام ضمن سياسات غير امينة باطلاق الوعود ومن ثم التراجع عن ذلك .. وتواصلت الظاهرة التي يقرها الدستور كون البلاد تتمتع بالديمقراطية ، ولكنها ديمقراطية مزيفة وكاذبة كما نجد ذلك بشكل واضح في التظاهرات التي تجري في بغداد  منذ تراجع العبادي عن وعوده باجراء الاصلاحات  او التغيير  ..  ان تظاهرات العراقيين بسيطة ، ويمكن تحقيق مطالب الناس ، فهم لم يرفعوا  شعارات اسقاط النظام حتى الان ، بل انهم يطالبون باجراء اصلاحات سياسية والتحقيق في فساد المسؤولين وتوفير الخدمات الاساسية للمواطنين ، فالبلاد تعاني من قلة المدارس والمستشفيات والمساكن والدوائر  ، ومن سوء الاحوال البلدية ومن العطالة والبطالة ومن غلاء الاسعار ومن ندرة الكهرباء ومن سوء المواصلات ومن افتقاد الامن الداخلي ومن سرقة المال العام .. علما بأن العراق حقق قفزة كبرى في تصدير النفط وان ميزانيته كانت كبيرة جدا مقارنة ببلدان اخرى مجاورة له . وبالرغم من كل ما جرى ويجري حتى الان ، فان السياسة الامريكية لم تزل متشبثة بهكذا نظام فاشل للحكم .

وعلى الرغم من سلسلة من الهزائم الإقليمية ، فان داعش  بدأت تفقد مناطق كبيرة من الأراضي العراقية في شمال البلاد وغربها بما في ذلك ثاني أكبر مدينة في البلاد هي الموصل. وبالرغم من كل ما يعلن عن تحسن الاوضاع ، فان هناك جملة من التفجيرات واعمال العنف تجري في قلب العاصمة من قبل جماعات في بغداد وحولها اذ شهدت عمليات دموية في الآونة الأخيرة أودت بحياة مئات العراقيين . وكلنا يتذكر  ان العراقيين كانوا يتساءلون مع الأشهر الأولى لدخول القوات الأميركية بغداد وبروز أحزاب دينية ومجموعات طائفية وقومية “هل نحن مختلفون فعلا إلى هذا الحد؟”، في إشارة إلى أن غزو 2003 أخرج إلى العلن تناقضات وخلافات كثيرة لا حدود لها .  ومع أن مثل هذا السؤال لم يحظ بإجابة يتفق عليها في حينها، إلا أن السنوات التالية من القتل والتهجير والفساد السياسي، كانت كفيلة بتقديم إجابة واضحة.  ويقدم الساسة الطائفيون أنفسهم اليوم بوصفهم حماة الملة والطائفة وليس العراق. ومنذ صعود الميليشيات الطائفية والأحزاب الشيعية إلى سلم السلطة كان من الضروري أن تجد لها معادلا طائفيا سنيا. وهو ما يعتبره المحللون نجاحا لهذه الأحزاب وليس معارضة سياسية، لأن الحديث صار باسم الطائفة وليس باسم الوطن.  ونشطت النزعة الانفصالية لدى السنة بسبب انحياز واشنطن للأحزاب الشيعية الحاكمة وفرض سيطرتها على الحكومة بالتزامن مع التقارب الأميركي الإيراني. ناهيكم عن مشروع الكرد الانفصالي عن العراق الذي يرغب به ويعمل من اجله الاكراد العراقيون ، ولكنه ” مشروع ” يواجه عقبات وتحديات كبرى من قبل قوتين كبيرتين في الشرق الاوسط ممثلة بكل من تركيا وايران .

 استنتاجات

1/ لقد فشل نظام الحكم الحالي في حكم العراق فشلا ذريعا ، وعلى كل العراقيين ان يتحدّوا من اجل تغييره كما يطالب بذلك بعض المراقبين والراصدين لاوضاعه المزرية .

2/ لقد ثبت للمؤرخين وللناس الذين يفكرون بشؤون العراق ان العراق لا يمكن ان تحكمه طائفة واحدة او  تحالفات بين احزاب طائفية توظف الاخرين رمزيا في المسؤولية من دون مشاركتهم في صنع القرار .

3/ ان المسؤولين العراقيين الذين يؤلفون طبقة سياسية حاكمة مدانة باجراء عمليات فساد افتضح امرها دوليا ، وينبغي ان يحاكموا دوليا وتطبق بحقهم  كل العقوبات التي يستحقونها لما اقترفوه من فضائح وجرائم ..

4/ في ظل التمزق السياسي والاداري الحالي سيتدهور وضع البلد وينتقل من سيئ الى اسوأ  ، ويخشى اغلب ابناء الشعب العراقي من انقسام العراق بعد ان افتقد الوحدة الوطنية بفعل السياسات الخاطئة .

5/ سيبقى العراق يعاني طويلا من اهتراءاته التي صنعتها سياسات هذه الطبقة السياسية الحاكمة ، واعتقد بأن العراق سيبقى بعيدا عن الانقسام والتفكك ما دام لا يتعرّض لذلك من خلال ارادة دولية .

6 / الاسئلة الاخيرة : هل يستعيد العراق انفاسه ان تحرّر من بطش داعش ؟  هل سيفتح له بابا جديدا في الزمن الجديد ؟ هل يستعيد انفاسه الحقيقية بمعزل عن هيمنة ايران ؟  هل ستبدأ مرحلة جديدة يستعيد العراقيون خلالها نزعتهم الوطنية باختفاء الطائفية ؟  هذا كله مرتهن بنظام الحكم السائد  وطبيعة علاقته بكل من شعبه اولا وايران ثانيا .. وما الذي تريده اميركا ثالثا بعد هذه المرحلة الطويلة من صنع الفوضى ؟

نشرت في مجلة  الديمقراطية  ، مؤسسة الاهرام  ،  القاهرة / جمهورية مصر العربية ، العدد 63 ، يوليو –  2016  .  ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

Hppt:// Sayyaraljamil.com

 

 

شاهد أيضاً

رسالة عاجلة الى السيد رئيس وزراء العراق المحترم

رسالة عاجلة الى السيد رئيس وزراء العراق المحترم تحية طيبة وبعد كنا وسنبقى نبارك خطوات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *